حديث الأعمش قال: تذاكرنا عند إبراهيم الرهن في السَّلم، فقال: حدّثني الأسود عن عائشة: " أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَسْلَمَ مِنْ يَهُوِدِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ" (١).
وقلتَ: هل يجوز الرهن (٢) في السلم (٣)؟ قلتَ: وكأنّه إذا أحدث في السلم الرهن لا يَعرف بما رهن أبرأس المال أو بالمُسْلَم فيه، وإن أخده برأس المال، فرأس
_________________
(١) أخرجه البخاري في [البيوع (٢٠٦٨) باب شراء النبيّ - ﷺ - بالنسيئة]، وفيه [(٢٠٩٦) باب شراء الإمام الحوائج بنفسه]، وفيه [(٢٢٠٠) باب شراء الطعام إلى أجل]، وأخرجه في [كتاب السَّلم (٢٢٥١) باب الكفيل في السلم]، وفيه [(٢٢٥٢) باب الرهن في السلم]، وأخرجه في [الاستقراض (٢٣٨٦) باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه أو ليس بحضرته]، وأخرجه في [الرهن (٢٥٠٩) باب من رهن درعه]، وفيه [(٢٥١٣) باب الرهن عند اليهود وغيرهم]، وأخرجه في [الجهاد (٢٩١٦) باب ما قيل في درع النبيّ - ﷺ - والقميص في الحرب]، وأخرجه في [المغازي (٤٤٦٧)]. وأخرجه مسلم في [المساقاة (١٦٠٣) (١٢٤، ١٢٥، ١٢٦) باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر]؛ من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة به، وكلّها بلفظ: "اشترى" وليس "أسلم".
(٢) "الرهن" في اللغة الثبوت والدوام، ويأتي بمعنى الحبس، انظر "لسان العرب" مادة "رهن". وشرعًا: "جعل عين مالية وثيقة بدين يستوفى منها أو من ثمنها إذا تعذّر الوفاء". انظر: "المغني" (٤/ ٣٦١)، وابن عابدين (٥/ ٣٠٧)، وأسنى المطالب (٢/ ١٤٤).
(٣) من معاني "السَّلَم" في لغة العرب: الإعطاء والتسليف، انظر: "لسان العرب" مادة "سَلَم" (١٢/ ٢٩٥). =
[ ٢٢٤ ]
المال غير الدَّيْن، إنّما دَينُه ما أسلم فيه [و] (١) رأس المال لا يجب الطلب به، وإن أخذه بالمسلم فيه فكأنّه اقتضاه قبل أجله؟ هذا نصّ ما ورد في كتابك.
فالجواب:
إنّ الذي نزع به إبراهيم من حديثه عن الأسود عن عائشة حين سُئِل عن الرهن في السَّلَم، وجه صحيح قِبلةٌ من نَظَرِه (٢)؛ لأنّ الرهن إذا جاز بالسنّة في الدَّيْن الثابت من ثمنٍ في طعام أو غيره، فكذلك يحوز في السَّلَم لأنّه دَيْن ثابت في الذمّة مضمون، كثمن سلعة مبيعة سواء، والقرآن قد أطلق المُداينات وعَمَّها، ولم يَخُصَّ سَلَمًا من غير سَلَم، فأباح فيها الرهن والوثيقة بما أمكن من الإشهاد وغيره؛ قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقد رُوِي عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: "أشهد أنّ السَّلَف المضمون إلى أجل معلوم بكيل معلوم ووزن معلوم، (أحلّه) (٣) الله ﷿ وأذن فيه،
_________________
(١) = شرعًا: "بيعٌ موصوفٌ في الذمّة بِبَدَلٍ يُعطى عاجلًا"، وقد اختلف الفقهاء في تعريفه تبعًا لاختلافهم لا الشروط المعتبرة فيه، انظر: "الموسوعة الفقهية" (٢٥/ ١٩١). و"السَّلَم" المقصود في الحديث هو السَّلَف، ولم يرد به السلف العرفي، ذكره ابن حجر في "الفتح" (٤/ ٣٥٤).
(٢) زيادة متعيّنة.
(٣) المقصود من هذه العبارة أن قول إبراهيم النخعي مبنيّ على نظره في المسألة، وهو قبلةٌ له، أي: اتّجاه له في المسألة.
(٤) في الأصل: "أجلّه"، والتصحيح من كتب الحديث والتفسير.
[ ٢٢٥ ]
أما تقرءون: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ " (١).
قال أبو عُمر: الرهن والكفيل في السَّلَم جائز عندنا بظاهر القرآن والسنّة والقياس على إجماع العلماء على إجازته في الدين المضمون من غير السَّلَم، وهذا كلُّه قول مالك والشافعي و(أبي) (٢) حنيفة وأصحابهم؛ والرهن عند مالك والشافعي بالمُسْلَم فيه (٣)، لا برأس المال وبالمُسْلَم فيه فأيّهما شاء، قالوا؛ لأنّ رأس المال كبعض السَّلَم وقد يَدْخل السَّلَم دواخلُ فلا يجب إلّا رأس المال.
