بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نحمده ونصلي على رسوله الكريم
الحمدُ لله الذي قال وما أصدق قوله الكريم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على من قال الله عزَّ اسمُه في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال عزَّ اسمُه تبجيلًا له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة الهداة للدين المتين.
وبعد:
فيقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه الجليل، عبدهُ زكريا بن يحيى بن إسماعيل: إن هذا العاجزَ مكث بفضل الله وكرمه من آخر سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة وألف، إلى سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة وألف من الهجرة مشغولًا بالحديث الشريف درسًا وتدريسًا، وتصنيفًا وتأليفًا، ومن فضل الله تعالى وكرمه وإحسانه أنه جعلني مع أدناسي وأنجاسي الظاهرة والباطنة مشتغلًا بكلام رسوله المطهَّر المبارك.
ولكنه لكثرة الأمراض الروحانية والبدنية في سنة ثمان وثمانين في العاشر من ربيع الأول عند الفراغ من تأليف "لامع الدراري" حرمت
[ ١ / ٩٧ ]
من التصنيف والتأليف، وفي شوال من السنة المذكورة لشدة نزول الماء بالعين الذي كان بدؤه منذ عشر سنين حُرمت من تدريس "صحيح البخاري" كذلك، فقدمت متأسفًا على حرماني من الاشتغال بالحديث النبوي إلى المدينة المنورة رجاء التمتع ببركاتها.
وفي أثناء إقامتي ها هنا جاشَ خاطري لطبع تأليفي القديم "جزء حجة الوداع" الذي كتبته سنة اثنتين وأربعين كما ذكرت ذلك مفصَّلًا في اختتام التأليف المذكور، وعند رجوعي إلى الهند سمعته من بعض أعزّائي، كما ذكر في اختتامه أيضًا، فبعد توضيح مجملاته وتفصيل إشاراته طبع مرتين في سنة تسعين بمجرد لطف الله وكرمه مع إلحاق جزء العمرات إليه (^١).
ثم في أواخر سنة تسعين قُدِّر لي الحضور عند الأقدام العالية، فجال بخاطري مستبركًا بهذه البقعة المباركة أن أستمع الملاحظات التي جمعتها عند تدريسي لـ "صحيح البخاري" مما يتعلق بتراجمه من عزيزي الحاج المولوي عبد الحفيظ المكي سلَّمه الله تعالى، والرجاء من الباري الكريم أن يقدر لطباعته سبيلًا، فيكون هذا أيضًا نافعًا إن شاء الله تعالى، فإن "جزء حجة الوداع" أيضًا هكذا أسمعنيه بعض أصدقائي فقد طبع، وبهذا الرجاء شرعت في استماعه اليوم الساعة الرابعة ضحى الأربعاء في الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة تسعين وثلاث مائة وألف عند أقدامه العالية المباركة الشريفة في المسجد النبوي على صاحبه ألف ألف صلاة وتحية، ولو كمل هذا السعي الجميل فلا يستبعد أن يكون تأويل رؤياي التي رأيتها بالمدينة المنورة في أوائل سنة أربع وثمانين وثلاث مائة وألف من الهجرة، وسيأتي تفصيلها حيث نذكر الكلام على عدم ذكر الإمام البخاري الحمد والصلاة في بداية كتاب "الجامع الصحيح" إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) وقد طبع هذا الكتاب بتحقيقنا على نفقة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الإمارات العربية المتحدة.
