حديث أمِّ عطيَّة قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا" (١).
وثبت أنَّ مالكًا يقول ولم يختلف قوله في ذلك: "إنَّ الصُّفرة والكُدرة حَيضٌ في أيَّام الحيض وفي غيرِ أيَّامه"؟
فالجواب عن ذلك:
إنَّ مالكًا - ﵀ - لم يَختَلِف قوله: "إنَّ الصُّفْرة والكُدرة حَيضٌ في أيّام الحيض وبإثره"، واختَلَف قولُه في ذلك في غيرِ أيَّامِ الحيض؛ والقول الأوَّل أشهر عنه (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في [كتاب الحيض (٣٢٦) باب الصفرة والكدرة في غير أيّام الحيض (٢٥)] عن قتيبة، وأخرجه أبو داود في [الطهارة (٣٠٨) باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر (١١٩)] عن مسدّد، والنسائي في [الطهارة، باب الصفرة والكدرة] عن عمرو بن زرارة؛ ثلاثتهم عن أيّوب عن محمّد ابن سيرين عن أمِّ عطيّة - ﵁ -. وأخرجه ابن ماجه في "الطهارة (٦٤٧) باب ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الصفرة والكدرة (١٢٧)] عن محمّد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيّوب به. كلّهم بلفظ: "كنّا لا نعدّ الصفرة والكدرة شيئًا"، زاد مسدّد: "بعد الطهر"، وكذا وردت الزيادة عند أبي داود برقم (٣٠٧) من طريق حّماد عن قتادة عن أمِّ الهذيل عن أمِّ عطيّة - وكانت بايعت النبيّ - ﷺ - قالت: "كنّا لا نعدّ الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا".
(٢) قال المصنّف - ﵁ - في "الاستذكار" (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥ - العلمية): "اختلف قول مالك في الصفرة والكدرة، ففي "المدوّنة" لابن القاسم عنه: "أنه قال في المرأة ترى الصفرة والكدرة في أيّام حيضتها وفي=
[ ١٢٧ ]
وأمَّا حديث أمِّ عطيَّة، فحديثٌ انفرد به أهلُ البصرة، وأُجيب أنّ الأحاديث عنده لم يَلزَمْه عملٌ (١)؛ لأنَّ العمل إنَّما يَلزَم المقبولُ من الشهادات والأخبار، على أنّ خَبَر أمِّ عطيَّة [غير] (٢) لازم العمل به على كلّ حال؛ لأنّها لم تُضِفـ[ـه] (٣) إلى رسول الله - ﷺ -، ولا أَخبَرت أنّ رسول الله - ﷺ - استُفتِي عن ذلك فأجاب بما قالته، ولا فيه أنّ رسول الله - ﷺ - عَلِم ذلك.
وقد خالفَتها عائشةُ أمُّ المؤمنين وأسماء - ﵅ - (فكانتا) (٤) لا تصلِّيان حتّى تريا البياض (٥)، والنظر يشهد لهذا القول؛ لأنّ المرأةَ إذا كانت حائضًا بيقين ثمَّ
_________________
(١) = غير أيّام حيضتها؟ قال مالك: ذلك حيض، وإن لم تر مع ذلك دما"، وذكر ابن عبدوس في "المجموعة" لعلي بن زياد عن مالك، قال: "ما رأت المرأة من الصفرة والكدرة في أيّام الحيض أو في أيّام الاستطهار؛ فهو كالدم، وما رأته بعد ذلك؛ فهو استحاضة"، وهذا قول صحيح، إلاّ أنّ الأوّل أشهر".
(٢) كذا بالأصل، والعبارة غير مستقيمة.
(٣) ساقطة من الأصل، ولا يستقيم الكلام بدونها.
(٤) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها.
(٥) في الأصل: "فكانت"، والصواب المثبت لتعيّن التثنية.
(٦) أمّا حديث عائشة؛ فقد رواه مالك في "الموطّأ" في [الطهارة، باب طهر الحائض، ورقمه (٩٧) - "موطّأ يحيى"] عن علقمة بن أبي علقمة عن أمّه مولاة عائشة أمِّ المْؤمنين أنّها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة أمِّ المؤمنين بالدَّرَجة فيها الكُرْسُف، فيه الصفرة من دم الحيض، يسألنها عن الصلاة؟ فتقول لهنّ: "لا تعجلن حتّى ترين القصّة البيضاء"، تريد بذلك الطهر من الحيض. قال الشيخ الألباني - ﵀ - في "الإرواء" (١/ ٢١٩): "وهذا سند جيّد لولا أنّ أمِّ علقمة هذه لم يتبيّن لنا حالها، وإن وثّقها ابن حبّان والعجلي، ففي النفس من توثيقهما شيء، فإنّ المتتبّع لكلامهما في الرجال يجد في توثيقهما تساهلًا، وخاصّة الأوّل منهما، كما فصّلته في "الردّ على الحبشي" (ص ٣١)، والحديث علّقه =
[ ١٢٨ ]
انقطع عنها الدَّم وبقيت الصُّفْرة والكُدْرة، ومعلومٌ أنَّها من بَقايا الدم، فالواجب ألاَّ تَخرُج من حُكْم الحَيْض المُتَيَقَّن إلاَّ بيقين الطَّهارة، ولا يقينَ إلاَّ بالنَّقاء، وكلُّ دمٍ يظهر من الرَّحِم فالواجب أن يُترَك له الصلاة، ومَن أَنصَف بان له أنّ الصُّفْرة والكُدْرة من الدم، وقد قال - ﷺ -: "فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكي الصَّلاَةَ" (١)، وقد يجوز أن يكون أمَامها صُفرة وغيرُ صُفرة.
