إنّ الذي يشار إليه أوّلًا هو أنّ أوّل من ترجم لابن عبد البرّ هو ابن عبد البرّ نفسه من خلال ما ذكره عن جانب من جوانب حياته العلمية ببيان تاريخ شيوخه الذين أخذ عنهم العلم بطرق التحمّل المختلفة كالسماع والقراءة والإجازة وغيرها من الطرق المتعارف عليها بين أهل العلم، وذلك في كتابين من كتبه هما: "تاريخ شيوخ ابن عبد البر" و"فهرسة الشيخ الفقيه الحافظ أبي عمر ابن عبد البرّ" (١)، وهما كتابان لم يصل إلينا منهما - في حدود المعلوم - إلّا ما تضمّنته بعض مصنّفات تلاميذ ابن عبد البر وغيرهم مِمّن ألّف في تراجم علماء الأندلس كالحميدي، وابن بشكوال (٢).
ومن جهة ثانية فإنّ الناظر في تاريخ الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ يجد أنّ أقرب المصادر إلى عصره والتي ترجمت له هو جملة من كتب الأندلسيين، منها:
• كتاب "جذوة المقتبس" لأبي نصر الحميدي (٣)، وهو معاصره وواحد من
_________________
(١) انظر: "ابن عبد البرّ الأندلسي وجهوده في التاريخ" لليث سعود جاسم (ص ٢٢٦).
(٢) انظر: "ابن عبد البر الأندلسي وجهوده في التاريخ" (ص ٣٠٩ - ٣١٣).
(٣) هو: أبو عبد الله، محمد بن أبي نصر فتّوح بن عبد الله بن حميد بن يصل الأزدي الأندلسي الميورقي، كان =
[ ٢٧ ]
تلاميذه (١).
وحديث الحميدي في هذا الكتاب مع ما يفيد الباحثَ من تجلية بعض جوانب ابن عبد البرّ العلمية لم يكن مستفيضًا، وإنّما ذكره بإيجاز، فذكر اسمه ونسبه وكنيته، وأشار إلى تاريخ ولادته، ووصفه بالحفظ والعلم بالقراءات والخلاف في الفقه، وذكر أنّه لم يَخرُج من الأندلس، بل جُلُّ مشيخته منها، فإنّه سمع من أكابر أهل الحديث في قرطبة وغيرها، وسمع من الغرباء الذين قدموا إليها، ونقل أنّه كان يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي - ﵀ - (٢).
وإلى جانب هذا الاختصار في حياة ابن عبد البرّ فإنّ الحميدي أسهب في بيان مؤلّفات مترجَمِيه في مختلف مجالات العلم، وختم الترجمة بنقل إجازة ابن عبد البرّ له
_________________
(١) = موصوفًا بالنباهة، والمعرفة، والإتقان، والدين، والورع، عفيفًا، مشتغلًا بالعلم، وكان ثقةً، إمامًا في علم الحديث وعلله، ومعرفة متونه ورواته، محقِّقًا في علم الأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحّرًا في علم الأدب والعربية، ولد سنة (٤٢٠)، وتوفي سنة (٤٨٨). انظر ترجمته في: "الإكمال" لابن ماكولا، "سير أعلام النبلاء" (١٩/ ١٢٠)، "بغية الملتمس" (١/ ١٦١)، "الصلة" (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١)، "وفيات الأعيان" (٤/ ٢٨٢)، "مقدمة الجذوة".
(٢) قال الحميدي في "جذوة المقتبس" (٢/ ٥٨٨): "وقد لقيناه - أي ابن عبد البرّ - وكتب لنا بخطّه في فهرسة مسموعاته ومجموعاته، مجيزًا لنا، وكاتبًا إلينا بجميع ذلك كلّه ".
