سؤالك عن الصبيّ الذي قتله الخضر (١) أكان قد بلغ الحلم أم لم يبلغ أو كان مِمّن اجترح الذنوب أم لا؟ وما يجب أن يعتقد في أطفال المشركين، هكذا في كتابك عن الصبيّ الدي قتله الخضر.
فالجواب:
إنّه لو صحّ أنه كان صبيًّا حين قتله الخضر ﵇ لصحّ أنه كان مِمّن لَم يبلغ الحُلُم، لأنّ اسم الصبيّ لا يقع على من احتلم، والصبيّ عند أهل اللغة المولود ما دام رضيعًا، فإذا فُطِم سُمِّي غلامًا إلى سبع سنين ويصير يافعًا إلى عشر سنين ثمّ يصير حَزَوَّرا، وإلى خمس عشرة منه (٢).
فالغلام الذي قتله الخضر قد سمّاه الله غلامًا ولم يُسمِّه صبيًّا ولا حَزوَّرا ولا رجلًا؛ وهذا الاسم حقيقته عند أهل اللغة ما ذكرتُ لك، وإذا كان ذلك كذلك ارتفع
_________________
(١) أخرجه البخاري في [العلم (١٢٢) باب ما يستحبّ للعالم إذا سئل أيّ الناس أعلم، فيكل العلم إلى الله]، وفي [التفسير (٤٧٢٥) باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾]، وفيه [(٤٦٢٧) باب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾]، وفيه [(٤٧٢٧) باب ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾]، وأخرجه مسلم في [الفضائل (٢٣٨٠) باب من فضائل الخضر ﵇].
(٢) ذكر هذا الحافظ ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (٣/ ١١٠)، و"التمهيد" (١٨/ ١٠٩).
[ ٢٠١ ]
عنه اكتساب الاثم، واجتراح السيّئات.
وأمّا قول موسى ﵇: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] فإنّه لمّا كان عنده مِمّن لم يجترِح السيّئات ولا يجري عليه كتابتها لصِغَرِه سَمّاه زاكيًا، فأعلمه الخضِر بعلم من علم الله لم يكن عنده.
والذي عليه أهل العلم بتأويل القرآن والسنّة، أنّ الغلام الذي قتله الخَضِر كان (مِمّن) (١) لم يبلغ حدّ التكليف على ما قاله أهل اللغة في الغلام أنّه كان طُبع كافرًا أو خُلِق كافرًا شَقِيًّا في بطن أمّه على ما روى ابن مسعود وأنس وأبو هريرة وغيرهم عن النبيّ - ﷺ -: "إِنَّ الشَّقِيَ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" (٢).
وقد روى سليمان (٣) عن رَقَبةَ بن مَصْقَلة عن [أبي] (٤) إسحاق (٥)
_________________
(١) في الأصل: "من"، والمثبت هو الصواب.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ والسياق عن ابن مسعود - سيأتي عنه موقوفًا وله حكم الرفع - ولا عن أنس، وأمّا عن أبي هريرة فقد أخرجه الآجرّي في "الشريعة" (٢/ ٧٨٥/ ٣٦٦)، واللالكائي (٤/ ٥٩٦/ ١٠٥٧)، وابن بطّة (٢/ ١٣٨/ ١٤٠)، وأشار إليه البيهقي في "الاعتقاد" (ص ٥٨)، من طريق يحيى بن عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة عن أبيه عن أبي هريرة، ويحيى قال عنه أحمد وأبو حاتم: "منكر الحديث"، وقال الحافظ في "التقريب": "ليّن"، وعليه، فالإسناد ضعيف، لكن له طريق صحيحة عن ابن سيرين عن أبي هريرة رواه اللالكائي (٤/ ٥٩٦/ ١٠٥٥، ١٠٥٦)، وابن بطة (٢/ ١٣٧/ ١٣٩)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص ٥٨) بلفظ: "السعيد من سُعِد في بطن أمه" فقط، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: "الشقى من شقي في بطن أمّه"، فقد رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٨٣/ ١٨٨)، وصحّحه الألباني.
(٣) سليمان هو: ابن بلال التيمي، مولاهم، أبو محمد وأبو أيوب المدني، ثقة، مات سنة (١٧٧) "التقريب".
(٤) غير موجودة في الأصل.
(٥) أبو إسحاق هو: عمرو بن عبد الله السبيعي، ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، مات سنة (١٢٩)، وقيل قبل ذلك "التقريب".
