حديث الفأرة تقع في السمن، ذَكرَه في باب: النجاسات (تقع) (١) في الماء والسمن (٢).
وقولك: عرِّفني عن هذا الباب وغيره؛ كيف أَصلُ أهلِ المدينة في الماء؟ ولخِّص لي فيه وجه الصواب، فقد أَشكَل هذا الأصل.
فالجواب:
إنّ حديثَ الفأرةِ التي وَقعَت في السمن الجامد، فقال رسول الله: "خُذُوهَا وَمَا حَوْلهَا فَأَلْقُوهُ"، إلى ها هنا انتهى حديثُ أكثرِ أصحاب ابن شهاب الذي رَوَوْهُ عنه عن (عُبَيد الله) (٣) عن ابن عبّاس عن ميمونة، وقد رواه مَعمَر بهذا الإسناد، ورواه - أيضًا - بإسناد آخر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة (٤)، فعند معمر فيه عن
_________________
(١) في الأصل: "يقع"، وهو خطأ.
(٢) أخرجه البخاري في الوضوء من الطهارة (٢٣٥ و٢٣٦) باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، وأخرجه في الذبائح والصيد (٥٥٣٨ - ٥٥٤٠) باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد والمذاب من طرق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عبّاس عن ميمونة.
(٣) في الأصل: "عبد الله"، وهو خطأ؛ لأن الحديث من رواية: "عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود".
(٤) أخرجه عبد الرزّاق في "المصنف" (٢٧٩) عن معمر به، ومن طريق عبد الرزّاق أخرجه أبو داود في "السنن" كتاب الأطعمة (٣٨٤٢) باب في الفأرة تقع في السمن، وأحمد (٢/ ٢٦٥)، وابن حبّان =
[ ١١٧ ]
الزهري حديثان، أحدهما حديث (عبيد) الله (١) عن ابن عبّاس، والآخر حديث سعيد عن أبي هريرة، وفي حديث أبي هريرة: "إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَأَلْقُوهُ؛
_________________
(١) = (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٧/ ١٣٩٣ و١٣٩٤)، وابن الجارود في "المنتقى" (٢٢١)، وابن حزم في "المحلّى" (١/ ١٤٥)، والبغوي في "شرح السنّة" (٢٨١٢)، والبيهقي (٩/ ٣٥٣) من طريق أبي داود، والدارقطني في "العلل" (٧/ ٢٨٧). وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٣، ٤٩٠) عن محمّد بن جعفر عن معمر به. وأخرجه البيهقي (٩/ ٣٥٣)، وأبو يعلي في "المسند" (١٠/ ٢١٣) من طريق عبد الواحد بن زياد عن معمر به، وابن أبي شيبة في "المصنّف" ورقمه (٢٤٣٩٣) عن عبد الأعلى عن معمر به، والدارقطني في "العلل" (٧/ ٢٨٧) من طريق يزيد بن زُرَيع عن معمر به. وهذا الإسناد رجاله ثقات، وقد اختلف العلماء فيه قديمًا وحديثًا، وسبب هذا الخلاف - والله أعلم - قول سفيان بن عيينة الذي رواه الحميدي في "مسنده" (١/ ١٤٩ - ١٥٠ ورقمه ٣١٢)، ومن طريق الحميدي أخرجه البخاري في الذبائح والصيد (٥٥٣٨)، والبيهقي في الضحايا (٩/ ٣٥٣) من طريق سفيان قال: "حدّثني الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عبّاس يحدّث عن ميمونة - وذكر الحديث. قال أبو بكر: فقيل لسفيان: فإنّ معمرًا يحدّث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ؟ قال سفيان: ما سمعت الزهري يحدّث إلّا عن عبيد الله عن ابن عبّاس عن ميمونة عن النبيّ - ﷺ - ولقد سمعته مرارًا". ولهذا قال البخاري فيما نقله عنه الترمذي بعد الحديث (١٧٩٨): "وحديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - وذكر الحديث - قال: هو خطأ، أخطأ فيه معمر، قال: والصحيح حديث معمر عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عبّاس عن ميمونة"، وقال الترمذي بعد الحديث (١٧٩٨) وساق إسنادهم عن الزهري عن سعيد: "وهو حديث غير محفوظ".
