أوّلها: حديث أبي شريح (١)
إذ قال لعمرو بن سعيد (٢)، وهو يبعث البُعوث إلى مكّة: إيذن لي أيّها الأمير أحدّثك قولًا قام به رسول الله - ﷺ - الغد من يوم الفتح، سَمِعتْه أذناي ووعاه قلبي وأَبْصَرَته عيناي، ثمّ قال: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ اْلآخرِ أَنْ يَسْفِكَ بهَا دَمًا وَلاَ يَعْضِدَ بهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمسِ، فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ"، فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إنّ الحَرَم لا يُعيذ
_________________
(١) أبو شُرَيح الكَعْبي، اسمه خُوَيلَد بن عمرو، وهو المشهور، وقيل عكسه، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب، صحابي أَسلَم قبل فتح مكّة، وكان يَحمِل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة يوم الفتح، ثمّ نزل المدينة، وكان من العقلاء، مات سنة (٦٨) على الصحيح. انظر: ["أسد الغابة" (٦/ ١٦٤، ٢/ ١٥٢) و"الإصابة" (٤/ ١٠١)].
(٢) عمرو بن سعيد بن أبي العاص بن أمية القرشي، المعروف بالأشدق، قال العلائي في "جامع التحصيل" (ص ٢٤٤/ ٥٦٥): "قال أبو حاتم وغيره: ليست له صحبة"، وقال الذهبي في "الكاشف" (٢/ ٧٧/ ٤١٦٠): خرج على عبد الملك ثمّ خدعه وأمّنه، فقتله صبرًا سنة سبعين. وانظر: "تاريخ دمشق" (٤٦/ ٢٩).
[ ٩٣ ]
عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرْبَة (١) (٢).
فقلتَ: ما معنى قوله: "وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ"، وقوله: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأَمْسِ"، وهو - ﷺ - قد أمر بقتل ابن خطل، وقتل الفواسق؟
فالجواب وبالله العون:
إنّ قوله: "وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ" إخبار أنّ الله ﷿ حرّمها، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]، فلا سبيل إلى استحلاله لمن اتقاه إلّا بإذن من الله الذي له ملك السموات والأرض، يمحو ما يشاء ويُثبت، ويُحِلُّ
_________________
(١) "بخَرْبة" قال الحافظ في "الفتح": "بفتح المعجمة وإسكان الراء ثمّ مُوحَّدة، يعني: السرقة، كذا ثبت تفسيرُها في رواية المستملي، وقال ابن بطّال: "الخُربة" بالضم: الفساد، وبالفتح السرقة". وجاء في رواية قتيبة: "ولا فارّا بخُرْبة ("خُرْبة": بليّة) "، قال ابن حجر (٤/ ٥٤): "هو تفسير الراوي، والظاهر أنّه المصنِّف، وقد وقع في المغازي: "وقال أبو عبد الله: "الخُربة": البلية ".
(٢) أخرجه البخاري في [العلم (١٠٤) باب ليُبلِّغ العِلمَ الشاهدُ الغائب] عن عبد الله بن يوسف. وأخرجه في [جزاء الصيد (١٨٣٢) باب لا يعضد شجر الحرم] عن قتيبة. وأخرجه في [المغازي (٤٢٩٥) بابٌ] عن سعيد بن شُرَحبِيل؛ ثلاثتُهم عن الليث بن سعد عن المَقبُري عن أبي شُرَيح به. وأخرجه - أيضًا - في [الجنائز (١٣٤٩) باب الإذخر والحشيش في القبر]. وأخرجه مسلم في الحجّ (١٣٥٤) باب تحريم مكّة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلّا المنشد على الدوام.
[ ٩٤ ]
ويُحرِّم، ويغني ويفقر، ويحيي ويميت، ابتلاءً واختبارًا، لا بداء (١) كما قالت اليهود لعنها الله، ولكن لمصالح العباد واختبارهم، ليبلوهم أيّهم أحسن عملًا، وأيّهم ألزم لمِا أُمر به ونُهي عنه، لتقع المجازاة على الأعمال، وقد أذن الله الذي حرّم مكّة - تبارك اسمه - لرسول الله - ﷺ - فيما أذن فيه من القتال، ثمّ أخبر - ﷺ - أنّها عادت إلى حالها، وبه عرفنا تحريمها أوّلًا وآخرًا، ولا علم في مثل هذا إلّا ما قرع السمع؛ لأنّه لا مدخل للعقل في الشرع، ولم تختلف فرق الإسلام على اختلافها في كثير من الدين والأحكام أنّ النسخ في مثل هذا جاء به من الأمر والنهي، وأنّ البَداء لا يضيفه إلى الله وإلى رسوله إلّا كافر، وأغني عن القول في ذلك، وقد روي عن ابن عباس وغيره - ﵃ - (٢) عن النبيّ - ﷺ -
_________________
(١) في "القاموس": "بدا بَدْوًا وبُدُوًّا وبداءة: ظَهَر وبَدا له في الأمر بَدْوا وبَداء وبداة: نشأ له فيه رأي"، فالبداء في اللغة - كما جاء في القاموس - له معنيان: ١/ الظهور والانكشاف، ٢/ نشوء رأي جديد. والبَداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله ﷿، وهو في الأصل عقيدة يهودية ضالّة، وقد وَرَدت في التوراة - التي حَرَّفَها اليهود وِفق ما شاءت أهواؤُهم - نصوصٌ صريحة تتضمّن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه، وذلك في كتابهم المقدّس الفصل السادس من سفر التكوين. وانتقل الاعتقاد في البداء أوّلًا إلى فِرَق السَّبَئية المُدَّعية للتشيُّع، ففِرق السبئية كلّهم يقولون بالبداء: أنّ الله تبدو له البداوات)، انظر: "التنبيه والردّ" للملطي (ص ١٩). ثمّ أخذ بفكرة البداء المختار بن أبي عبيد الثقفي؛ لأنّه كان يَدَّعي علمَ الغيب، فكان إذا حدث خلاف ما أَخبَر به، قال: "قد بَدا لربِّكم"! وانظر في أخباره "الملل والنحل" (١/ ١٤٧).
