حديث أبي هريرة: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ (١) رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِيهِ بغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الْتِي قَضَى عَلَيْهَا بالْغُرَّةِ تُوُفِّيتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا" (٢).
_________________
(١) جاء في "الصحيح" - أيضًا - أنّ المضروبة من بني لحيان، قال ابن الملقّن في "الإعلام" (٩/ ١٠٩): "ولا تنافي بينهما، فإنّ لحيان - بكسر اللام، وقيل: بفتحها - بطن من هذيل، وفي "الصحيح" أنّ إحداهما كانت ضرّة الأخرى". اهـ قلت: واسم المضروبة: مليكة ابنة عويمر من بني لحيان، كذا ذكره ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٠/ ٥٥)، والمصنِّف في "الاستيعاب" (٤/ ١٩١٤)، و"الفتح" (١٠/ ٢٢٨). وأمّا الضاربة فهي أمِّ عفيف بنت مسروح، ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (نفسه)، وقال الخطيب في "المبهمات" (٥١٤): "غطيفة، ويقال: أمِّ غطيف".
(٢) أخرجه البخاري بهذا اللفظ والسياق في [الفرائض (٦٧٤٠) باب ميراث المرأة والزوج والولد وغيره، عن قتيبة، وفي [الديات (٦٩٥٩) باب جنين المرأة، وأنّ العقل على الوالد وعصبة الوالد، لا على الولد] عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم في [القسامة (١٦٨١/ ٣٤) باب دية الجنين، ووجوب الديّة في القتل الخطإ وشبه العمد على عاقلة الجاني] عن قتيبة؛ كلاهما عن الليث بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة. أقول: في قوله - ﷺ -: "ثمّ إنّ المرأة التي قضى عليها بالغرّة توفّيت" يوهم أنّ المقصود الجانية، وليس =
[ ٢٣١ ]
وقلتَ: وكان ضَرْب المرأة صاحبتها بالعمود يُشبه العمدَ وطريقه طريق العمد، وقضى النبيّ - ﷺ - فيه بالدية على عاقلة (١) المرأة، والعاقلة لا تحمل العمد، وإنّما تحمل الخطأ؛ وقلتَ: فكيف وجه خروج هذا الحديث؟ وكيف أوجب النبيّ - ﷺ - على عاقلةٍ دية العمد؟
فالجواب، وبالله عوني وهو حسبي:
إنّ حديث أبي هريرة هذا فيه ما ذكرتَ، وهو حديث قد ذكره مالك في "موطّئه" عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيِّب عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، وعن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة مُسنَدًا (٢)، ولم يذكر مالك حكم الدية وسكت عن ذلك، وإنّما ساق فيه قصّة الجنين وحكمه لا غير، وما أظنّ مالكًا - والله أعلم -[ما] (٣) روى من
_________________
(١) = كذلك، بل هي المجني عليها، فأقيم "على" مكان "اللام"، كما يقال: "بارك الله فيك، وبارك عليك"، ذكره عياض في "الإكمال" (٥/ ٤٩٠). وأمّا قوله: "وأنّ العقل على عصبتها" المقصود: القاتلة كما جاء في لفظ آخر: "فجعل دية المقتول على عصبة القاتلة". انظر تفسيره في "إكمال المعلم" (٥/ ٤٩٠ - ٤٩١)، و"شرح النووي على مسلم" (١١/ ١٧٧).
(٢) "العاقلة" جمع "عاقل"، وجمع الجمع "عواقل"، و"المعاقل": الدِّيات، و"العقل": الديّة، سُمِّيت بذلك لأنّ مؤدّيها يعقلها بفناء أولياء المقتول، هذا لغة. وأمّا عند الفقهاء؛ فالمقصود بالعاقلة: "العصبات، ما عدا الآباء والأبناء"، انظر: "الإعلام" لابن الملقّن (٩/ ١٠٩).
(٣) انظر: "الموطّأ" ليحيى [كتاب العقول (٥ - ٦) باب عقل الجنين]، وصوّب الدارقطني في "العلل" (٩/ ٣٥٢) رواية مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
(٤) تعيّن زيادة "ما" النافية؛ لأنّ مالكًا ﵀ لم يرو من طريق "موطَئه" قصّة قتل المرأة مع جنينها وحكم دمها.
[ ٢٣٢ ]
طريق "موطّئه" قصّة قتل المرأة مع جنينها، وحكم دمها إلّا لما بلغه فيه من الاضطراب، فقد اختلفت الرواية في هذا المعنى من الحديث اختلافا كثيرًا (١)، ولِمَا وجد العمل بالمدينة من نفي شبه العمد (٢)، والله أعلم.