(٣) وهو: على خلاف المعروف من مذهب ابن عبد البرّ، فإنّ الظاهر من كتبه والمتبادر من كلامه أنّه مالكي المذهب، فهو يصرح بقوله: "أصحابنا"، أي: المالكية، و"تحصيل المذهب "، و"المسألة عندنا "، وكلّ ذلك يقصد به المالكية، هذا مع ميل واضح إلى الترجيح بالدليل واتّباع له، وهو ما ينفي عنه كلّ تعصّب وتقليد بلا نظر، والله أعلم.
[ ٢٨ ]
بجميع كتبه، وبذكر تاريخ وفاته (١).
وممّا يستفاد من كلام الحميدي في كتابه أنّ ابن عبد البرّ كان قد استمرّ في التصنيف إلى وقت متأخّر من حياته، إذ لم يمض من الزمن - على أكثر تقدير - منذ لقيه وحسب ما ذكر من تاريخ وفاته، إلى حين موته إلّا اثنا عشرة سنة أو أكثر بقليل (٢)، فإنّه قال بعد عرض تواليفه، وذكر إجازته له بها: "وتركته حيًّا وقت خروجي من الأندلس، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، ثمّ بلغتني وفاته، وأخبرني أبو الحسن على ابن أحمد العابدي (٣) أنّه مات في سنة ستين وأربعمائة بشاطبة من بلاد الأندلس" (٤)، فيكون عُمُرُ ابن عبد البرّ حينئذ ما بين خمس وسبعين سنة وثمانية وسبعين عامًا.
• ودون ما جاء في "الجذوة" في البسط ما قاله صاحب "الصلة" ابن بشكوال (٥)،
_________________
(١) "جذوة المقتبس" (٢/ ٥٨٦ - ٥٨٨).
(٢) فإنّ الحميدي ذكر أنه بلغه أن ابن عبد البر توفّي سنة ستّين وأربعمائة، وأمّا الذهبي ذكر من تاريخ وفاته عام ثلاث وستّين وأربعمائة، أي خمس عشرة سنة من خروج الحميدي من الأندلس بعد لقيّه ابن عبد البرّ. انظر: "دول الإسلام" (١/ ٢٧٣).
(٣) لم أقف على ترجمته.
(٤) وعمره خمسة وتسعون عامًا، انظر "السير" (١٨/ ١٥٩).
(٥) هو: أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود الخزرجي الأنصاري، المولود سنة (٤٩٠)، أحد الأعلام الأندلسيّين، كان متسع السماع والرواية، نبيهًا، صالح الدخلة، سالم الباطن، متواضعًا، توفي سنة (٥٧٨). انظر: "مقدّمة الصلة" لإبراهيم الأبياري.
[ ٢٩ ]
فإنّه اقتصر بعد ذكر اسمه ونسبه وكنيته على بيان مكانة ابن عبد البرّ العلمية وثناء بعض العلماء عليه، مع شيء من التوسع في تسمية شيوخه، [والتركيز على كتابين] من مصنّفاته هما شرحا "موطّإ الإمام مالك - ﵀ - ": "التمهيد" و"الاستذكار"، وختم الترجمة بذكر تاريخ وفاته، وما روي له عن ابن عبد البرّ من تاريخ ولادته (١).
والذي يثير الانتباه في هاتين الترجمتين اختلافهما في تاريخ ولادة ابن عبد البرّ حيث ذكر صاحب "الجذوة" أنّه ولد في رجب من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، أمّا صاحب "الصلة" فقد نقل عن طاهر بن مُفَوِّز - وهو أحد تلاميذ ابن عبد البرّ (٢) - قوله: "سمعت أبا عمر يقول: ولدتُّ يوم الجمعة، والإمام يخطب، لخمس بقين من ربيع الآخر من سنة ثمان وستين"، قال: "أرانيه الشيخ بخطّ أبيه عبد الله بن محمّد (٣) - ﵀ - (٤)، فيكون بهذا التصريح ما نقله ابن بشكوال أصحّ القولين في تاريخ ولادة ابن عبد البرّ، والله أعلم.