وقال مالك ﵀: "يجوز الرهن والكفيل في السلم"، قال: "ولم يبلغني عن أحد أنّه كرهه إلّا الحسن، وليس به بأس".
قال أبو عمر: مِمّن أجاز الرهن والكفيل في السَّلَم مجاهد وعطاء (٤)
_________________
(١) لم أجده من رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، بل رواه غير سعيد، وهو أبو حسّان الأعرج، أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٥/ ١٤٠٦٤) من طريق معمر، والبيهقي (٦/ ١٩)، وفي "معرفة السنن والآثار" (٤/ ٤٠٢)، والحاكم (٢/ ٢٨٦)، والشافعي في "مسنده" (٢/ ٥٩٧) من طريق أيّوب كلاهما عن قتادة عن أبي حسّان الأعرج به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وأقرّه الذهبي. قال الشافعي - ﵁ -: "فإن كان كما قال ابن عبّاس أنّه في السلف قلنا به في كلّ دين قياسًا عليه لأنّه في معناه" "معرفة السنن والآثار" (٤/ ٤٠٢).
(٢) في الأصل "أبو حنيفة"، وهو خطأ.
(٣) ويحسن أن يقدّر هنا: "أو برأس المال"، كي يستقيم السياق، ويدلّ على ما بعده.
(٤) أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٤/ ٤٠٤/ ٣٥٦٥) من طريق الشافعي قال: "أخبرنا سعيد ابن سالم عن ابن جريج عن عطاء". =
[ ٢٢٦ ]
وعمرو بن دينار (١) والشعبي (٢)، وقد روي عن الحسن إجازته (٣)، وروي عنه كراهته (٤)،
_________________
(١) = أقول: وسعيد بن سالم القدّاح أبو عثمان المكّي، أصله من خراسان أو الكوفة، روى عن أيمن بن نابل وموسى بن عُلَيّ بن رباح وابن جريج ومالك بن مغول وإسرائيل والثوري وغيرهم، وروى عنه ابن عيينة - وهو أكبر منه - وبقيّة ويحيى بن آدم وأسد بن موسى - وهم من أقرانه - والشافعي وابن أبي عمر وعليّ بن حرب وغيرهم. وثّقه ابن معين، وقال أبو داود: "صدوق يذهب إلى الإرجاء"، وقال أبو زرعة: إلى الصدق ما هو"، وقال أبو حاتم: "محلّه الصدق"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وقال ابن عديّ: "حسن الحديث، وأحاديثه مستقيمة، وهو عندي صدوق لا بأس به، مقبول الحديث". وضعفّه عثمان الدارمي والساجي وابن حبّان، ورماه غير واحد بالإرجاء، منهم الشافعي والعقيلي والبخاري وأبو داود والعجلي وابن حبّان ويعقوب بن سفيان. قال ابن حجر في "التقريب": "صدوق يَهِم، رمي بالإرجاء، وكان فقيها". وفيه عنعنة ابن جريج عن عطاء، فالأثر ضعيف.
(٢) أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٤/ ٤٠٤/ ٣٥٦٤) من طريق الشافعي: أخبرنا سعيد ابن سالم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار. قلت: الكلام فيه كسابقه.
(٣) أخرجه عبد الرزّاق في "المصنَّف" (٨/ ١١/ ١٤٠٩٣) من طريق إسماعيل بن عبد الله قال: "حدّثني ابن عون قال: سألت عنه الشعبي. . ." فذكر هذا المعنى. وهذا إسناد حسن، وإسماعيل بن عبد الله هو: ابن الحارث البصري، قريب ابن سيرين، قال الحافظ: "صدوق من السابعة، لم يصب الأزدي في تضعيفه". وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنَّف" (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣) من طريق الشيباني وابن عون وإسماعيل ابن أبي خالد كلّهم عن الشعبي، فالأثر صحيح.
(٤) لم أجده.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٩/ ١٠٤٨١) من طريق معمر عن قتادة عنه به، وأخرجه (٨/ ٩/ ١٤٠٨٤) من طريق ابن عيينة عن هشام بن هجير. =
[ ٢٢٧ ]
وكذلك النخعي اختُلِف عنه فيه أيضًا على حَسَب ذلك، فروي عنه الوجهان جميعًا (١)، وكذلك اختُلِف عن ابن عبّاس وابن عمر - ﵄ - في ذلك أيضًا، فروى خالد الحذّاء عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّه كره الرهن والكفيل في السلم.
وروى الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عبّاس أنّه كان لا يرى بأسًا بالرهن والكفيل في السَّلَم (٢).
وروى ابن جُرَيج عن عمرو بن دينار عن ابن عمر: أنّه كان يجيزه (٣).