(٢) حديث ابن عبّاس: أخرجه البخاري في [الحجّ (١٥٨٧) باب فضل الحرم]، وأخرجه في [الجزية (٣١٨٩) باب إثم الغادر للبرّ والفاجر]، وأخرجه في [الجهاد (٢٧٨٣) باب فضل الجهاد والسير]، =
[ ٩٥ ]
نحو حديث أبي شريح هذا "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ"، وقوله: "لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبلي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ"، وقوله - ﷺ - حديث ابن عبّاس - ﵄ - أيضًا: "إِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لاَ يَحِلُّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلي، وَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" (١)، والأحاديث في هذا كثيرة، وقد روى ابن عمر وابن عبّاس وأبو بَكرة وعمرو ابن الأحوص وجابر وغيرهم - ﵃ -، بألفاظ متقاربة ومعني واحد: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَطَبَهُمْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَقَالَ: "أَليْسَ هَذَا البَلَدُ الحَرَامُ؟ "، قالوا: نعم، "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي
_________________
(١) = و[باب وجوب النَّفِير وما يجب من الجهاد والنية ورقمه (٢٨٢٥)]، و[باب لا هجرة بعد الفتح، ورقمه (٣٠٧٧)]، وأخرجه مسلم في [الحجّ (١٣٥٣) باب تحريم مكّة وصيدها وخلاها]. وروي - أيضًا - عن أبي هريرة، أخرج حديثه البخاري في [اللقطة (٢٤٣٤) باب كيف تُعرَّف لُقَطة أهلِ الكتاب]، وأخرجه مسلم في [الحجّ (١٣٥٤) باب تحريم مكّة وصيدها وخلاها].
(٢) أخرجه البخاري في الحجّ (١٥٨٧) باب فضل الجهاد والسير، وفي جزاء الصيد (١٨٣٤) باب لا يَحلُّ القتال بمكّة، وفي الجهاد والسير (٢٧٨٣) باب فضل الجهاد والسير، و(٢٨٢٥) باب وجوب النفير، وفي الجزية والموادعة (٣١٨٩) باب إثم الغادر للبرّ والفاجر. وأخرجه البخاري في الجنائز (١٣٤٩) باب الإذخر والحشيش في القبر، وفي جزاء الصيد (١٨٣٣) باب لا ينفر صيد الحرم، وفي البيوع (٢٠٩٠) باب ما يكره من الحلف في البيع، وفي اللقطة (٢٤٣٣) باب كيف تعرّف لقطة مكّة. وأخرجه مسلم في كتاب الحجّ ورقمه (١٣٥٣).
[ ٩٦ ]
شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" (١)، وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله - ﷺ - قال يوم الفتح: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ "، وذكر الحديث (٢).
وفي قوله: "وَلَمْ يحرِّمْهَا النَّاسُ" أيضًا دليل واضح على أنّ قوله - ﷺ -: "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبْتَيْهَا (يعني: المدينة) " (٣)، ليس على ظاهره، وهو حديث رواه مالك عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس (٤)، وعمرو بن أبي عمرو
_________________
(١) أخرج البخاري حديث أبي بكرة في مواضع من "صحيحه"، فقد أخرجه في: العلم (٦٧) باب قول النبيّ - ﷺ -: "رُبَّ مُبلَّغ أَوعَى من سامعٍ"، وفيه [(١٠٥) باب ليُبلِّغ الشاهد منكم الغائب]، وأخرجه في [الحجّ (١٧٤١) باب الخطبة أيّام منى]، وأخرجه في [الصيد (٥٥٥٠) باب من قال: الأضحى يوم النحر]، وأخرجه في [الفتن (٧٠٧٨) باب قول النبيّ - ﷺ -: "لا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض"]، وأخرجه في [التوحيد (٧٤٤٧) باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾]، وأخرج حديثه مسلم في [القسامة (١٦٧٩) باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال]. وأمّا حديث ابن عبّاس فقد أخرجه البخاري في "الصحيح" في [الحجّ (١٧٣٩) باب الخطبة أيّام مني]. وحديث ابن عمر - أيضًا - أخرجه البخاري في [الحدود (٦٧٨٥) باب ظهر المؤمن حِمًى، إلّا في حدّ أو حقّ]، وأمَّا حديث جابر فسيأتي عزوه (ص: ١٠٨)، وأمَّا حديث عمرو بن الأحوص فلم أقف عليه.
(٢) مضي تخريجه (ص: ٩٦).
(٣) أخرجه مسلم في [الحجّ (١٣٧٤) باب الترغيب في سُكنَى المدينة والصبر على لأوائها].
(٤) أخرجه البخاري في مواضع، أوّلها في الجهاد والسير (٢٨٩٣) باب مَن غزا بصبيٍّ للخدمة، وفيه (٢٨٨٩) باب فضل الخدمة في الغزو، وأخرجه في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٧) في الباب العاشر منه، وأخرجه في المغازي (٤٠٨٤) باب "أُحُدٌ جَبلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه"، وأخرجه في الاعتصام (٧٣٣٣) الباب =
[ ٩٧ ]
من شيوخ مالك، وليس بذاك القويّ عند بعضهم (١)، ومعناه عندي، والله أعلم: أنّ إبراهيم ﵇ أعلم بتحريم مكّة، وعُلم أنّها حرام بإخباره، فكأنّه حرّمها، إذ لم يُعرف تحريمها أوّلًا في زمانه إلّا على لسانه، كما أضاف ﷿ تَوَفِّي النفوس مرّة إليه بقوله
_________________
(١) = السادس عشر منه. وأخرجه مسلم في الحجّ (١٣٦٥) باب فضل المدينة، وأخرجه مالك في "الموطّأ" في كتاب الجامع باب ما جاء في تحريم المدينة (٢/ ٨٨٩)، وغيرُهم، كلُّهم من طريق عمرو ابن أبي عمرو عن أنس.