[ ٢٠٢ ]
عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ - ﷺ -: "أَنَّ الغُلاَمَ الَّذِي قتلَهُ الخَضِرُ طُبعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا" (١).
ورَقَبة بن مَصْقَلة ثقة (٢)، وغيره في الإسناد يستغنى عن ذكره.
وهذا الحديث مطابق للآثار المتواترة في أنّ: "الشَقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمَهِ" (٣).
وروى سفيان وشعبة وأبو عوانة وأبو معاوية وعبد الواحد بن زياد وجماعة يطول ذكرهم كلّهم عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدّثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ أَوْ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ يَمْكُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثم يَصِيرُ مُضْغةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُم يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أنثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ مَا الأَجَلُ؟ وَمَا الأثرُ؟ فَيُوحِي وَيَكْتُبُ الملكُ، حَتَّى إِنَ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى لاَ
_________________
(١) أخرجه مسلم في [القدر (٢٦٦١) باب معنى: "كل مولود يولد على الفطرة"].
(٢) قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "شيخ ثقة من الثقات، مأمون"، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى ابن معين: "ثقة"، وكذا قال النسائي، وقال العجلي: "ثقة، وكان مفوّها يُعَدُّ من رجالات العرب، وكان صديقًا لسليمان التيمي"، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وأرّخ ابن الأثير وفاته سنة (١٢٩)، وقال الدارقطني: "ثقة، إلّا أنه كانت فيه دعابة"، انظر: "تهذيب التهذيب"، وقال الحافظ عنه في "التقريب": "ثقة مأمون، وكان يمزح".
(٣) سبق الكلام عليه وتخريجه (ص ٢٠٢).
[ ٢٠٣ ]
يَكُونُ بَيْنَه وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قَيْدُ بَاعٍ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ، فَيَعَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى لاَ يَكُونَ بَيْنه وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قَيْدُ ذِرَاعٍ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجَنّةَ" (١).
حدّثنا سعيد بن نَصْر وعبد الوارث بن سفيان قالا: حدّثنا قاسم بن أصبغ قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل قال: حدّثنا يحيى بن أبي (بكير) (٢) قال: ثنا زهير قال: ثنا عبد الله بن عطاء أنّ عكرمة بن خالد حدّثه أنّ أبا الطفيل حدّثه أنّه سمع عبد الله ابن مسعود يقول: "إنّ الشقيّ من شقي في بطن أمّه، وإنّ السعيد مَن وُعِظ بغيره، فخرجتُ من عنده أتعجّب مِمّا سمعتُه منه حتّى دخلت على (سريحة) (٣) حذيفة ابن أَسِيد الغفاري فتعجّبتُ عنده، فقال: مِمَّ تعجب؟ فقلت: سمعت أخاك عبد الله ابن مسعود يقول: "إنّ الشقيّ مَن شَقَيَ في بطن أمّه وإنّ السعيد من وُعِظ بغيره"، قال:
_________________
(١) حديث عبد الله بن مسعود أخرجه البخاري في [القدر (٦٥٩٤) أوّل حديث فيه]، وأخرجه مسلم في [القدر (٢٦٤٣) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمّه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته]، وله طرق كثيرة عن ابن مسعود، قال الحافظ في "الفتح" (١١/ ٤٨٧): " قد رواه أبو عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عند أحمد، وعلقمة عند أبي يعلى، وأبو وائل في "فوائد تمام"، ومخارق بن سليم وأبو عبد الرحمن السلمي؛ كلاهما عند الفريابي في كتاب "القدر"، وأخرجه - أيضًا - من رواية طارق، ومن رواية أبي الأوص الجشمي؛ كلاهما عن عبد الله مختصرًا، وكذا لأبي الطفيل عند مسلم، وناجية ابن كعب عند العيسوي، وخيثمة بن عبد الرحمن عند الخطّابي وابن أبي حاتم، ورواه عن النبي - ﷺ - مع ابن مسعود جماعة من الصحابة " فذكرهم.
(٢) في الأصل: "بكر"، والتصحيح من كتب الرجال و"التمهيد" (١٨/ ١٠٠).
(٣) في الأصل: "شريحة"، والتصويب من كتب التراجم و"التمهيد" نفسه.
