حديث عائشة - ﵂ -: "أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهمُ الصُّلاَةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، (فَشَكَوْا) (١) ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ" (٢).
هكذا ذكرتَ الحديث في كتابك؛ فقلت: فكأنَّ البخاريَّ - ﵀ - جوَّز الصلاة عند العُذر وامتِناع التيمّم بغير تيمُّم؟
فالجواب
إنَّ هذا الباب قد اختَلَف فيه العلماءُ قديمًا، وتنازع فيه فقهاءُ الأمصار، فذهب منهم قومٌ إلى أن المَحبُوسين في المِصرِ، والمهدم عليهم، والمصلوبين، وكلُّ مَن لا يَقدِر على الوضوء بالماء وعلى التيمّم بالأرض أو التراب؛ أنَّه لا يصلّي حتّى يُمكِنَه الوضوءُ أو التيمّمُ، ولو أقام ما شاء الله أن يُقِيم، وإذا انطلق صلَّى كلّ صلاة لم يَكُن صلاَّها من أجل ذلك (٣).
_________________
(١) في الأصل: "وشكوا"، والصواب ما أثبتُّ، لما هو موجود في كتب الحديث.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في [التيمّم (٣٣٦) إذا لم يجد ماء ولا ترابًا]، وكذا أخرجه مسلم في [الحيض (٣٦٧) باب التيمّم] من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وتتمّة الحديث: "فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلاّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيرًا".
(٣) قال به أصبغ وأبو حنيفة، انظر: "النوادر والزيادات" (١/ ١٠٩)، و"الذخيرة" (١/ ٢٥٠)، ورجّحه ابن رشد - كما في "البيان والتحصيل" (١/ ٢٠٧) - وكذا عزاه ابن عبد البرّ إلى أشهب - كما في "الاستذكار" (١/ ٣٠٤ - العلمية)، و"التمهيد" (١٩/ ٢٧٤) -.=
[ ١٣١ ]
وحُجّة مَن ذهب هذا المذهب قولُ رسول الله - ﷺ -: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طَهُورٍ" (١)، فمَن لَم يُمكِنه الطهور، ولم يكن له إلى الصلاة سبيلٌ [لا يصلّي] (٢)، ومِمّن
_________________
(١) = واختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال، قاله عياض كما في "الإكمال" (١/ ٢١٩): "أوّلها: يصلّي ثمّ لا إعادة عليه؛ لأنّ عدمه عذر كالسلس والاستحاضة، ولأنّه ظاهر الحديث. ثانيها: يصلّي ثمّ يعيد إذا وجد الطهور على الاحتياط ليأتيَ أوّلا بغاية ما يقدر عليه، ثمّ لمّا وجد الماء لزمته الطهارة والإعادة، وقاله الشافعي. ثالثها: لا يصلّي ولا يعيد؛ لأنّ الخطاب لم يتوجّه عليه، لعدم الشرط من الطهارة حتّى خرج وقتها، كالحائض تطهر، وكمن بلغ وأسلم بعد الوقت. رابعها: لا يصلّي لكنّه يعيد إذا وجد الماء، كمن غمره المرض أو غلبه النوم أو النسيان، ولقوله - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". قال: وهذه الأقوال كلّها عندنا في المذهب لمالك وأصحابه، والمرويّ منها عن مالك: لا صلاة ولا إعادة، وهو قول الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي".
(٢) رواه مسلم في [الطهارة (٢٢٤) باب وجوب الطهارة للصلاة]، والترمذي في [الطهارة (١) باب لا تقبل صلاة بغير طهور]. وأخرجه أبو داود في [الطهارة (٥٩) باب فرض الوضوء]، وكذا النسائي في [الطهارة، باب فرض الوضوء، وفي الزكاة، باب الصدقة من غلول]، وأخرجه ابن ماجه في [الطهارة (٢٧١) باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور]، وأخرجه أحمد في أوّل مسند البصريّين (٥/ ٧٤، ٧٥)، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٣٥)، وابن حبّان كما في "الإحسان" (٣/ ١٠٤)، والدارمي في "المسند" (١/ ١٧٥)، كلّهم من طريق أبي المليح عن أبيه أسامة بن عمير به. وصحّحه الألباني كما في "الإرواء" (١/ ١٥٣ - ١٥٤). وروي - أيضًا - من حديث أنس وأبي بكرة.
(٣) يظهر أنّ في هذا الموضع سقطًا، ولا يستقيم الكلام بدون الزيادة؛ لأنّها جواب الشرط.
[ ١٣٢ ]
ذهب إلى هذا من أصحابِنا أَشهَب (١)، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والثوري وزُفَر، وهو أحد قولي الشَّافعي.
وذهب منهم آخرون إلى أنّ مَن كانت حاله ما وَصَفنا صَلَّى كيف أَمكَنَه بغير طهور؛ إذا لم يُمكِنه الطهور، وأعاد بعد ذلك إذا قَدَر على الطهور بالماء أو التيمّم عند عدم الماء، ومِمّن ذهب إلى هذا أيضًا مِن أصحابنا عبد الرحمن بن القاسم (٢) وهو قول أبي يوسف ومحمّد واللَّيث بن سعد، وهو أحد قولي الشافعي - أيضًا - وكلّ هؤلاء قال: "إنَّ مَن كانت حاله ما وصفنا وصلَّى على ذلك لم يَكُن له بُدٌّ من الإعادة إذا قَدَر على الطهور".
وليس في حديث عائشة أنَّ رسولَ الله - ﷺ - أَمَرَهم بالإعادة عند وجود الماء.
