حديث عائشة - ﵂ - قالت: "فُرِضَتِ الصّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ رَكعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسُّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ" (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في "الصحيح" [كتاب الصلاة (١٠٩٠) باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟]، وفيه: "قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟ قال: تأوّلت ما تأوَّل عثمان"، وأخرجه في [مناقب الأنصار (٣٩٣٥) باب التاريخ من أين أرّخوا التاريخ]، وأخرجه مسلم [كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٥) باب صلاة المسافرين وقصرها]، وفي حديث الزهري: "فقلت لعروة: " كما ذكره البخاري؛ من حديث عروة عن عائشة مرفوعًا. وأخرجه مسلم من حديث ابن عبّاس في الكتاب والباب نفسه، ورقمه (٦٨٧) من طريق مجاهد وموسى بن سلمة الهذلي عنه به. وأخرجه البخاري - أيضًا - من حديث ابن عمر في [كتاب تقصير الصلاة (١١٠٢) باب من لم يتطوّع في السفر دبر الصلاة وقبلها]، ومسلم في الكتاب والباب السابق، ولفظه: عن حفص بن عاصم قال: صحبت ابن عمر في طريق مكّة، قال فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثمّ أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلّى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبّحون، قال: "لو كنت مسبّحًا لأتممت صلاتي؛ يا ابن أخي، إنّي صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر، فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثمّ صحبت عثمان فلم يزد حتى قبضه الله، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ".=
[ ١٣٦ ]
فالجواب:
إنّ الكلام في هذا الحديث يطول، وقد ذكرنا في كتابنا "التمهيد" وفي "الاستذكار" - أيضًا - ولكن نَذكُر منه هاهنا جُمَلًا كافية إن شاء الله تعالى، فنقول:
إنّ هذا الحديث ليس على ظاهره إن صحّ معبره (١)؛ لأنّ هناك آثارًا كثيرة تدفعه، فأمّا إسناده وصحّته من جهة النقل فلا مقال فيه لأحد.
_________________
(١) = وأخرج هذه الرواية الإمام أحمد، وأخرجها من طريق أخرى (٢/ ٤٤ - ٤٥) من طريق خُبيب ابن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم به بلفظ: "وخرجنا مع رسول الله - ﷺ -، فكان يصلّي صلاة السفر، يعني ركعتين، ومع أبي بكر وعمر وعثمان ستّ سنين من إمرته، ثمّ صلّى أربعًا". قال الألباني في "الإرواء" (٣/ ٤): "ورواية خبيب هذه - وهو ثقة - تبيّن خطأ قول عيسى بن حفص في روايته عن عثمان: "فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه الله"، فقد زاد عليهما في آخر أمره، كما في هذه الرواية الصحيحة عن حفص، وقد تابعه جماعة، ولذلك أنكر بعض المحقّقين قول عيسى هذا".
(٢) المقصود به عبارة الحديث، أي متنه، والمعنى - والله أعلم - إن صحّ ظاهر الحديث على أنّ القصر في الصلاة فرض؛ لأنّه قال في "التمهيد" (١١/ ١٧٤): "وحسبك بتوهين ظاهر حديث عائشة وخروجه عن ظاهره مخالفتها له، وإجماع جمهور فقهاء المسلمين أنّه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم". قلت: إسناد حديث عائشة يصحّحه الحافظ ابن عبد البرّ، حيث يقول (١٦/ ٢٩٣): "هذا حديث صحيح الإسناد عند جماعة أهل النقل، لا يختلف أهل الحديث في صحّة إسناده". وتوهين الحافظ المتن بمخالفة عائشة وعملها بخلاف مقتضاه يردّه رواية ابن عبّاس وابن عمر عملهما بوفقه، وإنكارهما على من أتمّ، خاصّة ابن عمر، وكذا ما صحّ عن عروة لمّا سئل عن سبب إتمام عائشة - وهو من أعرف الناس بها - قال: "تأوّلت ما تأوّل عثمان".
[ ١٣٧ ]
فمِمَّا يُوهِن هذا الحديث أنّ ظاهرَه يوجب قصرَ الصلاة فرضًا وعائشة التي جاءت به - ﵂ - عَمِلت بخلافه، وعَمَلُها بخلافه مشهورٌ عنها، ولا تحذر تعمل بخلافه إلاّ لأنّه عندها وَهَم رجعتْ عنه، أو لمعنى يُزيلُه عن ظاهره؛ لأنّه خَبرٌ لا يجوز فيه النسخ، لاستحالة نسخ الأخبار، وإنّما يُنسَخ الأمر والنهي.
وإمّا لكثرة الرجوع عنه (إقرارًا) (١) بالوهم والنسيان، فمن هاهنا رفَع العلماء جوازَ النسخ على ما كان مخرجه مخرج الخبر في الكتاب والسنّة، فقِفْ على هذا الأصل.
ذكر عبد الرزّاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: "أنّها كانت تتمّ في السفر" (٢).
فإن قال قائل: إنّ عائشة - ﵂ - إنّما أتَمَّت في السفر لأنّها أمِّ المؤمنين؛ فحيث نزلتْ فهي عند بيتها وكأنّه مَنْزلها؟
قيل له: هذا تأويل فاسد لا وجه له، ولا يجوز مثله أدْ يتأوَّل على عائشة - ﵂ - لِمَا فيه من خلاف السنّة والإجماع؛ لأنّه لو كان نزولها حيث نزلت مَنْزلًا لها لأنّهم بَنُوها لَما جاز لها القصر أصلًا لأنّها في مَنْزلها.
وقد أجمع المسلمون أنّ القصر كان لها مباحًا في سفرها، وأكثرهم يقول: لا ينبغي ترك القصر، ولو كان ذلك كذلك ما قصر النبيّ - ﷺ - وهو أبو المؤمنين، وبه صارت
_________________
(١) في الأصل: "إقرار"، والمثبت أقرب إلى الصواب، على أنّه منصوب على التمييز.
(٢) أخرجه في "المصنّف" (٢/ ٥٦١/ ٤٤٦١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٢) من طريق عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة به، وهذان الإسنادان صحيحان.
[ ١٣٨ ]
عائشة أمِّ المؤمنين؛ ألا ترى في قراءة أُبيّ بن كعب - ﵀ -: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِيِنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لهُمْ" (١).
وقد كان للمؤمنين أمّهات عدّة (يسافرن) (٢) في الحجّ والعمرة وغيرها، فما بَلَغَنا عن واحدة منهنّ أنّها تأوّلَت هذا التأويل.