• ومثلما جاء في الكتابين السابقين ما نقله الضبي (٥)، في "بغية الملتمس"،
_________________
(١) "الصلة" (٣/ ٩٧٣ - ٩٧٤).
(٢) "الصلة" (٣/ ٩٧٤).
(٣) هو: الفقيه العالم أبو محمّد، عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ النمري، والد أبي عمر يوسف، ولد سنة (٣٣٠)، وتوفّي سنة (٣٨٠)، انظر: "جذوة المقتبس" (١/ ٣٩٩).
(٤) "الصلة" (٣/ ٩٧٤).
(٥) هو: أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة، كان حسن الخطّ، صحيح النقل والضبط، ثقة صدوقًا، توفّي سنة (٥٩٩). انظر: "تكملة الصلة" (ص ١٢٦)، "مقدّمة الصلة" (١٥ - ١٨).
[ ٣٠ ]
فإنّه اختصر ما قاله الحميدي في "الجذوة"، مضيفًا إليه بعضًا من كلام ابن بشكوال في "الصّلة" (١).
• وأوْجَزَ الفتح بن خاقان الأندلسي (٢) في كتاب "مطمح الأنفس" ترجمة ابن عبد البر، ذاكرًا محاسنه العلمية، وشيئًا من شعره، مقتصرًا على ذلك (٣).
• وأوْجَزُ من ذلك كلّه ما قاله تلميذه ابن حزم الأندلسي (٤) في كتابه "أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا": "وممّن أدركنا مِمَّن جرى على سَنَن من تقدّم مِمّن ذكرنا - من أصحاب الاجتهاد والفتيا - يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ النّمري"، وذكر في "رسائله" ما
_________________
(١) "بغية الملتمس" (٢/ ٦٥٩ - ٦٦١).
(٢) هو: أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي الإشبيلي الأندلسي، ولد سنة (٤٨٠) في سكرة الواد بالقرب من غرناطة، كان أديبًا فاضلًا، وشاعرًا بليغًا، فصيحًا، لكنّه مطعون فيه من ناحية أخلاقه، فكان بذيء اللسان، قويّ الجنان في هجاء الأعيان، اتهم بالخلوة، وحُدّ في شرب الخمر ، توفي سنة (٥٢٩)، وقيل غير ذلك، انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" لياقوت (٤/ ٥٤٧).
(٣) القسم الثاني من كتاب "مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس" للفتح ابن خاقان الأندلسي، تحقيق هدى هاشم بهنام، ضمن مجلة "المورد"، المجلد العاشر، العدد (٣ - ٤، السنة: ١٤٠٢ - ١٩٨١)، دار الحرية للطباعة - بغداد.
(٤) هو: أبو محمد، على بن أحمد بن سعيد، عالم الأندلس، وإمام أهل الظاهر في عصره، أحد أعلام الأدب والفقه والحديث، صاحب المصنفات، منها: "المحلى" في الحديث والفقه، و"النبذ"، و"الأحكام في أصول الأحكام" في أصول الفقه، و"طوق الحمامة" في الأدب، توفي سنة (٤٥٦). انظر: "وفيات الأعيان" (٣/ ٣٢٥)، "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ١٨٤).
[ ٣١ ]
لابن عبد البرّ من المصنّفات مُنوِّهًا بها، قائلًا في "التمهيد": "وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا، فكيف أحسن منه" (١).
وأمّا غير الأندلسيين، فمن المغاربة ترجم لابن عبد البرّ القاضي عياض (٢) في "ترتيب المدارك" ترجمة فصّل فيها وأجاد، وجاء فيها على جوانب من حياته عديدة، منها: اسمه ونسبه، والثناء عليه بالإمامة والتقدّم في العلم ودقّة النظر، وذكر شيوخه، وسماعه للعلم، وتصبّره على ذلك، ودأبه فيه، وافتنانه وبراعته براعةً فاق فيها من تقدّمه من رجال الأندلس حتّى عظم شأنه بها، وعلا ذكره في الأقطار، ورحل إليه الناس، وسمعوا منه، وبيّن بعض من أخذ عنه من أكابر أهل العلم في الأندلس، ومجموع مصنّفاته، وسنة وفاته (٣).
