هو مجموعة من الإفادات الثمينة، والتحقيقات النادرة، للإمام الربَّاني، شيخ الفقهاء والمحدثين في عصره، رشيد أحمد الكنكوهي،
[ ١ / ٥٩ ]
المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ، في أثناء تدريس "الجامع الصحيح" للإمام البخاري، قيَّدها تلميذه النجيب الوفي الشيخ محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوي المتوفى سنة ١٣٣٤ هـ، وهو عُصارة دراسات الشيخ ولباب تأملاته، وعكوفه الطويل على علم الحديث دراسة وتدريسًا.
وقد جاء دور الشيخ محمد زكريا فنقَّحها وهذَّبها، وتناولها بالشرح والإيضاح، والكشف والإبانة، وضمَّ إليها ما فتح الله به عليه من نكت بديعة، وإشارات لطيفة، وتحقيقات نادرة، وتطبيقات فائقة، وسمَّاه: "لامع الدراري على جامع البخاري"، وألَّف على الكتاب مقدمة ضافية، ذكر فيها أولًا لتعريف بالشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، وطريقة تدريسه للكتب الستة، وإجازاته لطلبة الحديث، ثم بيَّن سبب تأليف هذا الكتاب.
ثم قسَّم المقدمة إلى أربعة فصول:
أما الفصل الأول: فخصَّصه لدراسة حياة الإمام البخاري من نواح شتى بكل إتقان وإنصاف، وأبرز الجوانب المهمة من حياته، ومن ذلك قوله في بيان مذهبه الفقهي بعد ذكر آراء العلماء فيه: كذلك الإمام البخاري المعروف أنه شافعي، ولذا عدّوه في الشافعية، والأوجه عندي أنه مجتهد مستقل كما يظهر من إمعان النظر في "الصحيح"، فإن إيراداته على الشافعية ليست بأقل من إيراداته على فروع الحنفية، إلا أنه إذا أورد على الحنفية يشدد الكلام لعوارض معلوماته (^١).
وعندما تعرَّض الإمام لذكر شيوخ البخاري، قال بعد ذكر شيوخه من الحنفية: أكثر ثلاثيات البخاري من شيوخه الحنفية (^٢).
وأما في الفصل الثاني: فتناول فيه التعريف بكتابه "الصحيح"، فذكر
_________________
(١) مقدمة "لامع الدراري" (ص ٥٩)، وهنا ذكر الإمام بحثًا لطيفًا في "مذاهب أئمة الحديث الفقهية".
(٢) مقدمة "لامع الدراري" (ص ٦٢).
[ ١ / ٦٠ ]
اسمه والباعث على تأليفه وثناء العلماء عليه، وشروطه وخصائصه، ومنهجه في الأبواب والكتب والأحاديث المكررة، ومكانة الصحيح بين كتب الحديث، وكتب الحديث التي أُلِّفت قبل البخاري، وغيرها من الأمور المهمة.
ثم تحدث عن أنواع كتب الحديث والتعريف بكل نوع منها، وعن رواة البخاري والأحاديث المنتقدة في البخاري والجواب عنها.
وأما الفصل الثالث: فجعله دراسة عن تراجم صحيح البخاري، فذكر خصائصها والكتب المؤلفة فيها، وغيرها من الأمور التي تتعلق بهذه التراجم.
وفي الفصل الرابع: تحدث عن الكتب والشروح التي ألفت حول صحيح البخاري والتي بلغت مائة وواحدًا وثلاثين كتابًا حسب إحصائية الإمام (^١).
من أجل هذا كله أصبحت هذه المقدمة موسوعة عن الإمام البخاري وكتابه "الصحيح"، وتستحق أن تكون كتابًا مستقلًا كما قال العلامة أبو الحسن الندوي: لقد أصبحت هذه المقدمة كتابًا مستقلًا مفيدًا يستحق أن ينشر بمفرده، فقد أصبحت مقدمة ضافية في علوم الحديث، ودائرة معارف فيما يتصل بالإمام البخاري وسيرته وأخباره، ودقائق حياته وجلائلها، ومنهجه في التأليف، وما التزمه من التزامات وشروط في وضع الكتاب، وبما تلقمه هذه الأمة من اعتناء به وقَبول (^٢).
وعندما توجَّه الإمام إلى شرح صحيح البخاري، جعل إفادات الإمام الكنكوهي أصلًا ومتنًا، ثم علَّق واستدرك عليها، ولم يتطرق الكنكوهي في إفاداته إلى الخلافات المذهبية، والتعريف بالرواة، وبيان غريب الحديث وغيرها، إنما تطرق إلى شرح الأبواب والأحاديث من حيث المراد
_________________
(١) مقدمة "لامع الدراري" (ص ٥ و٤٧٠).