(٢) عمرو بن أبي عمرو، اسمه مَيسَرة، مولى المُطَّلِب بن عبد الله بن حنطب المخزومي أبو عثمان المدني، روي عن أنس بن مالك ومولاه المطلب وعكرمة وأبي سعيد المَقبُري وسعيد المَقبُري وسعيد بن جُبَير وعبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي والأعرج وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، روي عنه إبراهيم بن سُوَيد بن جَيَّان وعبد الله بن سعيد بن أبي هند وعبد الرحمن ابن أبي الزناد ويزيد بن الهاد ومالك ابن أنس وسليمان بن بلال وآخرون. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "ليس به بأس"، وقال الدوري عن ابن معين: "في حديثه ضعف، ليس بالقويّ"، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: "ضعيف"، وقال أبو زرعة: "ثقة"، وقال أبو حاتم: "لا بأس به"، وقال البخاري: "روي عن عكرمة في قصّة البهيمة، فلا أدري سمع أم لا؟ "، وقال أبو داود: "ليس هو بذاك، حَدَّث عنه مالك بحديثين، روي عن عكرمة عن ابن عبّاس: "من أتي بهيمة فاقتلوه""، وقال النسائي: "ليس بالقويّ"، وقال ابن عديّ: "لا بأس به؛ لأنّ مالكًا يروي عنه، ولا يروي مالكٌ إلّا عن صدوق ثقة"، وقوّاه ابن حبّان في رواية "الثقات" عنه، ووثّقه العجلي، وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٠/ ١٧٥): "ليس به بأس"، وقال - أيضًا - (٢٠/ ١٧٥): "قد ضعّفه بعضهم، ولم يفرده مالك في "موطئه" بحكم". انظر ترجمته في "التهذيب" و"الميزان". قلت: أخرج له الجماعة، وقال الحافظ في "الفتح": " لم يخرج له البخاري من روايته عن عكرمة شيئًا، بل أخرج له من رواية أنس أربعة أحاديث "، انظر: "هدي الساري" (ص ٤٥٣).
[ ٩٨ ]
تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]، ومرّة إلى ملك الموت بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢]، وجائز أن يُضاف الشيء إلى مَن له فيه سبب في كلام العرب، ويُحتمَل أن يكون معناه: أنّ إبراهيم منع من الصيد بمكّة والقتال فيها، ونحو ذلك، وإنّي أمنع من مثل ذلك في المدينة، و"التحريم" في كلام العرب: "المنع".
تقول العرب: حرّمت عليك داري، أي: منعتك من دخولها، وقال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، وموسي صغير لا تلحقه عبادة، وإنّما أراد: مَنَعْناه قَبول المراضع، وكما يدلّ - أيضًا - أنّ الله حرّم وليس إبراهيم الذي حرّمها، كما روي عمرو عن أنس قولَ عمر بن الخطاب - ﵁ - لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: أنت القائل لمكة خير (١) من المدينة؟ فقال له: هي حرم الله وأَمْنُه، وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول حرّم الله شيئًا (٢)، ولم يقل له: لا تَقُل حرّم الله وحرّم إبراهيم.
وفي حديث مالك وغيره عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ دَعَاكَ لِمَكَّةَ" (٣)، وهذا أولى من رواية مَن روي: "أَنَّ
_________________
(١) في الأصل: "خير منّي من المدينة"، والصواب ما أثبتُّ.
(٢) أخرجه مالك في "الموطّأ" في كتاب الجامع منه (١٦١١) باب ما جاء في أمر المدينة، وفيه: "أأنت القائل: لمكّة خير من المدينة؟ ! فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئًا"، وأخرجه البخاري في " التاريخ الصغير" (١/ ١٣٧) من طريقين عن عبد الرحمن بن القاسم، فأخرجه من طريق مالك عنه متّصلًا، ومن طريق يحيى بن سعيد عنه بلاغًا، وقال البخاري: "وحديث ابن سعيد بإرساله أصح"، وأخرجه الدارقطني في الأحاديث التي خولف فيها مالك ص (١٣٨) رقم (٦٨). وأخرجه الفاكهي في "أخبار مكّة" (٢/ ٢٦٢) من طريق يحيى بن سعيد عنه به.
(٣) أخرجه مالك في "الموطأ" كتاب الجامع (١٥٩٤) باب الدعاء للمدينة وأهلها. =
[ ٩٩ ]
إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ"، وقد ثبت بالآثار الصحاح عن النبيّ - ﷺ -: "أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَإِنَّهَا بَلَدٌ حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضَ" (١)، وهذا مشهور صحيح عند أهل الأثر وجماعة أهل السِّير، فلا وجه لمِا خالفه من الرواية على أنّها ليست بالقوية، ولو صحّت لكان معناها ما ذكرنا، والله أعلم.
وفي قوله - ﷺ -: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ"، تعظيمٌ منه لحُرمتها، وفيه - والله أعلم - دليل على أنّ ما حَرّم الله في كتابه نصًّا متلوًّا أو خبرًا عن الله صحيحًا كان أقوى من تحريم الأنبياء ﵈ المأمور بطاعتهم والاقتداء بهم، وهذا موضع اختَلَف فيه العلماء قديمًا وحديثًا، فقوم ذهبوا إلى هذا، وهو مذهب أصحابنا المالكيين، وقوم ذهبوا إلى أنّ ما حرّم الرسول وحرّم الله سواء، ولكلّ واحد من الفريقين حُجَج يطول ذكرها (٢)،
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في الحجّ (١٣٧٣) باب فضل المدينة ودعاء النبيّ - ﷺ - لها بالبركة. والحديث له طرق من حديث عليّ وأبي قتادة.