ثمّ توالت التراجم الخاصّة بهذا الحافظ الكبير والإمام النَّحرير في مصنّفات العلماء، منهم ابن خلكان (٤) في "وفيات الأعيان وأنباء أبناء
_________________
(١) "رسائل ابن حزم" (رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها) (ص ١٧٩ - ١٨٠).
(٢) هو: أبو الفضل، عياض بن موسى اليحصبي السبتي، الشيخ القاضي، عالم المغرب وقدوتهم، إمام أهل الحديث، المتبحّر في العلوم، ألف التآليف المفيدة البديعة، منها: "إكمال المعلم في شرح مسلم"، و"الشفا في التعريف بحقوق المصطفى"، و"ترتيب المدارك"، وغيرها، توفي سنة (٥٤٤). انظر: "الديباج" (ص ١٦٨)، "شجرة النور الزكية" (١/ ١٤٠).
(٣) "ترتيب المدارك" (٢/ ٨٠٨ - ٨١٠).
(٤) هو: أبو العباس، شمس الدين أحمد بن محمّد بن أبي بكر البرمكي، كان من فضلاء الشافعيين، بارعًا في المذهب، عالمًا به، بصيرًا بالعربية، علّامةً في الأدب والشعر وأيّام الناس، توفّي سنة (٦٨١). =
[ ٣٢ ]
الزمان" (١)، فإنّه ترجم لابن عبد البرّ ترجمة تميّزت بالإطالة في وصف كتاب واحد من كتبه، والنقل منه، لمِا فيه من نوادر العلم والحكم، وهذا الكتاب هو: كتاب "بهجة المجالس وأنس المجالس"، قال فيه: "جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة"، ثمّ أخذ يورد منه مسائل ونكتًا منها: ما روي من بعض رؤى رسول الله - ﷺ -، وبعض أصحابه ﵃ أجمعين؛ ومنها: حِكَم مأثورة وأمثال سائرة من أشعار العرب ونثرهم، وطرائف من الأدب الجاهلي والإسلامي، وبعض العِظات والمقالات.
ثمّ أشار أخيرًا إلى مكانة ولد ابن عبد البرّ، أبي محمّد عبد الله بن يوسف، وأنه كان من أهل الأدب البارع والبلاغة، وأنّ له رسائل وشعرًا أفاد منه قوله:
لا تكترثن تأملًا واحبس عليك عنان طرفك فلربما أرسلته فرماك في ميدان حتفك
وبعد هؤلاء جاء مؤرّخ الإسلام شمس الدين الذهبي (٢)، فترجم لابن عبد البرّ
_________________
(١) = انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/ ٣٣)، "شذرات الذهب" (٣/ ٣٧١).
(٢) انظر منه: (٧/ ٦٦ - ٧٢).
(٣) هو: أبو عبد الله، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني، الحافظ الكبير، مؤرّخ الإسلام، مَهَرَ في فنّ الحديث، وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة، وجمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على من تقدّمه، وله: "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"، رحل إليه الناس رغبة في علمه، توفّي سنة (٧٤٨). انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" (٩/ ١٢٣)، "الدرر الكامنة" (٣/ ٣٣٦)، "طبقات الحفاظ" للسيوطي (ص ٥٢١).
[ ٣٣ ]
في كثير من كتبه كـ: "سير أعلام النبلاء" (١)، و"تاريخ الإسلام" (٢)، و"دول الإسلام" (٣)، و"العبر في خبر من غبر" (٤).
