والحديث الثالث عشر
حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - فِي الْمَيِّتِ إِذَا دُفِنَ أَنهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ إِذَا وَلوْا عَنْهُ مُدْبرِينَ (١).
وَذَكرْتَ قَوْلَ عَائِشَةَ حِينَ ذُكرَ لَهَا حَدِيثُ أَهْلِ الْقَلِيبِ أَنهَا نَزَعَتْ بقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في [الجنائز (١٣٣٨) باب الميّت يسمع خفق النعال]، وفيه [(١٣٧٤ باب ما جاء في عذاب القبر] من طريق سعيد بن أبي عروبة، ومسلم في [كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٧٠) باب عرض مقعد الميّت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، من طريق شيبان ابن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال نبيّ الله - ﷺ -: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولّى عنه أصحابه، إنّه ليسمع قرع نعالهم"، قال: "يأتيه ملكان فيقعدانه " الحديث.
(٢) أخرجه البخاري في [المغازي (٣٩٧٨ - ٣٩٧٩ - ٣٩٨٠ - ٣٩٨١) باب قتل أبي جهل]، ومسلم في [الجنائز (٩٣٢) باب الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه] من طريق أبي أسامة حمّاد بن أسامة عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: ذكر عند عائشة أنّ ابن عمر يرفع إلى النبيّ - ﷺ -: "إن الميّت يعذب في قبره ببكاء أهله"، فقالت: "وَهِلَ، إنّما قال رسول الله - ﷺ -: "إنّه ليعذّب بخطيئته وذنبه، وإنّ أهله ليبكون عليه الآن"، ذلك مثل قوله: إن رسول الله - ﷺ - قام على القليب، وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: "إنّهم ليسمعون ما أقول"، إنّما قال: "إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق"، ثم قرأتْ [النمل: ٨٠]: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، يقول: حين تبوّءوا مقاعدهم من النار".
[ ١٨٧ ]
فالجواب:
إنّ حديث قتادة عن أنس هذا صحيح، ومعناه؛ أنّ الميّت تُرَدُّ إليه روحه فيساءل في قبره عن ربِّه وعن دينه ونبيِّه، ويأتيه الملكان الفتانان اللذان يفتن الله بهما المُرتابِين ويُثبِّت المؤمنين، وإذا رُدّت عليه روحه؛ لم يُنكَر عليه سماع المنصرفين من دفنه وهذا لم نَقُلْه من جهة قياس ولا إعمال نَظَر، وإنّما قلناه اتّباعا للآثار المتواترات المنقولة على ألسنة الجماعات الثقات الذين تناءت أوطانهم وبَعُدَت ديارُهم، واختلفت أهواؤهم كلّهم ينقل في فتنه القبر آثارًا صحيحة من جهة النقل لا يدفعها إلّا مبتدع (١)،
_________________
(١) حديث السؤال في القبر روي عن عدّة من الصحابة، منهم: ١/ أبو هريرة: وحديثه عند الترمذي في الجنائز (٣/ ٣٧٤/ ١٠٧١)، وقال: "حسن غريب"، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٢/ ٤١٦ - ٤١٧/ ٨٦٤)، وابن حبّان في "صحيحه" كما في "موارد الظمآن" (ص ١٧٩) حديث (٧٧٩)، وحسّن الألباني إسناده في هامش "السنّة"، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (١٣٩١). ٢/ أنس: حديثه سبق تخريجه قبل قليل. ٣/ عبد الله بن عمرو: وحديثه رواه ابن حبان - كما في "الموارد" (ح ٧٧٨ - ص ١٩٧)، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"، وهو حسن بطرقه. ٤/ عبد الله بن مسعود: حديثه أخرجه الآجرّي في "الشريعة"، لكن فيه أبو بكر بن عياش، ساء حفظه لمّا كبر، لكن يشهد له حديث أنس المتقدم. ٥/ البراء بن عازب: حديثه أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٨)، وأبو داود في "السنة" - عون المعبود - (١٣/ ٩٢ - ٨٩)، وعبد الله بن أحمد في "السنّة" (١٤٣٨ - ١٤٤٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٤ - ٣٨٠)، والحاكم في "المستدرك" وصحّحه (١/ ٣٧ - ٣٩)، وغيرهم، وصحّحه الألباني كما في "أحكام الجنائز" (١٩٨ - ٢٠٢). أقول: ذهب أهل السنة والجماعة إلى إثبات عذاب القبر ونعيمه، وأقرّوا به، وهو من جُملة عقيدتهم =
[ ١٨٨ ]
(رادّ) (١) للسنن، وليس من أئمّة المسلمين وفقهائهم وحملة الآثار منهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أحد ينكر فتنة القبر.