وابتداءُ الحيضِ ضعيفٌ ثمَّ يَقوَى بَعدُ، وهذا عند النساء معروفٌ، والكلام في هذا واضح؛ فلا وجه فيه للإطالة.
وقال عبد الله بن غانم (٢): قلتُ لمالك: إنَّا لَم نَكَد نرى الصُّفرة والكُدرة شيئًا؛
_________________
(١) = البخاري [(١/ ٥٠٠) تحت الباب (١٩) من كتاب الحيض، وهو باب إقبال الحيض وإدباره] ". ثمّ قال: "ثمّ وجدت له طريقًا أخرى عنها بلفظ: "قالت: إذا رأت الدم فلتمسك عن الصلاة حتّى ترى الطهر أبيض كالفضّة، ثمّ تَسُلُّ وتصلّي"، أخرجه الدارمي (١/ ٢١٤)، وإسناده حسن، وبه يصحّ الحديث. • أمّا حديث أسماء؛ فقد أخرجه الدارمي برقم (٨٤٩) في [الطهارة، باب الطهر كيف هو؟]، من طريق محمّد بن إسحاق قال حدّثتني فاطمة عن أسماء قالت: "كنّا نكون في حِجرِها، فكانت إحدانا تحيض، ثمّ تطهر، فتغتسل وتصلّي، ثمّ تَنكُسُها الصفرة اليسيرة، فتأمرنا أن نعتزل الصلاة حتّى لا نرى إلاّ البياض خالصًا". وهذا إسناد حسن، ومحمّد بن إسحاق قد صرّح بالتحديث، فانتفت شبهة التدليس.
(٢) أخرجه البخاري في "الصحيح" في [كتاب الحيض (٣٠٦) باب الاستحاضة] من حديث عائشة أنّها قالت، وكذا مسلم في "صحيحه" في [الحيض، برقم (٥٠١)].
(٣) هو: عبد الله بن عمر بن غانم الرُّعَيْبِي، أبو عبد الرحمن، قاضي إفريقية، روى عن مالك وإسرائيل =
[ ١٢٩ ]
ولا نرى ذلك إلاَّ في الدم العبيط (١)؟ فقال مالك: "وهل الصُّفرة والكُدرة إلاَّ دم"، ثمّ قال: "إنَّ هذا البلد إنَّما كان العمل فيه بالنبوَّة، وإنَّ غيرَهم إنّما العمل فيهم بأمر الملوك".
وقد اختَلف العلماءُ في الصُّفْرة والكُدْرة قديمًا وحديثًا اختلافًا كثيرًا (٢)، والصواب ما قلتُ لك - إنْ شاء الله تعالى - وعليه أكثرُ الفقهاء بالحجاز والعراق؛ وبالله العصمة والتوفيق.
_________________
(١) = وابن يونس وداود بن قيس الفرّاء وابن أنعم وأبي يوسف القاضي، وروى عن عبد الله بن مسلمة القعنبي. وثّقه أبو سعيد بن يونس وأبو داود وأبو العرب القيرواني وابن خلفون، وضعّفه ابن حبّان، وقال عنه أبو حاتم: "مجهول"، وقال الذهبي في "المغني": "مجهول الحال"، وقال عنه الحافظ في "التقريب": "وثّقه ابن يونس وغيره، ولم يعرفه أبو حاتم، وأفرط ابن حبان في تضعيفه". انظر ترجمته في "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"الجرح والتعديل" (٥/ الترجمة: ٥٠٣)، و"المجروحين" لابن حبّان (٢/ ٣٩)، و"ميزان الاعتدال" (٢/ ترجمة ٤٤٧٠)، و"ترتيب المدارك" (٢/ ١٨٥ - ١٧٩ - العلمية)، و"طبقات أبي العرب" (ص ١١).
(٢) "العبيط" قال في المصباح المنير (ص ٣٩٠): ودم عبيط: طريٌّ خالص لا خلط فيه.
(٣) ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الصفرة والكدرة في أيّام الحيض حيضٌ؛ لأنّه الأصل فيما تراه المرأة في زمن الإمكان، ولحديث عائشة - ﵄ -، وعند الشافعية وجهٌ أنّ الصفرة والكدرة ليستا بحيض؛ لأنّهما ليستا على لون، ولحديث أمِّ عطيّة - ﵄ -، وهذا قول ابن الماجشون أيضًا، قال الدسوقي: وجعله المازري والباجي هو الذهب. واختلفوا في الصفرة والكدرة في غير أيّام الحيض، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنّهما ليستا بحيض في غير أيّام الحيض لحديث أمِّ عطيّة، وذهب المالكية والشافعية إلى أنّهما حيض، إذا رأتهما المعتادة بعد عدّتها، فإنّها تجلس أيّامها عند الشافعية، وتستظهر بثلاثة أيام عند المالكية. انظر "رسائل ابن عابدين" (١/ ١٩٢)، "حاشية الدسوقي" (١/ ١٩٧)، "الخرشي على مختصر خليل" (١/ ٢٠٢)، "حواشي الشرواني وابن القاسم العبادي على تحفة المحتاج" (١/ ٤٠٠)، "مغني المحتاج" (١/ ١١٣)، "نهاية المحتاج" (١/ ٣٤٠)، و"كشّاف القناع" (١/ ٢١٣).
[ ١٣٠ ]