وقد تأوّلت طائفة على عائشة - رحمها الله - تأويلًا أضعف من هذا، لا يليق منّا قَبوله ولا ذكره، ولا يليق بنا مثله.
والذي يجوز أن يُتَأوّل عليها ما قد وافقها فيه غيرُها، فقد أتَمَّ الصلاة في السفر جماعةٌ من السلف الصالح منهم عثمان بن عفّان وسعد بن أبي وقّاص (٣) وغيرهما.
_________________
(١) وذكر ابن كثير والقرطبي وغيرهما هذه القراءة في تفاسيرهم، عند قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ من الآية نفسها، وهي قراءة لابن عبّاس - أيضًا - كما ذكر ذلك المصنّف في "التمهيد" (١١/ ١٧١)، وكذا المفسّرون عند هذه الآية.
(٢) في الأصل: "يسافرون"، والصواب المثبت، لتعيّن التأنيث.
(٣) أخرجه عبد الرزّاق (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١) ورقمه (٤٤٥٩ و٤٤٦٠)، والطحاوي (١/ ٤٢٤) مختصرًا؛ عن أبي بكرة عن روح عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: "أيّ أصحاب رسول الله - ﷺ - كان يوفي الصلاة في السفر فقال: لا أعلمه إلاّ عائشة - ﵂ - وسعد بن أبي وقاص". أقول: وهذا إسناد منقطع؛ لأنّ عطاء لا يذكر له سماع من سعد، فهو بهذا مرسل، وقد قال الحافظ في ترجمته في "التقريب": "ثقة فقيه فاضل لكنّه كثير الإرسال". أخرج الطبري في "تهذيب الآثار" (٢١٥٤) قال: حدّثنا ابن المثنّى حدّثنا محمّد بن جعفر حدّثنا شيبة عن عبد الرحمن بن القاسم حدّثنا شيخنا - يعني: ابن أبي مليكة - عن المسور بن مخرمة عن أبي مخرمة: "أنهم كانوا يصلّون مع سعد بقرية من قرى الشام أربعًا، وسعد يصلّي ركعتين"، وهذا إسناد صحيح.=
[ ١٣٩ ]
وقد تُؤُوِّل على عثمان في إتمامه تأويلات لم يُرْوَ شيءٌ منها عنه، وإنّما هي ظنون وتوجيهات، والله أعلم (١).
وقد عاب ابن مسعود على عثمان بالإتمام في سفره ثمّ أدام عثمان الصلاة، وفي ذلك الوقت يصلّي ابن مسعود خلفه وأتمّ معه، فقيل له: أنت تَعِيبُه بالإتمام وتتمّ معه؟ فقال: "الخلافُ شرٌّ" (٢).
فلو كان القصر عند ابن مسعود فرضًا لم يتمّ معه ولم يُصَلِّ خلفَه، ولكنّه كان عنده والله أعلم - سنّة ورخصة، فكَرِه خلاف إمامه فيما قد أبيح له، ومثل قصّة ابن مسعود هذه حديث سلمان.
_________________
(١) = وأخرجه الطحاوي من طريقين (١/ ٤١٩ - ٤٢٠)، في الأوّل منهما حبيب بن أبي ثابت، مدلّس ولم يمرّح بالسماع، وفي الثاني رجل مبهم؛ لأنّ مالكًا قال: عن الزهري أنّ رجلًا أخبره، وفِي هذين الطريقين: "قيل لسعد: نراك تقصر؟ فيقول: نحن أعلم".
(٢) ذكر المصنف في "التمهيد" بعضها، وذكرها ابن القيّم في "زاد المعاد" (١/ ٤٥١ - ٤٥٣)، فمنها: • أنّه أخذ بالمباح في ذلك، إذ للمسافر أن يقصر وأن يتمّ، كما كان له أن يصوم وأن يفطر. • أنّه إنّما أتمّ في السفر لأنّه كان له في تلك المنازل أهل ومال. • إنّما أتمّها خوفًا من أن يتّخذها الأعراب سنة، ويعتقدوا أنّ فرض الصلاة ركعتين مطلقًا. • أنّه أزمع أن يعتمر بعد الحجّ أي: نوى الإقامة بعد الحجّ.
(٣) أخرجه البخاري في [كتاب تقصير الصلاة (١٠٨٤) باب الصلاة بمنى]، وكذا في [الحجّ (١٦٥٧) باب الصلاة بمنى]، وأخرجه مسلم في [صلاة المسافرين وقصرها (٦٩٥) باب قصر الصلاة بمنى]، وأخرجه أبو داود في [المناسك (١٩٦٠) باب الصلاة بمنى، وزاد: "قال الأعمش: فحدّثني معاوية بن قرّة عن أشياخه: أنّ عبد الله صلّى أربعًا، قال: فقيل له: عبت عثمان، ثمّ صلّيت أربعًا؟ ! قال: الخلاف شرّ". قال الألباني: "صحيح"، كما في "صحيح أبي داود" ورقمه (١٧٢٦).
[ ١٤٠ ]
وذكر عبد الرزّاق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ابن أبي ليلى الكِنْدي عن سَلمان: "أنّه كان مع قوم في السفر فحضرت الصلاة، فقالوا له: صلِّ، فقال: إنّا لا نَؤُمُّكم ولا نَنكِح نساءَكم، وأبى، فتقدّم رجل من القوم فصلّى أربع ركعات؛ فلمّا سلّم قال سلمان: ما لنا وللمُرَبَّعة؟ إنّما كان يكفينا نصف المربَّعة، ونحن إلى الرخصة أحوج" (١)، فلم يُعِد سلمان الصلاة، وأخبر أنّ القصر رخصة فتدبّر.
ومِمّا يقدح في حديث عائشة إتمامها في السفر، ومثله - أيضًا - إجماع الفقهاء على أنّ المسافر إذا صلّى خلف المقيم وأدرك معه ركعة تامّة أنّه يصلّي أربعًا، ولو كان فرضُ المسافر ركعتين لم ينتقل إلى أربع مع إمامه، كما أنّ المقيم إذا صلّى به المسافر لا ينتقل فرضه للائتمام بإمامه، بل يتمّ صلاته بعد سلام إمامه المسافر كما أمر به رسول الله - ﷺ -[و] (٢) عمر بعده، حيث قالا بمكة - كلّ واحد منهما في وقته لمن صلى معهما من المقيمين وهما مسافران: "أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ سُفْرٌ" (٣)، ولم يبلغنا أنّ أحدًا من علماء المسلمين نهى
_________________
(١) أخرجه عبد الرزّاق في "المصنّف" (٢/ ٤٢٨٣/٥٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٤/ ٨١٦٠)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤١٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ١٤٤)، كلّهم من طريق أبي إسحاق - وهو السبيعي - عن أبي ليلى الكندي به، وهو صحيح.