[ ٢٠٤ ]
ومن أيّ ذاك تعجب؟ فقلت: أيشقى أحدٌ بغير عمل؟ فأهوى إلى أذنيه وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - بأذنيّ هاتين يقول: "إِنَّ النُّطْفَةَ تَمكثُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ (يَتَصَوَّرُ) (١) عَلَيْهَا الملكُ - قال زهير: حسبته قال: الَّذِي يَخْلُقُهَا - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أنثَى؟ يَا رَبِّ سوِيٌّ أَوْ غيرُ سَوِيٍّ؟ فيجعله الله سويًّا أو غير سويّ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ مَا أَجَلُهُ؟ مَا خَلْقُهُ؟ مَا رِزْقُهُ؟ " (٢).
قال أبو عمر: والعلماء مجُمِعون إلّا طائفة شذّت أنّ أولاد المسلمين في الجنّة وإن كانوا لم يبلغوا الحُلُم، فعلمنا بالإجماع أنّ مَن مات من أولاد المسلمين قبل أن يبلغ التكليف كان مِمّن سُعِد في بطن أمّه ولم يَشْقَ، ففي هذا بيان وتلخيص لجملة تلك الأحاديث (٣).
_________________
(١) في الأصل: "تتصوّر"، والصواب المثبت للزوم التذكير، وورد في "التمهيد" نفسه: "يتسوّر"، وهو خطأ ظاهر؛ لأنّ "تسوّر" بمعنى علا، لا يتعدّى بحرف الجرّ، وأمّا "تصوَّر" بمعنى سقط فيتعدّى بحرف الجرّ، انظر "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٤٢٠) و(٢/ ٦٠).
(٢) لم أجده بهذا السياق عند غير المصنف، فقد أخرجه في "التمهيد" (١٨/ ١٠٢)، وأخرجه مسلم بسياق آخر في [القدر (٢٦٤٤، ٢٦٤٥) باب كيفية خلق الآدمي]، وأخرجه - أيضًا - أحمد في "المسند" (٤/ ٧٠٦)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٨٠/ ١٨٠)، واللالكائي (٤/ ٥٩٢/ ١٠٤٥)، وابن بطّة (٢/ ١٣٠/ ١٣٠)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص ٧٨)، من طرق عن أبي الطفيل به.
(٣) ذكر الخلّال عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن أطفال المسلمين؟ فقال: "ليس فيهم اختلاف أنهم في الجنة"، "أحكام أهل الملل" (ص ٣٦). وقال النووي: "أجمع من يعتدّ به من علماء المسلمين على أنّ من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة؛ لأنّه ليس مكلّفًا، وتوقّف فيه بعض من لا يعتدّ به لحديث عائشة" "شرح مسلم" (١٦/ ٢٠٧)، ونقله النووي عن المازري (١٦/ ١٨٣). =
[ ٢٠٥ ]
وقد روي عن النبيّ - ﷺ - من نقل الآحاد العدول معنى ما أجمعوا عليه؛ من ذلك روى شعبة عن معاوية بن قُرّة بن إياس المزني عن أبيه عن النبيّ - ﷺ -: أنّ رجلًا من الأنصار مات له ابن صغير فوجد عليه، فقال له رسول الله - ﷺ -: "مَا يَسُرُّكَ أَلّا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ إلَّا وَجَدْتَهُ يَسْتَفْتِحُ لَكَ؟ "، فقال أو فقيل له: يا رسول الله؛ أله خاصّة أم للمسلمين عامّة؟ فقال: "بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةٌ" (١).
وقد أجمع جمهور العلماء على القول بهذا الحديث، وكفى بهذا حجّة.
وأمّا حديث طلحة بن يحيى عن عمّته عائشة بنت طلحة عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: "أُتِيَ رسولُ الله - ﷺ - بِصَبِيٍّ مِن صِبيان الأعراب ليُصَلِّيَ عليه، فقالت: طُوبَى له، عُصْفُورٌ مِن عصافيرِ الجنّة، لَم يعمل سوءًا ولم يُدْرِكْه ذنب، فقال النبيّ - ﷺ -: "أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ الجَنّةَ، وَخَلَقَ لهَا أَهْلًا، وَهُمْ فِي أَصْلاَبِ آبائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلاَبِ آبائِهِمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ"" (٢).