_________________
(١) = قلت: كذا هو في "المصنَّف": "هشام بن هجير"، ولم أجد فيما طالته يدي راويا بهذا الاسم، ولعلّه: "ابن حجير" وليس "ابن هجير"؛ لأنّ ابن حجير يروي عن الحسن، ويروي عنه ابن عيينة، وهو هشام ابن حجير المكّي، ضعّفه أحمد بن حنبل وابن معين ويحيى بن سعيد القطّان، وذكره العقيلي في "الضعفاء" ونقل عن ابن عيينة أنّه قال: "لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره"، ووثّقه العجلي وابن سعد والساجي والذهبي في "الكاشف"، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه"، ونقل الآجرّي عن أبي داود أنّه ضرب الحد بمكّة، وقال ابن حجر في "التقريب": "صدوق له أوهام"، انظر: "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"تقريب التهذيب". وعلى كلٍّ فقد توبع هشام كما في الموضع الذي قبله.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٨/ ٢٠٠٢٧١) من طريق حفص وابن فضيل عن الأعمش عنه - أي: إجازته - ولم أجد عنه القول بكراهته.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٠/ ١٤٠٩٠)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٧٣/ ٢٠٠٣٣)، وعلّقه البيهقي (٦/ ١٩) عن مقسم عن ابن عبّاس، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه البيهقي (٦/ ١٩) من طريق ابن وهب عن ابن جريج به، وإسناده صحيح.
[ ٢٢٨ ]
وروى هُشَيم عن أبي بِشْر عن سعيد بن جبير عن ابن عمر - ﵄ - قال: ذلك الربا المضمون (١).
وكرهه عليّ بن أبي طالب - ﵁ - (٢) لم يُختَلَف عنه فيما علمتُ.
وروى ابن جريج وسفيان بن عيينة عن زياد بن سعيد عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياض أنّ عليًّا كره الرهن في السَّلَم (٣).
وروي عن سعيد بن جبير (٤) وعكرمة مثل ذلك أيضًا من كراهته، وهو قول الأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور، وقد أخبرنا بالصحيح عندنا بما اختلفوا فيه؛ وهو جائز على ما ذكرنا بدليل الكتاب والسنّة والقياس على الإجماع (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن حزم في "المحلّى" (٩/ ١٥٧) من طريق أبي عوانة عن أبي بشر به، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه عبد الرزّاق (٨/ ٩/ ١٠٤٨٢) من طريق الثوري عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبي عياض - وهو مسلم بن نُذَير الكوفي - عن عليّ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٧٢/ ٢٠٠٣٤) من طريق وكيع عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي زائدة عن أبي عياض به. وفي الإسنادين ابن جريج، وهو مدلّس، وقد عنعن، وأيضًا في إسناد عبد الرزّاق: عبد الله بن أبي يزيد المازني أبو عبد الرحمن البصري، قال عنه الحافظ: "مقبول"، وأمّا أبو عياض، وإن قال عنه الحافظ: "مقبول"، فقد قبل حديثه أبو حاتم، حيث قال (٨/ الترجمة ٨٦٣ "الجرح والتعديل"): "لا بأس بحديثه"، وذكره ابن حبّان في "الثقات" (٨/ ٣٩٨) وعزا ابن سعد إلى غير معلوم أنّه رمي بالقول بالرجعة، فهو على هذا حسن الحديث إن شاء الله تعالى.
(٣) لم أجده بالإسناد الذي ذكره المصنّف، والوجود المثبت قبل قليل.
(٤) أخرجه عبد الرزّاق (٨/ ٩/ ١٠٨٤٠) من طريق على بن بَذِيْمة، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٧٣/ ٢٠٠٣٨) من طريق بكر بن عتيق؛ كلاهما عن سعيد به، وإسناد عبد الرزّاق صحيح.
(٥) بين فيما سبق الإجماع المقصود، انظر: (ص ٢٢٦).
[ ٢٢٩ ]
وقد أمر الله ﷿ عند التنازع بالردّ إلى كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ -، ولم يجعل في الاختلاف والتفرّق حجّة، بل ذمّ ذلك ومدح الإجماع وتواعد من اتّبع غير سبيل المؤمنين أن: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية، فما أجمعوا عليه فحقّ، وما اختلفوا فيه فواجب النظر فيه وردّه إلى أشبه الأشياء به من الكتاب والسنّة والأصول الصحيحة، وبالله التوفيق.
وأمّا قولك: "إنْ أَخَذ الرهن بالمُسْلَم فيه فكأنّه اقتضاه قبل أجله"، فقول ضعيف؛ لأنّ الرهن وثيقة، وليس في الاستيثاق شيء من معنى الاقتضاء لأنّه لو شاء أن يُتبع الرهن في سَلمه قبل حلول أجله لم يكن ذلك له (١)، ولو كان الرهن كالقضاء لم يصحّ بالدين المؤجَّل أبدًا، والرهن أشبه بالإشهاد منه بالاقتضاء، ولذلك جعله الله بَدَلًا من الكتاب والإشهاد بقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والله أسأل السداد والرشاد.
_________________
(١) المقصود: ليس لمن أسلم سلعة أن يأتي بعدُ ويطلب رهنًا.
[ ٢٣٠ ]