(٢) ليست بالأصل وهي متعيَّنة.
(٣) أخرجه أبو داود في [كتاب الصلاة (١٢٢٩) باب متى يتمّ المسافر؟]، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٤٣٢)، والطيالسي (١/ ١٢٤، ١٢٥)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ١٣٥) من حديث عمران ابن حصين قال: "غزوت مع رسول الله - ﷺ -، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكّة ثماني عشرة ليلة لا يصلّي إلاّ ركعتين، ويقول: "يا أهل البلد صلّوا أربعًا، فإنّا قوم سَفْر"". ومدار هذه الأسانيد على علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ولهذا ضعّفه الألباني، كما في "ضعيف أبي داود".=
[ ١٤١ ]
المسافر إذا أقيمت عليه في الحضر الصلاة في المسجد عن الدخول معهم.
وهذا كلّه يَدُلُّك على أنّ القصر ليس بفرض عندهم، وإنّما هو سنّة وإباحة، وحَدَّثَت عائشةُ أحاديثَ عن النبيّ - ﷺ -، فمنها حديث عمر بن الخطّاب أنّ يَعْلى ابن أُمَيّة قال له: "ما لنا نقصر الصلاة في السفر ونحن آمنون، وقد قال الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، ونحن نَجِد أَمْنًا؟ فقال عمر: عجبتُ مِمّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: "تِلْكَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"" (١).
وهذا يدلّ على أنّ القصر رحمة وتوسعة وسنّة مسنونة.
ومنها حديث المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، وَأَتَمَّ الصَّلاَةَ وَقَصَرَ" (٢).
_________________
(١) = وأما الموقوف على عمر، فقد أخرجه مالك في الموطّأ - رواية يحيى - كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة المسافر إذا كان إمامًا، أو كان وراء إمام.
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٦) باب صلاة المسافرين وقصرها"، لكن من رواية ابن أبي عمّار عن عبد الله بن بابية عن يعلى بن أميّة، ولم أجده من رواية عائشة عن عمر.
(٣) أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٣/ ١٤١، ١٤٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٢)، والبزّار (١/ ٣٢٩)، والدارقطني (٢/ ١٨٩)، والطحاوي (١/ ٢٤١) من طريق المغيرة بن زياد به. ومغيرة بن زياد الموصلي، أبو هاشم، قال أحمد: "ضعيف الحديث، حدّث بأحاديث مناكير"، وقال: "مضطرب الحديث ومنكر"، وقال: "أحاديثه مناكير"، وقال: "كلّ حديث رفعه مغيرة فهو منكر". وسأل عبدُ الله بن أحمد أباه عن هذا الحديث: يصحّ؟ فقال: "له أحاديث منكرة"، وأنكر هذا الحديث "مسائل عبد الله" (١٠٧). =
[ ١٤٢ ]
وحديث طلحة [بن] (١) عمرو عن عطاء عن عائشة قالت: "كِلاَ اْلأَمْرَيْنِ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ قَدْ صَامَ وَأَفْطَرَ، وَأَتَمَّ وَقَصَرَ فِي السَّفَرِ" (٢).
ومنها - أيضًا - حديث أنس بن مالك الأنصاري: " [إنّا معاشر] (٣) أصحاب رسول الله - ﷺ - نسافر فيُتِمّ بعضنا ويَقْصُر بعضنا، ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا، فلا يعيب أحدٌ منّا على صاحبه" (٤).
_________________
(١) = ووثّقه وكيع، وقال ابن معين: "ليس به بأس، ثقة"، وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالمتين عندهم" "الكامل" (٦/ ٢٣٥٣). وقال الهيثمي: "فيه المغيرة، واختلف في الاحتجاج به" "المجمع" (٢/ ١٥٧).
(٢) في الأصل: "و"، والمثبت هو الصواب.
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٩)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٤٢)، وقال الدارقطني: "طلحة ابن عمرو ضعيف".
(٤) ساقطة من الأصل، وموضعها فيه بياض، واستدركتها من "سنن البيهقي" كما سيأتي.
(٥) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٣/ ١٤٥)، وفيه زيد بن الحواري أبو الحواري العمّي البصري، قاضي هراة، يقال: اسم أبيه مرّة، قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف". وفيه - أيضًا - عمران بن زيد التغلبي، قال ابن معين: "ليس يحتجّ بحديثه" في رواية الدوري، وفي رواية له - أيضًا - عن ابن معين: "ليس به بأس"، وقال ابن محرز عنه: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "شيخ يكتب حديثه، ليس بالقويّ"، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وذكره في "المجروحين"، ووهم في اسمه، فقال: "عمران بن يزيد التغلبي" انظر: "تهذيب الكمال"، وقال الحافظ في "التقريب": "ليّن"، لكن قال: "الثعلبي" بدل التغلبي، ولعلّه خطأ؛ لأنّ كلّ من ترجم له قال: "التغلبي" - والله أعلم. قال ابن عبد البرّ في "التمهيد" (١١/ ١٧٣) بعد إيراد هذين الحديثين: "وإن كان زيد العمّي وطلحة بن عمرو مّمن لا يحتجّ بهما، فإنّ الأحاديث الثابتة، والاعتبار بالأصول تصحّح ما جاءا به مع فعل عائشة رحمها الله تعالى".=
[ ١٤٣ ]
وقد ذكرنا هذه الآثار وغيرها في كتاب "التمهيد" باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن (أسيد) (١)، فاقتصرنا ها هنا على المتون دون الأسانيد بشرط الاختصار والفرار من الإكثار.
ومنها - أيضًا - حديث عمرو بن أميّة الضمري (٢) وحديث الجُرَشِي (٣)، ومنها حديث أنس بن مالك القُشَيري: أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاَةِ" (٤)، وظاهر قوله: "وضع" أنَّ ذلك فيما قد كان وجب
_________________
(١) = قلت: وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية الاحتجاج بهذين الأثرين وغيرهما ممّا فيه أنّ النبيّ - ﷺ - أتمّ في السفر أو أقرّ الإتمام بحضرته بقوّة، يراجع له: "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ١٤٤ - ١٥٩)، أو "مجموعة الرسائل والمسائل" (٢/ ٧٧ - ٩٩)، أو " الفتاوى الكبرى" (٢/ ٩٩ - ٢٠٤).