فلا وجه للاشتغال بأقاويل أهل البدع والأهواء المضِلَّة، وقد روي عن جماعة من المفسّرين العالمِين بتأويل القرآن من الصحابة والتابعين، أنّهم أوّلوا في عذاب القبر آيات من كتاب الله تعالى، منها قوله ﷿: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] (٢)، قالوا: المرّتان: القتل (٣) وعذاب القبر (٤)، قال بعضهم:
_________________
(١) = التي يدينون الله بها، وعندهم أن النعيم أو الجذاب يقع على البدن والروح معًا. قال ابن أبي العزّ في "شرح الطحاوية" (٣٩٩ - ٤٠٠): "وليس السؤال في القبر للروح وحدها كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول من قال: إنّه للبدن بلا روح، والأحاديث الصحيحة تردّ القولين، وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا، باتّفاق أهل السنّة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتّصلة به. واعلم أنّ عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكلّ من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قُبِر أو لم يُقبر، أكلته السباع، أو احترق حتّى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور". قال أبو بكر المروزي "طبقات الحنابلة" (١/ ٦٢): قال لنا أبو عبد الله: "عذاب القبر حقّ، ما ينكره إلّا ضالّ مضلّ". وقال ابن هانئ في "مسائله" (١/ ١٩١): قيل له - أي: الإمام أحمد -: وعذاب القبر، ومنكر ونكير؟ قال أبو عبد الله: "نؤمن بهذا كلّه، ومن أنكر واحدة من هذه فهو جهمي".
(٢) في الأصل: "رادًا"، والصواب ما أثبتُ اتباعًا لقواعد النحو.
(٣) في الأصل: "عذاب غليظ"، وهو خطأ.
(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٨) بسند صحيح عن مجاهد في هذه الآية: "القتل والسباء".
(٥) أخرج الطبري (١١/ ٩) بسند حسن عن قتادة في هذه الآية: "عذاب الدنيا وعذاب القبر".
[ ١٨٩ ]
الجوع وعذاب القبر (١).
ومنها قوله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، قالوا: العَيْش الضَنْك عذاب القبر (٢).
ومنها قوله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ (٣) الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (٤) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ قالوا: أنزلت هذه في عذاب القبر (٥).
وقد روي من حديث البراء عن النبيّ - ﷺ - في ذلك حديث مرفوع بمثل ذلك (٦).
وأمّا الآثار عن النبيّ - ﷺ - في عذاب القبر فلا تَكاد تُحصى بعددٍ تواترًا واشتهارًا وصحّةً، وكذلك هي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كثيرة شهيرة يجب الاستناد
_________________
(١) نسبه ابن كثير (٢/ ٣٥٠) لمجاهد، وكذا البغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٢٣)، والقرطبي (٨/ ١٥٣)، والطبري (١١/ ٩).
(٢) أخرجه ابن حبّان (٧/ ٣٨٨ - ٣٨٩/ ٣١١٩)، والحاكم (١/ ٣٨١) من طريق أبي الوليد ثنا حماد ابن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، وسكت الذهبي عن إسناد الحاكم، وحسّن الشيخ الأرنؤوط إسناده في تعليقه على "الإحسان"، وأخرج له الحاكم شاهدًا من حديث أبي سعيد، وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمّاد بن سلمة به، نقله ابن كثير، وقال: "إسناده جيّد".
(٣) ليست موجودة في الأصل.
(٤) في الأصل بعد قوله: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ زيادة: "فالقول الثابت"، ولا معنى لها، ولذا حذفتها.
(٥) أخرجه البخاري في [كتاب التفسير (٤٦٩٩) باب سورة إبراهيم]، ومسلم في [كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٤/ ٢٢٠١) باب عرض مقعد الميّت من الجنّة أو النار عليه ] من حديث البراء ابن عازب عن النبيّ - ﷺ -.
