حَدِيثُ طَلْحَةَ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ" (١).
قُلْتَ: وَرَوَى الْبُخَارِي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى جنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ اْلأنْصَارِ، فَكَانَ مِمَّا حَفِظْتُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُ ارْحَمْهُ،
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في [الجنائز (١٣٣٥) باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة] من طريق شعبة وسفيان عن سعد بن إبراهيم عن طلحة به. وقد جمع الشيخ الألباني في كتابه النفيس "أحكام الجنائز" (ص ١٥١) بين روايات هذا الحديث، فقال: "ثمّ يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة، لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: "صلّيت خلف ابن عبّاس - ﷺ - على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتّى أسمعنا، فلمّا فرغ أخذت بيده فسألته فقال: إنّما جهرت لتعلموا أنها سنّة وحقّ". وعزاه لأبي داود والنسائي والترمذي وابن الجارود في "المنتقى" والدارقطني والحاكم. قلت: وأخرج الشافعي في "الأمّ" (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٩)، وابن الجارود (٢٦٥)، وابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ٤٣٦) عن الزهري عن أبي أمامة أنّه أخبره رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ -: "إنّ السُّنة في الصلاة على الجنازة أن يكبّر الإمام ثمّ يقرأ بفاتحة الكتاب ". وصحّحه الألباني كما في "أحكام الجنائز" (ص ١٥٥). قال الشافعي: "وأصحاب النبىّ - ﷺ - لا يقولون بالسُّنّة والحقّ إلّا السنّة رسول الله - ﷺ - إن شاء الله تعالى".
[ ١٨٢ ]
إِلَى آخِرِ الْدُّعَاء " (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ فَاتِحَةَ الكِتَابِ؟
فالجواب:
إنّ طلحةَ؛ هذا الذي روى عن ابن عبّاس، أحدُ الثقات الأثبات الأشراف، وهو طلحة بن عبد الله بن عوف بن أخي عبد الرحمن بن عوف، يُكنّي أبا محمّد، من علماء أهل المدينة، وكان من سروات قريش وأجوادهم، وكان قد وَلِيَ المدينة، فكان سعيد ابن المسيِّب يقول إذا ذكره: "ما وَلِيَنا مثله"، تُوفِّي سنة سبع وتسعين.
وإسناد حديثه هذا أصحّ من إسناد حديث عوف بن مالك، ولو كان حديث عوف بن مالك ثابتًا (٢) ما كان فيه شيء يعارض حديث ابن عبّاس هذا.
لأنّ عوفًا إنّما قال: فكان ما حَفِظتُ من دعاء رسول الله - ﷺ - خاصّة دون القراءة التي هي محفوظة على كلّ لسان عنده، أو يكون لم يسمع من ذلك إلّا ما ذكر، وليس من قال: لم أسمع ولم أحضر ولم أعلم، بشاهد؛ لأنّ الشاهد مَن أثبت لا مَن نفى.
وليس يعارض قولُ المثبِت بقول النافي، وقد أخبر ابن عبّاس أنّ قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة سُنّة، وقال هذا القول ليُثْبِت الحجّة فيها.
_________________
(١) حديث عوف بن مالك لم يخرجه البخاري، وإنّما أخرجه مسلم في [الجنائز (٩٦٣) باب الدعاء للميت في الصلاة] من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك بلفظ: صلّى رسول الله - ﷺ - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهمّ اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه " وذكر الحديث.
(٢) بل هو ثابت، فقد أخرجه مسلم وغيره كما مرّ قريبًا.
[ ١٨٣ ]
ولفظ ما أوردتَه من حديث ابن عبّاس في سؤالك ناقص، وإنّما الحديث: "أنّ ابن عبّاس قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب فجهر بها، ثمّ لمّا انصرف قال: إنّما جهرتُ بها لتعلموا أنّ قراءتَها سُنّة" (١).
وإنّما كان يكون حديث عوف معارضًا لمِا قال ابن عبّاس، لو قال عوف: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تقرؤوا على الجنازة بفاتحة الكتاب"، فحينئذ كان يصحّ التعارض، فيطلب الدليل على الناسخ منهما من المنسوخ، على أنّ كلّ مَن قال بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة من الفقهاء لا يمنع ولا يَدفع أن يُدعى للميّت مع قراءتها بما في حديث عوف بن مالك من الدعاء، وبأكثر وبأقلّ، وكلّهم يستعمل حديث عوف بن مالك، ومثله في ذلك ولا يأباه؛ مع قراءة فاتحة الكتاب.
والذين يقولون بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، يختلفون على قولين، فطائفة منهم تقول بقراءة فاتحة الكتاب عقيب كلّ تكبيرة وتدعو بإثرها؛ لأنّ التكبيرة في الصلاة مقام ركعة في غيرها؛ روي ذلك عن أبي هريرة (٢) والمِسْوَر بن مَخْرَمة.