(٢) في الأصل (أسد) وهو أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي المكي ت (٨٧) أو (٨٦) انظر تهذيب التهذيب، وانظر الآثار التي أحال عليها المصنف فيه (١١/ ١٧٠ - ١٧٣).
(٣) حديث عمرو بن أميّة الضمري أخرجه الدارمي في الصيام (١/ ٣٤٢)، والطحاوي (١/ ٤٢٣)، كلّهم من طريق الأوزاعي عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن أبي أميّة الضمري، وهو صحيح.
(٤) هو: ربيعة بن عمرو، ويقال: ابن الحارث، الدمشقي، أبو الغاز الجرشي، مختلف في صحبته، قتل يوم مَرْج راهط سنة (٦٤)، وكان فقيها، وثّقه الدارقطني وغيره. انظر: "الاستيعاب" (٢/ ٤٩٣)، و"أسد الغابة" (٢/ ٢١٥)، و"الإصابة" (١/ ٥١٠)، و"تقريب التهذيب"، ولم أجد حديثه الذي أشار إليه المصنّف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٣٤٧، ٥/ ٢٩)، وابنه عبد الله (٤/ ٣٧٤)، وأبو داود في [الصوم (٢٤٠٨) باب اختار الفطر]، والترمذي في [الصوم - أيضًا - (٧١٥) باب الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع]، وقال: "حديث حسن، ولا يعرف لأنس هذا عن النبيّ - ﷺ - غير هذا الحديث"، والنسائي (٢٢٧٦)، وابن ماجه (١٦٦٧)، وابن خزيمة (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، والطحاوي (١/ ٤٢٣)، كلّهم عن أبي هلال =
[ ١٤٤ ]
فوضع منه أو فيه.
هذا التأويل دليل على أنّ الصلاة لم تفرض ركعتين ركعتين كما قالت عائشة.
وقد قال بأنّ الصلاة فرضت أربعًا أربعًا (حين) فرضت، وصلّى رسول الله - ﷺ - في السفر ركعتين جماعة من أهل العلماء، منهم ابن عبّاس ونافع بن جبير بن مطعم والحسن البصري؛ كلّهم يزعم أنّ الصلاة أوّل ما فرضت أربعًا، وذلك اليوم الذي أصبح فيه رسول الله - ﷺ - من ليلة أُسْرِي به، أتاه جبريل فصلّى به عند البيت الصلوات، بدأ بالظهر وختم بالصبح في يومين أربع ركعات أربع ركعات إلاّ المغرب والصبح.
ولا يَختَلِف أهلُ السير بالأثر أنّ الصلاة لم تُفرَض إلاّ بالإسراء، وأنّ جبريل نزل على النبيّ - ﷺ - صبيحةَ تلك الليلة وقتَ الظهر، فصلّى به على هيئة صلاتنا اليوم، وهذا كلّه من قولهم يدفع حديث عائشة أو يصرفه عن ظاهره.
وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا الباب من الآثار والأقوال مُسْتَقصى في كتاب "التمهيد" (١).
وهذا الذي ذكرتُ لك مذهبُ مالك بن أنس وأكثر أصحابه وأهل المدينة.
_________________
(١) = الراسبي محمّد بن سليم عن عبد الله بن سوادة عن أنس بن مالك الكعبي، وأبو هلال الراسبي صدوق فيه لين، كما قال الحافظ في "التقريب"، وقال صاحبًا "تحرير التقريب": "بل ضعيف يعتبر به". وللحديث شاهد من طريق أيّوب عن أبي قلابة عن أنس أخرجه أحمد (٥/ ٢٩)، وابن خزيمة (٢/ ٢٦٨) عن إسماعيل بن عليّة عن أيّوب قال: "كان أبو قلابة حدّثني هذا الحديث، ثمّ قال لي: هل لك في الذي حدّثنيه فدلّني عليه، فلقيته قال: حدّثني قريب لي يقال له: أنس"، وفيه الجهالة والواسطة. والحديث حسّنه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" ورقمه (١٨٣٥).
(٢) انظر: "التمهيد" (١٦/ ٢٩٣ - ٣١٨).
[ ١٤٥ ]
حكى أبو الفرج القاضي (١) عن أبي المصعب الزهري عن مالك قال: "القصر في السفر للنساء والرجال سنّة".
ثمّ قال أبو الفرج: "فلا معنى للاشتغال بالاستدلال على مذهب مالك مع ما ذكره أبو المصعب عنه أنّ القصر عنده سنّة لا فرض".
ومِمّا يدلّ على ذلك من مذهبه أنّه لا يرى الإعادة على مَن أتمّ في السفر إلاّ في الخوف (٢).
قال أبو عمر: أصل القصر في السفر مع الخوف خرج مخرج الإباحة والرخصة لقوله - ﷿ -: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ثمّ سَنَّ رسولُ الله - ﷺ - القصر في السفر أَمْنًا، فهو على ذلك الأصل، والله أعلم.
وقد رُوِّينا عن عبد الله بن عمر - ﵄ - والقاسم بن محمّد أنّهما قالا [بذلك] (٣).
[حدّثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدّثنا قاسم، (٤) ابن أصبغ
_________________
(١) أبو الفرج بن العطّار القاضي، فقيه، أديب، من الموصوفين بالدهاء، والبلاغة والحذق، وكان رئيسًا محتشمًا، توفّي بعد الأربعين وأربعمائة. انظر ترجمته في: "بغية الملتمس" (ص ٤٦٠ رقم ١٥٤٥) للضبي، و"جذوة المقتبس" (ص ٣٦٣ رقم ٩٥١)، وقال: "رأيته في حدود الأربعين وأربعمائة"، و"التكملة لكتاب الصلة" (٤/ ٦٥ - رقم: ١٨٠).
(٢) هذا كلّه ذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٦/ ٣١٧).
(٣) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها لتمام المعنى.