(٦) سبق تخريجه (ص ١٨٨)، وهو حديث البراء الطويل الذي فيه وصف حالة المحتضر، وبعد خروج روحه مسلمًا كان أو كافرًا، وكيف تستقبل روحهما، ثم تعاد إلى الجسد، وسؤال الملكين في القبر.
[ ١٩٠ ]
إليها (١)؛ لأنه لا يجوز على جماعتهم الغلط في تأويل قول الله ﷿: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
وكلُّ مَن تكلّم في تفسير القرآن من السلف في هذه الآية وغيرها يُقِرّ بفتنة القبر ويؤمن بها ويرى الآثار فيها (٢) وهم أهل العلم بالقرآن ولسان العرب ومراد الرسول - ﷺ - (٣).
_________________
(١) هناك من لم يُوَفَّق للحقّ فجحد عذاب القبر أو أثبته إثباتا يوافق هواه، أمّا الأحاديث المتواترة الصحيحة في هذا الباب - كما ذكر المصنّف وغيره - فلم يلتفتوا إليها، وكثير منهم انظر إلى المسألة من زاوية عقلية صرفة مع أنّ العقل لا يحيل ذلك مطلقًا، فقدرة الله ﵎ عظيمة، وهي فوق كلّ شيء، ولم يرد في الشريعة ما تحيله العقول، وقد يرد فيها ما تحار فيه العقول، وفي الإيمان بمثل هذا دافع على زيادة الإيمان والتسليم لله - جل وعلا - والمعرفة بعظيم قدرته وسلطانه. انظر: "الروح" لابن القيّم (٨٠ - ٨١).
(٢) في الأصل: "عنها"، والمثبت هو الظاهر في الصحّة، ومقصود المؤلف: "ويرى صحّة الآثار فيها"، والله أعلم.
(٣) لا شكّ أن أهل السنة والجماعة نزعوا بآيات من الكتاب العزيز دلالات على ثبوت عذاب القبر زيادة على ما ذكر المصنف، فذكروا قوله تعالى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦]، وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٥ - ٤٧]. لكن ما ادّعاه المصنف ﵀ من أن قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ لا يختلف من تكلّم فيها أنّه أثبت بها عذاب القبر، فهذا خلاف الواقع، فقد أخرج الطبري بسند حسن عن قتادة في قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: "كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله في الدنيا، ثمّ أماتهم الموتة التي لا بدّ منها، ثمّ أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتان". =
[ ١٩١ ]
وأمّا حديث القليب، فهو ثابت عن النبيّ - ﷺ - من حديث أنس عنه: "أنْهُ وَقَفَ عَلَى كفَّارِ قُرَيْشِ؛ عُتْبةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَليدِ بْنِ عُتْبةَ، وَأَبِي جَهْل بْنِ هِشَامٍ، وَأَشْيَاعِهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ القَلِيبِ، فَنَادَاهُمْ بِأَسمائِهِمْ: هَلْ وَجَدتُّمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدتُّ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًا"، فقال له أصحابه: يا رسول الله؛ أتنادي قومًا قد جيفوا؟ فقال: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ لمِا أَقُولُ، وَلَكِنّهمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا" (١).
فأخبر - ﷺ - أنّهم سمعوه، وقد يحتمل أن يكون وقوفه عليهم ونداؤه إيّاهم كان في الوقت الذي تُرَدّ فيه الروح في القبر إلى من يساءل عن ربّه ودينه، وقد أخبر - ﷺ - أنّ المنافق هو في الدرك الأسفل من النار يساءل عن ذلك، فغير نَكِير أن يساءل عن ذلك أو
_________________
(١) = وقال ابن كثير عند هذه الآية: "قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود - ﵁ -: "هذه الآية كقوله تعالى: ﴿تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ "، وكذا قال ابن عبَّاس والضحاك وقتادة وأبو مالك، وهذا هو الصواب الذي لا شكّ فيه ولا مرية"، ثمّ ذكر في معنى ما ذكره المصنّف عن السدّي وضعّفه.
