بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ظلَّ الجامع الصحيح للبخاري موضع اعتناء واهتمام كبيرين منذ القرن الثالث الهجري من خلال البحث والتحقيق في مجال السُّنَّة ومكانتها، فقد توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي في عام ٢٥٦ هـ، وكان قد وفِّق من الله تعالى إلى جمع الأحاديث الصحيحة في كتاب واحد، سمَّاه: "الجامع الصحيح" للبخاري ولا يخفى على علماء الحديث ومؤرِّخيه مكانة الإمام البخاري في تنقية الأسانيد والتحديث بما كان يتصل إلى النبي - ﷺ -، وتحقيق ما صدر من الرواة الأمناء والرجال الموفقين من الله تعالى لهذا العمل العظيم.
كان الإمام البخاري مُلْهَمًا من الله تعالى لإنجاز هذا المشروع الحديثي الجليل، وذلك هو السبب فيما وضعه الله تعالى له من القبول العام، وأحلَّه مكان الصدارة بين دواوين الأحاديث الصحيحة، والجوامع والسنن والمسانيد، قد اجتمع حوله جماعة كبيرة من التلاميذ الذين قرأوا عليه هذا الجامع الصحيح، وروَوه إلى الآخرين.
وكان من بين من قرأ عليه: المحدِّث الثقة أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِرَبري (ت ٣٢٠ هـ)، وقد سمع منه بطريق مباشر مرتين، مرة في مدينة فربر سنة ٢٤٨ هـ، ومرة ببخارى سنة ٢٥٢ هـ، وهو من أشهر رواة الجامع الصحيح، ومنه استفاد عدد كثير من المحدثين.
ونحن الآن في بيان "الأبواب والتراجم" التي وضعها الإمام البخاري لاستنباط المسائل والأفكار الحديثية، التي توجد عليها دلالة من أي جهة
[ ١ / ١٣ ]
وطريق، ولذلك نرى أنه يعقد الأبواب والتراجم بحسب ما يظهر له في الحديث من النواحي الفكرية والقضايا العلمية، ويذكر حديثًا واحدًا تحت تراجم وأبواب عديدة، وفق ما بدا له في حديث واحد من الدلالات المنوّعة والمعاني اللطيفة، لذلك نراه أنه يذكر حديثًا واحدًا في مواضع متعددة من الجامع الصحيح، وتحت أبواب وتراجم مختلفة.
وما هذا إلا على سبيل الذكر فحسب، فإن علماء الهند وغيرهم ممن كان لهم شغف كبير بدراسة وتدريس الجامع الصحيح للبخاري ألَّفوا شروحًا للجامع الصحيح مع الإشارة إلى أسرار الأبواب والتراجم للبخاري، ضمن الأبواب والتراجم.
هذا، والموضوع يتطلب التعمق في معاني الحديث ومفاهيم السُّنَّة النبوية، ويفرض على كل شخص يريد أن يبدي آراءه حول الأبواب والتراجم للبخاري، أن يكون على جانب كبير من التذوق والمناسبة الكاملة لدراسة وتدريس علوم النبوة وشرح مفاهيم السُّنَّة السَّنِيَّة.
وقد كان شيخنا الجليل علَّامة الهند المحدث الشهير، حضرة شيخنا محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي - صاحب "أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك"، ومؤلفات كثيرة أخرى، مما يتصل بموضوع الحديث، والتحقيق والتعليق لكتب الحديث ودواوينه - أكرمه الله تعالى بالتوفيق الكامل لدراسة وتدريس "الجامع الصحيح" للبخاري إلى حد أنه تفانى في خدمة أحاديث النبي - ﷺ - دراسة وتدريسًا وتعليقًا وشرحًا، وبيانًا، فكان ممن يُشد إليه الرحال لقراءة الحديث الشريف عليه، والحصول على الإجازة منه في رواية الحديث.
ثم لما سافر إلى المدينة المنوَّرة للاستنشاق من رياحها وعطرها الذي يملؤ الأجواء؛ جاء إليه العلماء وتلاميذ الأحاديث النبوية الشريفة لكي يتمتعوا برؤية محيَّاه والاستغراف من بحر العلم الذي يموج في جوانبه، ومن حبِّ النبي - ﷺ - الذي يشغل قلبه، ومن المعرفة والإحسان - «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» - الذي يمثله بظاهره
[ ١ / ١٤ ]
وباطنه، وكلما رأيته أنا شخصيًّا ذكرت ما جاء في صفة النبي - ﷺ -: "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبَّه"، ولقد ألهم الله في قلبه أثناء إقامته في مدينة الرسول - ﷺ - تكميل "كتاب حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ -"، كما خطر بباله أن يعيد النظر على ما كان ألقاه على تلاميذه أيام تدريس الجامع الصحيح للبخاري حول تراجمه، فأتمَّ الله - ﷾ - بمجرد فضله ونعمته هذين الكتابين، وطُبعا في تلكم الأيام، وقد كان من حسن حظي أن الله ﷾ أسعدني وشرفني بطبع هذين الكتابين في مطابع ندوة العلماء بحروف حديدية واضحة جميلة.
