حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر ابن عمرو بن أمية عن أبيه (١) قال: "رأيتُ النبيَّ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَي عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ" (٢).
تابعه مَعمَر (٣)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - " (٤)
قلتَ: وأَسنَده الأوزاعي، ولم يُسنِده مَعمَر في متابعته؛ لأنّه لَم يذكر جعفرًا (بين) أبي سلمة و(بين) عمرو بن أمية (٥)، هكذا في كتابك، فقلتَ: ما
_________________
(١) عمرو بن أميّة بن خويلد بن عبد الله أبو أميّة الضمري، صحابيّ مشهور، مات في خلافة معاوية - ﵄ - قبل الستّين ("الإصابة" ٢/ ٥٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في الطهارة كتاب الوضوء (٢٠٥) باب المسح على الخفّين.
(٣) قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٦٩): "أي: تابع الأوزاعيَّ في المتن، لا في الإسناد، وهذا هو السبب في سياق المصنّف الإسناد ثانيًا، ليبيّن أنّه ليس في رواية معمر ذكر جعفر".
(٤) قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٦٩): "وذكر أبو ذَرٍّ في روايته لفظ المتن وهو قوله: "يمسح على عمامته"، زاد الكشميهني: "وخفّيه"، وسقط ذكر المتن من سائر الروايات في "الصحيح" ". اهـ أخرج هذه المتابعة البيهقي في "الكبرى" (١/ ٢٧٠) من طريق عبد الرزّاق أنبأ معمر عن يحيى بمثل إسناد البخاري، وفيه ذكر العمامة.
(٥) في الأصل في الموضعين: "عن"، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه. =
[ ١١٢ ]
معنى إدخال البخاري هذه المتابعة وهي غير مسندة؟
فالجواب:
إنّ إدخال البخاري متابعة مَعمَر للأوزاعي، إنّما ذلك لأنّه تابعه عن يحيى ابن أبي كثير في هذا الحديث على ذكر المسح على العمامة فيه (١)، وإن كان مَعمَر لم يَذكُر إسناد جعفر بن عمرو، وذكره الأوزاعي، وقد روى هذا الحديث عبد الرزّاق عن مَعمر بإسناده هذا عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية الضمري قال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ" (٢)، ولم يَزِد، ولم يَذكُر المسحَ على العمامة، وعبد الرزّاق من أَثبَت الناس في مَعمَر، وقد صَنَّف كتابًا جليلًا (٣) ذَكَر فيه باب المسح على العمامة، ولم يذكر فيه هذا الحديث، وذكره في باب المسح على الخفّين هكذا، لم يَذكُر
_________________
(١) = - الأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمر الأوزاعي أبو عمر، الفقيه، ثقة جليل، مات سنة (١٥٧)، ينظر: "تقريب التهذيب". - يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي: ثقة ثبت، لكنّه يُدلِّس وُيرسِل، توفّي (١٣٢) وقيل قبل ذلك؛ ينظر: "تقريب التهذيب".
(٢) ويؤيّده قول الحافظ: "أي في المتن لا في الإسناد، وهذا هو السبب في سياق المصنّف الإسناد ثانيًا، ليُبَيِّن أنّه ليس في رواية معمر ذكر جعفر"؛ انظر: "الفتح" (١/ ٣٦٩).
(٣) أخرجه عبد الرزّاق في "مصنّفه" (١/ ١٩١) ورقمه (٧٤٦)، وأخرجه أحمد في "المسند" (٤/ ١٧٩) من طريق عبد الرزّاق، وكذا البيهقي في "الكبرى" (١/ ٢٧١) من طريق عبد الرزّاق أيضًا. وأخرجه من طريق أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق به، دون ذكر العمامة.
(٤) يقصد كتابه "المصنّف"، وهو مطبوع بتحقيق الشيخ حَبِيب الرحمن الأعظمي.
[ ١١٣ ]
فيه المسح على العمامة، والبخاري لا يُدفع صدقه، وإنّما كان عنده حديث مَعمَر من غير رواية عبد الرزّاق (١)، أو حَدَّثه عن عبد الرزّاق بِما ذَكَر مَن وَثِق به مِمَّن لم يَتَّفق مع ما جاء به، وحَسبُك ما ذَكرَه في مَصنَّفه على أنّ المصنَف عندهم لمِعمَر (٢)، وليس في حديث عمرو بن أمية المسح على العمامة، والله المستعان.
ولم يُراعِ البخاري في متابعة مَعمَر الإسناد، إنّما راعي المسح على العمامة؛ لأنّه مَوضِع الاختلاف فيما قد جعله بابًا وأصلًا في كتابه.
فأمّا قولُك: "ولم يُسنِده مَعمَر"، فقد أسنده، وذكر فيه عن عمرو: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - "، وهذا في لفظ حديثه في كتابِك، والذي صَنَع مَعمَر فيه إسقاط جعفر ابن عمرو من إسناده، وكذلك رواه جماعة لم يذكروا جعفر [١]، (٣) من رواة الأوزاعي وغيره، [و] (٣) ممّن رواه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية، لم يذكروا جعفرًا: الوليد بن مسلم (٤)، وأيُّوب
_________________
(١) "وهي ما أخرجه ابن منده في "كتاب الطهارة" له من طريق مَعمَر بإثباتها"، قاله ابن حجر.