(٢) في الأصل: "عبد الله"، وهو خطأ، كما سبق (ص ١١٧).
[ ١١٨ ]
وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ".
هذه رواية عبد الرزّاق [عن مَعمَر] (١) عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ -، ورواه عبد الواحد بن زِياد عن مَعمَر بهذا الإسناد، وقال فيه: "وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبحُوا بهِ" (٢).
واختَلَفَ العَلماءُ في الاستصباح (٣) بالزيت والمائع تَقَع فيه الميتة وفي بيعه (٤)، ولم يَختَلِفوا في أكل ما وقعت فيه الميتة من المائعات غير الماء وشربه ذلك أنّه لا يجوّزه إلّا مَن شَذَّ عنهم (٥)، وقد ذكرنا حكم الزيت يقع فيه الميتة، وما في ذلك للعلماء من الأقوال
_________________
(١) في الأصل بدونها، والسياق يقتضيها.
(٢) سبق تخريجه والحكم عليه (ص ١١٧).
(٣) الاستصباح في اللغة مصدر استصبح، بمعنى: أوقد المصباح، وهو الذي يشتعل منه الضوء، واستصبح بالزيت ونحوه: أمدّ به مصباحه، كما في حديث جابر الذي أخرجه البخاري: "ويستصبح بها الناس"، أي يشعلون بها سرجهم. انظر لهذا: "لسان العرب"، و"تاج العروس"، و"الصحاح"، و"القاموس"، و"المعجم الوسيط"؛ مادّة (صبح)، و"النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٧).
(٤) ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الاستصباح بالمتنجّس في المسجد لا يجوز، وإن كان في غير المسجد فجائز. انظر في هذا الخلاف: "التمهيد" (٩/ ٤١، ٤٢)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٢٢٠)، و"جواهر الإكليل" (١/ ١٠، ٢/ ٢٠٣) الحلبي، و"إعلام الساجد" للزركشي (ص ٣٦١)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (٢١/ ٨٣، ٦٠٨).
(٥) والمقصود هنا مَن قالوا: بأنّ المائع إذا وقعت فيه نجاسةٌ لا يَنجُس إلّا إذا تَغيَّر، وهو قول داود بن علي الظاهري، الذي سمّاه المصنِّف من الشاذَّين في كتابه "التمهيد" (٩/ ٤٠)، وكذا قال ابن حزم في "المحلّى" (٦/ ١١٦)، لكن خَصَّه بغير السمن، أمّا السمن فلا يَحِلُّ أَكلُه إن كان ذائبًا، سواء مات الفأر فيه أو لم يمت، أمّا إذا وقع فيه غيرُ الفأرِ فلا يَحرُم عنده إلّا إذا تغيّر أيضًا. =
[ ١١٩ ]
والآثار في كتاب "التمهيد" (١).
وأمّا الذي سألتَ عنه، كيف أصلُ أهلِ المدينة؟ وأَحبَبتَ تلخيصَ ذلك وإظهار وجه الصواب فيه.
فالجواب عن ذلك؛ أنّ أصلَ أهلِ المدينةِ في الماء كتاب الله ﷿ وسنن رسوله - ﷺ -:
* أمّا الكتاب، فقول الله ﵎ اسمه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، فسَمَّى اللهُ الماءَ طَهورًا، و"الطَّهور": هو "المُطهِّر لغيرِه"، مثل الضَّروب والقَتول، وهو الذي يُكثِر الضَّربَ والقَتل والفعل في غيره، وقد يكون - أيضًا - بمعنى "طاهر" مثل: صابر وشاكر وصَبور وشَكور وضارب وقاتل، والمعنيان جميعًا في الماء صحيحان، والماء القَراح الصافي، كماء السماء وماء البحار والأنهار والعيون والآبار، إذا لم يخالطه شيءٌ فهو طاهر مُطهِّر؛ وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين.
والماء الذي وصفنا طاهر مُطهِّر بإجماعٍ، فلا وجه للإكثار فيه، قال الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقد تقدَّم أنَّ الماء النَّازل من السماء طَهور.
وقال رسول الله - ﷺ -: "المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" (٢).