(٢) مضي تخريجه (ص ٩٦).
(٣) قال الزركشي في مباحث الأمر من "تشنيف المسامع بجمع الجوامع" (٢/ ٥٩٧): "اختلف العلماء في صيغة "افعل" على أقوال، القول التاسع: التفصيل بين أمر الله وأمر رسوله - ﷺ -؛ فأمر الله حقيقة في الوجوب، وأمر النبيّ - ﷺ - المبتدأ للندب، وحكاه القاضي عبد الوهّاب في "الملخّص" عن شيخه أبي بكر الأبهري، واحترز بـ "المبتدأ" عمّا كان موافقًا لنصّ، أو مبيِّنًا لمجمل، فيكون للوجوب أيضًا، وذكر المازري أنّ النقل اختلف عن الأبهري، فروي عنه هذا، وروي عنه أنّه للندب مطلقًا". وانظر المسألة في "إحكام الفصول في أحكام الأصول" للباجي (ص ١٩٨)، وشرح التلقين (١/ ١٢٥، ١٢٦)، "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول" للشريف التلمساني (ص ٣٧٧ - ٣٧٨)، و"الإبهاج" للسبكي (٢/ ٢٦)، و"نهاية السول" للإسنوي (٢/ ٢٥٣).
[ ١٠٠ ]
وقد أجمعوا أنّ صيد المدينة لا جزاء له ولا فدية، وهو تحريم النبيّ - ﷺ -، وأنّ صيد مكّة يجزي؛ لأنّه مِن نصّ كتاب الله ﷿، وهذا مِمّا يُحتجّ به لأصحابنا، وبالله توفيقنا.
وفيه - أيضًا - دليل على أنّ الأنبياء لهم أن يحرّموا بما أراهم الله وأذن لهم فيه، والله أعلم.
وأمّا قولك: ما معنى قوله ﵇: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ"، وهو ﵇ قد أمر بقتل ابن خطل، وقتل الفواسق، فمعناه عندي والله أعلم: أنّ ابن خطل لمّا وجب سفك دمه لِمَا كان قد ارتكبه من الارتداد وقَتْل مَن قَتَل مِن المسلمين لم تنفعه مكّة وحرمتها في ما قد لزمه، وهو قول أكثر الفقهاء، وسنذكر اختلافهم في ذلك عند تمام القول في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ويُحتمل أن يكون رسول الله - ﷺ - يأمر بقتل ابن خطل وغيره إلّا في الوقت الذي أُحلّ له فيها القتال، وقال أهل العلم بالسير: إنّ رسول الله - ﷺ - قد كان يعهد إلى أمرائه مِن المسلمين حين أَمَرهم أن يدخلوا مكّة ألّا يقاتلوا إلّا مَن قاتلهم، إلّا أنّه قد عهد في نَفَر سَمّاهم أن يقتلهم، وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد ابن أبي سرح العامري، كان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - ثمّ ارتدّ ولحِق بمكّة في قصّة طويلة (١)، وعبد الله بن خطل رجلٌ من بني تيم بن غالب، كان مسلمًا فبعثه رسول الله - ﷺ - مصدِّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، فقتل الأنصاريَّ وارتدّ ولَحِق بمكّة (٢)،
_________________
(١) قصّة ابن أبي سرح ذكرها ابن هشام (٢/ ٤٠٩)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٤٥).
(٢) انظر في شأنه: "السيرة النبوية" لابن هشام (٤/ ٩٢، ٩٤)، و"المغازي" للواقدي (٢/ ٨٥٩، ٨٦٠)، و"عيون الأثر" (٢/ ١٧٦)، و"السيرة" لابن كثير (٣/ ٥٦٤)، و"شفاء الغرام" (٢/ ٢٢٦، ٢٢٧)، =
[ ١٠١ ]
وكانت القينتان (فرتني) (١) وصاحبتها تغنيان بهِجاء رسول الله - ﷺ -، فأمر رسول الله - ﷺ - بقتلهما معه فاستعاذ ابن خطل بالكعبة، وتعلّق بأستارها فلم ينفعه ذلك شيئًا لمِا كان قد سبق فيه من رسول الله - ﷺ -، فقتله في ذلك اليوم، [ومنهم: سعيد بن حريث المخزومي، وابو برزة الأسلمي، و] (٢) الحُوَيْرَث بن نُقَيذ بن وهب بن عبد قصي (٣)، كان بِمِنًى يُؤْذِي رسولَ الله - ﷺ -، ومِقْيَس بن صُبابة (٤) لقتله الأنصاريّ الذي قتل
_________________
(١) = و"تاريخ الإسلام" جزء المغازي (ص ٥٥٣، ٥٥٤)، و"الاستذكار" (١٣/ ٣٤٧)، و"التمهيد" (٦/ ١٧٠)، وانظر "الدرر" للمصنف (ص ٢١٩).
(٢) في الأصل: "فرتناه"، وذكر الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٠٤) أنّ اسمها: "فرتني"، وكذا المصنّف في "الدرر" (ص ٢١٩)، وكذا هي في "الإصابة" (٨/ ٢٧٩)، قال ابن حجر: " فَرْتَني: بفتح الفاء وسكون الراء وفتح المثنّاة الفوقانية بعدها نون؛ إحدى القينتين اللتين كان ابن خطل يعلّمها الغناء بهجاء النبيّ - ﷺ - وأصحابه، فكانتا مِمّن أُهدِر دمُهما يوم الفتح، فأسلمت هذه، فتُرِكت، وقُتِلت الأخرى، قاله السهيلي".
(٣) بياض بالأصل، واستدركت الجملة من "الدرر" للمصنّف (ص ٢١٩) تتميما للكلام.