[ ١ / ٩٨ ]
ورأيت المناسب ها هنا أن أدرج أولًا الأصول السبعين المتعلقة بتراجم البخاري المستنبطة من كلام المشايخ التي ذكرتها في "مقدمة لامع الدراري" حتى تجتمع مواد التراجم كلها في موضع واحد، وقد ذكرت في بدايتها أن المشايخ قد ألَّفوا في تراجم البخاري تأليفات كثيرة، ولكن في يومنا هذا ليست لدينا إلا رسالتين فقط، إحداهما تأليف أستاذ الأساتذة مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، رسالة وجيزة مسماة "بشرح تراجم البخاري"، وستأتي جملة ما بها من المعاني في مواضعها من هذا التأليف إن شاء الله تعالى، والرسالة الثانية من تأليف أستاذ الهند شيخ المشايخ مولانا الحاج محمود حسن المعروف بشيخ الهند، رئيس المدرسين بالجامعة القاسمية المعروفة بدار العلوم بديوبند، المسمَّاة بـ "الأبواب والتراجم"، وقد شرح التراجم إلى آخر كتاب العلم إلا الترجمة الأخيرة منها باللغة الأردية، وقد أدرجتها بأسرها في هذه الرسالة، وأيضًا قد ذكر حضرة شيخ الهند في رسالته بتحقيقه وتنقيحه وتفحُّصه فهرسًا لبعض أبواب البخاري، وليس فيها شيء من كلامه، إنما هي إشارات فقط، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله تعالى.
وقد استوعبت بتوضيح تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه لرؤيا رأيتها في بداية دراسة البخاري، فإني قد قرأت "صحيح البخاري" وأكثر كتب الحديث مرتين، كما ذكرت ذلك في بداية مقدمة "لامع الدراري" في ذيل أسانيد هذا الفقير، أولًا: في سنة أربع وثلاثين من الهجرة على والدي المرحوم قدّس الله سرّه العزيز، وثانيًا: من سنة خمس وثلاثين في سنين متفرقة على شيخي ومرشدي حضرة مولانا الحاج خليل أحمد المحدث السهارنفوري المهاجر المدني شارح أبي داود قدّس الله سرّه العزيز، وقد ذكرت تفصيل ذلك في رسالتي المسمَّاة بآب بيتي (يعني: قصة حياتي) باللغة الأردية، وهذا تعريبه مختصرًا:
إني كنت قد عزمت أولًا أن أقرأ جامعَي البخاري والترمذي على شيخي المكرم حضرة المحدث السهارنفوري؛ إذ كان - ﵀ - مختصًا
[ ١ / ٩٩ ]
بتدريسهما بالجامعة الشهيرة بمظاهر العلوم بسهارنفور، والكتب الباقية كان يدرِّسها والدي المرحوم، فلما شرعت في القراءة على والدي كتب الحديث سوى البخاري والترمذي فتركتهما للشيخ - ﵀ -؛ لأنه كان أولًا في سفره للحجاز المقدس، ثم أسرته الحكومة الإنجليزية وحبسته في سجن "نَيْني تال" (^١) مدة لقيامه بحركة تحرير بلاده ضد الاستعمار الغاشم، ولكن بعدئذ نبَّهني بعض أقربائي على أن والدي متألم لعدم قراءتي عليه الجامعَيْن، فحرَّضني ذلك على قراءتهما عليه أيضًا.
وقد اهتم والدي نوَّر الله مرقده بتدريس البخاري اهتمامًا بليغًا حتى إنه وسع في وقت تدريس البخاري بضم ساعة [سنن] النسائي إليه، وجعل يدرِّس النسائي يوم الجمعة، وأنا أيضًا بالغت في الاهتمام به حتى إنه لم يفتني أي حديث، ولم أقرأ حديثًا إلا على وضوء، وقد التزمت في ذلك الزمان أن أصلي العشاء بوضوء الظهر.
ثم إن والدي - ﵀ - رحمة واسعة لبَّى داعي ربه في ذي القعدة من تلك السنة فازداد قلبي حبًا وشغفًا به، وقد جرت العادة بأن المرء يعرف قدر النعمة بعد زوالها كما قيل:
فَقَدْتُ زَمَانَ الْوَصْلِ وَالْمَرْءُ جَاهِلٌ … بِقَدْرِ لَذِيذِ الْعَيْشِ قَبْلَ المْصَائِبِ
وكنت عازمًا في حياة والدي أن لا أقرأ جامعَي البخاري والترمذي إلا على شيخي حضرة المحدث السهارنفوري، ولذا لم أشرع فيهما عند والدي رحمه الله تعالى في أول الأمر كما تقدم، ثم كما ذكرت آنفًا أني اضطررت في القراءة عليه، ولكنه درَّسنيهما بصورة استأصلَتْ كل فكرة عن دراستهما مرة أخرى عند غيره رحمه الله تعالى، وبعد وفاته زاد هذا الأثر، حتى ثبت عكس ما قال في البداية.