_________________
(١) = وقال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٤٥): "قال القرطبي: نفى بعضهم الخلاف في ذلك، وكأنّه عنى به ابن أبي زيد، فإنّه أطلق الإجماع في ذلك، ولعلّه أراد إجماع من يعتدّ به". وقال - أي: الحافظ -: "وكون أولاد المسلمين في الجنّة قاله الجمهور، ووقفت طائفة قليلة".
(٢) الحديث أخرجه النسائي في "المجتبى" في [الجنائز منه، باب الأمر بالاحتساب والصبر عند نزول المصيبة]، وابن حبّان - كما في "الإحسان" (٤/ ٢٦٢) - والإمام أحمد (٥/ ٣٤، ٣٥)، والحاكم (١/ ٣٨٤)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد"، وأقرّه الذهبي.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في [القدر (٢٦٦٢) باب معنى: "كلّ مولود يولد على الفطرة"] من طريق فضيل بن عمرو وطلحة بن يحيى كلاهما عن عائشة بنت طلحة به.
[ ٢٠٦ ]
فحديثٌ مُنكَر، وطلحة بن يحيى ضعيف لا يُحتَجّ به (١)، وأكثرُ النّاس على حديث شعبة عن معاوية بن قُرّة، إلّا طائفة تفرط في الخير والقول به، تجعل الأطفال كلّهم في المشيئة ما سبق لهم في بطون أمّهاتهم.
وهذا قول في أطفال المسلمين مهجور ولم يَعدُّوه خلافًا.
وأمّا أطفال المشركين فاختلفت الآثار في ذلك عن النبيّ - ﷺ - واختلف العلماء في ذلك - أيضًا - باختلافها، والذي عليه جمهور أهل السنّة وعامّتُهم في أطفال المشركين،
_________________
(١) طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، نزيل الكوفة، روى عن أبيه وأعمامه وابن عمّيه إبراهيم بن محمّد بن طلحة، ومعاوية بن إسحاق بن طلحة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ومجاهد ابن جبر، وعمّته عائشة بنت طلحة، روى عنه السفيانان وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، ويحيى القطّان، ووكيع وآخرون، وثّقه يعقوب بن شيبة وابن معين والدارقطني والعجلي وابن سعد، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث"، وقال أبو زرعة وأحمد والنسائي في رواية صالح وفي رواية: "ليس بالقويّ"، وقال أبو داود: "ليس به بأس"، وقال يعقوب بن سفيان: "شريف، لا بأس به، في حديثه لين"، وقال البخاري في رواية ابن عديّ: "منكر الحديث"، ولا توجد في شيء من كتبه كما قال أصحاب "التحرير"؛ فهو بهذا حسن الحديث إن شاء الله. على أنّه قد توبع، فقد تابعه فضيل بن عمرو كما في "صحيح مسلم"، فزالت علّة الإسناد، وأمّا المتن؛ فقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس، فردّه الإمام أحمد، وطعن فيه، وقال: "من يشكّ أنّ أولاد المسلمين في الجنّة! "، وقال: "إنهم لا اختلاف فيهم"، وتأوّل بعضهم بقوله: "الإنكار من النبي - ﷺ - على عائشة إنما كان لشهادتها للطفل المعين بأنه في الجنة، كالشهادة للمسلم المعين، فإن الطفل تبع لأبويه، فإذا كان أبواه لا يشهد لهما بالجنّة، فكيف يشهد للطفل التابع لهما؟ ! والإجماع إنما هو على أنّ أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم، فيجب الفرق بين المعيّن والمطلق". انظر: "تعليق ابن القيّم على "أبي داود مع مختصر المنذري" (٧/ ٨٢)، و"طريق الهجرتين" (ص ٣٦٩).