(٤) في الأصل: "الحويرث بن نقيذ، ونفيل بن وهب بن عبد قصي"، والتصويب من "الدرر" للمصنّف (ص ٢١٩)، وكان الحويرث هذا شديد الأذى لرسول الله - ﷺ - بمكّة، فقتله عليّ - ﵁ - يوم الفتح. انظر: "فتح الباري" (٧/ ٦٠٤). وقصّته ذكرها ابن هشام (٢/ ٤١٠)، وذكر أنّه هو الذي كان يؤذي رسول الله - ﷺ - في مكّة، وهو الذي نخس الجمل الذي كانت تركبه فاطمة وأمّ كلثوم أثناء الهجرة إلى المدينة، فرمي بهما إلى الأرض.
(٥) قصّة مقيس ذكرها ابن هشام نقلًا عن ابن إسحاق، وعنده مقيس بن حبابة (٢/ ٤١٠)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٦٠ - ٦١)، وقد ذكر الحافظ في "الفتح" باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٨/ ١٠٦ - تحت الحديث رقم ٤٥٩٠) أنّ ابن أبي حاتم أخرجه من طريق سعيد بن جبير، ونقل السيوطي رواية سعيد =
[ ١٠٢ ]
أخاه خطأً بعد أن أخذ دِيَته، وعكرمة بن أبي جهل، فقُتل عبد الله بن خطل والحويرث ومقيس، وهرب عكرمة إلى اليمن، وفرّ العامري إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، واستأمن له رسول الله - ﷺ - فأمّنه، وقُتلت إحدى القينتين، وهربت الأخرى، وهذا كلّه - والله أعلم - إنّما كان في تلك الساعة التي أُذن فيها بالقتال، ولم يكن ساعة من ساعات النهار المعهودات الإثني عشر، والله أعلم، [وإنّما أراد - ﷺ - بقوله: "سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" - والله أعلم - لتقليل مرّ الوقت والزمن كما قال الله ﷿: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] إنّما أراد ﷿ أنّ منهم مَن يُؤْتَمَن على الكثير، فَيَفِي ويُؤدّي أمانته، ومنهم من يُؤتمن على اليسير فلا يَفِي ولا يُؤدّي أمانتَه، ولم يُرِد القنطار بعينه ولا الدينار بعينه، وظاهر قوله - ﷺ -: "سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" يدلّ على أنّه كان بعض النهار، لم يكن يومًا تامّا والله أعلم؛ لأنّ "مِن" أكثر ما تدخل للتبعيض في مثل هذا (١).
_________________
(١) = ابن جبير عند ابن أبي حاتم "الدرّ المنثور" (٢/ ٦٢٣)، وذكر أنّ البيهقي أخرج في "شعب الإيمان" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس مثله سواء. وذكر هذه القصّة مطوّلة الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة، وفيها: "فقال النبيّ - ﷺ -: أظنّه قد أحدث حدثًا، أما والله لا أؤمنه في حلّ ولا حرم، ولا سلم ولا حرب، فقتل يوم الفتح " "جامع البيان" (٤/ ٢١٩).
(٢) جاء صريحًا أنّ ذلك استمرّ إلى العصر، فقد أخرج الإمام أحمد (٢/ ١٧٩) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: لمّا فتحت مكّة على رسول الله - ﷺ -، قال: "كُفّوا السلاح إلّا خزاعة عن بني بكر"، فأذن لهم حتّي صلّى العمر، ثمّ قال: "كُفّوا السلاح " الحديث. =
[ ١٠٣ ]
وظاهر قوله: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ" يدلُّ على أنّ الساعة التي أُحلّ فيها القتال لم تكن أكثر من يومٍ، وليس في قَتلِ ابنِ خَطَل وغيرِه ما يُشكل، ولا ما يحتاج إلى القول لمن فهم؛ لأنّ الوقت الذي أُحلّت له كان ذلك منه فيه، والله أعلم، هذا مُمكن لا يُدفع إمكانُه، أو يكون ابنُ خطل إنّما أُمِر بقَتلِه لمِا استَوجَبَه من القتل، فلا يكون ذلك داخلًا في استحلال مكّة والحرَم؛ لأنّ الحَرَم لا يُعِيذ مَن وجب عليه القتل عند أكثر أهل العلم (١)، وأيُّ الوجهين كان فليس في قتل ابن خطل وأصحابه ما يدفع قوله: "قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَما كَانَتْ"، فتَدَبَّر هذا تَجِده كذلك إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) = قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ٣٠٦) وقد ساق هذا الحديث مختصرًا: "وهذا غريب جدًّا، وقد روي أهل السنن بعض هذا الحديث، فأمّا ما فيه من أنه رخّص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر إلى العصر من يوم الفتح فلم أره إلّا في هذا الحديث، وكأنّه - إن صحّ - من باب الاختصاص لهم ممّا كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير، والله أعلم". قال محقّق "المسند" (١١/ ٢٦٦) معلّقًا على كلام ابن كثير: "قلنا: قد ورد ذلك - يعني: الترخيص لخزاعة أن تثأر لقتلاها من بني بكر - من حديث ابن عمر عند ابن حبّان - بإسناد حسن". قلت: لم يرد في غير "المسند" أنّ ذلك استمرّ إلى العصر، لا في ابن حبّان ولا غيره، والله أعلم. وقد حسّن رواية أحمد المذكورة محقّق المسند الشيخ شعيب الأرنؤوط.
(٢) لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من دخل الحرم مقاتلًا وبدأ القتال فيه أنّه يقاتل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾، وكذلك من ارتكب في الحرم جريمة من جرائم الحدود أو القصاص ممّا يوجب القتل فإنّه يقتل اتّفاقا لاستخفافه بالحرم. انظر: "تفسير الطبري" عند تفسير هذه الآية، و"أحكام القرآن" للجصّاص (٢/ ٢١)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (١/ ٢٨٥)، و"زاد المسير" (١/ ٤٢٧)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وانظر: "تفسير السيوطي" (٢/ ٢٧٠، ٢٧١)، و"نيل الأوطار" =
[ ١٠٤ ]
ولخالد بن الوليد في فَتْح مكّة وقَتلِ قومٍ بها قصّة قد ذَكَرها أهلُ السير (١) وجاءت بها الأحاديث، ليس بنا حاجة إلى ذكرها.
