هي المسألة التي ختمتَ بها كتابَك وزعمتَ أنّها من مُعضِلات المسائل، وقلت: إنّا تنازعنا في رؤيا الأنبياء ﵈ إن كانت كلُّها وحيًا، وهل يجوز فيها الضغث؟ وقلت: احتجّ من جوّز الضغث فيها بحديث عائشة - ﵂ - أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيُقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ، وَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ" (١).
فقال المعترِض: كيف يقول النبيّ - ﷺ -: "إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ" وهو يعلم أنّ رؤيا الأنبياء ﵈ كلّها وحي، وأنّها من عند الله.
واحتجّ - أيضًا - بحديث نوم النبيّ - ﷺ - عن صلاة الصبح في سفره حتَّى طلعت الشمس (٢).
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في [النكاح (٥٠٧٨) باب نكاح الأبكار]، وفيه [(٥١٢٥) باب النظر إلى المرأة قبل التزويج]، وأخرجه في [التعبير (٧٠١١) باب كشف المرأة في المنام و(٧٠١٢) باب ثياب الحرير في المنام]، وأخرجه مسلم في أفضائل الصحابة (٢٤٣٨) (٧٩) باب في فضل عائشة - ﵂ - من طريق أبي أسامة حمّاد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في كتاب [المساجد ومواضع الصلاة (٦٨٠) (٣٠٩) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها]، من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة.
[ ٢٥٣ ]
واحتجّ برؤيا يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]، قال: فلو كانت رؤيا الأنبياء كلّها حقّا ما قال: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.
قلتَ: واحتجّ عليه من خالفه ولم يُجوِّز على النبيّ - ﷺ - الضغث في رؤياه بقول ابن عبّاس - ﵄ -: "رؤيا الأنبياء وحي" (١)، ويقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، واحتجّ - أيضًا - بقول رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلاَ يَنَامُ قَلْبي" (٢).
قال: ولو كان هو وغيره سواء (٣).
فأَفْتِنا بالصواب مأجورًا إن شاء الله تعالى.
فالجواب:
إنّ الصحيح عندنا في هذه المسألة ما قاله ابن عبّاس: "رؤيا الأنبياء حقّ"؛ لأنّه قد روى عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأنبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُنَا" (٤)، وما نزع به ابن عبّاس من كتاب الله قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، فجعله مأمورًا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢٣٠٢)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٧٦): "رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمّد بن أبي مريم، وهو ضعيف، وبقيّة رجاله رجال الصحيح"، وعزاه ابن كثير (٤/ ١٤) إلى ابن [أبي] حاتم، لكن في إسناده: "سماك عن عكرمة"، وهو مضطرب فيه.
(٢) سبق عزوه إلى مظانّه، انظر (ص ١٥٨).
(٣) كذا في الأصل، ويظهر أنّ الكلام غير تامّ.
(٤) سبق (ص ١٦٠).
[ ٢٥٤ ]
من ربّه بما أراه في منامه.
وفي الحديث المأثور في الذبيح: أنّ إبليس لمّا اعترض إبراهيمَ في مسيره بابنه إلى الذبح قال له إبراهيم: "إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي بِذَلِكَ" (١)، فهذا كلّه يعضد قولَ ابنِ عبّاس: "رؤيا الأنبياء وحي".
ولا أعلم لابن عبّاس في ذلك من الصحابة مخالفًا.
وأمّا ما نزع به المخالف من حديث عائشة: "إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ"، فالجواب عن ذلك؛ أنّ تلك الرؤيا كانت بمكّة قبل المبعث (٢)، ومن قول يوسف ﵇:
_________________
(١) لم أجده بهذا السياق عند غير المصنِّف هنا، وعزاه ابن كثير (٤/ ١٥) إلى عبد الرزّاق أخبرنا معمر عن الزهري أخبرنا القاسم قال: "اجتمع أبو هريرة وكعب الأحبار. . . ولحق إبراهيم ﵊، فقال: أين غدوت بابنك؟ قال: لحاجة، قال: فإنّك لم تَغْدُ به لحاجة، وإنّما غدوت به لتذبحه، قال: ولِمَ أَذبَحُه؟ قال: تزعم أنّ ربّك أمرك بذلك، قال: فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك لأفعلنّ، قال: فتركه، ويئس أن يطاع" الحديث.
