حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَن النبيَّ - ﷺ - قَالَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ اْلأحْزَابِ: "لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَأَدْرَكَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّيهَا حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُصَلِّيهَا، [لَمْ يُرِدْ] (١) مِنَّا ذَلِك (٢)، فَذُكِر ذَلِك لِلنَّبيِّ - ﷺ - فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" (٣).
_________________
(١) كلمة غير واضحة، وصورتها في الأصل: ﴿وردنا﴾، والتصحيح من "صحيح البخاري".
(٢) تكرّرت لفظة "ذلك" في المخطوط، وهو خلل.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في [كتاب الخوف (٩٤٦) باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماء]، وفي [المغازي (٤١١٩) باب مرجع النبيّ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إيّاهم]. وأخرجه مسلم في [الجهاد والسير (١٧٧٠) باب المبادرة بالغزو وتقديم أهمّ الأمرين المتعارضين]؛ كلّهم من طريق عبد الله بن محمّد بن أسماء الضبعي عن عمّه جويرية عن نافع عن ابن عمر به، إلاّ أن مسلمًا قال: "الظهر" بدل "العصر". قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ٤٧١ - ٤٧٢): "كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم: "الظهر"، مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون". قلت: أخرجه كذلك أبو عوانة في الجهاد (٤/ ١٧٣)، وابن حبّان (٣/ ١٢)، من طريق أبي يعلى عن عبد الله بن محمّد بن أسماء عن جويرية به (٧/ ١٠٨).=
[ ١٦٩ ]
وقلتَ: إدخال البخاري هذا الحديث، ينقض بعضُهم به قولَ الشافعي: إنّ الطالب لا يصلّي صلاة الخوف إلّا صلاة كاملة؛ لأنّ الله - ﷿ - لم يشترط أن تصلّى صلاة الخوف إلاّ مع مقاتلته، خوف الفتنة؛ لأنّ الخوف يرتفع عن الطالب، وقلتَ: فانظر رحمك الله: إن كان هذا الحديث الذي أدخل البخاري حجّة على الشافعي أم لا؟ لأنّه اعترض معترِض فقال: أمّا الذين صلّوا في الطريق فأتَمّوا: والذين صَلّوا في بني قريظة بعد فوات الوقت، فلا خوف عليهم؟
هذا كلّه لفظ كتابك.
فالجواب:
إنّ حديث ابن عمر هذا ليس فيه شيء مِمّا ذكرتَ، فلا يقتضي معنًى من المعاني التي إليها أَشَرْتَ، وإنّما فيه إباحة الاجتهاد على الأصول (١)، وجواز فعل المجتهد إذا
_________________
(١) = ورجّح الحافظ في حديث ابن عمر حديث مسلم؛ لأنّه يحافظ على اللفظ كثيرًا، ولموافقة من وافق مسلمًا على لفظه بخلاف البخاري، أو أنّ عبد الله بن محمّد بن أسماء حدّث به على اللفظين، بدليل موافقة أبي عتبان لجويرية على لفظ مسلم. وأمّا بالنظر إلى حديث غيره - أعني: حديث عائشة وكعب بن مالك في الباب - فيحمل على أنه قال: "الظهر" لطائفة، وقال: "العصر" لطائفة والله أعلم. انظر: "الفتح" (٤/ ٤٧٢ - ٤٧٣).
(٢) ذكر الحافظ ابن عبد البرّ هذه المسألة في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ٦٩) فقال: "باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة"، وانظر كلامًا في هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنّة النبوية" (٣/ ٤١١ - ٤١٢)، و"مجموع الفتاوى" (٣/ ٢٤٤)، =
[ ١٧٠ ]
كان الاجتهاد منه على أصل صحيح؛ لأنّه - ﷺ - أمرهم أن يصلّوا العصر في بني قريظة واستعجالًا منه لهم وحبًّا لإدراك الناس من اليهود الناقضين لعهده؛ المُعِينِين على الأحزاب، وقد كان عند أصحابه أنّه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها حتّى يَفوت، فلما أدركتهم الصلاة وخشَوا فَوْتَها، من خشي ذاك منهم بدر إلى أدائها على أصله في فرض وقتها واحتمال قول رسول الله - ﷺ - عنده مثل ذكر الآية (١)، قد يجوز أن يكون - ﷺ - لو روجع بالسؤال، فقيل له: أرأيت لو خشينا فوت العصر أنصلّي أم نُتِمّ؟ (٢) كان يقول: لا تفرّطوا في صلاتكم، فإنّي طَمِعْتُ لكم أن تدركوا بني قريظة في بقية من الوقت، وكان قولي ما قلتُه استعجالًا لكم وهذا وجه احتمال.