وبعض المحدّثين يرفع حديثهما أيضًا؛ وهو قول الحسن بن عليّ والحسن البصري (٣)، ومحمّد بن سيرين، وشَهْر بن حَوْشَب، وفِرْقة من أهل الظاهر.
_________________
(١) سبق تخريجه وعزوه (ص ١٨٢).
(٢) جاء في "الأوسط" لابن المنذر (٥/ ٤٣٩) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه اّنه سأل أبا هريرة: كيف تصلّي على الجنازة؟ قال: "أنا لعمر الله أخبرك؛ اتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبّرت، وحمدت الله، وصلّيت على نبيّه محمّد - ﷺ - ثمّ أقول: اللهمّ عبدك " وذكر الحديث، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة (٣/ ٢٩٨) من طريق ابن عون: "أنّ الحسن كان يقرأ بفاتحة الكتاب في كل تكبيرة على الجنازة"، وكذلك هو عند عبد الرزاق (٣/ ٤٩١/ ٦٣٤١) من طريق يونس عنه.
[ ١٨٤ ]
وقال آخرون: لا يُقرأُ عليها بفاتحة الكتاب إلّا مرّة واحدة عقيب التكبيرة الأولى، وهذا قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود بن عليّ، وروي ذلك عن ابن عبّاس من وجوه، وعن ابن مسعود وعثمان بن حنيف وابن الزبير و(عبيد) (١) ابن عمير وأبي أمامة بن سهل بن حنيف.
وقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة مشهور معلوم بالمدينة، والاختلاف في هذه المسألة بالمدينة معروف (٢)، ومِمَّن قال: ليس في الصلاة على الجنازة قراءة، وإنّما هو دعاء، مالك وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي ذلك عن ابن عمر (٣) وفَضالة ابن عُبَيد، وقد روي - أيضًا - عن أبي هريرة خلاف الرواية الأولى، وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيّب والشعبي والحكم وحمّاد.
وروي - أيضًا - عن ابن سيرين خلاف الرواية الأولى (٤)، ومن طريق النظر أنّها
_________________
(١) في الأصل: "عبد"، والصواب المثبت، وهو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكّي، ولد على عهد النبيّ - ﷺ -، قاله مسلم، وعدّه غيره في كبار التابعين، وكان قاصّ أهل مكّة، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر.
(٢) ذكر ابن حزم في "المحلّى" (١/ ٣٥١ - ٣٥٤) الخلاف في المسألة، وذكر الخلاف عن أهل المدينة، فقال: "وهم يعظّمون خلاف أهل المدينة، وهاهنا أريناهم عمل الصحابة وسعيد بن المسيِّب وأبي أمامة والزهري، علماء أهل المدينة، وخالفوهم، وبالله تعالى التوفيق".
(٣) صح عنه كما في "الموطّأ" في [الجنائز (١٩) باب ما يقول المصلّي على الجنازة؟] من طريق نافع أنّ عبد الله ابن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة.
(٤) ينظر للخلاف في القراءة خلف صلاة الجنازة: "الاستذكار" (٣/ ٤٠)، و"الأمّ" للشافعي (١/ ٢٧٠)، و"مسائل أبي داود للإمام أحمد" (ص ١٥٣)، و"الأوسط" لابن المنذر (٥/ ٤٣٨)، و"نيل الأوطار" =
[ ١٨٥ ]
كسائر الصلوات؛ لأنّها لا ركوع فيها ولا سجود ولا تشهّد، فغير نكير أن تكون خارجة من عموم قول رسول الله - ﷺ -: "لاَ صَلاة لمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ"، لكنّهم قد أجمعوا على أنّها لا تُصلَّى على غير طهارة، ولا إلى غير القبلة، إلّا الشعبي وحده، فإنّه شذّ عن العلماء في هذه المسألة وأجازها بغير وضوء ولا تيمّم، وقال: "إنّما هو دعاء" (١)، ومسائل الخلاف يطول الكلام فيها، فلا وجه للتعريض بذلك، وفيما أتينا به بيان ما سألت عنه إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) = (٤/ ٦٩ - ٧٠)، و"المغني" (٣/ ٤١١)، و"المحلى" (٣/ ٣٥١ - ٣٥٤)، و"المدونة الكبرى" (١/ ١٧٤)، و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (١/ ٣٦٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٨/ ١١٤٧٨) من طريق يزيد بن هارون قال: نا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي في الرجل يحضر الجنازة وهو على غير وضوء؟ قال: "يصلّي عليها". ورواه من طريق وكيع عن سهل ومطيع عن الشعبي قال: "يصلّي عليها"، زاد فيه مطيع: "ليس فيه ركوع ولا سجود". إسناد الأوّل صحيح.
[ ١٨٦ ]