(٢) ذكر القاضي عياض في "الإكمال" (٧/ ٤٤٥) أنّ المقصود أنّها رؤيا حقّ وقبل النبوة، وقبل تخليصه من الأضغاث، وإن يكن بعد النبوة فلها ثلاث معان: * هل هي رؤيا وحي، على ظاهرها وحقيقتها، أو هي رؤيا وحي لها تعبير؟ * التردّد: هل هي زوجته في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط؟ * أنه لفظ شكّ لا يراد به ظاهره، وهو أبلغ في التحقيق، ويسمى في البلاغة: "مزج الشك باليقين". وقد ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٢/ ٤١٨) تحت الحديث رقم (٧٠١٢) عن ابن بطال وغيره، حيث جوزوا أن تكون هذه الرؤيا قبل المبعث، لكن دفعه بما ذكره من رواية حماد بن سلمة في هذا الحديث، ولفظه: "أوتيت بجارية في سرقة من حرير بعد وفاة خديجة، فكشفتها فإذا هي أنتِ"، قال الحافظ: "وهذا يدفع الاحتمال الذي ذكره ابن بطال ومن تبعه، حيث جوّزوا أنّ هذه الرؤيا قبل أن يوحى إليه".
[ ٢٥٥ ]
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ فلا حجّة له فيما نزع به من ذلك بما ظنّه من تأويلها وقد كان يوسف رآها وهو غلام، وأمّا احتجاجه بنوم النبيّ - ﷺ - في سفره عن صلاة الصبح حتّى طلعت الشمس، فجهلٌ وعَيٌّ وغباوة؛ لأنّه ليس من هذا الباب في شيء، وإنّما هو من باب قوله - ﷺ -: "إِنِّي أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ" (١)، وفي حديث آخر: "إِنِّي لأُنَسَّى لأَسُنَّ" (٢) - شكّ المحدّث - وكان نومه في سفره ذلك ليقع بيانه في أنّ الناسي
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في [الصلاة (٤٠١) باب التوجّه نحو القبلة حيث كان]، ومسلم في [كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٧٢) باب السهو في الصلاة والسجود لها].
(٢) الحديث أخرجه مالك في "الموطّأ" بلاغا في كتاب السهو (١/ ١٠٤/ رقم: ٢)، باب العمل في السهو. قال أبو العبّاس الداني في "أطراف الموطّأ": "هذا غريب، يقال: إنّ مالكًا انفرد به". وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٣٧٥): "هذا الحديث بهذا اللفظ لا أعلمه يروى عن النبيّ - ﷺ - بوجه من الوجوه مسندًا ولا مقطوعًا من غير وجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة في "الموطّأ" التي لا توجد في غيره مسندة، ولا مرسلة، والله أعلم، ومعناه صحيح في الأصول". وقال الألباني في "الضعيفة" (١/ ٢١٨/ رقم: ١٠١): "باطل لا أصل له". أقول: قد ذكر أبو العبّاس الداني في "أطراف الموطّأ" للحديث شاهدًا، فقال: "وقوله - ﷺ -: "إنّي أنسى أو أُنَسَّى لأسنّ" جاء معناه في حديث النوم عن الصلاة لابن مسعود، قال فيه: "إنّ الله تعالى لو أراد أن لا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن تكون سنّة لمن بعدكم"، خرّجه أبو داود سليمان الطيالسي". قلت: أخرجه في "مسنده" (ص ٤٩ - ٥٠/ رقم: ٣٧٧) عن شعبة والمسعودي عن جامع بن شدّاد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة القاري عن عبد الله بن مسعود قال: "كنّا مع رسول الله - ﷺ - مرجعه من الحديبية، فعرّسنا. . ." فذكره، وهذا إسناد حسن، والمسعودي هو: عبد الرحمن بن عبد الله، وإن كان قد اختلط لكنّه توبع. =