(٢) هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الطبري (٢/ ٣٧)، وابن هشام في "السيرة" (٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/ ٢٩٢) من طريق ابن إسحاق قال: حدّثني حميد الطويل عن أنس به، انظر "الدرر" للمصنف (١/ ١٠٧). وأخرج نحوه البخاري في "الصحيح" [المغازي (٣٩٧٦) باب قتل أبي جهم]، والإمام أحمد برقم (١٢٠١٤، ١٥٧٦٦) من طريق قتادة عن أنس به، وأخرجه مسلم في [كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٧٤) باب عرض مقعد الميّت] من حديث ثابت عن أنس. وفيه قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونَقِيمةً وحسرةً وندمًا". قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ٣٥٣): " أراد قتادة بهذا التأويل الردّ على من أنكر أنهم يسمعون، كما جاء عن عائشة أنها استدلّت بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ".
[ ١٩٢ ]
بعضه أو ما يشبهه مَن جحد بآيات الله واستمعتها نفسه من كفّار قريش وغيرهم، وقد ثبت عن النبيّ - ﷺ - أنّ اليهود تعذّب في قبورها (١) وسائر الكفّار في القياس مثلهم (٢).
_________________
(١) حديث عذاب اليهود في قبورهم أخرجه البخاري في [الجنائز (١٣٧٥) باب التعوّذ من عذاب القبر]، ومسلم في [كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٩) باب عرض مقعد الميّت] من حديث أبي أيّوب قال: خرج النبيّ - ﷺ - بعدما غربت الشمس، فسمع صوتًا، فقال: "يهود تعذّب في قبورها".
(٢) وقع الخلاف عن السؤال في القبر أهو خاصّ بمن يدّعي الإيمان محقًّا كان أو مبطلًا - كالمنافق - أم أنه يشمل الكافر؟ والصواب - والله أعلم - أن السؤال يشمل الجميع، ففي حديث أنس في عذاب القبر، قال - ﷺ -: "وأمّا المنافق أو الكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ "، وفي رواية له: "وأمّا الكافر أو المنافق"، وفي رواية لأبي داود من حديث أبي هريرة: "وإن الكافر إذا وضع"، وفي رواية أحمد من حديث أبي سعيد: "وإن كان كافرًا أو منافقًا"، وفي رواية عن أسماء: "فإن كان فاجرًا أو كافرًا"، وفي رواية أخرى لها في الصحيحين: "وإنّ المنافق أو المرتاب". قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٢٨٢): "فاختلفت هذه الروايات لفظًا، وهي مجتمعة على أن كلًّا من الكافر والمنافق يسأل، ففيه تعقيب على من زعم أنّ السؤال إنما يقع على من يدّعي الإيمان، إن محقًّا أو مبطلًا، ومستندهم ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير - كذا، والذي في "المصنّف" (٣/ ٥٩) عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن عمر فذكره - أحد كبار التابعين، قال: "إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق، وأمّا الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه"، وهذا موقوف، والأحاديث الناصّة على أن الكافر يسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقَبول". ثم نسب إلى ابن عبد البرّ القول بأنّ الكفار لا يسألون عن دينهم، والمثبت في النسخة خلاف ما نسبه ابن حجر، وقبله ابن القيم في "الروح"، إلّا أن يكون قصدهم ما ذكره ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (٣/ ٨٨) قال: "وأمّا قوله: "إنّ أحدكم" فإنّ الخطاب موجّه إلى أصحابه وإلى المنافقين، والله أعلم، فيعرض على المؤمن مقعده من الجنّة، وعلى المنافق مقعده من النار"، وانظر: "التمهيد" (١٤/ ١٠٩).
[ ١٩٣ ]
وقد يمكن أن يكون أثر أهل القليب خصوصًا بهم، خُصُّوا بِرَدِّ أفهامِهم إليهم ففهموا عنه ﵇، وقد قال - ﷺ -: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ"، وهو ﵇ لا يقول إلّا حقًّا، وليكن هذا لمن يكون على مذهب من يقول: إنّ الأرواح على أفنية القبور ولم يكن لهم قبر إلّا القليب، فكانت أرواحهم تسمع ذلك، وإن لم تردّ إلى أجسادهم، ألا ترى إلى سَلامِه - ﷺ - على أهل المقبرة؛ وقوله - ﷺ -: "السَّلاَمُ عَلَيكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمنينَ" (١).