_________________
(١) = وكذا عزاه الحافظ لأحمد في إحدى الروايتين عنه، وقال: "هو اختيار البخاري، وقول ابن نافع من المالكية، وحُكِي عن مالك" انظر: "الفتح" (٩/ ٦٦٩).
(٢) انظر: "التمهيد" (٩/ ٤١)، وانظر تفصيلًا جيّدًا في هذا كتاب "الاستذكار" (٨/ ٥٠٧ - ٥١٠).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣١)، وأبو داود في (الطهارة، رقمه ٦٦)، والترمذي في (الطهارة، ورقمه ٦٦)، وكذا النسائي (١/ ١٧٤)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم ٤٧)، والدارقطني في "السنن" (ص ١١)، والبيهقي (١/ ٤ - ٥)، من طرق عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمّد بن كعب عن عبيد الله ابن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري به. =
[ ١٢٠ ]
• وأجمعوا أنّ الماء الطاهر - كثيرًا كان أو قليلًا - إذا خالطته النجاسةُ فغَلَبَت عليه، أو ظَهَرَت فيه برِيحٍ أو لَونٍ أو طَعمٍ؛ أنَّها قد أفسدته، وأنَّه قد حَرُم كما حَرُمت النجاسةُ، وخرج من حكم الطهارة.
• وكذلك أجمعوا أنّ الماء المُستَبحرَ الكثيرَ إذا دخلت فيه النجاسة فلم تظهر فيه بلَونٍ ولا طَعمٍ ولا رِيحٍ ولا أثر أنَّ ذلك الماء الطاهر مُطهِّر كما كان، سواء في الحكم طهارته.
فإن كان الماء قليلًا أوكان غيرَ مُستَبحرٍ، وحَلَّت فيه النجاسة، فلم يَظهَر فيها لَونٌ ولا طَعمٌ ولا رِيحٌ؛ فهذا موضعٌ كَثُر فيه النِّزاع والاختلاف قديمًا وحديثًا (١)، واختَلفَتْ فيه الآثار - أيضًا - وأصلُ أهلِ المدينةِ فيه؛ وهو - أيضًا - مذهب أهل البَصرة، وإليه ذهب اكثرُ أهلِ النَّظرِ، وهو الذي اختاره أكثرُ أصحابنا (المالكيّين) (٢) من البغداديين؛ أنَّ ذلك الماء طاهر مُطهِّر قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأنَّ الماءَ لا يُنجِّسُه شيءٌ إلاَّ ما غلب عليه، ولو نَجَّسه غيرُ ما يَغلِب عليه (لمَا) (٣) صحَّت به طهارتُه لأحَدٍ أبدًا، ولو كان القليل منه
_________________
(١) = قال الترمذي: "حديث حسن، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن ممّا روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من كير وجه عن أبي سعيد". وقال الألباني في "الإرواء" (١/ ٤٥): "صحيح".
(٢) أَطلَق ابنُ القاسم القولَ بتَركِ استعمال القليل المخالَط بالنجاسة، وإن كان لم يتغيرّ والعدولِ إلى التيمّم، وقال أيضَا: "وإن توضّأ به وصلّى أعاد ما دام في الوقت". قال ابن شاس: "فحُمِل قولُه بالترك على الكراهية لتقييده الإعادة بالوقت، وحُمِل على التنجيس لإطلاقه القول بترك استعماله، والعدول إلى التيمّم، ورواية الدنيّين أنّه طهور، لكن كرهوه للخلاف فيه" انظر: "عقد الجواهر" لابن شاس (١/ ٨).
(٣) في الأصل: "المالكيّون"، والأصوب ما أثبتُّ على أنه صفة.
(٤) في الأصل: "الماء"، وهو خطأ واضح من الناسخ.
[ ١٢١ ]
يفسده قليل النجاسة ما صحّ الاستنجاء بالماء لأحد.