وإنّ منهم جماعة ينفون ذلك (٣)، وهذا الحديث والقصّة كلّها مدارها على
_________________
(١) الاضطراب المدّعى من المصنّف هو ما ورد من اختلاف الروايات في الآلة التي ضُرِبَت بها أمِّ الجنين، ففي رواية يونس وعبد الرحمن في "الصحيح": "فرمت إحداهما الأخرى بحجر"، زاد عبد الرحمن: "فأصاب بطنها وهي حامل"، وكذا في رواية أبي المليح عند الحارث، لكن قال: "فخذفت"، وقال: "فأصاب قبلها"، ووقع في رواية أبي داود من طريق حمل بن مالك: "فضربت إحداهما الأخرى بمسطح"، وعند مسلم من طريق عبيد بن نضيلة عن المغيرة بن شعبة قال: "ضربت امرأة ضرّتها بعمود فسطاط، وهي حبلى، فقتلتها"، ذكره الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٥٨)، وانظر: "التمهيد" (٧/ ١٠٧ - ١٠٨). قلت: ولا يؤثّر هذا الاختلاف في المضروب به على صحّة الحديث، وألفاظه كلّها تدلّ على أنّ أمِّ الجنين ضُربت بآلة لا تقتل في الغالب، وأنّ القاتلة لم تقصد القتل، وهو ضابط شبه العمد، وقد بيّن المصنِّف سبب عدم رواية مالك لقصّة قتل المرأة وَقَوَدِها بأوضح مِمّا هو موجود في كتابنا هذا في كتابه "الاستذكار" (٨/ ٧٠)، فقال: "وأظنّه أسقطه لما فيه من القضاء بالديّة على عاقلة المرأة القاتلة بالحجر والمسطح - وهو العود - وذلك شبه العمد، وهو عنده باطل".
(٢) عرّف المصنِّف ﵀ "شبه العمد" في "الاستذكار" (٨/ ٧١) بقوله: "هو أن يعمد الضارب إلى المضروب بحجر، أو عصا، أو سوط، أو عمود، أو ما الأغلب فيه أن لا يقتل مثله من الحديد وغيره"، وقال ابن قدامة في "المغني" (١١/ ٤٦٢): "ويسمّى: "عمدَ الخطإ"، و"خطأ العمد"، لاجتماع العمد والخطأ فيه".
(٣) روي عن عليّ بن أبي طالب، ذكره البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٦/ ١٦٧)، وكذا هو قول الليث ابن سعد كمالك، ذكره عياض في "إكمال المعلم" (٥/ ٤٦٩)، وكذا قال المصنّف في "الاستذكار" (٨/ ١٦٤): "قد تابع مالكًا على نفي شبه العمد الليثُ بن سعد، وما أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار على ذلك تابعهما". =
[ ٢٣٣ ]
حمل بن مالك بن النابغة، رجل من الأعراب من هُذَيل (١)، ولكنّه قد روى حديثه هذا معه جماعة من الصحابة عن النبيّ - ﷺ -، فممّن رواه: أبو هريرة (٢) والمغيرة ابن شعبة (٣) وابن عبّاس (٤) وجابر وغيرهم - ﵃ -.
فأمّا حديث أبي هريرة فاختلف فيه على ابن شهاب، وقد ذكرنا ما صنع فيه مالك وذكرنا من تابعه على ذلك في كتاب "التمهيد" (٥)، وأحسنهم سياقة هنا يونس بن يزيد.
_________________
(١) = وقال بعدما نقل عن جمع من الصحابة القول بإثبات شبه العمد (٨/ ١٨٥): "ولا مخالف لهم من الصحابة، ولا من التابعين فيما علمته، إلَّا اختلافهم في صفة شبه العمد، وعلى ذلك جمهور الفقهاء".
(٢) هنا عبارة: ". . . هذيل عنده عُرضت لزوجته إحداهما مع الأخرى"، وأرى أنّه لا محلّ لها من الكلام، إذ يستقيم السياق بدونها، أو أن الصواب: "عنده امرأتان فضربت إحداهما الأخرى"، كما جاء في بعض الروايات، والله أعلم. وحمل بن مالك بن النابغة الهذلي أبو نضلة البصري، صحابي، روى عن النبيّ - ﷺ - في ديّة الجنين، وليس له عندهم غيره، قاله ابن حجر؛ روى عنه عبد الله بن عبّاس، وذكر أبو ذرّ الهروي في "مستدركه" أن عمر بن الخطاب روى عنه - أيضًا - قال أبو موسى في "الذيل" في ترجمة عامر ابن مُرَقِّش: "أن حَمَلًا هذا قُتل في عهد النبيّ - ﷺ - "، قال الحافظ: "وعندي أن هذا من الأوهام؛ لأنّ في حديثه هذا أنّه قام إلى عمر لمّا خطب فحدّثه"، انظر: "الاستيعاب" (١/ ٦٦)، و"تهذيب التهذيب" (١/ ٤٩٢)، و"طبقات ابن سعد" (٧/ ٢٤).
(٣) حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في [الفرائض (٦٧٤٠)]، و[الديات (٦٩٠٩)]، ومسلم في [القسامة (١٦٨١)] وغيرهما.
(٤) حديثه أخرجه مسلم في [القسامة (١٦٨٢)] وغيره.
(٥) حديثه سيأتي عزوه (ص ٢٤١).
(٦) ذكر المصنِّف طرق حديث أبي هريرة في "التمهيد" (٦/ ٢٧٧ - ٢٨١)، وانظر تفصيل القول في علل هذا الحديث وطرقه والاختلاف على الزهري فيه كتاب "العلل الواردة في الأحاديث" للإمام =
[ ٢٣٤ ]
روى ابن وهب وابن المبارك عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن ابن المسيّب وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان مِن هُذَيل، فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ - فقضى أنّ دية جنينها عبدًا أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلة القاتلة، فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: يا رسول الله؛ أَغْرَم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ، فمثل ذلك (يُطَلُّ) (١)، فقال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ"، من أجل سَجْعِه الذي سَجَع (٢).
فاحتج من أثبت شبه العمد بحديث أبي هريرة هذا.
وعن جابر عن النبيّ - ﷺ - مثله (٣)، وروايات رُوِيَت في ذلك أيضًا عن حمل
_________________
(١) = الدارقطني (٩/ ٣٤٨ - ٣٦٣) حيث صوّب الدارقطني ﵀ رواية مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعن الزهري عن سعيد بن المسيّب مرسلًا.