(٤) الزيادة من "التمهيد" (١٦/ ٣٠٢) والسياق يقتضيها، والأثر أخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد". وكذا أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٣٥) من طريق مالك بن مغول عن أبي حنظلة به، إلاّ أنّه قال: "ونحن آمنون"، بدل: "ونحن نجد الزاد والمزاد"، وأخرجه - أيضًا - في (٢/ ٢٠)، وكذا الدولابي في "الكنى" (١/ ١٦٠) من طريق يحيى بن سعيد القطّان عن إسماعيل - أعني: ابن أبي خالد - عن أبي حنظلة به. =
[ ١٤٦ ]
قال: ثنا عبد الله بن روح المدائني قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أبنا مالك بن مِغول عن أبي حنظلة الحذّاء قال: "قلت لابن عمر: أصلّي في السفر ركعتين والله تعالى يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، ونحن نجد الزاد والمزاد، فقال: كَذَلِكَ سَنَّ رَسُولُ الله - ﷺ - ".
حدّثنا عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغَ قال: [ثنا عبد الله ابن روح المدائني، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال:] (١) ثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة قال: "سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتين، قلت: فأين قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال: سُنَّهُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - " (٢).
وروى قتادة عن صفوان بن (محرز) (٣) أنّه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: "رَكْعَتَانِ، سُنَّةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - " (٤).
_________________
(١) = وكذا أخرجه من غير طريق يحيى عن إسماعيل، انظر: (٢/ ٣١)، (٢/ ٥٧)، و(٢/ ٨٤)، وسمّاه شعبة فيه: حكيم الحذاء وغيرها. وإسناد هذا الحديث مداره على أبي حنظلة الحذاء، قال الحافظ في "تعجيل المنفعة" (٢/ ٤٤٤): "هو معروف، يقال له الحذاء، ولَم يُسَمَّ ولا أعرف فيه جرحًا، بل ذكره ابن خلفون في "الثقات" "، وعليه يكون حديثه حسنًا؛ لأنّه روى عنه ثقتان: إسماعيل بن أبي خالد، ومالك بن مغول، وذكره ابن خلفون في "الثقات"، والحديث صحيح لغيره والله أعلم.
(٢) غير موجود بالأصل، والسند بدونه فيه خلل، كما هو في الإسناد الذي قبله مباشرة.
(٣) سبق تخريجه والكلام عليه في الحديث الذي قبله.
(٤) في الأصل: "محمّد"، وهو خطأ؛ لأنّي لم أجد في الرواة عنه من اسمه صفوان بن محمّد، وكذا هو - أي: ابن محرز - في "شرح معاني الآثار"للطحاوي.
(٥) أخرجه الطحاوي (١/ ٤٢٢) - وفيه: عن عمر، وهو خطأ - بلفظ: "الصلاة في السفر ركعتان من=
[ ١٤٧ ]
وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكير (١) بن الأشجّ عن القاسم بن محمّد أنّ رجلًا قال له: "عجبتُ من عائشة حين كانت تصلّي أربعًا في السفر ورسول الله - ﷺ - كان يصلّي ركعتين؟ ! فقال له القاسم: عليك بسنّة رسول الله - ﷺ - فإنّ مِن النّاس مَن لا يُعاب" (٢).
ومثل هذا حديث عبد الله بن عمر - أيضًا - إذ سأله أُمَيَّة بن عبد الله ابن خالد ابن أسيد فقال له: "إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر؟ فقال له عبد الله بن عمر: يا ابن أخي؛ إنّ الله بعث إلينا محمّدًا - ﷺ - ولا نعلم شيئًا، وإنّما نفعل كما رأيناه يفعل" (٣).
_________________
(١) = خالف السنة كفر"، ولم أجده باللفظ الذي ذكره المصنّف، والحديث فيه قصّة، أوّلها: "عن صفوان ابن محرز أنّه سأل ابن عمر - ﵁ - عن الصلاة في السفر؟ فقال: أخشى أن تكذب عليّ، ركعتان، من خالف " وذكر الحديث. والمقصود بالكفر هنا كفر النعمة التي أنعم الله بها من التخفيف، أفاده الخفاجي في "نسيم الرياض على الشفا للقاضي عياض" رحمهما الله.
(٢) في الأصل: "بكر"، والصواب المثبت، ينظر كتب التراجم كالتهذيب وغيره.
(٣) لم أجده.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٩٤) وابن خزيمة في "الصحيح" (١/ ٧٢)، وابن حبّان كما في "الإحسان" (٣/ ٦ - العلمية)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٥٨)، وقال: "رواته مدنيّون ثقات"، كلّهم من طريق الليث عن ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أميّة به. ورواه مالك في "الموطّأ" رواية يحيى (١/ ١٤٥) لكن عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد عن ابن عمر به، قال ابن عبد البرّ في "التمهيد" (١١/ ١٦١): " هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك، =
[ ١٤٨ ]
ولم يقل ابن عمر للسائل قالت عائشة: إنّ الصلاة في السفر والحضر هكذا فرضت.
فإن قال قائل: إنّ عمر بن الخطّاب قد قال: "صَلاَةُ المُسَافِرِ رَكعَتَانِ تَمَامٌ غيرَ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيَكُمْ - ﷺ - " (١).
_________________
(١) = ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث أيضًا؛ لأنّه لم يسمّ الرجل الذي سأل ابن عمر، وأسقط من الإسناد رجلًا وهذا الحديث يرويه ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أميّة بن عبد الله بن خالد بن عبد الله ابن أسيد عن بن عمر". وقال الدارقطني: خالفه - أي مالك - جماعة من أصحاب الزهري، منهم: يونس، وعقيل، ومعمر، والليث بن سعد، وفليح بن سليمان، وغيرهم، فرووه عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، وهو الصواب. انظر الأحاديث التي خولف فيها مالك: (ص ٥٠)، والعلل له: (٤/ ل: ٧٥/ ب).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٧)، والنسائي في الجمعة (٣/ ١١١)، باب عدد صلاة الجمعة، وفي تقصير الصلاة في السفر (٣/ ١١٨)، وفي العيدين (٣/ ١٨٣) باب عدد صلاة العيدين، وابن ماجه في الإقامة (١٠٦٣) باب تقصير الصلاة في السفر، والبيهقي (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠)، والطحاوي (١/ ٤٢١ - ٤٢٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٣٥٣)، وأبو يعلى (٢٤١) من طرق عن زبيد بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه في الإقامة (١٠٦٤)، والبيهقي (٣/ ١٩٩) من طريق يزيد بن أبي الجعد عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر. والحديث قد أعلّ بالانقطاع، قال النسائي بعد الرواية الأولى: "عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر"، وقال أحمد بعد رواية الحديث: "قال سفيان: وقال زبيد مرّة: أراه عن عمر، قال عبد الرحمن على غير وجه الشكّ، وقال يزيد - يعني: ابن هارون -: ابن أبي ليلى قال: سمعت عمر". والذين رووه عن زبيد دون ذكر كعب كما في "الحلية" هم: سماك بن حرب والثوري وشعبة وشريك وعليّ بن صالح والجرّاح أبو وكيع وعمرو بن قيس الملائي وخلق ذكرهم. =
[ ١٤٩ ]
وفي هذا دليل على أنّها لا قصر فيها وإنّما هكذا فرضت؟
قيل له: لا دليل فيه على ما ذكرت؛ لأنّ عمر هو الذي روى عن رسول الله - ﷺ - أنّ القصر صدقة تصدّق الله بها على عباده، يعني: توسعة ورخصة ورحمة.
