سؤالك عن ترك الصلاة على الشهداء (١)، وعن صلاة رسول الله - ﷺ - على شهداء أُحُد بعد ثماني سنين (٢).
_________________
(١) حديث ترك الصلاة على الشهداء أخرجه البخاري في [الجنائز (١٣٤٣) باب الصلاة على الشهيد]، وفيه [(١٣٤٧) باب من يقدّم في اللحد]، وفي [المغازي (٤٠٧٩) باب من قتل من المسلمين يوم أحد] من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "كان النبيّ - ﷺ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيّهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسَّلوا، ولم يصلَّ عليهم".
(٢) أخرجه البخاري في [الجنائز (١٣٤٤) باب الصلاة على الشهيد]، وفي [المناقب (٣٥٩٦) باب علامات النبوّة في الإسلام]، وفي [المغازي (٤٠٤٢) باب غزوة أحد]، وفيه قوله: بعد ثماني سنين، وفيه [(٤٠٨٥) باب أحد جبل يحبّنا ونحبه]، وفي [الرقاق (٦٤٢٦) باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها]، وفيه [(٤٥٩٠) باب في الحوض]. وأخرجه مسلم في [كتاب الفضائل (٢٢٩٦) باب إثبات حوض نبيّنا - ﷺ - وصفاته] من طريق أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله - ﷺ - صلّى على قتلى أحد بعد ثماني سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: " الحديث بتمامه.
[ ١٩٧ ]
فالجواب:
عن ذلك أنّ الصلاة على الشهيد غيرُ مجُمَع عليها ولا على تَركِها، وقد اختلفت الآثار عن النبيّ - ﷺ - في ذلك، واختلف علماء المسلمين فيه، فروى جابر وغيره عن النبيّ - ﷺ -: "أنّه لم (يُصَلِّ) عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ" (١)، وبذلك قال مالك بن أنس والليث بن سعد
_________________
(١) في الأصل: "أنّه لم يزل يصلّي على قتلى أحد"، والظاهر أنّه خطأ، والخطأ أظنه من الناسخ، وما أكثر أخطاءه؛ لأن الثابت عن جابر - كما مرّ في أوّل الحديث - أنّه نفى صلاته - ﷺ - على قتلى أحد، والظاهر أنّ العبارة هكذا: "أنّه لم يصلِّ على قتلى أحد"، وبهذا قال مالك في "البيان والتحصيل" (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، و"النوادر والزيادات" (١/ ٦١٥ - ٦١٧)، و"المدوّنة" (١/ ١٨٢)، و"الذخيرة" (٢/ ٤٧٤)، و"الإشراف" (١/ ٣٥٧)، والشافعي، كما نصّ على ذلك ابن حجر في "الفتح"، وكذا حكاه النووي في "المجموع" (٥/ ٢٦١) على أنّه متفق عليه بين الشافعية، وغيرهما. والتحقيق في الصلاة على الشهيد ما ذكره العلّامة الألباني في "أحكام الجنائز" (ص ١٠٧ - ١٠٨)، بعدما ذكر الأحاديث الدالّة على ثبوت صلاته - ﷺ - على الشهداء، قال: "قد يقول قائل: لقد ثبت في هذه الأحاديث مشروعية الصلاة على الشهداء، والأصل أنها واجبة، فلماذا لا يقال بالوجوب؟ ! قلت: لما سبق ذكره ونزيد على ذلك هنا، فنقول: لقد استشهد كثير من الصحابة في غزوة بدر وغيرها، ولم ينقل أنّ النبيّ - ﷺ - صلّى عليهم، ولو فعل لنقلوه عنه، فدلّ ذلك على أن الصلاة عليهم غير واجبة". وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٤/ ٢٩٥): "والصواب في المسألة أنّه مخيّر بين الصلاة عليهم وتركها، لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه". قلت: وحكى هذا الوجه من الجمع النووي في "المجموع" (٥/ ٢٦٠) عن إمام الحرمين والبغوي وغيرهما. فلاح بأنّ إيراد الحديث هكذا خطأ، والصواب ما أثبتّ.
[ ١٩٨ ]
والشافعي وجماعة، وروى ابن عبّاس (١) وابن الزبير (٢) أنّ النبيّ - ﷺ -: "صلَّى عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى سَائِرِ شُهَدَاء أُحُدٍ"، وبذلك قال فقهاء العراقيين والشاميين.
وروى عقبة بن عامر أنّ رسول الله - ﷺ -: "خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صلاتهُ عَلَى الميَتِ" (٣).
وهذا عندي - والله أعلم - يَحتَمل أن يكون خرج إليهم فدعا لهم بالرحمة والمغفرة كما يُدعَى للميّت، والصلاة في اللغة الدعاء، وليس في دعائه لهم ما يحتاج إلى القول؛ لأنه لعلّه أُمر بذلك كما أُمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات (٤)، وسواء دعا لهم بعد ثماني سنين أو ثمانين سنة، فقد خرج رسول الله - ﷺ - إلى البقيع فصلّى على أهله، وذكر أنّه بذلك أُمِر، ومعنى ذلك عندنا - أيضًا - أنّه دعا لهم، فإن ظنّ ظانّ أنّ صلاته على شهداء أحد من أجل أنّه لم يصلّ عليهم، وهذا لا يظنّه عالم، وقد صحّ عنه صلاته - ﷺ - على أهل البقيع، والاختلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا في الصلاة على (الشهداء) (٥) أشهر وأعرف من الاختلاف في غسلهم، فإنّ الآثار في ترك غسلهم لم
_________________
(١) حديث ابن عباس أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٠٣)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو "ضعيف، كبر فتغيّر وصار يتلقّن، وكان شيعيًا"، قاله الحافظ في "التقريب".
(٢) حديث ابن الزبير أخرجه - أيضًا - الطحاوي (١/ ٥٠٣)، قال الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز" (ص ١٠٦): "إسناده حسن، رجاله كلهم ثقات معروفون، وابن إسحاق قد صرّح بالتحديث".
(٣) سبق تخريجه في (ص ١٩٧).
(٤) ثبت في الرواية قوله: "فصلى على أهل أحد صلاته على الميّت"، وبهذا اندفع تأويل المصنّف ﵀.
(٥) في الأصل: "الشهيد"، والظاهر المثبت لأجل السياق.
[ ١٩٩ ]
تضطرب ولا تختلف، وإن كان سعيد بن المسيِّب والحسن البصري وعبيد الله ابن الحسن العنبري قد قالوا: إنّ الشهداء كلّهم مَن قَتَله منهم العدوّ ومَن قُتِل في المعتَرَك من أنواع الشهداء كلّهم يُغسَلون ويُصلَّى عليهم (١)، وقال سائر العلماء من التابعين وفقهاء الأمصار وأهل الآثار أنّهم لا يغسلون، واختلفوا في الصلاة عليهم على حَسَب ما ذكرتُ لك ومسائل الخلاف يتّسع فيها القول؛ لأنّ لكلٍّ وجهًا لم يذهب إليه إلّا بعد اجتهاده (٢)، والله الموفّق للصواب.
* * *
_________________
(١) انظر: "المغني" (٣/ ٤٦٧).
(٢) انظر للخلاف في هذه المسألة: "نيل الأوطار" (٤/ ٤٩ - ٥٠)، و"المغني" (٣/ ٤٦٧)، و"المحلى" (٣/ ٣٣٧ - ٣٣٦)، و"الفتح" (٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
[ ٢٠٠ ]