ويمكن أن يكون معناه ما لا نُدركُه نحن، ولم نُؤْتَ مِن نوع هذا العلم إلّا قليلًا على إبانة من الله ﷿، فإنّ ما صحّ عن رسول الله - ﷺ - لا تضرب (٢) له الأمثال، ولا يدخل عليه المقاييس، فلا يُؤمِن عبدٌ يَجِد حرجًا في نفسه من قضاء رسول الله - ﷺ -، فهو العالم بمراد الله ﷿، وبه عَلِمْنا ما عَلِمْنا، وإنّما بُعِث إلى أُمّتِه وهي لا تعلم شيئًا؛ جزاه الله عنها بأفضل ما جزى نَبِيًّا عن أمّته.
وقد أنكر أهل العلم المناظرة في مثل هذا ممّا قد صحّ به الأثر، واشتهر به الخبر عن النبيّ - ﷺ -، وقالوا: لا شيء في هذا إلّا التسليم؛ وأباحوا كلّهم المناظرة فيما تحته عمل من الأحكام التي شرع فيها القياس والتمثيل.
وأمّا قول الله ﷿: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، فليمس فيه - والله أعلم - ما يدفع شيئًا مِمّا ذكرنا، ويجوز أن يكون معناه؛ وما أنت بِمُستجيبٍ لك مَن في القبور،
_________________
(١) أخرجه مسلم في [الطهارة (٢٤٩) باب استحباب إطالة الغرّة والتحجيل]، وفي [الجنائز (٩٧٤) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، من حديث أبي هريرة، وأخرجه غيره.
(٢) في الأصل: "أن لا تضرب"، والظاهر أن "أن" مقحمة لا معنى لها.
[ ١٩٤ ]
وكذلك هؤلاء لا يستجيبون، وأنّهم كَهُمْ في عدم الاستجابة ولا عليك أن يجيبوا إنّما عليك أن تُسمِعَهم وتُبلِّغَهم، إنّما أنت نذير، فهذا معنى قوله والله أعلم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (١).
ومعلوم أنّ هذا مثل ضربه الله تعالى للكفّار، وقد علمنا أنّه يسمع الكفّار بدعائه إيّاهم إلى الإيمان ولم يعدم منهم السمع، ولو عدموا السمع لارتفع عنهم
_________________
(١) قال الشيخ الشنقيطي ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: "اعلم أن التحقيق الذي دلّت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن أنّ معنى قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا يصحّ فيه من أقوال العلماء إلّا تفسيرين: الأول: أن المعنى: إنّك لا تسمع الموتى، أي: لا تسمع الكفّار الذين أمات قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماعَ هدى وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع، ومن القرائن القرآنية الداتة على ما ذكرنا أنه - جلّ وعلا - قال بعده: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾. الثاني: هو أن المراد بـ "الموتى" الموتى بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفيّ في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وإنّ هذا مثل ضُرِب للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتّباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل، لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأمّا سماع آخر فلا، وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه أبو العبّاس ابن تيمية ﵀ ". انظر: "أضواء البيان" (٦/ ٤١٦ - ٤٢٠).
[ ١٩٥ ]
التكليف، إنّما عدمت منهم الاستجابة، فمعنى قوله والله أعلم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: وما أنت بمستجيبٍ لك مَن في القبور، ومثل هذا قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى [يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ] (١)﴾، وقوله: ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾.
وقد يكون "سمع" بمعنى أجاب، كقوله: سمع الله دعاءك، وسمع الله لمن حمده، يريدون أجاب الله دعاءك وحَمْدك - والله أعلم بما أراد بقوله ذلك - وهذا خارج على أصول السنّة ولسان العرب، وبمثل هذا أباح العلماء تأويل القرآن، وهذا الذي حضرني من الجواب فيما سألتَ عنه، فإن أنكرتَ شيئًا من قولي، وبان لك إنكاره، فلا تعجل حتّى تخاطبني بما ظهر إليك ليقع عليه جوابي، ويَقِرَّ الحقُّ مَقَرَّه، وبالله العصمة والتوفيق لا شريك له.
* * *
_________________
(١) زيادة على الأصل متعيّنة؛ لأن الوقف على الموتى ممنوع.
[ ١٩٦ ]