ومعنى حديث عمر - والله أعلم - إن صحّ عنه: "إنّ صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر"، يعني: إنّ ذلك تمام في الأجر غير نقص منه، وتمام في أداء فريضة غير نقص منها (١) بها كمَن صلّى أربعًا في الحضر سواء؛ كلٌّ قد أدّى فرضه وكُتب له أجرُه، هذا ما لا يدفع احتماله، والله أعلم.
على (أنّه) (٢) حديث كوفي، وقد اختُلِف في إسناده.
_________________
(١) = وأمّا سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر فقد اختلف فيه اختلافًا كبيرًا، وسبب ذلك والله أعلم اختلافهم في تحديد مولده، فقد نقل بعض المؤرّخين أنّه ولد لستّ سنين بقين من خلافة عمر، كما في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٠٠)، و"التهذيب" وفروعه، وعند هؤلاء لم يصحّ سماعه. بينما نقل آخرون أنّه ولد قبل ذلك، قال أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٥٣): "ولد في خلافة أبي بكر، وأسند عن عمر"، وقال الذهبي في "السير" (٤/ ٢٦٣): "ولد في خلافة الصدّيق - أو قبل ذلك - وحدّث عن عمر وقيل - هكذا على التمريض، والذهبي من أهل الاستقراء التامّ، وله الباع الطويل في هذا وفي نقد الروايات -: بل ولد في وسط خلافة عمر"، وقال مسلم في مقدّمة "الصحيح" (١/ ٣٤): "وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد حفظ عن عمر بن الخطّاب"، والله أعلم. وعلى هذا يكون الحديث صحيحًا، وقد صحّحه الشيخ الألباني كما في "الإرواء" (٦٣٨).
(٢) كذا بالأصل.
(٣) في الأصل: "أن"، والصواب المثبت.
[ ١٥٠ ]
فإن قال: إنّ ابن عبّاس يقول: "فُرِضت الصلاة في الحضَر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" (١)، وفي هذا دليل على أنّ صلاة السفر هكذا فُرِضَت ركعتين، وهو فرضها؟
قيل له: حديث ابن عبّاس هكذا يعارض حديث عائشة؛ لأنَّه يقول: إنّها فُرِضت في الحضر أربعًا، وعائشة تقول: فرضت في السفر والحضر ركعتين، ثمّ زِيد في صلاة الحضر.
وقد يكون معنى قول ابن عبّاس: "فُرِضت" يعني: قُدِّرت، والمقرُّ حكمُها، كما يقال: فَرَض القاضي نفقة اليتيم والزوجة كذا وكذا، بمعنى قَدَّرها وحكم بها، لا أنّه أوجبها، ومن أصحابنا وغيرهم مَن جعل قصر الصلاة في السفر فرضًا، والذي اختاره أبو الفرج أنّها سنّة لرواية أبي المصعب ذلك عن مالك فلا معنى للاشتغال بجعلها في حَيِّز الفروض، واحتجّ بالإجماع على جواز إتمامها خلف المقيم؛ قال: ولو كان القصر مفروضًا لمَا جاز للمسافر أن يُتِمَّ في حال سفره خَلْف مقيم ولا غيره، كما أنّ الإتمام لها لو كان على (المسافر) (٢) مفروضًا لم يَجُز له الاقتصار على صلاة المسافر، وهذا المعنى قد ذكرناه فيما سلف من هذا الباب.
واحتجّ أبو الفرج - أيضًا - بحديث أنس: "سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمنَّا المفْطِرُ وَمنَّا المقَصِّرُ، فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٌ مِنَّا عَلَى صَاحِبِهِ" (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في "الصحيح" [كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٧) باب صلاة المسافرين وقصرها].
(٢) في الأصل: "الحاضر"، وهو خطأ واضح.
(٣) مضى تخريجه (ص ١٤٣).
[ ١٥١ ]
قال أبو عمر: وهذا حديث انفرد به العمّي (١) وليس بالقويّ، والصواب عندي في هذا الباب أنّ قصر الصلاة في السفر من السنن المؤكّدة التي لا ينبغي تَرْكُها ولا الرَّغْبَة عنها، وأنّ الفضل في إتيانها، وبالله التوفيق.
ذكر عبد الرزّاق عن ابن جريج عن عطاء قال: "لا أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أتمّ الصلاة في السفر إلاّ سعد بن أبي وقّاص"، قال: وكانت عائشة تُوفي الصلاة في السفر وتصوم، قال: وسافر سعد بن أبي وقّاص ونفر من أصحاب النبيّ - ﷺ - فأتمّ سَعدٌ الصلاة وصام، وقصَر القوم وأفطروا، فقالوا لسعد: كيف نُفطِر ونَقصُر الصلاة وأنتَ تُتِمُّها وتصوم؟ فقال: دُونكُم أمركم، فإنّي أَعلَمُ بشأني.
قال عطاء: فلم يُحرِّمْه عليهم سعد، ولم يَنْهَهُم عنه، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: فأيُّ ذلك أحبُّ إليك؟ قال: قصرها، وكلّ ذلك قد فعل الصالحون" (٢).
والاختيار عن الثوري عن عاصم عن أبي قلابة أنّه كان يقول: "إن صلّيت في السفر أربعًا فقد صلاّها مَن لا بأس به، وإن صلّيت ركعتين فقد صلاّها من لا بأس به" (٣).
_________________
(١) هو: زيد بن الحواري أبو الحواري العمي، البصري، قاضي هَراة، يقال: اسم أبيه مرّة، ضعيف من الخامسة.
(٢) سبق تخريجه (ص ١٣٩).
(٣) أخرجه عبد الرزّاق (٢/ ٥٦١/ ٤٤٦٤) بهذا الإسناد مختصرًا دون جملة القصر، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٦/ ٨١٨٨) من طريق عبدة عن عاصم به بلفظ: "إن صلّيت في السفر ركعتين فالسنّة، وإن صلّيت أربعًا فالسنّة"، وذكره البيهقي في "الكبرى" (٢/ ١٤٤ - ١٤٥) قال: "وروينا جواز الأمرين عن سعيد بن المسيّب وأبي قلابة".