والحجّة في هذا المذهب (سنة) (١) رسول الله - ﷺ -؛ في صَبِّه على بَولِ الأعرابي ذَنُوبًا من ماء حين بال في المسجد عنده (٢)، وهو أصحُّ الأحاديث كلِّها المنقولة عن النبي - ﷺ - في الماء من جهة الإسناد والمعنى، وفيه دليل واضح (على أنَّ كلّ الماء من النجاسات) (٣) والحكم للماء لا للنجاسة، ولا مراعاة لمِا خالطه ومازجه إذا كان الماءُ غالبًا؛ لأنَّ هذا حُكم ما جعله اللهُ طَهورًا مُطهِّرًا لغيرِه، ومعلومٌ أنَّ البول (إذ) (٤) أمر رسول الله - ﷺ - بالصَّبَ عليه قد مازج، ولكن لمَّا كان الماء غالبًا كان مُطهِّرًا للبول، وكان الحكم له ولم يكن للبول المستهلك فيه حكم لسُنَّة رسول الله - ﷺ -، (ولا فَرقَ عندنا بين حُلول النجاسة على الماء وبين حُلولِه عليها) (٥)، ولم أَرَ للذين فَرَّقوا بينهما من الشَّافعيين حُجَّة يَعجَز الخَصمُ عن معارضتها؛ وليس شيءٌ من المائعات مجلُّ هذا المَحلَّ غيرُ الماء، فاعلمه.
والماء عندنا لا يُفسدُه إلاَّ ما غَلَب عليه من النجاسات المُحرّمات أو ظهر فيه منها، وهذا مذهب مالكِ بنِ أنس وأهلِ المدينة وأكثرِهم، وهي رواية المدنيِّين من
_________________
(١) في الأصل: "لسنة"، والصواب ما أثبتُ؛ لأن السنة هي الحجّة.
(٢) أخرجه البخاري في [الوضوء (٢٢٠) باب صبّ الماء على البول في المسجد (٥٨)]، وأخرجه في [الأدب (٦١٢٨) باب قول النبيّ - ﷺ -: "يسّروا ولا تعسّروا" (٨٠)].
(٣) كذا بالأصل، ولا شكّ أنّ في الجملة خللًا واضحًا.
(٤) في الأصل: "إذا"، وهو خطأ.
(٥) في الأصل: "ولا فَرقَ عندنا بين حُلول النجاسة على الماء وبين حُلولِها عليه"، والصواب ما أثبتّه؛ لأنّ ما في الأصل تكرار، والله أعلم.
[ ١٢٢ ]
أصحاب مالك عن مالك، وكذلك حكاه أبو المصعب (١) عن مالك وأهل المدينة.
وأمَّا المصريُّون من أصحاب مالك؛ يُفسدُه عندهم قليل النجاسة، وإن كَثُر لا يُفسِدُه إلاَّ ما غَلَب عليه من النجاسة أو ظَهرَت فيه بطَعمٍ أو رِيحٍ أو لَونٍ، ولم يحُدُّوا بين القليل والكثير حَدًّا (٢)، وهذا مذهب الشَّافعي سواء، إلاَّ أنّه حدّ في ذلك حدًّا لحديث القلتين؛ وروى ابن القاسم (٣) عن مالك في الجُنُب يَغتَسل في الحوض الذي يُسقَى فيه
_________________
(١) أبو مصعب هو: أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، ولد سنة ١٠٥ هـ في المدينة، وترعرع فيها، وشاهد مالكًا، فلزمه وتفقّه عليه وأخذ منه وروى عنه وعن ثلّة من شيوخ المدينة، وبرع في الفقه، وتولّى قضاء المدينة، ومات في رمضان سنة ٢٤٢ هـ، وهو على قضائها. انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (١/ ترجمة ١٧)، و"الديباج" لابن فرحون (ص ٣٠)، و"تذكرة الحفّاظ" (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٤) وغيرها.
(٢) انظر: "المقدمات" لابن رشد مع "المدوّنة" (١/ ١٩ - ٢٠)، وقال التتائي في "شرح الرسالة" (١/ ٤٣٥): "وهو مذهب ابن القاسم، وظاهر "المدوّنة" عند بعض الشيوخ "، ينظر هناك تفصيلًا.
