نال الحافظ ابن عبد البرّ الثناء الحسن من علماء زمانه، من أقرانه وشيوخه وتلاميذه، وكبار المترجِمين له والناقلين عنه، بما يدلّ على علوّ شأنه وسموّ رتبته، وما يدلّ على ما ناله من المكانة العالية في العلم حفظًا وفهمًا، وإتقانًا ودرايةً، وهو أهل لذلك، ومن كلام العلماء فيه:
• قول الحميدي: "أبو عمر، فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف في الفقه، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع " (١).
• وقال أبو الحسن الغساني: "سمعت أبا عمر بن عبد البرّ يقول: "لم يكن أحد ببلدنا في الحديث مثل قاسم بن محمّد (٢)، وأحمد بن خالد الجباب (٣) "، وأنا أقول إن
_________________
(١) "جذوة المقتبس" (٢/ ٥٨٦)، وانظر: "بغية الملتمس" (٢/ ٦٦٠).
(٢) أبو محمّد، قاسم بن محمّد بن قاسم بن سيار، برع في الفقه، وذهب مذهب الحجّة والنظر وعلم الاختلاف، وكان فقيه الصدر أديبًا شاعرًا، له بصر بالحديث، توفي سنة (٢٧٦ أو ٢٧٨). انظر ترجمته في: "ترتيب المدارك" (٢/ ٤٤٦)، "بغية الملتمس" (٢/ ٥٨٧).
(٣) أبو عمر، خالد بن يزيد القرطبي، حافظ ومكثر في الحديث، وكان شيخ الأندلس في عصره، إمامًا في فقه مالك، جمع علمًا كثيرًا مع الزهد والورع، توفي سنة (٣٢٢)، انظر ترجمته في: "بغية الملتمس" (١/ ٢٢١).
[ ٥٤ ]
شاء الله: إنّ أبا عمر لم يكن بدونهما، ولا متخلّفًا عنهما، وأبو عمر شيخنا، طلب وتفقّه، ودأب أبو عمر في طلب الحديث، وافتن فيه، وبرع براعة فاق بها من تقدّمه من رجال الأندلس" (١).
• قال أبو محمّد بن حزم: "وممّن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحقّ الاعتداد به في الاختلاف يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ النمري" (٢).
• وقال عنه الإمام أبو الوليد الباجي: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البرّ في الحديث" (٣)، "أبو عمر أحفظ أهل المغرب" (٤).
• وقال ابن بشكوال: "وكان مع تقدّمه في علم الأثر، وبصره بالفقه ومعاني الحديث، له بسطة كبيرة في علم النسب والخبر" (٥).
• وقال ابن خاقان في "مطمح الأنفس": "الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البرّ، إمام الأندلس وعالمها الذي التاحت به معالمها، صحح المتن والسند، وميّز المرسل من المسند، وفرق بين الموصول والقاطع، وكسا الملّة منه نور ساطع، حصر الرواة، وأحصى الضعفاء منهم والثقات، وجدّ في تصحيح
_________________
(١) "الصلة" (٣/ ٩٧٣ - ٩٧٤)، "ترتيب المدارك" (٢/ ٨٠٩).
(٢) "الإحكام في أصول الأحكام" (٥/ ١٠٢).
(٣) "الصلة" (٣/ ٩٧٣).
(٤) "الصلة" (٣/ ٩٧٣).
(٥) "الصلة" (٣/ ٩٧٤).
[ ٥٥ ]
السقيم، وجدّد منه كالكهف والرقيم، مع معلنات العلل، وإرهاف ذلك العلل، والتنبيه والتوقيف، والإتقان والتثقيف، وشرح المقفل، واستدراك الغفل، وله فنون هي للشريعة رتاج، وفي مفرق الملّة تاج، أهرت للحديث ضُبًى، وفرعت لمعرفته رُبى، وهبت لتفهمه شمال وصَبا، وشفّت منه وصبا، وكان ثقة، والأنفس على تفضيله متّفقة، وأمّا أدبه فلا تعبر لجُّته، ولا تدحض حجّته، وله شعر لم نجد منه ما نفث به أنفة، وأوصى فيه عن معرفة " (١).
• وجاء في كتاب "المغرب": "إمام الأندلس في علم الشريعة ورواية الحديث ، وحافظها الذي حاز خصل السبق واستولى على غاية الأمد" (٢).
• وذكر صاحب "مرآة الجنان" من الثناء عليه أنه: "ليس لأهل المغرب أحفظ منه مع الثقة والدين والنزاهة والتبحّر في الفقه والعربية والأخبار" (٣).
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية إنّه: "إمام أهل المغرب" (٤)، وهو: "من أعلم الناس بالآثار والتمييز بين صحيحها وسقيمها" (٥).
• وقال الإمام الذهبي فيه: "لقد كان أبو عمر من بحور العلم، ومن أئمّة الأثر، قلّ أن ترى العيون مثله ، واشتهر فضله في الأقطار" (٦).
هذا بعض ما قيل في الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى.
_________________
(١) "مطمح الأنفس" (٣٦٧ - ٣٦٨).
(٢) "المغرب في حلي المغرب" لأبي سعيد الغرناطي (٢/ ٣٢٩).
(٣) "مرآة الجنان" (٣/ ٨٩).
(٤) "درء تعارض العقل والنقل" لابن تيمية (٥/ ٨٦ - ٨٧).
(٥) "درء تعارض العقل والنقل" (٧/ ١٥٧).
(٦) "مختصر العلوّ للعليّ الغفارّ" (ص ٢٦٩).
[ ٥٦ ]