[ ٢٥٦ ]
لا يسقط عنه من الصلاة ما فرض عليه، وإنّ النائم وإن كان القلم عنه مرفوعًا فإنّ فرضَ الصلاة غيرُ ساقط عنه، وليس منه ذلك عملًا وقولًا، كما سكت عن السائل عن وقت الصلاة فأراه العمل أوّل وقتها وآخره كما قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١)، وقال في حَجّته: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (٢)، ليقع البيان منه عملًا كما كان يقع منه قولًا، قال الله ﷿ مخاطبًا له صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
_________________
(١) = والحديث أخرجه - أيضًا - الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٩١) من طريق يزيد بن هارون، وأبو يعلى في "المسند" (٩/ ١٨٧/ رقم: ٥٢٨٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٧٨/ رقم ١٠٥٤٨) من طريق قرّة بن حبيب القَنَوي، ثلاثتهم عن المسعودي به. قال ابن رجب عقب حديث ابن مسعود ["فتح الباري" (٣/ ٣٢٧)]: "يشبه هذا الحديث ما ذكره مالك في "الموطّأ" أنّه بلغه عن النبيّ - ﷺ -، وقال: "إنّما أنسّى لأسنّ". وقال ابن رجب في "فتح الباري" (٣/ ٣٢٨): "وقد قيل: إنّ هذا - يعني: حديث النسيان - لم يعرف له إسناد بالكلّية، ولكن في "تاريخ المفضل بن غسان الغلابي": "حدّثنا سعيد بن عامر قال: سمعت عبد الله بن المبارك قال: قالت عائشة: قال رسول الله - ﷺ -: " إنّما أنسّى أو أسهو لأسُنّ". قلت: هذا مع انقطاعه، فيه ردّ على ابن عبد البرّ وأمثاله القائلين بأنّ الحديث ليس له إسناد بالكلّية، والله أعلم".
(٢) أخرجه البخاري في [الأذان (٦٣١) باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة]، وأخرجه مسلم في [كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٦٧٤) باب من أحقّ بالإمامة].
(٣) أخرجه مسلم في [الحجّ (١٢٩٧) باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله - ﷺ -: "لتأخذوا مناسككم"].
[ ٢٥٧ ]
فهذا باب ليس من الباب الأوّل، والله ﷾ أعلم؛ الموفّق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وأزواجه، وأصحابه صلاةً دائمةً بلا انقضاء ولا نهاية، الحمد لله ربّ العالمين، حَمْدًا يُوافِي نعمه، ويكافئ مزيده (١).
_________________
(١) ذكر بعض أهل العلم أنّ أفضل صيغ الحمد: "الحمد لله يوافي نعمه ويكافئ مزيده". واحتجّ لما ورد عن أبي تصر التَمَّار أنه قال: قال آدم ﵇: يا ربِّ شغلتني بكسب يديَّ فعلِّمني شيئًا من مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله إليه: يا آدام إذا أصبحت فقل ثلاثًا: "الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فذلك مجامع الحمد". وقد رفع هذا الأمر ابن القيّم ﵀ فأنكره على قائله غاية الإنكار وبيّن ﵀ أنّ ذلك لم يرد عن النبي - ﷺ - في شيء من الصحاح أو السنن أو المسانيد، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة وبسط القول في ذلك في رسالة مفردة. يرجع إلى كتاب "صيغ الحمد" المطبوع باسم "مطالع السعد" (ص: ٩٨ و٤١، ٤٤)، وانظر أيضًا فقه الأدعية والأذكار القسم الأول (ص: ٢٦٠، ٢٦٣).
[ ٢٥٨ ]