[ ٢٠٧ ]
الوقوف عن القطع عليهم بجنّة أو بنار (١)؛ لأنّ ابن شهاب روى عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة سمعه يقول: سُئِل رسول الله - ﷺ - عن ذراري المشركين؟ فقال:
_________________
(١) الخلاف في أطفال المشركين كبير جدًّا، أوصل الأقوال فيه بعض العلماء إلى عشرة، لكن المشهور منها اثنان: * الأوّل: أن الله يمتحنهم ويبعث إليهم رسولًا في عرصة القيامة، فمن أجابه أدخله الجنّة، ومن عصاه أدخله النار، فهناك يظهر منهم ما علمه الله سبحانه، ويجزيهم على ما ظهر من العلم، وهو إيمانهم وكفرهم، لا على مجرّد العلم، قال شيخ الإسلام: "وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين، وعليه تتنزّل جميع الأحاديث"، انظر "مجموع الفتاوى" (٤/ ٢٤٧). * الثاني: أنّهم في الجنّة، يدلّ على ذلك حديث سمرة بن جندب الذي في البخاري في رؤيا النبيّ - ﷺ - وسيأتي - وفيه: "وأمّا الولدان الذين حوله فكلّ مولود مات على الفطرة"، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال: "وأولاد المشركين"، قال ابن القيّم: "فهذا الحديث الصحيح صريح في أنّهم في الجنّة، ورؤيا الأنبياء وحي" "طريق الهجرتين" (ص ٣٦٤). قال النووي: "وهو الذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه المحقّقون" "شرح مسلم" (١٦/ ٢٠٨). أمّا الأقوال الأخرى فكثيرة، منها: إنّهم تحت المشيئة، ومنها: أنهم تبع لآبائهم، ومنها: القول بالتوقّف والإمساك، كما هو مذهب المصنّف. أقول: قد غلّط ابن القيّم من فهم من قوله - ﷺ -: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، التوقّف وعدم الحكم لهم بجنّة أو نار، وإنما المعنى: "الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا"، فهو ﷾ يعلم القابل منهم للهدى، العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثِر له، لكن لا يدلّ هذا على أنّه يجزيهم بمجرّد علمه، فهم بلا عمل يعملونه، وإنّما يدلّ على أنّه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم " "طريق الهجرتين" (ص ٣٦١)، وانظر التعليق على هذا الموضع في "الشريعة" (٢/ ٨١٧ - ٨١٨)، و"الفتح" (٣/ ٢٤٦ - ٢٥١).
[ ٢٠٨ ]
"اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ" (١).
وروى أبو بِشر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس عن النبيّ - ﷺ - مثله، (رواه) (٢) شعبة وغيره عنه (٣).
وروى الثوري عن أبي نَضْرة العَبْدي عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ - ﷺ - مثله (٤).
وجائز عند أكثر الجماعة وأهل السنّة وممكن تعذيب الله الأطفال في الآخرة بالنار كما يؤلمهم في الدنيا بالآلام والأسقام إن كان سبق لهم ذلك عند أخذ الميثاق عليهم، وكتب عليهم في بطون أمّهاتهم بِدَرَك الشقاء لهم حينئذ، والله ﷿ غير ظالم لهم، ولا لغيرهم؛ لأنّ الظالم إنّما يكون من أزال الشيء عن موضعه، بأن يخالف ما أُمر به أو نهي عنه، وقد جلّ الله تعالى عن أن يُؤمَر أو يُنهَى، والكلام في هذا طويل جدًّا.
وقد روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ، ثُمَّ أَخَذَ الخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ،
_________________
(١) حديث أيى هريرة من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي أخرجه البخاري في [القدر (٦٥٩٨) باب "الله أعلم بما كانوا عاملين"]، ومسلم فيه [(٢٦٥٩) باب معنى "كلّ مولود يولد على الفطرة"].
(٢) في الأصل: "ورواه"، والصواب ما أثبتُّ؛ لأنه لم يذكر من روى عن أبي بشر غير شعبة، وقوله: "وغيره" فقد رواه مع شعبة عن أبي بشر أبو عوانة - كما في "صحيح مسلم" (٢٦٦٠) - وهشيم - كما عند الآجري في "الشريعة" (٢/ ٨٢١)، وأبي يعلى في "المسند" (٤/ ٣٦٢/ ٢٤٧٩) -.
(٣) حديث ابن عباس من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير أخرجه البخاري في "صحيحه" في [القدر منه (٦٥٩٧) باب "الله أعلم بما كانوا عاملين"].
(٤) لم أجده، ولا عند المصنف، رغم أنّه عقد بابًا قال فيه: "باب ذكر الأخبار التي احتجّ بها من أوجب الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين وغيرهم بجنة أو نار وجعل جميعهم في مشيئة الجبّار" "التمهيد" (١٨/ ٩٨).
[ ٢٠٩ ]
فَقَالَ: هَؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ وَلاَ أُبالِي، وَهَؤُلاَءِ لِلنَّارِ وَلاَ أُبالِي" (١)، وروي هذا من وجوه كثيرة بمعنى واحد.
(وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثني أبي قال: حدّثني أحمد بن خالد قال: ثنا عليّ بن عبد العزيز؛ [و] أخبرنا قاسم بن محمّد (٢) قال: ثنا خالد بن سعيد قال: ثنا أحمد بن عمرو قال: ثنا محمّد بن سنجر قالا جميعًا) (٣): ثنا حجّاج بن منهال قال: ثنا حمّاد بن سلمة قال: ثنا عليّ بن (زيد) (٤) عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - بعد صلاة العصر إلى مغربات الشمس؛ حفظها من حفظها، ونَسِيَها من نَسِيَها، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: "أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ،
_________________
(١) أخرج هذا الحديث قريبًا من هذا السياق البزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٨٦)، وقال: "وفيه روح بن المسيّب، قال ابن معين: "صويلح"، وضعّفه غيره ". واْخرجه ابن أبي عاصم في "السنّة" (١/ ٨٩ - ٩٠/ ٢٠٣)، وابن بطّة (٢/ ٧٩/ ٥٩)، والآجرّي (٢/ ٧٥١ - ٧٥٢/ ٣٣٢)، كلّهم من طريق روح به، وقال الألباني في تعليقه على "السنة": "ضعيف جدًّا".
(٢) قاسم بن محمّد بن عبّاس بن وليد بن صارم بن أبي الفراء، المعروف باب عسلون، ويكنّى أبا محمد (٣١٤ - ٣٩٦) "الجذوة" (٣٢٩)، و"الصلة" (٤٦٧)، و"البغية" (٤١٦).
(٣) وقع في النسخة الأصل خطأ في هذا الإسناد، حيث ورد فيه ما يلي: "وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثني أبي قال: حدّثني أحمد بن خالد قال: ثنا على بن عبد العزيز قال: أخبرنا قاسم بن محمد قال: ثنا خالد بن سعيد قال: ثنا أحمد بن عمرو قال: ثنا محمّد بن سنجر قالا جميعًا"، والصواب ما أثبتّ؛ لأن الإسناد محوّل عند القاسم بن محمد، وهو من شيوخ ابن عبد البرّ، ولذا تعيّن زيادة "الواو" للدلالة على تحويل الإسناد والله أعلم.
(٤) في الأصل: "زايد"، وهو خطأ.
[ ٢١٠ ]
وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلاَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، أَلاَ إِنَّ بَني آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا، فَيَحْيَى مُؤْمنَا وَيَمُوتُ مُؤْمنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا، وَيمُوتُ مُؤْمنًا، وَمنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا. . ." (١)، وذكر باقي الحديث.
وهذه الآثار كلّها في معنى حديث غلام الخضر أنّه طبع كافرًا، والآثار في هذا الباب كثيرة جدًّا لا يحملها الكتاب.
وقالت طائفة من أهل العلم: إنّ أطفال المشركين في النار، واحتجّوا بحديث الشعبي عن علقمة بن قيس عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: أتينا رسولَ الله - ﷺ - أنا
_________________
(١) الحديث أخرجه المصنّف في "التمهيد" (١٨/ ٦٠) قال: حدّثنا خلف بن القاسم - قراءة منّي عليه - أنّ أحمد بن محمّد بن أبي الموت المكّي حدّثهم قال: حدّثنا محمّد بن علي بن زيد الصائغ قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا حمّاد بن زيد قال: حدّثنا محمّد بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد به. أقول: قد أخرجه - أيضًا - من طريق حمّاد بن زيد الترمذي في [الفتن (٢١٩١) باب ما جاء ما أخبر النبيّ - ﷺ - أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة]، وقال: "وهذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه - أيضًا - الطيالسي (١/ ٢٨٦) والحاكم (٤/ ٥٠٥) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦/ ٣١٠) وأحمد (٣/ ١٩) من طريق حمّاد بن سلمة، وقال الحاكم: "تفرّد بهذه السياقة على بن زيد بن جدعان القرشي عن أبي نضرة، والشيخان لم يحتجا بعليّ بن زيد"، وقال الذهبي معلِّقًا: "قلت: ابن جدعان صالح الحديث". وأخرجه أحمد (٣/ ٦١) من طريق عبد الرزّاق عن معمر، والحميدي (٢/ ٣٣١) من طريق سفيان، والخطيب في "تاريخه" (١٠/ ٢٣٧) عن شعبة؛ كلّهم عن عليّ بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد به. وابن جدعان ضعيف، كما في "التقريب"، ولم أجد من أخرجه من طريق حجّاج بن منهال عن حمّاد غير ما هو موجود عند المصنف، فالحديث ضعيف، والله أعلم.
