حَدِيثُ ابْنِ عبَّاسٍ إِذْ بَاتَ عَنْدَ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلّى، فَذَكَرَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (٢)، قلتَ: وَرَوَتْ عَائِشَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فِيهَا الْوِتْرُ وَرَكعَتَا الْفَجْرِ (٣)، وسألت التعريف بالصحيح من هذا؟
_________________
(١) في الأصل: "الثاني عشر"، والظاهر أنّ الناسخ أخطأ في الترقيم؛ لأن هذا الحديث ترتيبه "الحادي عشر"، وقد صحّحت ترتيب ما تبقى من الأحاديث.
(٢) حديث ابن عبَّاس أخرجه البخاري في مواضع منها: [كتاب الوضوء (١٨٣) باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره]، وفي [الوتر (٩٩٢) باب ما جاء في الوتر]، وأخرجه مسلم في [كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٦٣) باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه].
(٣) لم أجد في رواية عائشة ما ذُكر، بل الثابت كما في "صحيح مسلم" في [صلاة المسافرين (٧٣٦)]، وغيره من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أنّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّى بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منه اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيصلّى ركعتين خفيفتين"، وفي رواية عند مسلم: "يسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة". وفي رواية عراك عن عروة عنها: "كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر" وفيه عنها: "كان النبى - ﷺ - يقوم بتسع ركعات"، وفيه وفي "صحيح البخاري" (١١٤٧) عنها: "كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: أربعًا، أربعًا، وثلاثًا". وعنها: "كان يصلّى ثلاث عشرة ركعة: ثمانيًا، ثمَّ يوتر، ثمّ يصلّى ركعتين وهو جالس، ثمَّ يصلّى ركعتي الفجر"، أخرجه البخاري في [الأذان (٦١٩) باب الأذان بعد الفجر]، وفي [التهجّد (١١٥٩) باب =
[ ١٧٨ ]
فالجواب:
إنّها آثار ثابتة كلُّها من جهة النقل، نقلها مالك وغيره من الثقات، وليس منها شيء متعارض، ولا يخلو الأمر فيها من أحد وجهين؛ إمّا أن تكون الركعتان الزائدتان على الإحدى عشرة ركعتي الفجر على ما في حديث عائشة، فيكون حديث عائشة مفسّرًا لمِا أجْمَلَه ابن عبّاس، وتكون الزيادة على ذلك مقبولة، كما يقبل الأثر المنفرد، وإمّا أن يكون رسول الله - ﷺ - صلّى ثلاث عشرة ركعة مرّات وإحدى عشرة مرّة، وكان يصلّي كذا، كذا أبدًا، فيكون ذلك دليلًا على ما عليه جماعة الفقهاء من أنّ صلاة الليل ليست مقدَّرة محدودة بعدد معلوم (١)، وأنّ للمرء أن يزيد فيها وينقص، والصلاة كما قال رسول الله - ﷺ - في حديث أبي ذرّ: "خَيْرُ مَوْضُوعٍ؛ فَمَنْ شَاءَ اسْتكْثَرَ، وَمَنْ شَاءَ
_________________
(١) = المداومة على ركعتي الفجر]، ومسلم في [صلاة المسافرين (٧٣٨) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبيّ - ﷺ - في الليل]. وأخرج البخاري في [التهجّد (١١٦٤) باب ما يقرأ في ركعتي الفجر، وغيره من طريق مالك عن هشام ابن عروة عن أببه عن عائشة: "كان رسول الله - ﷺ - يصلّي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثمَّ يصلّى إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين"، وفي رواية للإمام أحمد (٦/ ٢٣٠): ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منها إلاّ في آخرها". قال الشيخ الألباني في "تمام المنّة" (٢٤٩ - ٢٥٢): "وإسناده على شرط الشيخين". لكن رواية هشام هذه شاذّة كما ذكر العلّامة الألباني، وانظر تحقيقًا بديعًا له في الكتاب المذكور آنفًا.
(٢) قال في "التمهيد" (١٣/ ٢١٤): "وليس في عدد الركعات من صلاة الليل حدّ محدود عن أحد من أهل العلم لا يتعدّى، وإنَّما الصلاة خير موضوع ".
[ ١٧٩ ]
اسْتَقَلَّ" (١).
وكذلك أعمال البرّ كلّها.
وأيّ الأمرين كان فليس فيه حكم، وإنّما هي إباحة وفعل خير.
وفى أحاديث عائشة - ﵂ - في صلاة الليل للنقلة من الحجازيين والعراقيين اختلاف واضطراب، وللعلماء فيها مذاهب (٢).
_________________
(١) حديث أبي ذرّ أخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ١٧٨)، وابن حبّان (٢/ ٧٦/ ٣٦١)، والحارث - كما في بغية الباحث - (١/ ٥٣/١٩٥) عن أبي ذرّ بإسناد ضعيف، وأخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٨٤/ ٢٤٣) عن أبي هريرة، وأخرجه الإمام أحمد (٥/ ٢٦٥) عن أبي أمامة، قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٢١): سنده ضعيف، وقال الهيثمي بعد أن أورده من طريقين (١/ ١٥٩) و(١/ ١٦٠)، قال عن الأوّل: "فيها المسعودي، وهو ثقة، لكنه اختلط"، وقال عن الثاني: "مداره على على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف". ورواه ابن أبي عاصم في "كتاب الزهد" (١/ ٢٨٧) موقوفًا على الحسن. وأورده الألباني من حديث أبي هريرة في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ٢٨٠) وقال: "حسن لغيره".
(٢) قال ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٢١) نقلًا عن القرطبي: "أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا يتمّ لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أخبرت عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعدّدة، وأحوال مختلفة، بحسب النشاط، وبيان الجواز، والله أعلم". وقال في الجمع بين مختلف روايات عائشة (٣/ ٢٠): فمن رواية مسروق قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: "سبع، وتسع، وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر". أمّا من رواية القاسم بن محمّد: "كان يصلّى من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر". وفي رواية لمسلم من هذا الوجه: "كانت صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة ويركع ركعتي الفجر =
[ ١٨٠ ]
وكلّ حديث لها في ذلك ليس فيه جلوس في اثنتين ولا سلام، فهو مجمل يقضي عنه حديث ابن عمر عن النبيّ - ﷺ -: "صَلَاةُ اللّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى"، وقوله: "مثنى" يقتضي الجلوس والسلام في كلّ ركعتين (١)، إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
_________________
(١) = فتلك ثلاث عشرة ركعة"، فأمّا ما أجابت به مسروقًا فمرادها أنّ ذلك وقع منه بأوقات مختلفة، فتارة كان يصلّي سبعًا، وتارة تسعًا، وتارة إحدى عشرة، وأمّا حديث القاسم فمحمول على أنّ ذلك كان غالب أحواله إلخ. كما ذكر الجمع بين مختلف الروايات لحديث ابن عبّاس (٢/ ٤٨٣). فائدة: ذكر الحافظ ابن حجر (٣/ ٢١): "من الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أنّ التهجّد والوتر مختصّ بصلاة الليل، وفرائض النهار: الظهر وهي أربع، والعصر وهي أربع، والمغرب وهي ثلاث، وهي وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلًا، وأمّا مناسبة ثلاث عشرة فبضمّ صلاة الصبح - لكونها نهارية - إلى ما بعدها".
(٢) بل خرّج مسلم كما سبق (ص ١٧٨) في [كتاب المسافرين] حديث عائشة بطرقه، فذكر طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وفيه: " يسلّم بين كل ركعتين".
[ ١٨١ ]