(٢) مقدمة "لامع الدراري" (ص ٢).
[ ١ / ٦١ ]
والمفهوم، من ذلك قول البخاري: باب إدخال البعير في المسجد لعلة (^١)، قال الكنكوهي: يعني ذلك أنهم ينهون عنه لما فيه من احتمال تلويث المسجد، فإذا احتيج إلى إدخال شيء من الدواب فيه أو حصل الأمن من بوله وروثه لكونه مدرَّبًا فلا بأس (^٢).
وعلَّق عليه الإمام الكاندهلوي بقوله: أشار الشيخ بذلك إلى أن لفظ العلة في الترجمة معناه الحاجة، قال الحافظ (^٣): قوله: للعلة، أي: الحاجة، وفهم بعضهم أن المراد بالعلة الضعف، وقال العيني (^٤): قوله: للعلة، أي: للحاجة، وهي أعم من أن تكون للضعف وغيره.
ومن ذلك قوله في شرح ألفاظ الحديث: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، قال الكنكوهي: والصيغة لما فيها من المبالغة لا تَصْدُق إلا على الغُسل (^٥).
وعلَّق عليه الإمام الكاندهلوي بقوله: قال العيني (^٦): ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، أي: اغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة.
وقال الحافظ: قدَّم الآية التي في سورة المائدة على الآية التي في سورة النساء لدقيقة وهي أن لفظ الآية التي في المائدة ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ في إجمال، ولفظ التي في النساء فيه تصريح بالاغتسال وبيان للتطهير المذكور، فدلَّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، هو: فاغتسلوا.
أكثر ما اعتنى به الشيخ الكنكوهي في إفادته هو شرح تراجم البخاري وبيان المقصود منها، من ذلك قوله في "باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء": "لا يُقدم الرفع على التكبير ولا يؤخره عنه، ودلالة الرواية عليه لكون الرفع في الرواية قد وقع طرفًا للافتتاح أو جزءًا له، وأيًّا ما كان فالاتصال ثابت".
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ١١٦).
(٢) "لامع الدراري" (١/ ٤٩).
(٣) "فتح الباري" (١/ ٥٥٨).
(٤) "عمدة القاري" (٢/ ٥١٩).
(٥) "لامع الدراري" (٢/ ٢٠٧).
(٦) "عمدة القاري" (٣/ ٣).
[ ١ / ٦٢ ]
وأما الإمام الكاندهلوي (^١) فشرح هذه الترجمة بقوله: الأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألتين خلافيتين شهيرتين، الأولى: رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، أشار إليها بالجزء الأول، هذا الرفع فيه اختلاف معروف وإن كان مجمعًا عليه عند الجمهور حتى حُكي عليه الإجماع.
ثم شرح الكاندهلوي الجزء الثاني من الترجمة وهو "الافتتاح سواء" بقوله: قال الحافظ (^٢): يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وفي رواية شعيب الآتية بعد باب "يرفع يديه حين يكبّر": فهذا دليل المقارنة. . إلخ.
نستنتج من هذا كله أن الإمام الكاندهلوي أكمل علوم العلَّامة الكنكوهي وفسَّرها واستدرك عليها، ولذلك أصبحت تعليقات الإمام الكاندهلوي خمسة أضعاف إفادات الكنكوهي، أودع فيها الفوائد الحديثية والفقهية والنكت اللطيفة.
قال العلَّامة محمد يوسف البنوري في تقديم "لامع الدراري": "اللامع" مختص بحل مشكلات البخاري، وما يتعلق بأحاديثه في غير الخلافيات الفقهية، وجاء البحث عنها نادرًا، نعم استدرك هذا صاحب التعليقات إكمالًا لفوائدها، وشفاء لغليل الرواد الذين اقتصرت أنظارهم على اللامع، فإذن "اللامع" بتعليقاته اللامعة، وأبحاثه الساطعة أصبح شرحًا وافيًا بالمقصود من كل جهة في الباب (^٣).
_________________
(١) "لامع الدراري" (٢/ ٢٥٤).
(٢) "فتح الباري" (٢/ ٢١٨).
(٣) مقدمة "لامع الدراري" (ص ط)، أقول: وقد طبع الكتاب في ثلاثة مجلدات كبار من القطع الكبير طباعة حجرية بالهند، ثم أعيدت طباعته في باكستان في عشرة مجلدات من القطع المتوسط. وقد قرر صاحب المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة طبع هذا الكتاب مع متن "صحيح البخاري"، وصدر بإذن الله في أربعة وعشرين مجلدًا باسم "الكنز المتواري".
[ ١ / ٦٣ ]