والطائفة التي أخّرت الصلاة حتّى تأتي بني قريظة، استعملت ظاهر لفظه، ووقفت عنده، فعذرهم رسول الله - ﷺ - كلّهم باجتهادهم، كما عذر الله - ﷿ - داود وسليمان، إذ حكما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم (٣)، فأثنى على سلمان أن فَهِمَها، وعَذَر داود ولم يَذُمَّه لاجتهاده، وهذا الاجتهاد عند العلماء على الأصول؛ لأنّ ظاهر لفظه - ﷺ - أصله مِمّا كانوا عليه من معرفة الوقت، فافهم هذا ترشد إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) = وانظر: "الرسالة" (ص ٥٦٠)، و"رفع الملام" (ص ٥٧)، و"إعلام الموقعين" (١/ ٦٧، ٢٠٣)، و"إرشاد الفحول" (ص ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٢) لعلّه يقصد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
(٣) في الأصل: "إذ كان يقول"، "وإذ هنا مقحمة لا معنى لها والله أعلم.
(٤) يشير إلى الآية (٧٨) من سورة الأنبياء.
[ ١٧١ ]
وأمّا قولك: (إدخال) (١) البخاري هذا الباب ينقض به قول الشافعي إنّ الطالب لا يصلّي صلاة الخوف (٢)، فهذا قول من لا علم له بالآثار ولا بمقصد المصنِّفين لها؛ وما بقي في هذا الحديث مِمّا يدلّ على أنّ القوم كانوا مبتدئين للعدوّ أو ممّا يدلّ على أنّ القوم قصَروا الصلاة أو أتمّوا أو ما فيه ما يكون حجّة على مَن قال: إنّ الطالب لا يصلّي صلاة الخوف، أو على من قال: إنه يصلّيها، ما فيه شيء يدلّ على شيء مِمّا ذكرتَ، ولم يكن أحد من بني قريظة (٣) هاربًا فيُتَّبَع، وإنّما كانوا في حصونهم لم يَبْرَحوا منه، وكانوا قد أعانوا أبا سفيان والأحزاب بالرأي والسلاح، ونقضوا العهد (٤)، وقد رامهم أبو سفيان وقريش أن يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأبَوا عليهم، إلاّ أن يُعطوهم رهنًا يكون بأيديهم وثيقة، قالوا: فإنّا نخشى إن ضرستكم (٥) الحرب،
_________________
(١) في الأصل: "أدخل"، والصواب المثبت.
(٢) قال الشافعي في "الأم" (١/ ٢٥٠): "ولا يجوز لأحد أن يصلّى صلاة الخوف إلّا بأن يعاين عدوًّا قريبًا غير مأمون أن يحمل عليه، يتخوّف حمله عليه من موضع، أو يأتيه من يصدّقه بِمثل ذلك من قرب العدوّ منه أو مسيرهم جادّين إليه، فيكونون هم مخوَّفين". وانظر المصدر نفسه (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٣) كانت غزوة بني قريظة بعد الأحزاب مباشرة في آخر ذي القعدة وأوّل ذي الحجّة من السنة الخامسة للهجرة، انظر: "الطبقات" لابن سعد (٢/ ٧٤)، و"السيرة" لابن هشام (٣/ ٣٢٤).
(٤) وهذا هو سبب غزوة بني قريظة، ينظر تفصيله في: "مغازي" الواقدي (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٩)، و"تاريخ الرسل والملوك" للطبري (٣/ ٥٧٠ - ٥٧٣)، وابن حزم "جوامع السيرة" (١٨٧ - ١٨٨)، و" الدرر" لابن عبد البرّ (١٨١ - ١٨٣)، وابن سيّد الناس" عيون الأثر" (٣/ ٥٩ - ٦٠)، و"البداية والنهاية" (٤/ ١٠٣ - ١٠٤)، وكلّ هؤلاء ذكروا خبر غدر بني قريظة دون إسناد.