(٢) المقصود به "الجامع" لمعمر بن راشد (ينظر آخر المصنّف لعبد الرزاق).
(٣) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) ابن ماجه (١/ ١٨٦/ ٥٦٢) وفيه ذكر جعفر، وقال المزّي في "تحفة الأشراف" (٨/ ١٣٩): "حديث: "رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على الخفّين والعمامة" ق في الطهارة عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو بن أميّة به، تابعه معمر عن يحيى". وأخرجه - أيضًا - ابن حبّان - كما في "الإحسان" (٤/ ١٧٣ برقم: ١٣٤٣) - من طريق عبد الله بن محمّد ابن مسلم قال حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - وهو دحيم شيخ ابن ماجه فيه - حدّثنا الوليد بن مسلم فقال في السند: عن أبي سلمة قال حدّثني جعفر بن عمرو عن أبيه.
[ ١١٤ ]
ابن سويد (١)، ومحمّد بن كثير (٢)، وذكروا فيه المسح على العمامة، وكان الوليد ابن مسلم ربّما لم يذكر ذلك.
وقد روى هذا الحديث يونس بن يزيد عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية: "أَنَّه رَأَي النَّبِيَّ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَي الخُفَّيْنِ"، لم يَذكُر العمامة، ولا ذكر جعفرًا.
ولم يَذكُر في هذا الحديث جعفرَ بن عمرو من رواةِ الأوزاعي - فيما علمتُ - إلّا أبو المغيرة عبد الله بن داود الخريبي (٣)، وربّما قَصَّر الخريبي عن ذكر العمامة فيه.
وروى هذا الحديث جماعة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، ولم يذكروا المسح على العمامة، وكذلك رواه جماعة عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، لم يذكروا فيه المسح على العمامة فربما (٤) لا يزيد في هذا الحديث عن جعفر بن عمرو، عن أبيه على قوله.
وقد رُوِي هذا الحديث عن أبي سلمة عن المغيرة (٥)، وعن أبي سلمة عن
_________________
(١) لم أجدها.
(٢) قال ابن أبي حاتم (١/ ٦٧ رقم: ١٧٩): "سألت أبي عن حديث رواه محمّد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عمرو بن أميّة الضمري قال: "رأيت النبيّ - ﷺ - يمسح على الخفّين والعمامة"، فقال أبي: إنمّا هو أبو سلمة عن جعفر بن عمرو بن أميّة عن أبيه عن النبيّ - ﷺ - ".
(٣) رواه ابن خزيمة (١/ ٩٢).
(٤) زاد الناسخ حرف الواو سهوًا، ويقع منه هذا في النسخة.
(٥) لم أجده بهذا الإسناد.
[ ١١٥ ]
أبي هريرة (١)، وليس في واحد منهما ذكر المسح على العمامة، وربما كان حديث أبي سلمة عن أبي هريرة حديثًا آخر، ولكن مَن عَلَّلَه جعلَه واحدًا، والاضطرابُ في حديث عَمرو ابن أُمَيَّة في المسح على العمامة عظيم، وهو حديث لا يثبت عند أكثر أهل العلم بالحديث (٢)، لم يُخرِّجه أبو داود، ولا أحمد بن شعيب (٣).
وقد ذكر النسائي في المسح على العمامة أبوابًا من حديث المغيرة وبلال، ولم يذكر حديث عمرو بن أُميّة، وأبو داود فلم يَصِحّ عنده في المسح على العمامة شيءٌ أَلْبَتَّة (٤)، وللبخاري انفرادات في أحاديث يُخرِجُها، وأحاديث يَذكُرها لا يُتابِعُه أحدٌ عليها، والكمال لذي العزّة والجلال.
* * *
_________________
(١) لم أجده بهذا الإسناد.
(٢) صحّحه جمع من أهل العلم منهم البخاري حيث أودعه في "صحيحه"، وكذا الدارمي في "المسند" (١/ ٥٥٤ ورقمه ٧٣٧)، وفيه بعد أن أخرجه: قيل لأبي محمّد: أتأخذ به؟ قال: إي والله. وابن خزيمة كما في "الصحيح" برقم (١٨١)، وكذا ردّ تعليله الحافظ ابن حجر بدلائل قويّة، كما في "الفتح" (١/ ٣٦٩).
(٣) وهو النسائي، صاحب "السنن".
(٤) صحّ عنده حديث ثوبان كما في "السنن" باب المسح على العمامة برقم (١٤٦)، وأخرج أيضًا حديث أنس بن مالك من طريق أبي معقل عن أنس. وأبو معقل مجهول، كما قال الحافظ، إلّا أن يكون ابن عبد البرّ يقصد: لم يصحّ عند أبي داود من حديث عمرو بن أميّة شيء، فهذا صحيح، والله أعلم.
[ ١١٦ ]