(٢) في الأصل: "يطال"، والصواب المثبت؛ لأنّ كلّ روايات الحديث جاءت بلفظ: "يُطَلّ". ومعنى يُطَلّ: أي يُهدَر، يقال: طُلَّ دمه، وأُطِلّ، وأطلّه، وأجاز الكسائي بناءه للمعلوم، أي: طلّ. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ١٣٦).
(٣) الحديث أخرجه البخاري في [الديات (٦٩١٠) باب جنين المرأة وأنّ العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد] من طريق ابن وهب، وكذا أخرجه مسلم في [القسامة (١٦٨١) باب ديّة الجنين ووجوب الديّة في قتل الخطإ وشبه العمد على عاقلة الجاني] من طريق ابن وهب، ولم أجده من رواية ابن المبارك عن يونس، ولا أشار إليه المصنّف في "التمهيد"، ولا الدارقطني في "العلل".
(٤) أخرجه أبو داود في "السنن" في [الديّات منه (٤٥٧٥) باب ديّة الجنين، وابن ماجه في [الديّات (٢٦٤٨) باب عقل المرأة على عصبتها وميراثها لولدها] وابن أبي شيبة برقم (٢٧٢٨٩) من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر به مختصرًا، قال المنذري في "مختصره" (٦/ ٣٦٩): "وفي إسناده مجالد بن سعيد، وقد تكلّم فيه غير واحد ". =
[ ٢٣٥ ]
ابن مالك بن النابغة المذكور عن النبيّ - ﷺ - مثل ذلك (١).
واحتجّوا - أيضًا - بحديث خالد الحذّاء عن القاسم بن ربيعة بن جوْشَن (٢) عن عقبة بن أوس السدوسي عن رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وهو عبد الله بن عمرو ابن العاص، هكذا قال حمّاد بن زيد وغيره: أنّ رسول الله خطب يوم فتح مكّة، فقال في خطبته: "أَلاَ إِنَّ قَتْلَ الخَطَإِ بَالسَّوْطِ وَالعَصَا وَالحَجَرِ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ؛ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَة فِي بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا" (٣).
_________________
(١) = قلت: قال الحافظ فيه: "ليس بالقويّ، وقد تغيّر في آخر عمره". لكن للحديث شواهد كثيرة يتقوّى بها، ولذا صحّحه الألباني، كما في "صحيحي سنن أبي داود وابن ماجه".
(٢) منها ما أخرجه أبو داود في [الديّات (٤٥٧٢) باب ديّة الجنين]، والنسائي في [القسامة (٤٧٣٩) باب قتل المرأة بالمرأة]، وابن ماجه في [الديّات (٢٦٤١) باب الميراث من الديّة]، والدارمي في [الديّات (٢٤٢٥) باب ديّة الجنين]، والطحاوي (٣/ ١٨٨)، وابن حبّان - كما في "الإحسان" (٧/ ٦٠٥ - الحوت) - والدارقطني (٣/ ١١٥)، والحاكم (٣/ ٥٧٥)، وأحمد في "المسند" (٤/ ٧٩) و(١/ ٣٦٤) كلّهم من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عبّاس: "أنّ عمر نشد الناس في قضيّة النبيّ - ﷺ - في الجنين؟ فقام حَمَل فقال: . . ." فذكره. وروي من طريق طاووس عن عمر. والحديث صحيح، صحّحه الألباني، كما في صحاح السنن.
(٣) قال الحافظ في "التقريب": "القاسم بن ربيعة بن جَوْشَن بجيم ومعجمة، وزن جعفر، الغَطَفاني، بفتح المعجمة ثمَّ المهملة وبالفاء: بصريّ ثقة عارف بالنسب من الثالثة".
(٤) أخرجه أبو داود في [الديات (٤٥٤٧) باب في دية الخطأ شبه العمد، وفيه (٤٥٤٨)]، وأخرجه النسائي في [القسامة (٤٧٩٣ - ٤٧٩٨) باب كم دية شبه العمد؟]، وابن ماجه في [الديات (٢٦٢٧) باب دية شبه العمد =
[ ٢٣٦ ]
وقد روى إسماعيل بن مسلم والحسن بن عمارة عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عبّاس عن النبيّ - ﷺ - مثله بمعناه: "مَنْ ضَرَب بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ فَدِيَتُهُ مُغَلَّظَةٌ فِي أَسنَانِ الْإِبِلِ" (١).
_________________
(١) = مغلّظة]، وابن الجارود (ص ٢٦١)، والطحاوي (٣/ ١٨٥ - ١٨٦)، وابن حبّان (٧/ ٦٠١ - الحوت)، والدارقطني (٣/ ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥)، كلّهم من طريق خالد الحذّاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة ابن أوس عن عبد الله بن عمرو به، وهو صحيح. وانظر تخريجه مفصّلًا، وتحقيقًا بديعًا في الاختلاف على هذا الحديث: "الإرواء" برقم (٢١٩٧).