وهذا الحديث الذي سَألتَ عنه ذَكرَه البخاري عن قُتَيبة بن سعيد عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي شُرَيح أنّه قال لعمرو بن سعيد، وذكر الحديث.
وعمرو بن سعيد هذا - فيما أظنّ والله أعلم - هو عَمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق (٢)، وقد روي هذا الحديث (عبد الملك) (٣) بن هشام عن زياد البكّائي عن ابن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي، قال: لمّا قَدِم عَمرو بن الزبير مكّة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جِئتُه، فقلت له: ما هذا؟
_________________
(١) = (٧/ ١٩٤)، "الموسوعة الفقهية" (١٧/ ١٨٩)، ونقل ابن الجوزي الإجماع عن أبي يعلي فيمن جني فيه بعد دخوله، فإنه يؤمّن، وانظر أيضًا: "معاني القرآن" للنحّاس (١/ ٤٤٧)، و"التمهيد" (٦/ ١٦٨، ١٦٩).
(٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٤/ ٤٩، ٥٠)، و"تاريخ الطبري" (٢/ ١٥٩، ١٦٠)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (٤/ ٢٩٦).
(٣) جزم بذلك الحافظ ابن حجر في "الفتح" في كلامه على الحديث الذي رقمه (١٠٤).
(٤) هذا الحديث جاء في المخطوط: "عبد الله بن هشام عن زياد البكائي ". والظاهر أنّه خطأ، والصواب: "عبد الملك بن هشام" صاحب "مختصر السيرة لابن إسحاق"، فهو يرويها عن زياد البكائي عن ابن إسحاق، ثمّ ليس في الرواة عن زياد البكائي من اسمه عبد الله بن هشام، والذي ذكره المّزي هو عبد الملك بن هشام، ثمّ إنّ الخبر موجود في "سيرته" (٢/ ٤١٥) في باب: "ما كان بين أبي شريح وابن سعيد حين ذكّره بحرمة مكّة"، وقال فيها: "لمّا قدم عمرو بن الزبير "، وهذه رواية عبد الملك بن هشام عن زياد البكائي عن ابن إسحاق، وهذا - أيضًا - قاله السهيلي في "الروض الأنف"، حيث ألزق الوهم بعبد الملك أو بشيخه زياد، فقال (٤/ ١٧٧): "هذا وهم من ابن هشام، وصوابه عمرو ابن سعيد بن العاص بن أميّة، وهو الأشدق، وإنّما دخل الوهم على ابن هشام أو على البكائي في روايته".
[ ١٠٥ ]
وذكر الحديث بكماله (١)، فجعل مكان عمرو بن سعيد: عمرو بن الزبير، كما ترى.
ورواه يونس بن بُكَير، عن محمّد بن إسحاق بإسناده فقال فيه: لمّا بَعَث عمرو ابن سعيد البَعثَ إلى ابن الزبير دخلتُ عليه، وذكر الحديث.
فوافق الليثَ على قوله: "عمرو بن سعيد"، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وأمّا قوله في الحديث: "لاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً" فمعناه والله أعلم: أنّه لا يَحِلُّ لأَحدٍ فيها قِتال أحدٍ بتأويل يُخالفه فيه منازعُه، وعلى هذا المعنى كان مَخرَج الحديث من أبي شُرَيح، ومَن شَهِد القصّةَ والتَّنْزيلَ كان أعلم بالتأويل.
واختَلفَ أهلُ العلم في هذا المعنى (٢):
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٨٣) باب خطبة النبي - ﷺ - عام الفتح وفتاويه وأحكامه بمكّة، وهي - أيضًا - عند ابن جرير في "تفسيره" (١/ ٥٩١)، إلّا أنّه عنده مختصر، لم يذكر محلّ الشاهد، أعني قوله فيه: "لمّا بعث عمرو بن سعيد ". وقد وافق يونس بن بكير جماعة من الرواة عن ابن إسحاق في قوله هذا، منهم: محمّد ابن مسلمة، ويحيى ابن زكريّا بن أبي زائدة عند الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٤٨٥)، وآخرون. فينظر: "إتحاف المهرة" لابن حجر (١٤/ ٢٩٩).
(٢) اختلف أهل العلم في قتال الكفّار والبغاة على أهل العدل في الحرم إذا لم يبدؤوا بالقتال، فذهب طاووس والحنفية، وهو قول ابن شاس وابن الحاجب من المالكية، وصحّحه القرطبي، وقول القفّال والماوردي من الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنّه يحرم قتالهم في الحرم مع بغيهم، ولكنّهم لا يطعمون ولا يسقون ولا يؤوون ولا يبايعون حتى يخرجوا من الحرم. وقال الشافعية في المشهور عندهم وصوّبه النووي: إنّه إذا التجأ إلى الحرم طائفة من الكفّار أو طائفة من البغاة أو قطّاع الطريق يجوز قتالهم في الحرم، وهذا قول سند وابن عبد البرّ من المالكية، وصوّبه =
[ ١٠٦ ]
* فقال بعضهم: لا يجوز قَتلُ مَن خَرَج مُتأوِّلًا بمكّة خاصّةً، وقِتالُه في غيرِها جائزٌ، إذا قام الدليل لمقاتله على بَغْيِه، وأنّ الباغي يُقاتل حتّي يفيء إلى أمر الله، ولا يُقاتل بمكّة على حال إذا كان له وجه يحتمل التأويل، قالوا: ومكّة مَخصوصة بهذا الحكم، كما أنّها خُصَّت بأن لا يُعضد شجرُها، ولا يُستحلَّ صَيدُها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ (١)، وعلى مُلتَقِط اللُّقَطة منها إنشادُها أبدًا ليس لِلاقِطِها غيرُ ذلك، وفي سائر البلدان يجوز له التصرّفُ فيها بعد العام على حكم اللقطة (٢)، قالوا: وقد خُصَّت
_________________
(١) = ابن هارون في الحاصرين في الحجّ، وحكى الحطّاب عن مالك جواز قتال أهل مكّة إذا بغوا على أهل العدل، قال: وهو قول عكرمة وعطاء، وهو قول الحنابلة أيضًا. انظر: ابن عابدين (٢/ ٢٥٦)، و"البدائع" (٧/ ١١٤)، و"جواهر الإكليل" (١/ ٢٠٧)، والحطّاب (٣/ ٢٠٣، ٢٠٤)، والقرطبي (٢/ ٢٥١ و٢٥٣)، و"شفاء الغرام" (١/ ٧٠)، و"المجموع" (٧/ ٢١٥)، و"الأحكام السلطانية" للماوردي (ص ١٦٦)، و"تحفة الراكع والساجد" (ص ١١٢)، و"الأحكام السلطانية" لأبي يعلى (ص ١٩٣).