أمّا كتاب "السير" ففيه من الإضافات والتفصيل والتعليقات المفيدة ما لا تجده في غيره، فإنّه وصفه فيه بالإمام العلّامة، وشيخ الإسلام، وذكر كنيته واسمه ونسبه ومذهبه الفقهي، وسنة ولادته مع الإشارة إلى الخلاف في الشهر الذي ولد فيه، وطلبه للعلم وارتحاله لأجله في الأندلس، وعدّد جملة من الشيوخ الذين أخذ عنهم العلم مع بيان مروياته عن بعضهم، وكذا مجموعة مِمّن حدّثوا عنه، ومن أجاز له من أهل المشرق.
ثمّ جاء بنُقول عمّن أثنى عليه من أهل العلم، وأشاد ببيان علوّ شأنه ورفعة مكانته من بين أقرانه من العلماء، وما يفيد تفوّقه في الحديث وتقدّمه فيه على أهل بلده.
ولبيان مكانة ابن عبد البرّ العلمية يقول الذهبي ﵀ (٥): "قلت: كان إمامًا ديّنًا، ثقةً، متقنًا، علّامةً، متبحّرًا، صاحب سنّة واتّباع، وكان - أوّلًا - أثريًّا ظاهريًّا - فيما قيل - ثمّ تحوّل مالكيًّا، مع ميل بيّن إلى فقه الشّافعي في مسائل، ولا يُنكر له ذلك، فإنّه مِمّن بلغ رتبة الأئمّة المجتهدين، ومن نظر في مصنّفاته بأن له مَنْزلته من سعة العلم، وقوّة الفهم، وسيلان الذهن، وكلّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلّا رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) انظر منه: (١٨/ ١٥٣ - ١٦٣).
(٢) انظر منه: (٣١/ ١٣٦ - ١٤٢).
(٣) انظر منه: (١/ ٢٧٣).
(٤) انظر منه: (٣/ ٢٥٥).
(٥) "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ١٥٧).
[ ٣٤ ]
ولكن إذا أخطأ إمام في اجتهاده لا ينبغي لنا أن ننسى محاسنه، ونغطّي معارفه بل نستغفر له ونعتذر عنه".
كما أفادنا الذهبي أنّ ابن عبد البرّ كان ينبسط إلى أبي محمّد بن حزم ويؤانسه، وأنّ ابن حزم أخذ عنه فنّ الحديث.
وقال أيضًا: "وكان في أصول الديانات على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه ﵏" (١).
وفي "تاريخ الإسلام" ذهب إلى أنّ شيوخ ابن عبد البرّ لا يبلغون سبعين نفسًا، إلّا أنّ بعض (٢) من تتبع شيوخ ابن عبد البرّ الذين أخذ عنهم، واستقصاهم من خلال كتب التراجم المختلفة أوصلهم إلى نحو مائة شيخ أو يزيدون.
كما نقل فيه عن بعض شيوخه أنّ ابن عبد البرّ كان في أوّل زمانه ظاهريّ المذهب مدّة طويلة، ثمّ رجع عن ذلك إلى القول بالقياس من غير تقليد أحد، إلّا أنّه كان كثيرًا ما يميل إلى مذهب الشافعي ﵀.
_________________
(١) وهو مذهب يقرّره ابن عبد البرّ نفسه بقوله: "أهل السنّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلّها في القرآن والسُّنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلّا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدّون فيه صفة محصورة، وأمّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلّها والخوارج، فكلّهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مشبّه، وهم عند من أقرّ بها نافون للمعبود". "التمهيد" (٧/ ١٤٥)، وانظر: "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ٩٦)، "مختصر العلوّ للعليّ الغفّار" للذهبي (٢٦٨ - ٢٦٩).
(٢) وهو: ليث جاسم السعود في كتابه "ابن عبد البرّ وجهوده في التاريخ" كما سيأتي ذكره.
[ ٣٥ ]
وليس في كتب الذهبي الأخرى من البيان أكثر ممّا أمكن استفادته من كتاب "السير"، و"تاريخ الإسلام"، وإنّما إيجاز وإشارات فحسب.