(٥) في الأصل: "ضرستكم بينكم"، والصواب المثبت. وكذا وردت في كتب السيرة، انظر: "الاكتفاء بما تضمّنه من مغازي رسول الله" (٢/ ١٢٩)، "تاريخ =
[ ١٧٢ ]
واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا (١) إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا، فأبت قريش وغطفان أن يعطوهم رهنًا (٢) وحرّك الله بينهم وبعث عليهم الريح الشديدة في ليال شديدة البرد، فجعلت تكْفَؤُ قُدورَهم، وتَطْرَح أَبْنِيَتَهم حتّى فَرُّوا ليلًا (٣)، فلمّا أصبح رسول الله - ﷺ - وأيقن بفرارهم، انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة هو والمسلمون ووضعوا السلاح (٤)، فلمّا كان الظهر، أتى جبريل - ﵇ - رسولَ الله - ﷺ - وهو في صفة دِحْيَةَ بنِ خليفة الكلبي، قال الزهري: معتجرًا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة ديباج، فقال لرسول الله - ﷺ -: "قد وضعت السلاح؟ قال: نعم، قال جبريل: ما وَضعَت الملائكةُ السلاحَ بعدُ، وما رجعتُ الآن إلاّ مِن طلب
_________________
(١) = الرسل والملوك" (٢/ ٩٧)، و"السيرة النبوية" (٤/ ١٨٩)، و"البداية والنهاية" (٤/ ١١٢)، كلهم من طريق ابن إسحاق مرسلة. قال ابن منظور في "اللسان" (٦/ ١١٨): "وضرسهم الزمان: اشتدّ عليهم وضَرَسته الحروب تَضْرِسُه ضَرْسًا: عَضَّته، وحرب دروس: أكول عضوض".
(٢) في "لسان العرب" (٤/ ٤٢٧): "شَمَر يَشْمُر شَمْرًا وانشَمَر وشَمَّر وتَشَمَّر: مرّ جادًّا".
(٣) انظر لهذا قصّة نعيم بن مسعود الغطفاني "السيرة" لابن هشام (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠) عن ابن إسحاق معلّقًا، و"مغازي" الواقدي (٢/ ٤٨٠ - ٤٨٣)، و"مصنف عبد الرزاق" (٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩) مرسلًا عن ابن المسيِّب، ومراسيله أحسن المراسيل، وموسى بن عقبة من روايته عن الزهري المرسلة - ومراسيله ضعيفة - عند البيهقي في "الدلائل" (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٤) انظر: ابن سعد (٢/ ٩٧) من مرسل سعيد بن جبير، و"دلائل النبوّة" للبيهقي (٣/ ٤٠٦) من رواية موسى بن عقبة عن الزهري، وهي مرسلة كما مرّ.
(٥) أخرجه البخاري في [المغازي (٤١١٧) باب مرجع النبيّ - ﷺ - من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إيَّاهم].
[ ١٧٣ ]
القوم، إنّ الله يأمرك يا محمّد، بالمسير إلى بني قريظة، فإنّي عامدٌ إليهم، فمُزَلْزِلٌ عليهم، فأمر رسول الله - ﷺ - مؤذّنًا، وأذّن: من كان سامعًا ومطيعًا فلا يُصَلِّيَنَّ العصرَ إلاّ في بني قريظة" (١)، واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم (٢)، وقَدِمَ عليُّ بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها النّاس، فهل في هذا الحديث، أو حديث ابن عبّاس في شيء من الآثار؛ أنّ القوم كانوا ذلك الوقت طالبين العدوّ وكان بين أيديهم وهل فيها ما يدلّ على أنّ المسافة بين المدينة وبين قريظة يجب فيها التقصير في ذلك الحديث، أو في غيره ذكر؛ و(هل) (٣) دعوى ذلك من مدّعيه إلاّ تَظَنُّنًا وتَخَرُّصًا؟ ولا يجوز القول في دين الله إلاّ باليقين.
وأمّا قولُك، أو قول مَن حكيتَ قولَه: "وأمّا اذين صلّوا في الطريق وأتَمّوا"؛ فمَن هذا الذي نَقَل إليكم أنّهم أتَمّوا أو قَصَروا، وأنّ الآخرين أمنوا الخوف؛ وما أدري ما الخوف الذي أَمِنوا منه؟ لأنّه لم يذكر في خبر، وهذا علم لا يُدرَى إلاّ بخبر، والله المستعان.