(٢) لم أجده بهذا اللفظ من رواية الحسن بن عمارة عن عمرو، بل الموجود به رواية إسماعيل ابن مسلم عند الدارقطني (٣/ ٩٤)، لكن عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس، ولفظه: "العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قُتل في عِمِّيَة بحجر أو عصا أو سوط فهو ديّة مغلّظة في أسنان الإبل"، وروي بغير ذكر تغليظ الدية، وهو عند أبي داود في [الديات (٤٥٣٩ - ٤٥٤٠) باب من قتل في عمِّيّا بين قوم]، وكذا عند النسائي في [القسامة (٤٧٨٩ - ٤٧٩٠) باب من قتل بحجر أو سوط]، وابن ماجه في [الديات (٢٦٣٥) باب من حال بين وليّ المقتول وبين القود أو الدية]، والدارقطني (٣/ ٩٣ - ٩٥)، من طرف عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عبّاس به، فخالف إسماعيل بن مسلم كلاّ من سليمان بن كثير، وحمّاد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن سليمان، والحسن بن عمارة في إسناده، فرووه عن عمرو عن طاووس عن ابن عبّاس مسندًا من غير ذكر تغليظ الدية، ورواه عن عمرو عن ابن عبّاس بذكر تغليظ الدية، فخالف الجماعة في الإسناد والمتن، فحديثه شاذّ، إلّا أن يقال: الجماعة الذين رووا الحديث بلفظ: "من قتل في عَمِّيّة في رِمِّيًا تكون بينهم بحجارة، أو جلد بالسوط، أو ضرب بعصا؛ فهو خطأ عقله عقل الخطإ. . ."، يحمل حديثهم على ما قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٦/ ١٦٥): "يشبه أن يكون المراد: فهو شبه خطإ، لا يجب به القود، كالحديث الأوّل، والله أعلم"، فلا يكون شاذًّا على هذا، لكن لفظ الحديث صريح في جعل عقل مَن فعل ذلك عقل الخطإ، فالله أعلم.
[ ٢٣٧ ]
قالوا: فقد ثبت بهذه الأحاديث أنّ شبه العمد ما ليس بعمد محض ولا خطأ محض، ومِمّن قال بإثبات شبه العمد من الفقهاء؛ الشافعي وأبو حنيفة والثوري وعثمان البتي وأصحابهم، وابن شُبْرُمة وابن أبي ليلى والأوزاعي والطبري وأهل الحديث وجماعة فقهاء العراقيين والشاميين وجمهور التابعين.
وقال أبو حنيفة والشافعي ومَن تَبِعَهم: الدية في ذلك على العاقلة، وقال ابن شُبْرُمة والبتي والأوزاعي: هي في مال الجاني مغلّظة (١).
واختلفوا في كيفية شبه العمد، فجملة قول أبي حنيفة أنّه إذا قتله بحديدة أو بلفظة قضيب أو بالنار فهو عمد، وفيه القصاص (٢)، وما سوى ذلك من العمد لا قصاص فيه، وفيه الدِّية مغلّظة على العاقلة وعلى القاتل الكفّارة، وجملة قول أبي يوسف ومحمّد أنّ شبه العمد ما لا يَقتُل، كاللطمة الواحدة، والضربة الواحدة بالسوط والوكز، و[لو كرّر] (٣) ذلك حتّى صار جملته مِمّا يقتل؛ كان عمدًا، وفيه القصاص بالسيف، وكذلك إذا غرّقه في ماء بحيث لا يمكنه الخلاص منه، وهو قول عثمان البتّي، إلّا أنّه يجعل دية شبه العمد [في ماله] (٤) [وقال الثوري: شبه العمد] (٥) أن يضربه بعصًا أو
_________________
(١) انظر: "المغني" (١٢/ ١٦)، و"نيل الأوطار" (٧/ ٩٢)، و"معرفة السنن والآثار" (٦/ ١٩٧)، و"بدائع الصنائع" (٧/ ٢٥٥).
(٢) انظر: "بدائع الصنائع" (٧/ ٢٣٣)، و"تبيين الحقائق" (٦/ ٩٧ وما بعدها)، و"تكملة فتح القدير" (٨/ ٢٤٤)، و"الدر المختار وردّ المحتار" (٥/ ٣٧٥)، و"أحكام القرآن" للجصّاص (٢/ ٣٢٣).
(٣) ليست بالأصل، والسياق يقتضيها، واستدركتها من "أحكام القرآن" للجصّاص (٢/ ٢٢٨).
(٤) ليست بالأصل، والاستدراك من "أحكام القرآن" للجصّاص (٢/ ٢٢٨)، فقد نقله المصنِّف عنه بالحرف، وكذا هو في "الاستذكار" (٨/ ١٦٦).
(٥) ليست بالأصل - أيضًا - والتصويب من "أحكام القرآن" للجصّاص (نفسه).
[ ٢٣٨ ]
حجر أو ببندقة (١) فيموت، ففيه الدية مغلّظة ولا قَوَد فيه، والعمد ما كان بسلاح، وفيه القود، هذه رواية الأشجعي عنه.
وروى عنه الفضل بن دُكيْن قال: لو أخذ (٢) عودًا أو عظمًا فجرح به بطن حيٍّ (٢) فهو شبه عمد، وليس فيه قود (٣).
وقال الأوزاعي: "إن ضربه بعصًا أو سوط ضربة واحدة فمات فذلك شبه العمد، ففيه الدية مغلّظة في ماله، وإن (ثنّى) (٤) بالعصا ثمّ مات مكانه من الضربة الثانية فعليه القصاص"، [وقال الحسن بن صالح] (٤) وإن لم يَمُت من الثانية مكانه ثمّ مات بعد فهو شبه العمد؛ لا قصاص فيه.
