بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد، وآله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين، وبعد:
فإن كتاب "الأبواب والتراجم للجامع الصحيح للبخاري"، تأليف شيخنا الإمام الحافظ شيخ الحديث والمحدثين، العلامة محمد زكريا الكاندهلوي المدني (المتوفى سنة ١٤٠٢ هـ بالمدينة المنورة - على صاحبها ألف ألف صلاة وسلام -) هو كتاب جامع للنفائس العلمية، والمباحث اللطيفة، والتحقيقات العجيبة، لبيان أسرار الأبواب والتراجم للجامع الصحيح للإمام البخاري، بيَّن فيه الربط بين الحديث الوارد في الباب والآثار الواردة في الأبواب وبين الترجمة.
ولا شك أن "الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله - ﷺ -"، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز، وقام أعيان العلماء والمحدِّثون في كل عصر إلى اليوم بشرحه والتعليق عليه، وشرح تراجمه، وبيان أسراره وفوائده، ولطائفه، حديثًا وفقهًا وعربيةً وبلاغة وما إلى ذلك، ولم تعتن الأمة الإسلامية بعد الاعتناء بكتاب الله العزيز الحكيم مثل الاعتناء بـ "صحيح البخاري"، فبلغوا غاية الجهد في إبراز علومه ومعانيه من خزائنه.
[ ١ / ٥ ]
قال سماحة الشيخ العلامة أبي الحسن الندوي في "مقدمة لامع الدراري": "لا نعلم كتابًا من كتاب البشر في المكتبة الإسلامية العالمية، تناوله العلماء والمؤلفون بالشرح والتحشية والتعليق مثل ما تناولوا هذا الكتاب".
وقد ذكر الشيخ عصام الحسيني ما تيسَّر به من الشروح والتعليقات على "صحيح البخاري"، فعدد ما بلغ (٣٧٥) مؤلَّفًا في كتاب له بعنوان "إتحاف القاري بمعرفة جهود العلماء على صحيح البخاري" (^١)، ربما يكون عددها أكثر من هذا، وفي الزوايا خفايا لم تقع عليها عين ولم تطلع عليها شمس.
ولا شك أنَّ لكل تأليف في الصِّحاح الستّة من المزايا والخصائص، ولكن كتاب الإمام البخاري "الجامع الصحيح" لا يلحقه غيره كائنًا من كان من أصحاب الأمهات.
قال العلَّامة ابن خلدون (المتوفى سنة ٨٠٨ هـ) في "مقدمة تاريخه"، (ص ٢٥٤): "قد سمعت كثيرًا من شيوخنا يقولون: (شرح كتاب البخاري دَين على علماء الأمة)، يعنون أن أحدًا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له بهذا الاعتبار".
وادَّعى الإمام السخاوي في "الضوء اللامع" أنَّ شيخَنا شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة ٨٥٢ هـ) قد قضى هذا الدَّين بتأليف كتاب "فتح الباري".
وأما تراجم "صحيح البخاري" فأودع فيها الإمام البخاري من الأسرار والمعاني ما حُيِّرت به الأفكار وأدهشت العقول والأبصار، وإنما بلغت هذه المرتبة وفازت بهذه الحظوة لسبب عظيم أوجب عظمها أن الإمام البخاري حوَّل تراجم جامعه يعني بيَّضها بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين (^٢).
_________________
(١) طبع الكتاب في سنة ١٤٠٧ هـ في بيروت.
(٢) انظر: مقدمة "فتح الباري" (ص ١٣).
[ ١ / ٦ ]
ولأهمية هذه التراجم في "صحيح البخاري" وصعوبة فهمها، اعتنى شرَّاح البخاري بشرحها في مؤلفاتهم قديمًا وحديثًا، وقام بعض أجلَّة المحدِّثين وفحول العلماء بتأليف مؤلَّفات لبيان مقاصد التراجم (^١)، ولكن لم يكن منها كتاب شامل لجميع الأبواب والتراجم.