_________________
(١) بفتح نون وسكون مثناة تحتية ونون مكسورة بعدها مثناة تحتية وتاء مثناة فوقية ثم ألف ثم لام: مصيف معروف في الهند.
[ ١ / ١٠٠ ]
ثم إنه لما قدم حضرة المحدث السهارنفوري من سجن "نيني تال" بعد وفاة والدي بشهر، أمرني أن أقرأ عليه جامعَي البخاري والترمذي مرة أخرى، فشرعت فيهما ممتثلًا لأمره الكريم، وأثناء هذه الدراسة رأيت في المنام أن حضرة شيخ الهند مولانا محمود حسن الديوبندي قدّس الله سرّه العزيز يقول لي: "اقرأ عليَّ البخاري" فتحيرت من هذه الرؤيا العجيبة جدًّا؛ لأن حضرة شيخ الهند - ﵀ - كان حينئذ أسيرًا في مالطه (مالتا) حيث سجنه الاستعمار البريطاني لقيادة حركة التحرير ضده، فذكرتها لسيدي حضرة الشيخ خليل أحمد المحدث السهارنفوري، فقال: تأويلها أن تقرأ عليَّ البخاري، وكان هذا التأويل في محله ولا شك فيه؛ إذ لا يكون مصداق شيخ الهند في الحديث إلا سيدي حضرة المحدث السهارنفوري في ذاك الزمان بالهند.
ولكن الآن عند استماعي لهذه التراجم، خطر ببالي أن الأخد بتراجم حضرة شيخ الهند - ﵀ - ونشرها، إنما هو في حكم القراءة عليه - ﵀ -، فيمكن أن يكون هذا أيضًا من جملة تعبير تلك الرؤيا، ويناسب هذا على قول أحد أعزائي المخلصين عزيزي المولوي محمد يوسف متالا: إن الزمان الذي رأيت فيه هذه الرؤيا كان حضرة شيخ الهند - ﵀ - حينئذ يصنِّف فيه هذه التراجم في سجن مالطة.
ولا يذهب عليك أنه قد ذكر في مقدمة "لامع الدراري" بحث طويل عن التراجم، لا بد من نقله ها هنا تكميلًا للفائدة، ومما يجب التنبيه عليه ما قال النووي (^١): معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة، قال الشيخ ابن الصلاح: ليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبّر عما يذكر بعده، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (^٢): إن التراجم بكسر الجيم، أي: ما ترجم به
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" للنووي (١/ ٢٢١).
(٢) (١/ ٤٨٩).
[ ١ / ١٠١ ]
من الكتب والأبواب، جمع ترجمة، وسُمِّي ما ذكر تراجم؛ لأنه مترجِم عما بعده؛ لأن ما يذكر في الباب مثلًا تنبئ عنه الترجمة وتُبَيِّنُهُ [كذا في "نيل الأماني شرح مقدمة القسطلاني"]، وفي "شرح الإقناع": التراجم إن كان في تراجم المصنفين فتكسر فيه الجيم، وإن كان في الرمي بالحجارة مثلًا فتضم الجيم، انتهى.
قلت: لأن الآخر تفاعل من الرجم الثلاثي، والأول رباعي كما أشار إليه المجد (^١)، إذ قال في باب الميم وفصل التاء: التُّرْجُمانُ، كزَعْفَرَانٍ وعُنْفُوَانٍ وَرَيْهُقَانٍ: المُفَسِّر للسان، وقد ترجمه، وعنه، والفعل يدلُّ على أَصَالةِ التاء"، انتهى.
* * *
_________________
(١) "القاموس" (ص ٩٧٦).
[ ١ / ١٠٢ ]