(٢) يشير إلى الحديث الذي رواه ابن عبّاس قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكّة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا"، وقال يوم فتح مكّة: "إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي لا يعضد شوكه، ولا ينفرّ صيده، ولا تلتقط لقطته، إلّا من عرّفها، ولا يختلى خلاها "، أخرجه البخاري ومسلم، وسبق عزوه إلى مظانّه (انظر: ص ٩٦).
(٣) يري جمهور الفقهاء أنّه لا فرق بين لقطة الحلّ ولقطة الحرم من حيث جواز الالتقاط والتعريف لمدّة سنة، قالوا؛ لأنّ اللقطة كالوديعة، فلم يختلف حكمها بالحل والحرم، والأحاديث النبوية الشريفة لم تفرّق بين لقطة الحلّ والحرم، مثل قوله - ﷺ -: " اعرف وكاءها وعقاصها، ثمّ عرّفها سنة". ويري الشافعي أنّ لقطة الحرم لا يحلّ أخذها إلّا للتعريف، وأنّها تُعرَّف على الدوام، إذ أنّ الأحاديث الخاصّة بلقطة الحرم لم توقف التعريف بسنة كغيرها، فدلّت على أنّه أراد التعريف على الدوام، وإلّا فلا =
[ ١٠٧ ]
- أيضًا - بأن لا يُحمل فيها سلاحٌ، وذكروا حديث مَعقِلَ بنِ عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ سِلاَحًا" (١).
* وقال آخَرون: مكّةُ وغيرُها سواء، إلّا في الصيد والشجر.
* وقال آخرون: مكّةُ وغيرُها سواء، إلّا في الصيد والشجر واللقطة على ما وصفنا من حكمها.
* وقال آخرون: مكّة وغيرها سواء، إلّا في الصيد والشجر، وبيوتُها لا تُكرى، ولا يجوز أَخذُ الكِراء فيها (٢).
ولكلّ واحدٍ منهم آثار يحتجّون، ومعانٍ يذهبون إليها يَطُول ذِكرُها، ولو تعرّضنا لذِكرِها لخَرَجنا عن حُكمِ ما له قصدنا.
ومعلوم أنّ قوله ﵇: "لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا" أراد الدم الحرام، وليس هذا اللفظ على ظاهره؛ لأنّ الدم الحرام لا يَحِلُّ بمكّة ولا بغيرها، ولكنّه من كلام
_________________
(١) = فائدة من التخصيص، ولأنّ مكّة شرّفها الله، مثابة للناس يعودون إليها المرّة بعد المرّة، فربما يعود مالكها من أجلها مرّة ثانية، أو يبعث في طلبها، فكأنّه جعل ماله به محفوظًا من الضياع. ينظر لهذه المسألة: "فتح القدير" (٦/ ١٢٨)، و"الأمّ" (٤/ ٦٧)، و"مغني المحتاج" (٢/ ٤١٧)، و"المغني" و"الشرح الكبير" (٦/ ٣٣٢).
(٢) أخرجه مسلم في الحجّ (١٣٥٦) باب النهي عن حمل السلاح بمكّة بلا حاجة.
(٣) انظر تفصيل الحكم في مسألة كراء بيوت مكّة: "بدائع الصنائع" (٥/ ١٤٦) و"الفروق" وعلى هامشها "التهذيب" (٤/ ١٠ - ١١)، و"إعلام الساجد" للزركشي (ص ١٤٣ - ١٥٢)، و"كشّاف القناع" (٣/ ١٦٠).
[ ١٠٨ ]
العرب؛ لأنّ مِن كلامهم أن يكون المسكوت عنه في معنى المذكور، ويكون بخلافه، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وكذلك قوله ﷿: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، ولا يَحِلُّ الكفرُ بالقرآن على حال من الأحوال، وكذلك قوله: "لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا حَرَامًا"، وكذلك غيرُها إذا كان الدم حرامًا، وقد أجمعوا أنّه يجوز بها سَفْك دماءِ الدواجنِ كلِّها غيرِ الصيد، وأمّا اختلافُ العلماء فيمن وَجَب عليه حَدّ أو قِصاص فهرب إلى الحَرَم ودخله واستجار به، فإنّ طائفة منهم قالت: مَن قَتل في غير الحَرَم، ثمّ جاء إلى الحرم ودخله، لم يُقَم عليه الحدُّ في الحرم (١)، لقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قالوا: ومَن قَتَل في الحَرَم قُتل في الحرم (٢)، وروى ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن طاووس قال: مَن أَحدَث في الحَرَم حَدَثًا أَقَمتُ عليه حَدَّه، ومَن أَحدَث حدثًا في غير الحَرَم ثمّ لجأ إلى الحَرَم ودخله لم يُتعرّض، ولكنّه لا يُأوى، ولا يُبايع، ولا يُكلَّم حتّي يَخرُج من الحَرَم، فإذا خرج من الحرم أُقِيم عليه الحدّ لمِا أحدث (٣).