وقال المُزني عن الشافعي: إذا عمد رجل بسيف أو حجر أو سنان رمح أو بشيء له حدّ (يخرق) (٥) الجلد واللحم إذا ضربه به أو رمى به، فضرب به إنسانًا فجرحه جرحًا كبيرًا أو صغيرًا فمات منه فعليه القَوَد، وكذلك إن شَدَخَه بحجر أو تابع عليه الخنق، أو والى عليه بالسوط حتّى يموت أو طبق عليه بيتًا بغير طعام ولا شراب مدّة الأغلب أن يموت في مثلها؛ أو ضربه بسوط في شدّة حرّ أو برد ونحو ذلك مِمّا الأغلب أنّه يموت منه، فعليه القود، وإن ضربه بما لا يجرح بحدّه أو ألقاه في بحر
_________________
(١) في "أحكام القرآن " للجصّاص: "أو بيده".
(٢) في "أحكام القرآن" للجصّاص (نفسه)، و"المحلّى" لابن حزم (١٠/ ٢٨٠ - ٢٨١): "مدّد" و"حرٍّ".
(٣) انظر: "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٨٦ - ١٨٩)، و"أحكام القرآن" للجصّاص الموضع السابق.
(٤) في الأصل كلمة غير هذه، ولم أتمكّن من قراءتها، هذه صورتها: [. . . .]، والتصويب من "أحكام القرآن" للجصّاص (٢/ ٢٢٩)، و"المحلّى" (١٠/ ٢٧٩)، لكن كلام الأوزاعي ينتهي عند كلمة "القصاص"، ثمّ يأتي بعده كلام الحسن بن صالح الذي فيه أنّه إن لم يمت مكانه. . . إلخ.
(٥) في الأصل: "فخرق"، والصواب المثبت.
[ ٢٣٩ ]
قريب البرّ وهو يحسن العَوْم أو ما يغلب أنّه لا يموت منه فمات فلا قود عليه، وفيه الدية على العاقلة مغلّظة (١).
وشبه العمد عند الشافعي ﵀ في الجراح وفي النفس جميعًا، وعند أبي حنيفة لا يكون شبه العمد [إلّا في النفس] (٢).
و[قوم] (٣) أنكروه؛ منهم مالك والليث وجماعة من أهل المدينة، قال مالك ﵀: "شبه العمد باطل، إنّما هو عمد أو خطأ، ومن ضرب (أحدًا) (٤) بعصًا أو رماه بحجر فهو عمد، وفيه القصاص، فإن انصرف عنه وهو حيٌّ ثمّ مات كانت فيه القسامة (٥) " (٦).
_________________
(١) انظر: "مختصر المزني" مع "الأمّ" للشافعي (٨/ ٣٤٤)، وكذا "أحكام القرآن" للجصّاص (٢/ ٢٢٩)، وليس فيه جملة: "وإن ضربه بما لا يجرح بحدِّه أو ألقاه في البحر. . . مغلّظة"، وهي موجودة عند الجصّاص في "أحكامه" ناقلًا إيّاها عن المزني، فإمّا أن يكون ابن عبد البرّ ينقل عن الجصّاص، أو يكون ما في "المختصر" ناقصًا، والله أعلم.
(٢) غير موجود بالأصل، والسياق يقتضيها لتمام الكلام؛ لأنّه محصل مذهب أبي حنيفة، كما نصّ عليه الجصّاص وغيره.
(٣) ليست موجودة بالأصل - أيضًا - والسياق يقتضيها لاستقامة الكلام.
(٤) في الأصل: "أحد"، وهو خطأ.
(٥) القسامة: هي بفتح القاف، وتخفيف السين، مشتقّة من القسم، أو الإقسام، وهي اليمين التي يحلف بها المدّعي للدم عند اللَّوَث، قاله ابن فارس في "مجمل اللغة" (٧٥٢) باب القاف والسين، وما يثلّثهما، والجوهري في "الصحاح" (ق س م)، وقال الأزهري: "هي اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول" "تهذيب اللغة" (٨/ ٤٢٣) مادّة (ق، س، م)، وفي الشرع: قال ابن قدامة في "المغني" (١٢/ ١٨٨): " المراد بالقَسامة الأيمان المكرّرة في دعوى القتل". وقال ابن عرفة في "شرح حدوده" (٤٨٥): "هي حَلِف خمسين يمينًا أو جزءًا منها على إثبات الدم"، وانظر: "الموسوعة الفقهية" (٣٣/ ١٦٦).
(٦) انظر: "المدوّنة" (٤/ ٥٥٨)، و"المنتقى" (٧/ ١٠١)، و"الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكّام" (٢/ ٢٧٠).
[ ٢٤٠ ]
وقال الليث: "كلّ ما عمد به إنسان إنسانًا فضربه به فمات المضروب، ففيه القصاص، ولو ضربه بأصبعه" (١).
ومن الحجّة لقائل هذه المقالة: أنّ القرآن إنّما نطق بالعمد والخطأ، والأحاديث في شبه العمد مضطربة، فأمّا الحديث المأثور في المرأة الهُذَلِية التي رمت صاحبتها بحجر أو بمسطح فقتلتها وجنينها فقد روي على نحو ما ذهبنا إليه، وعلى خلاف ما تقدّم، روى أبو عاصم النبيل (٢) وحجّاج بن محمّد عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عبّاس: "أنّ عمر بن الخطّاب أنشد الناس ما قضى به رسول الله - ﷺ - في الجنين، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: إنّي بين امرأتين؛ وإنّ إحداهما ضربت الأخرى بِمِسْطَح فقتلَتْها وجنينَها، فقضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغُرَّة، وقضى في المرأة أن تُقتَل مكانها" (٣).
_________________
(١) انظر: "أحكام القرآن" للجصّاص (٢/ ٢٢٩).