وذكر العلَّامة محمد يوسف البنوري في تقديم "لامع الدراري": كان شيخنا - هو العلامة المحدِّث محمد أنور الكشميري - يقول: إن دَيْن التراجم لا يزال باقيًا على رقاب الأمة لم يقضه أحد إلى اليوم، وكنت قديمًا أقول: إن كتاب "شرح الأبواب والتراجم" لشيخ الهند لو تم لقضي هذا الدَّين، ولكنه للأسف لم يتم.
وكانت الحاجة ماسَّة إلى تأليفٍ أكملَ وأشملَ وأجمع، يفي بالهدف المطلوب لأداء دَيْن شرح التراجم الباقي على علماء هذه الأمة.
فالله - ﷾ - وفَّق شيخنا الإمام المحدِّث محمد زكريا الكاندهلوي لهذا العمل الجليل، فألَّف كتابًا لبيان هذه التراجم وتحقيق مزاياها، وبيان ما وهبه سبحانه من العلوم والأسرار في هذا الصدد.
فقد فصل أصول التراجم في بداية الكتاب، واستفاد ما تبيَّن من كلام الشارحين المبعثر في الكتب من غير مظانِّها، وما وقف عليه من كلام مشايخه أو مشايخ مشايخه في الدروس، أو منَّ الله سبحانه على المؤلف، فشرح صدره لإبداعها، فبلغت أصول هذه التراجم إلى سبعين أصلًا، وقد استقصى هذه الأصول من الكتب المؤلفة في هذا الموضوع قديمًا وحديثًا، ومن شروح البخاري، وضمَّ إليها أصولًا جديدةً ألهمه الله إياها بطول ممارسته لهذا الفن الشريف، ومباشرته لتدريس هذا الكتاب الجليل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
_________________
(١) وقد ذكر شيخنا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي أسماء هذه المؤلَّفات في مقدمة هذا الكتاب.
[ ١ / ٧ ]
ثم تصدَّى لشرح أبواب الكتاب وتراجمه بابًا بابًا، وترجمةً ترجمةً، ما ترك بابًا ولا أثرًا إلا تكلَّم عليه، وذكر غرض الباب ومناسبة الأثر بالترجمة، فأصبح هذا الكتاب موسوعة في ما يتصل بالأبواب والتراجم في "الجامع الصحيح".
لذا قال العلامة محمد يوسف البنوري في تقديم "لامع الدراري": إن هذه السعادة الأزلية كانت مقضية بأن يقوم الشيخ محمد زكريا، ويقضي هذا الدَّين، فأرجو أن يكون هذا الدَّيْن قد قُضي بخدمته لشرح "الأبواب والتراجم" إن شاء الله تعالى.
ولما اشتغلت بخدمة حاشية الإمام المحدِّث أحمد علي السهارنفوري مع المقارنة بعشر نسخ خطية، منها نسخة الصَّغاني (المتوفى ٦٥٠ هـ)، أردت أن أُدخل هذه الدُّرر والغُرر من "الأبواب والتراجم" لشيخنا في ثنايا شرح الأبواب، ولكني كنت خائفًا أن يثقل هذا الكتاب، وربما يقع الخلل في حاشية الكتاب، فلهذا قررت أن يُنشر هذا الكتاب مستقلَّا بحاله، وكلَّفت لهذا العمل ولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي أستاذ الحديث وعلومه المشارك بكلية الدراسات الإسلامية بدبي، فبذل جهدًا كبيرًا في تحقيق وإخراج هذه الموسوعة العلمية الشاملة لشرح أبواب صحيح البخاري وتراجمه، وقام بهذا العمل الجليل تحت إشرافنا بالتعاون مع مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية.
وفي الختام، نسأل الله أن يتقبل منه ومن جميع من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأن يجعل هذا الكتاب نبراسًا للباحثين والدارسين.
والله ولي التوفيق
الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
مدينة العين
٢٥/ ٢/ ١٤٣٢ هـ - ٣٠/ ١/ ٢٠١١ م
[ ١ / ٨ ]