[ ٢١١ ]
وأخي، فقلنا: يا رسول الله؛ إنّ أُمَّنا كانت تَقْرِي الضيفَ وتَصِلُ الرَّحِم وتفعل، وأنّها وَأَدَتْ أختا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافع أُخْتَنا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أَرَأَيْتُمُ الوَائِدَةَ وَالْمَوْءُودَةَ، فَإِنَّهُما جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الوَائِدَةُ الإِسْلاَمَ، فَتُسْلِمَ فَيَعْفُوَ اللهُ عَنْهَا" (١).
وهذا عندنا يَحتَمِل أن يكون خرج قوله - ﷺ - في عَيْن لا يتعدّى (٢)، واحتجَّت هذه الطائفة - أيضًا - بحديث ابن عبّاس عن الصعب بن جثامة أنّ النبيّ - ﷺ - سُئِل عن أهل الديار من المشركين فَيُسْبُون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم؟ فقال: "هُمْ مِنْهُمْ"، وبعضهم يقول في هذا الحديث: "هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ" (٣).
وهذا - أيضًا - عندنا على أحكام الدنيا، وعلى ذلك خرج السؤال.
والجواب - والله أعلم - أنّه لا قَوَد على مَن قتل مِن أطفالهم ولا دِيَة ولا كَفّارة.
وقالت طائفة من أهل العلم أيضًا: أطفال المشركين في الجنّة، واحتجّوا بآثار، منها: ما رواه ياسين بن معاذ الزيّات - وليس بالقويّ (٤) - عن الزهري عن عروة عن
_________________
(١) الحديث أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٤٧٨)، والنسائي في التفسير في "الكبرى" (٦/ ٥٠٧/ ١١٦٤٩) من طريق الشعبي به، وإسناده صحيح، غير أنّ الشيخ شعيب في تعليقه على "المسند" (٢٥/ ٢٦٨) أعلّه بالنكارة، قلت: ويمكن حمله على ما ذكر المصنّف ﵀.
(٢) المقصود أنّ هذا حادثة عين لا تعمّ.
(٣) أخرجه البخاري في [الجهاد والسير (٣٠١٢، ٣٠١٣) باب أهل الدار يبيّتون فيصاب الولدان والذراري]، ومسلم في [الجهاد والسير (١٧٤٥) باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمّد].
(٤) هو: أبو خلف ياسين بن معاذ الزيات، قال عنه البخاري: "يتكلّمون فيه، منكر الحديث"، وقال الجوزجاني: "لم يقنع الناس بحديثه"، وقال ابن معين: "ضعيف، ليس حديثه بشيء"، وقال=
[ ٢١٢ ]
عائشة قالت: سألَتْ خديجةُ النّبيَّ - ﷺ - عن أولاد المشركين؟ فقال: "هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ"، ثمّ سألَتْه بعد ذلك؟ فقال: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"، ثمّ سألَتْه بعدما استحكم الإسلام؟ فَنَزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فقال: "هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَقَالَ: هُمْ عَلَى الفِطْرَةِ، وَقَالَ: هُمْ فِي الجَنَّةِ" (١).
واحتجّوا - أيضًا - بالحديث الصحيح عن النبيّ - ﷺ - من حديث أبي هريرة وغيره: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" (٢)، قالوا: والفطرة عندنا الإسلام، واحتجّوا - أيضًا - بحديث عياض بن حمار عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: "قَالَ اللهُ ﷾: إِنِّي خَلَقْتُ
_________________
(١) = أبو حاتم: "كان رجلًا صالحًا، لا يعقل ما يحدّث به، ليس بقويّ، منكر الحديث"، وقال أبو زرعة: "ضعيف الحديث"، وقال النسائي: "متروك الحديث"، وقال أبو داود: "كان يذهب إلى الإرجاء، متروك الحديث، ضعيف"، وقال ابن عديّ: "وكلّ رواياته أو عامّتها غير محفوظة"، وقال مسلم: "منكر الحديث"، وقال ابن حبّان: "يروي الموضوعات عن الثقات، وينفرد بالمعضلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال"، وقال الذهبي في "المغني": "تركه النسائي وغيره". انظر: "التاريخ الكبير" (٨/ ٤٢٩)، و"أحوال الرجال" (١/ ١٥٠)، و"الجرح والتعديل" (٩/ ٣١٢)، و"الضعفاء والمتروكين" للنسائي (١/ ١١١)، و"الكامل في الضعفاء" (٧/ ١٨٤)، و"المجروحين" (٣/ ١٤٢)، و"الكنى والأسماء" (١/ ٢٨٥)، و"المغني" (٢/ ٧٢٩).
