بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن كلام الرسول - ﷺ - وعمله وتقريره مصدر ثان للشريعة الإسلامية بعد مصدرها الأول وهو كتاب الله العزيز والفرقان الحميد الذي هو وحي من الله متلو، وجاء على أثره الوحي غير المتلو الذي هو حديثُ آخِر رسل الله تعالى وأنبيائه محمد بن عبد الله الأمين، الذي أكمل الله عليه الدين، وأتم عليه نعمته التي ينال بها الإنسان خيري الدنيا والآخرة بالأخذ مما اشتمل عليه هذان المصدران للشريعة الإسلامية - كتاب الله تعالى، وحديث رسوله الكريم - ﷺ -، ويؤدي بذلك المسؤولية العظمى التي كلف الله تعالى بها الإنسان، وجعل فوزه وفلاحه تابعًا لأدائه الأمانة التي وضعها رب العالمين عِليه بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وقد وعد الله تعالى بحفظ وحيه المتلو - القرآن المجيد - ليعرف الإنسان من كلامه الصراط المستقيم لحياته، وجعل المصدر الثاني - حديث الرسول الكريم - ﷺ - معاونًا له، وأمر اللهُ تعالى العمل به أيضًا مثل عمله بكتابه العزيز.
[ ١ / ٩ ]
ولأهمية هذا المصدر الثاني أيضًا جعل الله تعالى حفظه تابعًا لحفظ المصدر الأول، وهيأ لحفظه أيضًا أسبابًا قوية مع تهيئته أسباب الحفظ للمصدر الأول القرآن الكريم، فقد سخَّر الله تعالى لحفظ هذا المصدر الثاني - الحديث النبوي الشريف - رجالًا من الأمة الإسلامية كرَّسوا حياتهم لخدمة روايات الحديث الشريف تحقيقًا وتنقيحًا ليكون موثوقًا كاملًا، ومصدرًا واسعًا جامعًا لهذا الدين؛ فاهتم العلماء بخدمة حديث الرسول - ﷺ - منذ وصوله إليهم، فجمعه الرواة الثقات في كتب من الصحاح عديدة، وكذلك قاموا بتنقيح رواياته وتحقيق متونه مهتمين بذلك اهتمامًا لا يوجد له نظير في أي دين أو أمة في التاريخ الإنساني.
وقد بلغ عمل تنقيح الروايات وتحقيق صحتها إلى أعلى مكانة الثقة والكمال في كتاب إمام المحدثين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي (١٩٤ هـ - ٢٥٦ هـ) من بين كتب الحديث الصحاح الموثوق بها الأخرى.
ولا شك أن لكل تأليف في الصحاح الست من المزايا والخصائص ما تستحق كل تقدير، ولكن كتاب الإمام البخاري الجامع الصحيح لا يلحقه في الصحة غيره من أمهات الكتب، فقد حل بذلك هذا الكتاب درجة أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.
والمنهج الذي اختاره الإمام البخاري في كتابه الصحيح امتاز بخصائص تمتاز على ما في كتب الأحاديث الأخرى، ومنها ذكر تراجم الأبواب لما رواه من أحاديث الرسول - ﷺ -، يشير بها إلى معان مفيدة، ويشرح مفهوم الحديث الشريف مدعمًا بآيات من كتاب الله العزيز، وقد أودع فيها الإمام البخاري من الأسرار والمعاني ما يحير العقول والأفكار، فالدارس لكتابه الصحيح يستفيد من تراجم أبوابه أيضًا كما يستفيد من متون الحديث الشريف وروايته.
[ ١ / ١٠ ]
وقد اعتنى العلماء بهذه التراجم لقيمتها العلمية، وألفوا كتبًا في شرحها وإيضاحها، فمنها كتاب العلامة الكبير المحدث الجليل سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ﵀ رحمة واسعة، الرئيس السابق لقسم علوم الحديث الشريف في جامعة مظاهر العلوم بسهارنفور، فإنه ألف كتابًا قيمًا في تراجم الأبواب لصحيح الإمام البخاري، ذكر فيه ما تبين له من خصائصها وفوائدها خلال تدريسه لصحيح الإمام البخاري مدة طويلة، وما اطلع عليه في كتب شروح الحديث ومؤلفات أخرى، فإنه ذكر أصول التراجم هذه في بداية الكتاب، ثم ذكرها بتفصيل، وجمع فيه كلام الشارحين لكتب الحديث المختلفة، وكذلك مما سمعه من مشايخه في الدرس، وما منّ الله به عليه وشرح صدره لفهمها، فشرح فيه أبواب الكتاب وتراجمه بابًا بابًا وترجمة ترجمة، وذكر فيه غرض الباب ومناسبة الأثر بالترجمة، وذكر أصول التراجم، وبَلغ عددها نحو سبعين أصلًا، فجاء كتابه كموسوعة في هذا الصدد.
واقتفى أثر سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في تحقيق الحديث تلميذه البار الباحث لعلم الحديث الدكتور تقي الدين الندوي، فصدرت بتحقيقه كتب عديدة في الحديث الشريف، وأراد إصدار أفضل نسخة لكتاب الإمام البخاري، فاعتنى بحاشية العلامة المحدث أحمد علي السهارنفوري، ولا يزال الدكتور الشيخ مشتغلًا في عمله على هذه النسخة الجليلة (^١)، وكان يريد أن يقوم أيضًا بعمل التحقيق والتعليق على كتاب العلامة المحدث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في بحث الأبواب والتراجم لصحيح البخاري، فلم يجد في وقته فسحة لهذا العمل، فأسند العمل إلى نجله الدكتور ولي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية بدبي، وهو باحث محقق أيضًا، أدى أعمالًا علمية مختلفة،
_________________
(١) بحمد الله قد طبع الكتاب في خمسة عشر مجلدًا من دار البشائر الإسلامية - بيروت.
[ ١ / ١١ ]
وصدرت كتب عديدة بتحقيقه، فقد تربى على والده المحدث الجليل فضيلة الدكتور الشيخ تقي الدين الندوي، فقام الدكتور ولي الدين بالتعليقات والتحقيقات المفيدة على هذا الكتاب تحت إشرافه، فجاء هذا الكتاب بتحقيق وتعليق مفيدين، فسيكون الانتفاع به انتفاعًا واسعًا.
أرجو أن يكون عمله هذا مساعدًا كبيرًا للاستفادة من كتاب سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في تراجم أبواب الصحيح للإمام البخاري، تقبل الله تعالى عمله هذا وجزاه خير الجزاء.
٢٠/ ٨/ ١٤٣٢ هـ - ٢٣/ ٧/ ٢٠١١ م
محمد الرابع الحسني الندوي
رئيس جامعة ندوة العلماء، لكهنؤ الهند
[ ١ / ١٢ ]