(٣) هو أبو عبد الله عبد الرحمن العُتَقي، أوّل أصحاب مالك المصريّين، وأثبتهم في فقهه، طالت صحبته له، ولم يخلط علمه بغيره، حتّى قيل: "إنّه لم يخالف إلاّ في أربع مسائل"، ذكرها ابن ناجي في "الزكاة من شرح المدوّنة"، وقال فيه مالك: "مثله مثل جراب مملوءٍ مِسكّا"، أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في تفسير سورة يوسف، والنسائي كثيرَا، وأثنى عليه كثيرًا هو وغيره، علمًا وضبطًا ودينًا، قال: "ولم يرو "الموطأ" عن مالك أثبت من ابن القاسم، وليس أحد من أصحاب مالك عندي مثله"، وكان - رحمة الله - لا يقبل جوائز السلطان، شديد الورع والضبط والتقوى. انظر ترجمته في: "الانتقاء" (ص ٩٤)، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي (ص ١٥٠)، و"ترتيب المدارك" (٣/ ٢٤٤)، و"الديباج" (ص ١٤٦)، و"شجرة النور الزكية" (١/ ٥٨) وغيرها.
[ ١٢٣ ]
الدوابّ؛ ولم يكن غسل ما به من الأذى؟ فقال: "قد أفسد الماء ونجَّسه" (١).
وسئل عن الحياض التي تكون بين مكَّة والمدينة، وهي حياض كبار؛ يَغتَسِل فيها الجُنُب ولم يَغسِل ما به من الأذى؟ فقال: "أكره للجنب أن يغتسل في الماء الدائم؛ ولا يضرّ الماء ذلك إذا كان كثيرًا" (٢).
فقد تَبيَّن بما ذكره ابنُ القاسم عنه ما أضفنا فيه عنهم.
وقد سئل ابن القاسم عن إناء الوضوء يسقط فيه مثلُ رؤوس الإبر من البول؟ فأجاب: "فإنَّه قد نجس" (٣)، وإلى هذا ذهب جماعةُ أصحاب مالك من أهل المغرب ومصر إلاَّ عبد الله بن وهب، فإنَّه قال: "فيما روى المدنيُّون عن مالك؛ إنّ الماء قليلَه وكثيرَه لا يَنجُس إلاَّ بما غَلَب عليه أو ظهر فيه"، على حَسَب ما وَصَفنا.
وقد رُوي عن أصحابنا في البئر تقع فيه النجاسة الميتة روايات مُضطَرِبة؛ أكثرُها على أنّ البئر يُفسِد (ماءَها) (٤) الميتةُ تقع فيه.
وكان إسماعيل بن إسحاق (٥) يقول: "إنَّ كلّ ما رُوِي عن ابن القاسم وغيرِه
_________________
(١) انظر: "المدوّنة" (١/ ٣١).
(٢) المصدر نفسه.
(٣) انظر: "النوادر والزيادات" (١/ ٧٨)، و"البيان والتحصيل" (١/ ١٨٧).
(٤) في الأصل: "ماؤها"، والصواب ما أثبتُّ.
(٥) هو الإمام العلاّمة الحافظ شيخ الإسلام، أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ابن محدّث البصرة حمّاد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم البصري المالكي، قاضي بغداد، وصاحب التصانيف، أخذ الفقه عن أحمد بن المعذَّل وطائفة، وصناعة الحديث عن عليّ بن المديني، وفاق أهل عصره في الفقه، كان مولده سنة ١٩٩ هـ، وكانت وفاته فجأة في شهر ذي الحجّة سنة ٢٨٢ هـ. =
[ ١٢٤ ]
(من) (١) مثل تلك الروايات، فإنّما هي على طريق التنَزُّه والاستحباب"، وأمَّا الأصل عندنا كما ذكرنا.
ولقد سأل أحمد بن المُعَذَّل (٢) (عبد) (٣) الملك (٤) عن البئر تقع فيه الميتة؟ فقال: "ينزح منها عشرون، ثلاثون، أربعون دلوًا"، قال أحمد: ثمَّ قال: أفلا سألتني عن قولي هذا؟ فقلت: لقد هَمَمتُ أن أسألكَ حتّى بدا شيء فقال: "إنّما قلتُ هذا لك لئلاَّ تظنَّ أنّ في هذا حدًّا أو شيئًا واجبًا، وإنّما هو لتَطيِيب النفس عليه، والماء على طهارته حتّى
_________________
(١) = انظر ترجمته في: "السير" (١٣/ ٣٣٩، وما بعدها)، و"تاريخ بغداد" (٦/ ٢٨٤ - ٢٩٠)، و"الديباج المذهب" (١/ ٢٨٢ - ٢٩٠)، وغيرها.