[ ١٥٢ ]
قال أبو عمر: وسنّة رسول الله - ﷺ - في القصر أولى وأفضل إن شاء الله تعالى.
حدّثني سعيد بن نصر قال: ثنا قاسم بن أصبغ قال: ثنا ابن وضّاح قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا ابن عُلَيَّة عن عليّ بن زيد عن أبي نضرة قال: "مرّ عمران بن حصين في مجلسنا، فقال: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلَمْ يُصَلِّ إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى المدِينَةِ، وَشَهِدتُّ مَعَهُ الفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لاَ يُصَلِّي إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لأَهْلِ الْبَلَدِ: "صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِئا سَفْرٌ"، وَاعْتَمَرْتُ مَعَهُ ثَلاَثَ عُمَر لاَ يُصَلِّي إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ" (١).
فصل:
ثمّ سألتَ كيف كان الإسراء: أَبِرُوحِه أو بجسده؟
فالجواب:
إنّ الإسراء برسول الله - ﷺ - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثمّ إلى السماء كان وهو مستيقظ غير نائم، أُسْرِي به على حاله بجسده - ﷺ -، هذا هو الصحيح عندنا (٢)، ومِمّا يَدُلُّك على ذلك
_________________
(١) سبق تخريجه والكلام عليه، انظر (ص ١٤١).
(٢) تأوّل البعض حادث الإسراء والمعراج، فزعم أنّه رؤيا منامية، ومنهم من زعم أنّه بالروح وليس بالجسد، والصواب كما ذكر المصنّف وكما ثبت عن ابن عبّاس أنّها رؤيا عين بالروح والجسد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، ينظر "صحيح البخاري" [كتاب التفسير، حديث رقم (٤٧١٦)]، و"تفسير الطبري" (١٥/ ١١٠) حول نفي سفيان بن عيينة أن تكون الرؤيا بالمنام، وهذا هو رأي جمهور العلماء أنّ الإسراء كان يقظة بروحه وجسده، مرّة واحدة، وأنّ الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة.=
[ ١٥٣ ]
[ما ذكره] (١) أهل السير: "أنّ أبا جهل وكفّار قريش أنكروا على رسول الله - ﷺ - ما ادّعاه في إتيانه تلك الليلة بيتَ المقدس من مكّة، وذهبوا إلى أبي بكر، فقالوا: يا أبا بكر؛ هل لك في صاحبك يزعم أنّه قد جاء هذه الليلة بيتَ المقدِس وصلّى فيه ورجع إلى مكّة؟ قال: فقال أبو بكر: إنّكم تكذبون عليه، فقالوا: بل هو ذاك في المسجد يحدثّ به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، والله إنّه ليخبرني الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أعجب مِمّا تعجبون منه، ثمّ أقبل حتّى انتهى إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا نبيَّ الله؛ أحدَّثتَ هؤلاء أنّك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ فقال: نعم؛ قال: يا نبيّ الله؛ صِفْهُ لي، فإنّي قد جئته؟ قال رسول الله - ﷺ -: فرفع لي حتّى نظرت إليه، فجعل رسول الله - ﷺ - يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر: صدقتَ، أشهد أنّك رسول الله، كلّما وصف منه شيئًا قال: صدقتَ، أشهد أنّك رسول الله، أشهد أنّك رسول الله، حتّى إذا انتهى قال لأبي بكر: "وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ"، فيومئذ سَمّاه الصدّيق" (٢).
_________________
(١) = يراجع: "تفسير الطبري" (١٥/ ١٢، ١٤)، و"زاد المعاد" لابن القيّم (١/ ٩٩، ٣/ ٣٤، ٤٠)، و"السيرة النبوية الصحيحة" (١/ ١٩٢)، و"فتح الباري" تحت الحديث رقم (٣٨٨٦).
(٢) غير موجود بالأصل، وبها ينسجم الكلام.
(٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في "زياداته على المسند" (١/ ٣٠٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ١٦٧ - ١٦٨، رقم ١٢٧٨٢)، كما نقله الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٦٩ - ٧٠)، وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير"، ورجال أحمد رجال الصحيح".=
[ ١٥٤ ]
ففي هذا الخبر، وهو مشهور مأثور ما يدلّك على أنّ الإسراء لم يكن بروحه في منامه، لأنّه - ﷺ - لو قال لهم: إنّي رأيت البارحة في المنام أنّي أتيت بيت المقدس، ما أنكر ذلك عليه أَحَد؛ لأنّ الرؤيا لا يُنكِر ذلك منها مؤمن ولا كافر، لكن يدفعها ويجعلها من الطبائع، ولا يقول فيها بقول أهل الإسلام، والرؤيا وعبارتها في الجاهلية معلوم عندهم.
_________________
(١) = وكذا أخرجه البيهقي في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٦٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٦٢ - ٦٣)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وانظر "المصنّف" لعبد الرزّاق (٥/ ٣٢٨). والرواية وردت مطوّلة عند الطبري من طريق ابن شهاب عن ابن المسيِّب وأبن سلمة بن عبد الرحمن "جامع البيان" (١٥/ ٦)، والسيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٢٢٨). ملاحظة: قال مؤلّف "السيرة النبوية الصحيحة" الدكتور أكرم ضياء العمري (١/ ١٩١): "وقد وردت قصّة الإسراء والمعراج مفصّلة مطوّلة من طريق ضعيفة متونها تشبه أخبار القصّاص"، وعزاها إلى "تفسير الطبري" (١٥/ ١١ - ١٤)، و"مستدرك الحاكم" (٢/ ٥٧١) بإسناد فيه أبو هارون العبدي، وهو متروك، كما في "التقريب"، وقال الذهبي - كما في "السيرة النبوية" (١٧٨ - ١٨١) -: "هذا حديث غريب عجيب". وهناك رواية أخرى في "تفسير الطبري" (١٥/ ٦ - ١١) وفي إسنادها أبو جعفر الرازي، وهو عيسى ابن أبي عيسى صدوق سيّء الحفظ، كما في "التقريب"، وقد ضعّف البيهقي هذا الحديث كما في "الدلائل" (٢/ ٣٩٦ - ٤٠٣)، وقال الذهبي - كما في "السيرة النبوية" له (ص ١٨٢) -: "تفرّد به أبو جعفر الرازي، وليس هو بالقويّ، والحديث يشبه كلام القصّاص، إنما أوردته للمعرفة لا للحجّة"، وقال ابن كثير - كما في "التفسير" (٣/ ٢١): "في ألفاظه غرابة ونكارة شديدة". ومِمّا أنكره ابن كثير: الصلاة في بيت لحم، وسؤال الصدّيق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك.