وأمّا الشافعي - ﵀ - فقوله: "إنّه لا يجوز لأحد أن يصلّي صلاة الخوف إلاّ أن يعاين عدوّا قريبًا غير مأمون أن يحمل عليه "في كلام طويل له في كتابه (٤)، وقال في صفة الخوف الذي للرجل أن يصلّي فيه راجلًا وراكبًا، للقبلة وغيرها: "إطلال العدوّ على العسكر، فيتراءون ويتقاربون حتّى ينالهم الرمي في غير حصْن، وربما نالهم الطعن والضرب.
_________________
(١) انظر هذا الأثر، وهو منقطع، عند ابن إسحاق (٢/ ٢٣٣/ ٢٣٤٩) و"تخريج الدلالات السمعية" (١/ ٢١٥)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (٤/ ٢٣٤)، و"البداية والنهاية" (٤/ ١١٦).
(٢) ذكره ابن هشام في "السيرة" (٣/ ٧١٦)، وابن سعد (٣/ ٧٤) كلاهما بدون إسناد.
(٣) في الأصل: "هذه"، وهو خطأ، والصواب ما أثبتُّ.
(٤) في "الأمّ" (١/ ٢٥٠).
[ ١٧٤ ]
فإذا كان هذا صفةُ صلاةِ شدّةِ الخوف، وإن كانوا يستقبلون بالعدوّ والعدد قليل، يقوم بكلّ طائفة منه مَن يليها ولم يُحِطِ العدوُّ بهم؛ صَلَّوا صلاة غير شدّة الخوف، قال: ولا بأس في شدّة الخوف بالطعنة والضربة الخفيفة، وإن تابع الطعن أو الضرب، لم تُجْزِهِ صلاتُه" (١)، هذا كلّه قول الشافعي.
وقال الثوري: إذا كنتَ خائفًا وكنتَ راكبًا أو قائمًا أو (ماشيًا) (٢) أو حيث كان وجهك، تجعل السجود أخفض من الركوع، وذلك عند المسايفة كقول مالك وسائر الفقهاء، وذلك متقارب كلّه لا يختلف معناه، إلاّ الأوزاعي؛ فإنّه أجاز للطالب أن يصلّي راكبًا على ظهره، ورواه عن شرحبيل بن حسنة، والفقهاء على خلافه في ذلك، وظاهر القرآن لا يُطلِق الصلاة راكبًا وراجلًا إلاّ مع شدّة الخوف، وكذلك السُّنَّة (٣).
_________________
(١) المصدر نفسه (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥) مع اختلاف في الألفاظ وتركيب الجمل فيه.
(٢) في الأصل: "ماش"، والصواب - إن شاء الله - ما أثبتُّ.
(٣) انظر لهذا: "روضة الطالبين" (٢/ ٦٠)، "روض الطالب" (٢/ ٢٧٣)، "كشاف القناع" (٢/ ١٨)، "المغني" (٣/ ٣١٦)، و"بدائع الصنائع" (١/ ٢٤٤)، وانظر: "التمهيد" (١٥/ ٢٨١ - ٢٨٣)، و"الاستذكار" (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧). قال ابن الملقّن في "الإعلام" (٣٥١ - ٣٥٢): "جاءت صلاة الخوف عن النبى - ﷺ - على ستة عشر نوعًا، وهي مفصّلة في "صحيح مسلم" بعضها، وبعضها في "سنن أبي داود"، واختار الشافعي منها ثلاثة أنواع: بطن نخل، وذات الرقاع، وعسفان، وذكر الحاكم في "مستدركه" منها ثمانية أنواع، وذكر ابن حبّان في "صحيحه" منها تسعة، وصحّح ابن حزم في صفتها عن رسول الله - ﷺ - أربعة عشر وجها، وذكر ابن القصّار المالكي عشرة، وذكر القرطبي في "شرح مختصر مسلم" عشرة أحاديث منها، وتكلّم عليها وقال الإمام أحمد: ما أعلم في هذا الباب إلّا حديثًا صحيحًا، واختار حديث سهل بن أبي حَثْمة". =
[ ١٧٥ ]
روى ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - صفة صلاة الخوف وحكمَها، وقالوا في الحديث: "وإن كان خوفٌ أشدُّ من ذلك صلّوا رِجالًا ورُكْبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها" (١)، فلم يُطلِق هذه الصلاة للخائف إلاّ في حال شدّة الخوف، هذه حال لا يُصلَّى فيها جماعة لحال شدّة الخوف، وفي النظر معلوم أنّ الطالب غير خائف، فكيف يصلّي صلاة الخوف؟ وهل يجوز صلاة الخوف لغير خائف؟ هذا ما لا يُفهَم في لسان ولا سنّة ولا بيان، والله المستعان.