(٢) هو: الضحّاك بن مخلد بن الضحّاك بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة (٢١٢) أو بعدها.
(٣) أخرجه أبو داود في [الديات (٤٥٧٢) باب دية الجنين]، وابن ماجه في [الديات (٢٦٤١) باب الميراث من الدية]، والدارمي (٢٣٤١)، وابن حبّان (٦٠٢١)، والدارقطني (٣/ ١١٥ - ١١٧)، والطحاوي (٣/ ١٨٨)، والبيهقي (٨/ ١١٤)، من طريق أبي عاصم، والنسائي في [القسامة (٤٧٣٩) باب قتل المرأة بالمرأة] من طريق حجّاج بن محمّد، إلّا أن البيهقي قال بعد إيراد الحديث: "شكّ فيه عمرو ابن دينار، والمحفوظ أنّه قضى بديتها على عاقلة القاتلة". وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (٦/ ٣٦٧): " قوله: "أن تقتل" لم يذكر في غير هذه الرواية، وقد روي عن عمرو بن دينار أنّه شكّ في قتل المرأة بالمرأة ". =
[ ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: وأخرج الرواية التي شك فيها عمرو بن دينار الإمام أحمد (١/ ٣٦٤) من طريق عبد الرزّاق ومحمّد بن بكر البرساني كلاهما عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنّه سمع طاووسًا يخبر عن ابن عبّاس عن عمر أنّه شَهِد (كذا) قضاء النبيّ - ﷺ - في ذلك، فجاء حمل بن مالك بن النابغة، فقال: "كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها، فقضى النبيّ - ﷺ - في جنينها بغرّةِ عبدٍ وأن تقتل"، فقلت لعمرو: أخبرني ابن طاووس عن أبيه كذا وكذا - يعني: فقضى رسول الله - ﷺ - بديّتها وغرّةٍ في جنينها - فقال: لقد شكّكتني. ولعلّ هذا الشكّ أثّر في عمرو، فصار يرويه على الجادّة، فقد أخرجه دون ذكر الأمر بقتل المرأة عبد الرزّاق (١٨٣٤٣)، ومن طريقه الطبراني (٣٤٨٢)، والدارقطني (٣/ ١١٧)، والحاكم (٣/ ٥٧٥)، عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به مسندًا. وقد روي مرسلًا عن طاووس، من طريق سفيان بن عيينة، أخرجه الشافعي في "مسنده" (٢/ ١٠٣)، وأبو داود (٤٥٧٣)، وأخرجه النسائي (٤٨١٦)، والبيهقي من طريق حمّاد بن زيد كلاهما عن عمرو ابن دينار عن طاووس عن عمر مرسلًا، لم يذكر فيه ابن عبّاس، ولم يذكر فيه الأمر بقتل المرأة القاتلة. وأخرجه كذلك الشافعي في "مسنده" (٢/ ١٠٣ - ١٠٤)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ١١٤)، عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن طاووس عن طاووس عن عمر بنحوه. وأخرجه عبد الرزّاق (١٨٣٤٢) عن ابن جريج عن ابن طاووس عن طاووس قال: "ذُكر لعمر ابن الخطّاب قضاء رسول الله - ﷺ - في ذلك. . . فقضى رسول الله - ﷺ - بديتها وغرّة في جنينها". وأخرجه عبد الرزّاق (١٨٣٣٩)، ومن طريقه الدارقطني (٣/ ١١٧)، عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: "استشار عمر. . . فقضى رسول الله حتى بالدية في المرأة، وفي الجنين بغرّة" الحديث. أقول: وبهذا يتبين أنّ قوله في الحديث على المرأة القاتلة: "وأن تُقتَل" شاذّة، لم ترد إلّا في رواية حجّاج وأبي عاصم في حديث ابن عبّاس، فضلًا عن باقي روايات الحديث التي في الباب عن عبد الله ابن عمرو وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعبادة بن الصامت.
[ ٢٤٢ ]
أخبرني عبد الله بن محمّد بن عبد المؤمن قال: ثنا محمّد بن بكر بن داسة التمار بالبصرة قال: ثنا أبو داود قال: ثنا محمّد بن مسعود قال: ثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع طاووسًا عن ابن عبّاس عن عمر: أنّه سأل عن قصّة النبيّ - ﷺ - في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: "كنت بين امرأتين، فضربَت إحداهما الأخرى بِمِسْطَح فقتلَتها وجنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في جنينها بغرّة وأن تقتل".
وذكر الطحاوي (١) أنّ حجّاج بن محمّد الأعور تابع أبا عاصم على روايته هذه عن ابن جريج بإسنادها ومتنها، وذكر في المرأة أن تقتل مكانها.
ففي هذا الحديث أنّه قضى في المرأة بالقتل لا بالدية، فلا وجه لإثبات شبه العمد بما قد اختلف فيه ولم يثبت، والأحكام لا تستقرّ إلّا بما ثبت ولم يعارضه ما ينقضه.
فإن قيل: إنّ الحميديّ روى هذا الحديث عن هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج بإسناده (٢)، [و] (٣) أنّ ابن عيينة رواه عن عمرو عن طاووس مرسلًا (٤)، ولم يذكر قتل المرأة، وإنّ ذكر قتل المرأة غلط من أبي عاصم؟
قيل له: تابعه حجّاج بن محمّد مع معرفته بابن جريج، ولو تفرّد بها أبو عاصم
_________________
(١) لم أَهتَدِ إلى موضعه، وانظر: "المحلّى" (١٠/ ٣٨٢).
