حديث ابن عُلَية عن خالد الحَذّاء عن أبي قلابة عن أنس قال: "أُمِرَ بلاَلُ أَنْ يَشْفَعَ اْلأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ"، قال إسماعيل: فذكرتُه لأيّوب فقال له: إلاّ [الإقامة] (١).
وقلتَ: ما معنى استثناء هذه اللفظة؟ وإن كانت من الحديث أم لا؟ وما معنى ترك مالكـ - ﵀ - تكرار قوله: "قد قامت الصلاة"؟
_________________
(١) أخرجه هكذا البخاري في [الأذان (٦٠٧) باب الإقامة واحدة إلاّ قوله "قد قامت الصلاة"]، ومسلم في [الصلاة (٣٧٨) باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة]، وروي من غير طريق عن أبي قلابة عن أنس. وقوله: "أمر بلال" أي: أمره رسول الله - ﷺ -، وقد جاء مصرّحًا به كذلك في "سنن النسائي" (٢/ ٣)، و"صحيح أبي عوانة" (١/ ٣٢٦)، وابن حبّان (٣/ ٩٢)، والحاكم (١/ ١٩٨)، وقال: "إنّه على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، ومثل هذا اللفظ يقتضى الرفع على الصحيح عند المحدّثين والأصوليّين. قال الخطّابي في "معالم السنن" (١/ ٢٧٩): "زعم بعض أهل العلم أنّ الآمر له بذلك أبو بكر أو عمر - ﵄ -، وهذا تأويل فاسد؛ لأنّ بلالًا لحق بالشام بعد موت رسول الله - ﷺ -، واستخلف سعدًا القرظ على الأذان في مسجد رسول الله - ﷺ - ".
[ ١٦٣ ]
فالجواب:
إنّ هذه اللفظة صحيحة رواها حمّاد بن زيد (١) وإسماعيل، وهما أثبت أصحاب أيّوب (٢)، رويا عنه عن أبي قلابة عن أنس قال: "أُمِرَ بِلاَل أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ ويُوتِرَ الإِقَامَةَ [إلاّ الإقامة] (٣) "، هكذا رواية أيّوب لهذا الحديث، وهو أثبت مِن كلّ [مَن] (٤) روى هذا الحديث لا يقاس به خالد ولا غيره (٥)، وزيادة مثله مقبولة عند الجميع.
وأمّا قوله: "إلاّ الإقامة" (فلا) (٦) يختلف العلماء من أهل الفقه والأثر مِمّن يقول بهذا الحديث وبما في معناه من الأحاديث أنّ معنى قوله: "قد قامت الصلاة" تثنّى مرّتين.
والناس في هذا على وجهين؛ طائفة تقول بإفراد الإقامة إلاّ قوله: "قد قامت الصلاة" فإنّهم يثبتونها مرّتين [لـ]ـهذا (٧) الحديث وغيره (٨)، منهم الشافعي والأوزاعي
_________________
(١) حديثه رواه البخاري في "الصحيح" في [الأذان (٦٠٥) باب الأذان مثنى مثنى]، ومسلم في [الصلاة (٣٧٨) باب الأمر بشفع الأذان، وإيتار الإقامة].
(٢) لا يختلف أئمّة الحديث في أنّ حمّادًا وابن عليّة هما أثبت أصحاب أيّوب، لكن قال النسائي: "أثبت أصحاب أيّوب حمّاد بن زيد، وبعده عبد الوارث وابن عليّة". وقدّم بعضهم حمّادًا وبعضهم ابن عليّة، انظر: "شرح علل الترمذي" (٢/ ٦٩٩ - ٧٠٠).
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها لأنّها محلّ البحث.
(٤) ليست بالأصل، والسياق يقتضيها.
(٥) ينظر المصدر نفسه (٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩).
(٦) في الأصل: "ولا"، وهو خطأ.
(٧) زيادة متعيّنة.