[ ١٥٥ ]
ومِمّا يدلّك - أيضًا - على ذلك قول أبي بكر الصدّيق - ﵁ - في هذا الخبر لقريش حين قالوا له: إنّ صاحبك يزعم أنّه أتى بيت المقدس، فقال: إنّكم تكذبون عليه، وممكن عنده الرؤيا أكثر من ذلك من بلوغ خراسان وأقصى الأرض والصعود إلى الهواء ورؤية الله ﵎ وغير ذلك مِمّا يراه الكفّار في الرؤيا (١).
وأبو بكر - ﵁ - كان من أبصر الناس بالرؤيا وأحسنهم لها تعبيرًا، فهذا كلّه يدلّك على أنّها لم تكن رؤيا، وإنّما أُسرِي به كما ذكرنا.
وأمّا قوله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] فمختلف في تأويلها اختلافًا كثيرًا يطول ذكره؛ وإنكار عائشة - ﵂ - الإسراء بجسده لا يصحّ عنها، ولا يثبت قولها: "ما (فُقِدَ) (٢) جسد رسول الله - ﷺ -، ولكن
_________________
(١) السياق يدلّ على أنّ الكفّار يمكن أن يروا الله - ﵎ - في المنام، وهذا لم أجده عن أحد من أهل العلم، لكن وجدتُّ ما يدلّ على أنّ المؤمنين يرون ربّهم، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنّه رأى ربّه في المنام، في حديث: "رأيت ربّي الليلة في أحسن صورة "، وأمّا رؤية الله تعالى في المنام لغيره - ﷺ - فقد نقل صاحب "سراج الطالبين شرح منهاج العابدين" اتّفاق الصحابة والتابعين من بعدهم على جوازها ووقوعها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وقد يرى المؤمن ربّه في المنام في صور متنوّعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا، لم يره إلاّ في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص، رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولا تعبير ولا تأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق". انظر في هذه المسألة: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٣/ ٣٩٠)، و"كتاب الفقه الأكبر" لأبي حنيفة بشرح ملا على القاري (ص ١١٣)، و"سراج الطالبين على منهاج العابدين" شرح إحسان محمّد دحلان (١/ ١٣٣).
(٢) في الأصل: "فقدت"، وهو خطأ واضح؛ لأنّه ذكر بعدُ هذه اللفظة: "أعني: فقدت"، وقال: "هذا من الكذب الواضح".
[ ١٥٦ ]
أُسْرِي بروحه" (١).
وقد قال بعضهم عنها: "ما فَقَدتُّ جسدَ رسول الله - ﷺ - في تلك الليلة"، وهذا من الكذب الواضح؛ لأنّ عائشة لم تكن وقت الإسراء معه، وإنّما ضمّها بعد ذلك بسنين كثيرة بالمدينة، ولو كانت رؤيا ما كان في ذلك شيء يقدح في الديانة ولا في الشريعة لأنّ رؤيا الأنبياء - ﵈ - وحي صحيح بدليل الكتاب والسنّة؛ قال الله - ﷿ - حكاية عن إبراهيم - ﵈ - في ابنه لمّا بلغ معه السعي؛ ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]،، وكان الوحي يأتيه نائمًا ويقظانًا، وكذلك كان يأتي الأنبياء قبله أيقاظًا ونيامًا.
_________________
(١) وهذا الحديث أخرجه ابن إسحاق في "مغازيه" (٥/ ٢٦٥) قال: "حدّثني بعض آل أبي بكر عن عائشة " وذكره، وفيه إبهام من روى عنه ابن إسحاق، فالحديث على هذا منقطع، وأورده ابن كثير في "السيرة النبوية" (٢/ ١٠٥) من طريق ابن إسحاق، ثمّ ساق من طريق ابن إسحاق قال: حدّثني يعقوب بن عتبة: أنّ معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله - ﷺ - قال: "كانت من الله رؤيا صادقة"، وذكر تردّد ابن إسحاق، وجوّز كلا الأمرين أعني: وقوع ذلك في المنام أو في اليقظة. قال ابن كثير: "ولكن الذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنّه كان يقظان لا محالة وليس مقتضى كلام عائشة - ﵂ - أن جسده - ﷺ - ما فُقِد، وإنّما كان الإسراء بروحه - أن يكون منامًا كما فهمه ابن إسحاق، بل قد يكون وقع الإسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم". قلت: وتمسّك القائلون بأنّ الإسراء وقع منامًا برواية شريك لحديث الإسراء في "صحيح البخاري" [كتاب التوحيد، باب وكلّم الله موسى تكليمًا، رقم (٧٥١٧)] من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر أبي عبد الله، الذي قال عنه الحافظ في "التقريب": "صدوق يخطئ، وقد اضطرب في حديث الإسراء، وساء حفظه ولم يضبطه"، وجاء فيه: "ثمّ استيقظت"، وهذا من جُملة أخطاء شريك في هذا الحديث الذي بسببه نزلت رتبته، وجملة أخطائه فيه - كما ذكر ابن حجر في "الفتح" (١٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤) -: عَشرٌ، فلتُراجَع هناك.
[ ١٥٧ ]
قال - ﷺ -: "تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَتَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يقظانٌ، وَإِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُنَا" (١).
وقالت عائشة - ﵂ -: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ؛ كَانَ يَرَى الرُّؤْيَا فَتَأْتِي مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ" (٢).
والذي عليه جمهور أهل الفقه و(الأكثرون) (٣) أنّ الإسراء به كان وهو يقظان أُسرِيَ بجسده وروحه على هيئته وحاله، فرأى ما رأى، ما كذب الفؤاد ما رأى - ﷺ - وشرَف وكرَم.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في المناقب (٣٥٦٩ - ٣٥٧٠) باب كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه، وفي التوحيد (٧٥١٧) باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
(٢) أخرجه البخاري في بدء الوحي برقم (٣)، ومسلم [كتاب الإيمان ١٦٠ باب بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -] من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة.
(٣) في الأصل: "والأكثرين"، وهو خطأ.
[ ١٥٨ ]