(٢) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٨٨) من طريق الحميدي.
(٣) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) بل مسندًا، كما سبق بيانه وعزوه (ص ٢٤١).
[ ٢٤٣ ]
وجب أن تقبل (١) لأنّها زيادة على ما قصّر عنه ابن عيينة وهشام بن سليمان عن ابن جريج؛ لأنّهم لم يذكروا قتل المرأة، ولا ديتَها، وقد ذكر أبو عاصم وحجّاج ما حذفه ابن عيينة (٢)، وقد روي عن عمر بن الخطّاب - ﵁ - أسعى شبه العمد، وقال: "يَعْمِد أحدُكم فيضرب أخاه بالعصا، ثمّ يقول: لا قود عليّ، لا أوتى بأحد فعل ذلك إلّا أَقَدتُّ منه" (٣).
وللذين أثبتوا شبه العمد اعتراض في حديث حمل بن مالك بن النابغة هذا، قالوا: إن كان ابن عيينة لم يذكر فيه قتل المرأة، فإنّ محمّد بن مسلم الطائفي وحمّاد بن زيد (٤) ومحمّد بن أبي جحادة (رووا) (٥) هذا الحديث عن عمرو بن دينار عن ابن طاووس (٦) أنّ عمر، هكذا مرسلًا، كما رواه ابن عيينة، وقالوا فيه: "وقضى في المرأة بالدية".
_________________
(١) في الأصل: "وجب أن لا تقبل"، بالنفي، وهو خطأ؛ لأنّ المصنِّف في صدد بيان ثبوت رواية أبي عاصم المتابع من حجّاج بن محمّد، والله أعلم.
(٢) قد بينت فيما سبق (ص ٢٤٢) أنّ رواية أبي عاصم وحجّاج شاذّة لمخالفتها، لا لأنّها زيادة، ففي رواية الناس أنّه حكم بالدية، وفي رواية أبي عاصم وحجّاج حكم بالقود، وقد ذكرنا أنّ عَمرًا شكّ في رواية: "وأن تُقتل"، فتنبّه.
(٣) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٨٩، وابن أبي شيبة (٢٧٦٨٦) من طريق زيد بن جبير الجُشْمِي عن جَرْوة بن حُمَيل عن أبيه عن عمر به.
(٤) روايته سبق الإشارة إلى موضعها (ص ٢٤٢).
(٥) في الأصل: "روى"، وهو خطأ.
(٦) هو: عبد الله بن طاووس بن كيسان اليماني، أبو محمّد، ثقة فاضل عابد، مات سنة ١٣٢ هـ.
[ ٢٤٤ ]
قالوا: فقد ثبت شبه [العمد] (١) في خبر حمل بن مالك - أيضًا - كما ثبت من رواية أبي هريرة وجابر وغيرهما.
قالوا: وأكثر أحوال خبر حمل بن مالك بن النابغة أن تُجعَل الرواية فيه معارضة فيسقط، وخبر أبي هريرة وجابر لم يُختَلَف عنهما فيه أنّ رسول الله - ﷺ -: "قَضَى عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَةِ".
قالوا: وقد روى شعبة وغيره عن قتادة عن أبي المليح الهذلي (٢) عن حمل ابن مالك بن النابغة هذه القصّة في الجنين والمرأة، وذكر أنّه جعل دية المرأة على عاقلة قاتلتها، ولم يختلف في ذلك عن قتادة (٣).
قالوا: وقد روى خبر ابن عبّاس سِماك عن عكرمة عن ابن عبّاس، فذكر أنّ رسول الله - ﷺ -: "قَضَى بِعَقْلِ المقْتُولَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، وَقَضَى فِي الجَنِينِ بِغُرَّةٍ" (٤).
_________________
(١) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها.
(٢) هو: أبو المليح بن أسامة بن عمير بن حنيف بن ناجية الهذلي، اسمه: عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة، توفّي سنة (٩٨ هـ)، وقيل: (١٠٨)، وقيل: بعد ذلك.
(٣) لم أعثر عليه من رواية شعبة، وقد أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١١/ ٤١٣)، وكذا الطبراني (٣٤٨٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، ورواه الطبراني بنحوه مختصرًا (٣٤٨٤) عن عبّاد بن منصور عن أبي المليح الهذلي عن حمل بن مالك بن النابغة به. وكذا عزاه المصنّف في "الاستذكار" (٨/ ٧٣) إلى شعبة.
(٤) أخرجه أبو داود في [الديات (٤٥٧٤) باب دية الجنين]، والنسائي في [القسامة (٤٨٢٨) باب صفة شبه العمد، وعلى من دية الأجنّة؟]، وابن حبّان - كما في "الإحسان" (٦٠١٩) - والطبراني في "الكبير" (١١٧٦٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٨/ ١١٥)، وهذا الإسناد ضعيف؛ لأنّ رواية سماك عن عكرمة =
[ ٢٤٥ ]
فهذا يقضي على خبر طاووس المختلِف.
قالوا: وقد روي عن عليّ أنّه أثبت شبه العمد، وروى شريك وغيره عن أبي إسحاق (١) عن عاصم بن ضمرة عن عليّ - ﵁ - قال: "شبه العمد بالعصا والحجر، وليس فيه قود" (٢).