(٨) يقصد حديث عبد الله بن عمر قال: "إنّما كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مرّتين مرّتين، والإقامة مرّة مرّة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا الإقامة توضّأنا وخرجنا إلى الصلاة".=
[ ١٦٤ ]
وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى النيسابوري صاحب مالك وأبو ثور، وهو مذهب الحسن البصري ومكحول والزهري، وعلى هذا وَلَدُ أبي مَحْذورة ومؤذّنوا مكّة إلى اليوم كما ذكروا كلّهم؛ يقول: قد قامت الصلاة مرّتين وتفرد دون سائر الإقامة (١)، واختلف في تربيعه في الأذان، وأمّا التهليل المختوم به في الأذان والإقامة فلا خلاف أنّه لا يثنّى في أذان ولا إقامة.
وطائفة أخرى تقول: "قد قامت الصلاة" مرّتين؛ لأنّها (تُثنِّي) (٢) الأذان كلّه إلاّ
التكبير، فإنّها تربّعه والإقامة تثنّيها كلّها من أوّلها إلى آخرها حاشى التهليل؛ وهذا قول الكوفيين (٣).
_________________
(١) = أخرجه أبو داود [كتاب الصلاة (٥١٠) باب في الإقامة]، والنسائي (٢/ ٢١) [كتاب الأذان، باب كيف الإقامة؟]، وابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٩٣)، والدارمي (١٢٢٩)، وابن حبّان (١٦٧٢، ١٦٧٧)، والدارقطني (١/ ٢٣٩)، قال الشيخ الألباني في "صحيح سنن أبي داود": "إسناده حسن".
(٢) انظر: "المغني" لابن قدامة (٢/ ٥٨ - ٦٠)، و"المحلّى" لابن حزم (٢/ ١٨٥ - ١٩٤)، و"المجموع شرح المهذّب" (٣/ ٩٤ - ٩٧)، و"شرح السنة" للبغوي (٢/ ٥٥ - ٥٧)، و"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (١/ ٤٣٨ - ٤٤٤)، و"نيل الأوطار" (٢/ ٤٥ - ٤٧). قال الخطّابي في "معالم السنن" (١/ ٢٧٩): "وعلى هذا عامّة الناس في عامّة البلدان". وقال ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (١/ ٣٦٩): "ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلاّ في قوله: "قد قامت الصلاة"، فإنّ مالكًا يقولها مرّة، والشافعي يقولها مرّتين، وأكثر العلماء على ما قال الشافعي.
(٣) في الأصل: "بين"، وهو تصحيف.
(٤) يقصد أبا حنيفة وأصحابه والثوري وابن المبارك والحسن بن حىّ وعبد الله بن الحسن. انظر المصادر السابقة و"الاستذكار" (١/ ٣٦٩).
[ ١٦٥ ]
وقال مالك: لا يقول المؤذّنون "قد قامت الصلاة" إلاّ مرّة واحدة، وذكروا أنّ وَلَد سَعْد القرظ مؤذِّن رسولِ الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر يؤذّنون بالمدينة حتّى الآن، يقولون: "قد قامت الصلاة" مرّة واحدة، وأهل الحجاز والشام على تثنية الأذان ووتر الإقامة إلاّ مالكًا، فإنّه يقول "قد قامت الصلاة" مرّة واحدة (١)، وغيره يقولها مرّتين.
وقد كان الشافعي يقول ببغداد "قد قامت الصلاة" في الإقامة مرّة واحدة؛ ذكره الزعفراني عنه، وقال: إنّ بني محذورة يقولونها مرّتين؛ ثمّ رجع بمصر إلى قولها مرّتين (٢).
ومن حجّة من قال "قد قامت الصلاة" مرّتين - أيضًا - ما رواه شعبة عن أبي جعفر مؤذّن مسجد العريان قال: سمعت أبا المثنّى مسلم بن المثنّى (٣) يقول: سمعت ابن عمر يقول: "إِنَّما كَانَ اْلأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَهُ يَقُولُ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ "مَرَّتَيْنِ" (٤).
