حديث ابن عمر: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِك، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثَمً لِيُمْسِكْهَا بَعْدُ حَتَّى تَطْهُرَ، ثَمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الْتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (١).
قلتَ: وروى يونس بن جبير (٢) عن ابن عمر أنّه قال: "مُرْهُ: فَلْيُرَاجِعْهَا، قلتُ: أَتُحْتَسَب بها؟ قال: أرأيت إن عجز واسْتَحْمَقَ؟ " (٣) قلتَ: فهذا مشكل جدًّا.
هذا لفظ كتابك.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في "الصحيح" [(٥٢٥١) باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾]، وأخرجه مسلم في [الطلاق (١٤٧١) (١) باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها] من طرق عن نافع عن ابن عمر - ﵄ -.
(٢) يونس بن جبير الباهلي، أبو غلّاب البصري، ثقة من الثالثة، مات بعد التسعين، وأوصى أن يُصلِّيَ عليه أنس بن مالك، روى له الجماعة.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في "الصحيح" في [الطلاق منه (٥٢٥٢) مختصرًا، باب إذا طلّقت الحائض تعتدّ بذلك الطلاق، وفيه [(٥٢٥٨) باب من طلّق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟، وفيه (٥٣٣٣) باب مراجعة الحائض]، وأخرجه مسلم في [الطلاق (١٤٧١) (١٠) و(١٤٧١) (٧) و(١٤٧١) (٨) باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنّه لو خالف وقع الطلاق، ويؤمر برجعتها].
[ ٢٤٩ ]
فالجواب:
إنّي لا أدري ما أشكل عليك من ذلك، وليس فيه سؤال عن معنى، والمعاني فيه كثيرة، وقد ذكرتها في كتاب "التمهيد" مُستوعَبة (١) فتأمّلها يغنيك ذلك إن شاء الله تعالى.
وأمّا قول ابن عمر لأبي غلاّب يونس بن جبير: "أرأيت إن عجز واستحمق؟ " فمعناه عند أهل العلم: الإنكار عليه في قوله: "أتحتسب؟ "، فكأنّه قال: وهل في (٢)
_________________
(١) انظر: "التمهيد" (١٥/ ٥١ - ٨٠).
(٢) في هذا الموضع وقع سقط أظنّه كبيرًا؛ لأنّ من عادة ابن عبد البرّ - ﵁ - الاستطراد في مثل هذه المسائل التي الخلاف فيها كبير، وأَستَدرِكُ هنا في هذا الموضع ما يجوز أن يكون ابن عبد البرّ أراد ذكره في توجيه قول ابن عمر لأبي غلّاب يونس بن جبير: "أرأيت إن عجز واستحمق؟ " من كتاب "التمهيد" (١٥/ ٦٢): "ومعنى قوله: "فَمَهْ، أرأيت إن عجز واستحمق؟ " أي: فأيّ شيء يكون إذا لم يعتدَّ بها؟ ! إنكارًا منه لقول يونس: "أفتعتدّ بها؟ " فكأنّه - والله أعلم - قال: وهل من ذلك بدّ أن تعتدّ بها؟ ! أرأيت لو عجز؟ بمعنى تعاجز عن فرض آخر من فرائض الله لم يقمه، أو استحمق فلم يأت به، أكان يعذر فيه؟ ونحو هذا من القول والمعنى"، وقال في "الاستذكار" (٦/ ١٤٣): "ومعنى قول ابن عمر فيه: "أرأيت إن عجز واستحمق؟ " أي: وهل من ذلك بدٌّ؟ أرأيت لو تعاجز عن فرض آخر من فرائض الله تعالى، فلم يقمه، أو استحمق، فلم يأت به، أكان يعذر فيه؟ ونحو هذا من الإنكار على من شذّ أنّه لا يعتدّ بها". اهـ وقال في "التمهيد" (١٥/ ٦٢، ٦٣): "والدليل على أنّه قد اعتدّ بها، ورآها لازمة له: أنّه كان يفتي أنّ من طلّق امرأته ثلاثًا في الحيض لم تجز له، ولو جاز أن تكون الطلقة الواحدة في الحيض لا يعتدّ بها، لكانت الثلاث - أيضًا - لا يعتدّ بها، وهذا ما لا إشكال فيه عند كلّ ذي فهم". اهـ. أقول: قد أسهب الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في بيان معاني هذا الحديث في "التمهيد" كما سبق، وانتصر انتصارًا كبيرًا لوقوع طلاق الحائض، وكذا الطلاق الذي لا يكون على الستّة، كطلاق المجامع في الطهر، وادّعى الإجماع فيه، وقال بأنّه لم يخالف في هذه المسألة إلّا طوائف من أهل البدع والضلال، ومقصوده من =
[ ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذه الطوائف الخوارج والروافض، كما حكاه الشوكاني عن الخطّابي في "نيل الأوطار" (٦/ ٢٥٢). وقد انتصر للقول الثاني - أنّ الطلاق البدعي لا يقع - ابن حزم في "المحلّى"، وخطّأ من ادّعى الإجماع بمخالفة ابن عبّاس وابن عمر في الثابت عنهما، وقال ابن القيّم في "الزاد": "إنّ الخلاف في وقوع الطلاق المحرّم لم يزل ثابتًا بين السلف والخلف، وقد وَهِم من ادّعى الإجماع على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه من الخلاف ما اطّلع عليه غيره"، وساق بعض الآثار بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين. انظر لهذه المسألة: "المحلّى" (٦/ ٣٧٤ وما بعدها)، و"مجموع فتاوي ابن تيمية" (٣٣/ ٢٠ وما بعدها)، و"زاد المعاد" (٥/ ١٩٨ - ٢٢٠) وهو من أحسن المباحث في هذا الباب فيما أعتقد، وانظر أيضًا: "نيل الأوطار" (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٥).
[ ٢٥١ ]