فإن قال قائل: إنّ عبد الله بن أُنَيس (٢) صلّى وهو طالب؛ يومئ برأسه حين بعثه
_________________
(١) = انظر: "المفهم" (٣/ ١٤٢٢)، و"المستدرك" (١/ ٣٣٥، ٣٣٨)، و"الأوسط" لابن المنذر (٥/ ٢٩ - ٣٦)، و"الإحسان" (٧/ ١١٩، ١٤٧)، و"المحلّى" (٥/ ٣٣، ٤٢).
(٢) الحديث أخرجه البخاري في [التفسير (٤٥٣٥) باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾] [البقرة: ٢٣٩]، من طريق مالك عن نافع: أنّ عبد الله بن عمر - ﵄ - كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: "يتقدّم الإمام وطائفة من الناس "، وذكر الحديث، وأخرجه مسلم في [الصلاة (٨٣٩)] من طريق موسى بن عقبة عن نافع، وأخرجه - أيضًا - من طريق الزهري عن سالم عن أبيه.
(٣) هو: أبو يحيى عبد الله بن أنيس، الجهني المدني، حليف الأنصار، صحابي مشهور، كبير القدر، بطل شجاع مقدام، شهد العقبة مع السبعين، وشهد أحدًا والخندق وما بعد ذلك، وكان هو ومعاذ يكسران أصنام بني سلمة، بعثه النبيّ - ﷺ -؛ سريّة وحده، وإليه سار جابر بن عبد الله مسيرة شهر ليسمع منه حديثًا واحدًا؛ حديث المظالم والقضاء، تأخّر موته بالشام إلى سنة ثمانين على المشهور، وقيل: توفي سنة أربع وخمسين، والله أعلم. انظر ترجمته في: "الاستيعاب" (٣/ ٨٦٩)، و"الإصابة" (٢/ ٢٧٨)، و"التقريب".
[ ١٧٦ ]
رسول الله - ﷺ - إلى قتل الهذلي الذي كان أجمع لغزو رسول الله - ﷺ -؟ (١).
قيل له: لم تتدبّر حديث عبد الله بن أنيس، ولو تدبّرتَه لعلمتَ أنّه كان خائفًا، لأنّه قد كان اجتمع به وعاينه، حين صنع ذلك، ولفظ حديثه: " فأقبلت نحوه وخشيتُ أن يكون بيني وبينه مجاولة (٢) تشغلني عن الصلاة، فصلّيتُ وأنا أمشي نحوه".
ألا ترى إلى قوله: "فخشيتُ"، وهو الخوف الصحيح؟ على أنّه ليس في هذا الحديث أنّ رسول الله - ﷺ - جوّز ذلك له ولا كرهه ولا علم به، وفيما ذكرناه مقنع لمن وُفِّق لفهمِه.
_________________
(١) حديثه أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٩١ - ٩٢)، وابن حبّان (٧١٦٠)، وأحمد (٣/ ٤٩٦)، وأبو يعلى (٩٠٥)، وأبو داود مختصرًا (١٢٤٩)، وأخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوّة" (٤٤٥)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٢٥٦)، كلّهم من طريق ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه به. وابن عبد الله بن أنيس مجهول، كما قال الألباني، وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٠٣): "وفيه راو لم يسمّ". قلت: بل ورد تسميته عند البيهقي فسمّاه عبد الله، وعبد الله هذا ترجمه ابن أبي حاتم، ولم يجرّحه أحد، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وحسّن الحافظ إسناده في "الفتح" (٢/ ٤٣٧)، وضغفه الألباني كما في "ضعيف أبي داود" (٢٣٢) لجهالة ابن عبد الله بن أنيس.
(٢) في جميع الروايات: "محاولة"، وقال محققو "المسند": "وفي (ق) مجاولة". و"المجاولة": المغالبة، وهو من: جال في الحرب على قِرْنِه، يجول. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣١٧).
[ ١٧٧ ]