(٢) في الأصل: "عن"، وهو خطأ.
(٣) أحمد بن المعذّل بن غيلان بن حكم شيخ المالكية، أبو العبّاس العبدي البصري المالكي الأصولي، شيخ إسماعيل القاضي، تفقه بعبد الملك بن الماجشون ومحمّد بن مسلمة، وكان من بحور الفقه، صاحب تصانيف وفصاحة وبيان، قال الذهبي: "لم أر له وفاة". تنظر ترجمته في: "السير" (١١/ ٥١٩ - ٥٢١)، و"العبر" (١/ ٤٣٤)، و"الوافي بالوفيات" (٨/ ١٨٤، ١٨٥)، و"شذرات الذهب" (٢/ ٩٥، ٩٦).
(٤) في الأصل: "عند" والصواب المثبت.
(٥) هو الفقيه العلاّمة مفتي المدينة أبو مروان عبد الملك بن الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ابن الماجشون التيمي مولاهم المدني المالكي، تلميذ الإمام مالك، حدّث عن أبيه ومالك وإبراهيم ابن سعد وطائفة، وحدّث عنه أبو حفص الفلاّس، ومحمّد بن يحيى الذهلي، وعبد الملك بن حبيب الفقيه، ويعقوب الفسوي وآخرون. قال ابن عبد البرّ: "كان فقيهًا فصيحًا، دارت عليه الفتيا في زمانه وعلى أبيه قبله، وكان ضريرًا". انظر: "الانتقاء" (ص ٥٧)، و"طبقات ابن سعد" (٥/ ٤٤٢)، و"ترتيب المدارك" (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٥)، و"الديباج المذهب" (٢/ ٨٦٦)، و"السير" (١٠/ ٣٥٩)، وغيرها.
[ ١٢٥ ]
يُتيَقَّن فيه النجاسة".
وهذا قولٌ صحيحٌ في النظر والأثر.
وقد أتينا على هذا المعنى وتقصِّي القول فيه بالآثار المرفوعة وغيرها عن علماء المدينة وسَلَفِهم، وبالحُجَج الواضحة في كتاب "التمهيد" (١)، وبالله التوفيق.
حدَّثني محمّد بن إبراهيم قال: حدَّثنا محمّد بن معاوية (٢) قال: أبنا أحمد بن شعيب قال: ثنا قتيبة بن سعيد قال: نا حمَّاد عن ثابت عن أنس: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المسْحدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: دَعُوهُ، فلّمَا فَرَغ دَعَا بِدَلْوٍ فَصَبَّه عَلَيْهِ" (٣).
وهذا حديث ثابت صحيح، وقال يحيى بن معين: "أَثبَتُ النَّاس في أنس ثابت البناني، وأثبت النَّاس في ثابت حمَّاد بن سلمة" (٤).
وقد رُوِي من وُجوه كثيرة من حديث أنس وحديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ - فمَنِ ادَّعى أنَّ طهارة الأرضِ لها حُكمٌ مُنفَرِد فعليه إقامة الدليل، ولن يَجِد إلى ذلك سبيلًا.
_________________
(١) (١/ ٣٣٤ - ٣٣٢).
(٢) في الأصل: " محمّد بن معاوية [أبنا عبدُ الله بن محمّد قال: وثنا حمزة بن محمّد قال جميعًا:] أبنا أحمد ابن شعيب"، والظاهر أنّ الجملة بين المعكوفين مقحمة؛ لأنّ ابن عبد البرّ أخرج الحديث بإسناده في "التمهيد" (٢٤/ ١٦)، فساق الإسناد المذكور أعلاه والله أعلم.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب، باب الرفق في الأمر كلّه، ورقمه (٦٠٢٥)، ومسلم في الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، ورقمه (٢٨٤) من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس.
(٤) إِنْ كان الحافظ بن عبد البر أتى بهذا، لأجل أنَّ الحديث من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، فلم أجده أنا إلاَّ من رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، والله أعلم.
[ ١٢٦ ]