هذا قاطع في موضع الخلاف، فأمّا ترك مالك - ﵁ - لتكرير "قد قامت الصلاة" مرّتين لأنّ الأذان والإقامة عنده مِمّا لا يحتاج فيه إلى أخبار الخاصّة العدول، لأنّه مِمّا يقع
_________________
(١) انظر: "المنتقى" للباجي (١/ ١٣٥)، و"الإشراف" (١/ ٢١٧ - ٢١٨)، و"الذخيرة" (١/ ٤٥٤).
(٢) انظر: "المجموع" للنووي (٣/ ٩٧)، و"معرفة السنن والآثار" (١/ ٤٣٩).
(٣) هنا علامة لحق في المخطوط، ولا معنى لها، والله أعلم.
(٤) سبق تخريجه قريبًا (ص ١٦٤).
[ ١٦٦ ]
في اليوم والليلة خمس مرّات، وليست من الأشياء التي تقع نوادر يحتاج فيها إلى نقل الخاصّة الآحاد العدول.
والأذان والإقامة عنده مأخوذان عن العمل المتواتر بدار الهجرة والسنّة (١)، وأصل مالك في الأخبار ألاّ يَقْبَل ما عارضه مثل هذا وشبهه (٢).
ولَعَمْرِي؛ لقد تُدفَع (كثير) (٣) من أخبار الخاصّة بأضعف من هذا العمل، على
_________________
(١) انظر: "المنتقى" و"الذخيرة" و"الإشراف" المصادر السابقة، وقال المازري في "المعلم" (١/ ٣٨٩): "المشهور عن مالك إفراد الإقامة لأنَّه المعمول به في المدينة"، انظر: "الاستذكار" (١/ ٣٩٠).
(٢) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵁ - كلامًا نفيسًا في عمل أهل المدينة وحجّيته، وقسّمه إلى مراتب: المرتبة الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبيّ - ﷺ -، كنقلهم لمقدار الصاع والمدّ، وكترك صدقة الخضروات والأحباس، وهذا حجّة باتّفاق العلماء. المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان، وهذا حجّة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن أبي حنيفة، وهو ظاهر مذهب أحمد، والمحكي عن أبي حنيفة يقتضي أنّ قول الخلفاء الراشدين حجّة، إذ لا يعلم عمل في هذه الفترة مخالف للسنّة. المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان، كحديثين وقياسين، وجهل أيّهما أرجح وأحدهما يعمل به أهل المدينة، ففيه نزاع، فرجّح به مالك والشافعي، ولم يرجّح به في مذهب أبي حنيفة، ووجه لأصحاب أحمد أنّه يرجّح به، وقيل: هو المنصوص عن أحمد. المرتبة الرابعة: العمل المتأخِّر بالمدينة، والذي عليه أئمّة الناس أنّه ليس بحجّة شرعية، قال: هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وهو قول المحقّقين من أصحاب مالك كالقاضي عبد الوهّاب. انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٣٠٣ - ٣١٠).
(٣) في الأصل: "كثيرًا" بالنصب، وهو خطأ.
[ ١٦٧ ]
أنّ خبر أبي قلابة عن أنس انفرد به - أيضًا - أهل البصرة، وقد يجوز أن لا يسمع مالك به، ولا يسمع برواية أيّوب وزيادته (١)، وإن قال: كان سمعه وعلّه.
فالجواب عندي على أصله ما ذكرت لك، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) بل صرّح به مالك - كما في "الموطأ" ليحيى (١/ ٧١) - حيث قال: " لم يبلغني في النداء والإقامة إلّا ما أدركت الناس عليه، فأمّا الإقامة فإنّها لا تثنّى، ذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا".
[ ١٦٨ ]