(٢) لم أجد الحديث بهذا الإسناد عند غير المصنف، وقد أخرجه في "التمهيد" (١٨/ ١١٧)، وعبد الرزّاق في "المصنّف" - كما في "الفتح" (٣/ ٢٤٧) - لكن قال فيه: ". . .أبو معاذ قال: حدّثنا الزهري عن عروة به. . ."، وأبو معاذ هذا هو سليمان بن أرقم البصري ضعيف؛ فالحديث ضعيف على كلا التقديرين والله أعلم.
(٣) الحديث له طرق كثيرة عن أبي هريرة وابن عبّاس وعائشة، أخرجه البخاري (٦٥٩٨، ٦٥٩٩)، ومسلم (٢٦٥٩، ٤٦٥٨) وغيرهما.
[ ٢١٣ ]
عِبَادِي حُنَفَاءَ" (١)، في حديث طويل ذكره، واحتجّوا - أيضًا - بحديث أبي رجاء العُطاردي عن سَمُرَة بن جُنْدُب عن النبيّ - ﷺ - حديث الرؤيا - الحديث الطويل - وقوله: "وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ"، قال: فقيل: يا رسول الله؛ فأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "وَأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ".
وفي رواية أخرى عن أبي رجاء العُطاردي في هذا الحديث: "وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلاَدُ النَّاسِ" (٢).
وهذا الحديث محُتمِل للتأويل أيضًا، ليس فيه حجّة قاطعة، وبالله التوفيق.
وقد استوعبنا القول في معاني هذا الباب كلِّه، وما تفرق [أهل] (٣) الإسلام فيه في "التمهيد" (٤) [وذكرنا فيه] (٥) ما جاء من الآثار، والحمد لله.
واحتجّوا - أيضًا - بقول الله ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في [كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٥) باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنّة وأهل النار].
(٢) أخرجه بهذا السياق تامًّا البخاري في "صحيحه" مقطعًا في مواضع كثيرة، وأوفاها ما أخرجه في [كتاب التعبير (٧٠٤٧) باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح]، وفي [الجنائز (١٢٨٦)]، وأخرجه مسلم في [الرؤيا (٢٢٧٥) باب رؤيا النبيّ - ﷺ -، مختصرًا جدًّا، وانظر الكلام عليه في "الفتح" (١٢/ ٤٦٦).
(٣) في الأصل غير موجودة، والسياق يوجبها.
(٤) "التمهيد" (١٨/ ٥٧ - ١٤٥)، وانظر: "الاستذكار" (٣/ ٩٧ - ١٠٧).
(٥) في الأصل غير موجودة، والسياق يوجبها.
[ ٢١٤ ]
تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧].
قالوا: ومَن لم يعمل ولم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء ولم يُجْزَ بما لم يعمل.
واحتجّوا - أيضًا - بالإجماع في رفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا؛
قالوا: فالآخرة بذلك أولى، وقالوا: وإذا لم يكونوا في النار بدليل القرآن والسنّة؛ لم يكن لهم بُدٌّ من الجنّة؛ لأنّه لا دار هناك للقرار إلّا الجنّة والنار، وقد روى يزيد بن هُرْمُز عن ابن عبّاس في جوابه لنجدة الحروري، حين كتب إليه يسأله عن مسائل منها: قتل أولاد المشركين؟ فكتب إليه ابن عبّاس: "إنّ رسول الله - ﷺ - لم يكن يقتل أولاد المشركين، وأنت فلا تقتلهم إلّا أن تكون تعلم منهم مثل ما علم الخضر من الغلام حين قتله" (١)، والكلام في هذا الباب يتّسع، وقد طوّلتْ فيه الفرق، والله الموفّق للصواب.
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في [الجهاد والسير (١٨١٢) باب النساء الغازيات يرضخ لهنّ ولا يسهم، والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب، من طريق يزيد بن هرمز به.
[ ٢١٥ ]