_________________
(١) روي ذلك بأسانيد صحيحة عن ابن عبّاس وعطاء والزهري والشعبي. انظر: "مصنّف عبد الرزّاق" (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، و"تفسير ابن كثير" (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ٩٠ - ٩١).
(٢) انظر المصادر نفسها.
(٣) لم أجده، وروي عن الحسن وقتادة وغيرهما خلافه، أعني أنّ من أصاب حدًّا في الحرم أو في غيره وقدر عليه فيه - أي: في الحرم - أقيم عليه، وقال البغوي: "وهو قول أكثر المفسّرين"، انظر: "تفسيره" (١/ ٣٢٩). وانظر: "الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور" (١/ ٤٣٩).
[ ١٠٩ ]
قال عطاء قال ابن عمر: لو آوي قاتل عمر بن الخطاب في الحرم ما هجته (١).
وقال مجاهد في قوله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ عزيمة لا يخاف فيه أحد دخله.
وأمّا قتادة وغيره فقالوا: كان ذلك في الجاهلية، فأمّا اليوم فلو سَرَق في الحرم قُطع، ولو قَتَل قُتل، ولو قُدر فيه على المشركين قُتلوا (٢).
قال أبو عمر: على هذا القول جماعةُ فقهاء الأمصار من أهل الرأي والأثر، وهو الصحيح عندنا في النظر؛ لأنّ الله تعالى قد أَمَرَنا بالقصاص وإقامة الحدود أمرًا مطلقًا عامًّا، لم يَخُصَّ به مَوضِعًا من مَوضِع، ولا خَصَّه رسول الله - ﷺ -، ولا أجمعت الأمَّةُ على خصوصه، ولا قامت بخصوصه حجّة لا مدفع لها (٣).
وقد اختلف الفقهاء في تغليظ الدية على من قَتَل في الحَرَم، فأكثرُهم على أنّ القتل في الحلّ والحرم سواء فيما يجب فيه من الدية والقَوَد، وإلى هذا ذهب مالك والعراقيّون، وهو أحد قولي الشافعي، وقول الفقهاء السبعة، حاشا القاسم بن محمّد، فإنّه روي عنه وعن سالم أنّه مَن قَتَل خطأً في الحَرَم زِيدَ عليه في الدية ثلث الدِية، وهو
_________________
(١) لم أجده.
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٢٩)، وابن كثير (١/ ٣٣٧)، والقرطبي (٤/ ٩١) واستحسنه. قال ابن تيمية في "المجموع" (١٤/ ٢٠١): "لو أصاب الرجل حدًّا خارج الحرم ثمّ لجأ إليه فهل يكون آمنًا لا يقام عليه الحدّ فيه أم لا؟ فيه نزاع، وأكثر السلف على أنّه يكون آمنًا، كما نقل عن ابن عمر وابن عبّاس وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما".
(٣) انظر: "التمهيد" (٦/ ١٦٨ - ١٦٩)، وقد أحال فيه ابن عبد البرّ إلى كتاب "الأجوبة" على أنّه بسط فيه الكلام، وانظر: "الاستذكار" (٤/ ٤٠٤ - العلمية).
[ ١١٠ ]
قول عثمان بن عفّان (١)، وخالفه في ذلك عليّ، وكان الشافعي يري التغليظ في قتل الخطإ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام، وذي الرحم على حَسَب سُنَّة دية العمد المغلّظة، وهذا أشهر عن الشافعي من القول الأوّل (٢) (٣)، ومن الحجّة على مَن ذَهَب هذا المَذهَب قوله ﷿ في قاتل الخطإ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، ولم يَخُصَّ موضعًا من موضع، وفرض النبيّ - ﷺ - الديات ولم يَخُصّ موضعًا من موضع، ولا فَرَّق بين الحِلّ والحرَم، والله أعلم (٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٧١) من حديث سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن أبيه أنّ رجلًا أوطأ امرأة بمكّة فقضى فيها عثمان بن عفّان بثمانية آلاف درهم ديّة وثلث. قال الشافعي: ذهب عثمان - ﵁ - إلى التغليظ لقتلها في الحرم. انظر: "معرفة السنن والآثار" (٦/ ١٩٧ - ١٩٨).
(٢) ينظر كلام الشافعي في: "الأمّ" (٦/ ١٢٢)، وفي "معرفة السنن والآثار" (٦/ ١٩٧).
(٣) وهو مذهب الحنابلة - أيضًا - لما روي مجاهد عن عمر - ﵁ -: "أنّه قضى فيمن قتل في الحرم أو في الأشهر الحرم أو محُرِمًا بالديّة وثلث الديّة"، أخرجه عبد الرزّاق (٩/ ٣٠١ رقم: ١٧٢٩٤)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ٧١). انظر: "مغني المحتاج" (٤/ ٥٤)، و"المهذّب" (٢/ ١٩٦، ١٩٧)، و"المغني" (٧/ ٧٧٢، ٧٧٤).
(٤) ينظر: "التمهيد" (١٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤) اختصارًا، وأحال تفصيله إلى كتابنا هذا، وانظر: "الاستذكار" (٨/ ١٣٧ - العلمية)، وقال في (ص ١٣٨) فيه بعد ذكر الخلاف: "ورد التوقيف في الديّات عن النبيّ - ﷺ -، ولم يذكر فيه الحرم ولا الشهر الحرام، فأجمعوا على أنّ الكفّارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء، فالقياس أن تكون الديّة كذلك".
[ ١١١ ]