وقد زعم بعض العلماء أنّ الانفصال من ذلك بأنَّ التيمّم لم يكن مشروعًا حينئذ لأنّه نزل لغد؟
وهذا عندي لا وَجهَ له؛ لأنّهم كانت طهارتُهم طهارةً واحدة، حينئذ فصَلَّوْا دونها، وكذلك مَن عدِم الطهارة بالماء وعدِم البدل منها، وهي الطهارة بالصَّعيد، ولم يَقدْرِ على شيءٍ من ذلك كلّه؛ كان حُكمُه كذلك والله أعلم.
_________________
(١) عزا القرافي في "الذخيرة" (١/ ٣٥٠) إلى أشهب القول بالصلاة حالا وعدم القضاء.
(٢) ذكره عنه ابن أبي زيد في "النوادر والزيادات" (١/ ١٠٨)، وابن رشد في "البيان والتحصيل" (١/ ٢٠٦، ٢٠٧) من العتبية، وكذا نقله ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم، ويُنظر: "الاستذكار" (١/ ٣٠٥)، و"التمهيد" (١٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
[ ١٣٣ ]
وقد ذهب بعضُ المتأخِّرين من الفقهاء (١) أنَّ مَن كانت حاله تلك على ظاهر حديث عائشة هذا [لا يصلّي] (٢) والفقهاءُ على خلافه كلُّهم، وفي المسألة نظر؛ لأنّه يحتمل قوله - ﷺ -: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صلاَةً بِغَيْرِ طَهُورٍ" لِمَن قَدَر على الطَّهور، كما أنّه لا يَقبَل صلاة عُريانٍ وهو قادرٌ على ثوبٍ يَستُرُه فتَرَكَه عامدًا.
وقد رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنَّه قال: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صلاَةَ حَائِضٍ حَتَّى تَخْتَمِرَ" (٣).
والمسألةُ إذا تعادلت فيها الأدلَّة واستَوَت فيها الحُجَج؛ فالوجه في هذا للعلماء التخيير بالفتوى، ولكلّ من نزلت [به] (٤) الاحتياط، والاحتياط في هذه المسألة أن
_________________
(١) لعلّ المقصود ابن خويز منداد، القائل بسقوط الصلاة عمّن معه عقله، لعدم الطهارة، فإنّ ابن عبد البرّ تعقّبه بقوله: "قول ضعيف مهجور شاذّ مرغوب عنه" "الاستذكار" (١/ ٣٠٥).
(٢) غير موجودة في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في "سننه" [كتاب الصلاة (٦٤٢) باب المرأة تصلّي بغير خمار]، والترمذي في "سننه" في [الصلاة (٣٧٧) باب ما جاء: لا تقبل صلاة المرأة إلاّ بخمار]، وقال: "حديث عائشة حديث حسن"، وأخرجه ابن ماجه في [الطهارة وسننها (٦٥٥) باب إذا حاضت الجارية لم تصل إلاّ بخمار]، وغيرهم؛ من طرق عن حمّاد بن سلمة عن قتادة عن محمّد بن سيرين عن صفيّة بنت الحارث عن عائشة مرفوعًا به. وقد اختلف فيه على قتادة، فروي عنه عن محمّد بن سيرين مسندًا، وعنه عن الحسن مرسلًا. لكن هذه العلّة لا تضرّ كما بيّنه الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني في "الإرواء" (١/ ٢١٥).
(٤) والمقصود كل من نزلت به مثل هذه النازلة، وهي فقد الطهورين أو عدم استطاعتهما، أنه يحتاط فيصلّي، والزيادة متعيّنة ليستقيم الكلام.
[ ١٣٤ ]
يُصَلِّيَ، ثمّ يُعِيد إذا قَدَر على الطهارة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، ليُؤدِّيَ فَرضَه بيقين، ويَخرُج من الاختلاف، ويَدَع ما يَريبُه إلى ما لا يَريبُه، ومَن ترَك الشُّبُهاتِ استَبْرَأ لدِينِه وعِرضِه؛ كما قال - ﷺ -.
وقد روى ابنُ دينار عن مَعْنٍ عن مالك، فيمن كَتَّفَه الوَالِي، وحَبَسَه، فمَنَعَه من الصلاة حتّى خرج الوقت؟: "ليس عليه إعادة" (١).
وهذه رواية مُنكَرة، وقياسُه على المُغمَى عليه لا وجه له.
وروى ابنُ القاسم عن مالك في هذا وفي المهدم عليه البيت: "أنّهم يُعِيدون إذا خَرَجوا؛ لأنّهم كانت معهم عقولُهم"، وهذا هو الصحيح عندنا وعليه القياس.
* * *
_________________
(١) انظره في: "الاستذكار" (١/ ٣٠٥)، و"التمهيد" (١٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، قال ابن عبد البرّ: "وإلى هذه الرواية - والله أعلم - ذهب ابن خويز منداد؛ لأنّه قال: "في الصحيح من مذهب مالك: أنّ كلّ من لم يقدر على الماء، ولا الصعيد حتّى خرج الوقت أنّه لا يصلّي ولا إعادة عليه"، قال: "ورواه المدنيّون عن مالك؛ وهو الصحيح من مذهبه". قال أبو عمر ابن عبد البرّ: لا أدري كيف أقدم على أن جعل هذا الصحيح من مذهب مالك مع خلافه جمهور السلف وعامّة الفقهاء وجماعة المالكيّين؟ وأظنّه ذهب إلى ظاهر حديث مالك في هذا في قوله: "وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنام رسول الله حتّى أصبح"، وهذا لا حجّة فيه؛ لأنّه لم يذكر أنّهم لم يصلّوا، بل فيه: نزلت آية التيمّم". اهـ
[ ١٣٥ ]