ثمّ ترجم لابن عبد البرّ من المتأخّرين - على غير سبيل الحصر لهم - ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" من غير إضافات يشار إليها.
ثم صديق حسن خان (١) في كتابه "التاج المكلّل"؛ ثمّ محمّد مخلوف في "شجرة النور الزكية" من غير إضافة ما يذكر.
ثمّ محمّد بن الحسن الحجوي (٢) في كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" (٣) ذاكرًا ما قاله ابن عبد البرّ راثيًا نفسه قبل موته:
تذكّرت من يبكي على مداومًا فلم ألف إلّا العلم بالدين والخبر
علوم كتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله في صحّة الأثر
ولم الألى قرْن فقرن وفهم ما له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر
_________________
(١) هو: أبو الطيّب، صدّيق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري، الملقب بـ "نواب عالي جاه أمير الملك بهادر"، عاش حياة عريضة أتاحت له الاشتغال بالتأليف والتصنيف بنشاط ودأب، فكان صاحب تصانيف كثيرة في علوم مختلفة، ولد سنة (١٢٤٨)، وتوفي سنة (١٣٠٧). انظر: "التاج المكلل" (ص ٥٤١)، "الأعلام" للزركلي (٦/ ١٦٧ - ١٦٨)، "معجم المؤلّفين" لكحالة (١٠/ ٩٠ - ٩١).
(٢) هو: محمّد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، ولد بفاس سنة (١٢٩١)، وتوفّي سنة (١٣٧٦). مقدّمة "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" (١/ ٩).
(٣) انظر: (٢/ ٢٤٨).
[ ٣٦ ]
كما أفرد ابنَ عبد البرّ بالدراسة كثير من المعاصرين في رسائل أكادمية وفي أبحاث مستقلّة، تدلّ عناوينها على الجوانب المقصودة بالبيان فيها، والمراد إبرازها في شخص هذا العالم الفذّ، ومن هؤلاء:
• ليث سعود جاسم، في كتاب: "ابن عبد البرّ الأندلسي وجهوده في التاريخ" (١).
• سليمان بن صالح بن عبد العزيز الغصن، في كتاب: "عقيدة الإمام ابن عبد البرّ في التوحيد والإيمان - عرضًا ودراسة - " (٢).
• الدكتور محمّد عبد ربّ النبيّ، في رسالة دكتوراه عنوانها: "منهج ابن عبد البرّ في الجرح والتعديل من خلال كتابه (التمهيد) " (٣).
• الصادق بن الصادق الأنصاري، في رسالة ماجستير عنوانها: "ابن عبد البرّ النمري محدّثًا" (٤).
• إسماعيل الندوي، في رسالة ماجستير عنوانها: "ابن عبد البرّ وجهوده في الحديث والفقه" (٥).
• محمّد بن يعيش، في دراسة عنوانها: "الإمام أبو عمر بن عبد البر: حياته،
_________________
(١) دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر.
(٢) دار العاصمة للنشر والتوزيع.
(٣) جامعة أمِّ القرى، كلّية الدعوة.
(٤) جامعة الملك عبد العزيز (أمِّ القرى)، كلّية الشريعة، فرع الكتاب والسنّة، سنة: (١٣٩٨ - ١٩٧٧).
(٥) جامعة القاهرة، كلّية دار العلوم، قسم الشريعة، سنة: (١٣٨٤ - ١٩٦٤).
[ ٣٧ ]
آثاره، ومنهجه في فقه السنّة" (١).
• مقال للدكتور فؤاد عبد اللطيف عثمان، بعنوان: "مقارنة بين منهج ابن قدامة المقدسي ومنهجي ابن عبد البرّ وابن حزم في العقيدة والفقه".
_________________
(١) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية: (١٤١٠ - ١٩٩٠).
[ ٣٨ ]