وأمّا حديث جابر فحدّثناه عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغ قال: ثنا بكر بن حمّاد قال: ثنا مسدّد قال: ثنا عبد الواحد - يعني: ابن زياد - قال: ثنا مجالد (٣) عن الشعبي عن جابر: أنّ امرأتين من هذيل قتلَت إحداهما الأخرى ولكلّ واحدة منهما زوج وولد، فقال رسول الله - ﷺ - "دِيَّةُ المقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ القَاتِلَةِ وبرّأ أَهْلهَا (٤) وَوَلَدهَا"، فقال: عاقلة القاتلة ميراثها لنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "مِيرَاثُهَا
_________________
(١) = مضطربة، وفيه أسباط بن نصر الهمداني، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر، قال عنه الحافظ: "صدوق كثير الخطإ، يغرب"، ولكن للحديث شواهد يتقوّى بها سبقت، انظر (ص ٢٤١).
(٢) هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، مات سنة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك.
(٣) أخرجه الطحاوي (٣/ ١٨٩)، وإسناده ضعيف؛ لأنّ فيه شريكًا، وهو: ابن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثمّ الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وفيه أبو إسحاق، وهو مدلّس، وقد عنعن. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٧٦٦) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به، ولفظه: "قتيل السوط والعصا شبه العمد".
(٤) هو: ابن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفي، ليس بالقويّ، وقد تغيّر في آخر عمره، توفّي سنة (١٤٤ هـ).
(٥) كذا هي في الأصل، وفي "سنن أبي داود": "زوجها"، ولعلّه الصواب، والمعنى أنّ الزوج والولد لا يدفعان من الدية شيئًا، والله أعلم.
[ ٢٤٦ ]
لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا" (١)، قال: وكانت حُبلى وألقت جنينها فجاءت عاقلة القاتلة أن تَضْمِنَهم، فقالوا: يا رسول الله؛ لا شَرِب ولا أَكَل ولا صاح ولا اسْتَهَلَّ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "هَذَا سَجْعُ الجَاهِلِيَّةِ، فَقَضَى فِي الجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" (٢).
وقد ذكرنا في كتاب "التمهيد" (٣) كثيرًا من آثار هذا الباب عن جماعة من الصحابة عن النبيّ - ﷺ -.
وأمّا حديث المغيرة بن شعبة فذكر فيه جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبيد ابن (نضيلة) (٤) عن المغيرة: "أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - جَعَلَ دِيَةَ المقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ القَاتِلَةِ و(غُرَّةٍ) (٥) لمِا فِي بَطنِها" (٦).
قال أبو داود: "هكذا رواه الحكم عن مجاهد عن المغيرة" (٧).
_________________
(١) إلى هنا أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما - كما مرّ (ص ٢٣٥).
(٢) لم أجد هذه الزيادة في رواية المغيرة عند غير المصنِّف هنا.
(٣) انظر: "التمهيد" (٦/ ٤٧٧ - ٤٨١)، وأحال تفصيل الكلام على شبه العمد واختلاف العلماء فيه من جهة الأثر وما للعلماء فيها من الأقاويل والوجوه إلى كتابنا هذا، وانظر أيضًا: (٧/ ١٠٧)، وكذا "الاستذكار" (٨/ ٦٩ - ٧٤).
(٤) في الأصل: "فضيلة"، وهو خطأ، وفي "التقريب": "نضلة"، وهو خطأ - أيضًا - فينظر: "تهذيب الكمال"، و"تبصير المنتبه" لابن حجر (٤/ ١٤٢٢)، وهو الموافق لما في كتب الحديث. وهو عبيد بن نُضَيلة الخزاعي، أبو معاوية الكوفي، ثقة من الثانية، ووهم من ذكر أنّ له صحبة، مات في ولاية بشر على العراق.
(٥) في الأصل: "غيرة"، وهو خطأ.
(٦) أخرجه مسلم في [القسامة (١٦٨٢) باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطإ وشبه العمد على عاقلة الجاني].
(٧) انظره تحت الحديث رقم (٤٥٦٩)، كتاب الديات، باب دية الجنين.
[ ٢٤٧ ]
وقلت أنا: وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن منصور بإسناده ومعناه سواء، وكذلك رواه - أيضًا - سليمان التيمي عن منصور بإسناده مثله، وأمّا شعبة فرواه عن منصور بإسناده، وقال فيه: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى فِي الجَنِينِ بِغُرَّةٍ وَجَعَلَهَا عَلَى عَاقِلَةِ المرْأَةِ" (١)، ففي حديثه هذا؛ أنّ دية الجنين جعلها رسول الله - ﷺ - على العاقلة، ولم يذكر شعبة في حديثه هذا دية المرأة ولا قتلها، ويمكن أن تكون الدية المجعولة على العاقلة في حديث الهذليِّين دية الجنين دون غيرها والله أعلم.
فلا يكون فيه على مالك حجّة، وأمّا الرواية التي شهد محمّد بن مسلمة للمغيرة في هذا الحديث فإنّما هي في ذكر الجنين لا غير (٢)، وقد ذكرنا الاختلاف في دية الجنين على من تجب والحجّة لكل قول منها في "التمهيد"، وبالله العون والتوفيق.
_________________
(١) أخرجه مسلم في [القسامة (١٦٨٢) (٣٨) الباب نفسه]، وكذا أخرجه غير مسلم.
(٢) الرواية المقصودة أخرجها البخاري في [الديات (٦٩٥٥) و(٦٩٠٨) باب جنين المرأة]، وأخرجه في [الاعتصام بالكتاب والسنّة (٧٣١٧) باب ما جاء في اجتهاد القضاة بما أنزل الله تعالى]. وأخرجه مسلم في [الديات (١٦٨٢) (٣٩) باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطإ وشبه العمد على عاقلة الجاني].
[ ٢٤٨ ]