إن كتاب "الأبواب والتراجم للبخاري" تم طبعه في عام ١٣٩١ هـ، الموافق ١٩٧١ م، ونال إعجاب العلماء والمحدثين في الهند وخارجها، ذاك أنه يحتوي على الأبواب والتراجم التي عقدها الإمام البخاري في الجامع الصحيح لغايات مهمة قد لا يتفطن إليها القارئ ما لم يتعمق في دراستها، وفي الإتيان بحديث واحد تحت أبواب وتراجم متعددة.
ولبيان أهمية الموضوع يسعدني أن أقتطف عبارة لشيخنا العلامة المحدث الكبير، والمربِّي الجليل، الإمام محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي من خلال ما كتب في هذا الكتاب في بيان التراجم فقال:
"إن موضوع التراجم من أهم مقاصد الإمام البخاري في صحيحه، حتى أجمع العلماء كلهم سلفًا وخلفًا أن معظم مقصود البخاري في صحيحه مع الاهتمام بصحة الأحاديث: استخراج المعاني الكثيرة من المتون؛ ولذا كرر الأحاديث في كتابه في الأبواب المختلفة، وذكر بعضًا من الأحاديث أكثر من عشرين مرة؛ كحديث عائشة في قصة بريرة وغير ذلك، وفي الكثرة على العشرة كثيرة، ولذا اشتهر قول جمع من العلماء: فقه البخاري في تراجمه.
وسيأتي في الفائدة الثانية عن الكرماني أن هذا قسم عجز عنه الفحول البوازل من الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار، فتركوها بأعذار، ولذلك اهتم جمع من السلف والخلف ببيان تراجمه وأفردوا لها التصانيف واجتهدوا في بيان المناسبات وإبداء الاحتمالات الكثيرة في التراجم.
[ ١ / ١٥ ]
وأخيرًا بدا لصديقنا الكريم العلَّامة المحدث، التلميذ المحبب للمحدِّث الإمام الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي - ﵀ - الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي، أن يجدد طبع هذا الكتاب تحقيقًا وتخريجًا وتعليقًا، فأسند هذا العمل المهم إلى نجله العزيز فضيلة الأستاذ الدكتور ولي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه المشارك بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، فقام بذلك خير قيام، وتحدث في مقدمة الكتاب عن المؤلفات التي أفردت بتراجم وأبواب صحيح البخاري وهي تتجاوز ثلاثة عشر مؤلفًا، ومن أهمها كتاب شيخ المشايخ العلامة المحدث محمد زكريا الكاندهلوي المهاجر المدني، وذكر التميزات التي يتميز بها هذا المؤلَّف الجليل، وسيقرؤها القارئ الكريم في مقدمة المحقق.
والكتاب يتحلى بمقدمة ضافية لسماحة أستاذنا وشيخنا العلَّامة الإمام السيد الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي يرحمه الله (رئيس ندوة العلماء سابقًا)، كتبها للطبعة الثانية لهذا الكتاب الجليل، كما قد وفق صديقنا الجليل العلامة المحدث تقي الدين الندوي لتقديم هذا الكتاب، وكتابة مقدمة نافعة، تكون نبراسًا للمشتغلين بالحديث، أساتذة وطلابًا.
وإنني إذ أهنئه ونجله الكريم على هذه المنزلة العالية الموهوبة من الله تعالى في مجال السُّنَّة الشريفة وعلوم الحديث، أتمنى على الله تعالى أن يوسع نطاق الإفادة والاستفادة والتعليم والدراسة عن طريق هذه المجهودات العلمية الحديثية التي أكرمهما الله تعالى بمجرد فضله وأتم عليهما نعمته، فقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
كتبه العبد العاجز الضعيف
المفتقر إلى فضل الله تعالى
سعيد الأعظمي الندوي
مدير دار العلوم ندوة العلماء لكهنؤ
رئيس تحرير مجلة "البعث الإسلامي"
١٥/ ٤/ ١٤٣٢ هـ - ٢٠/ ٣/ ٢٠١١ م
[ ١ / ١٦ ]