هذا الحديث روي عن عبد الله بن عمر أيضا بلفظ: «من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» «٤» .
وكذلك روي عن سعيد بن زيد في قصة حكاها مسلم: قال سعيد: إن أروى خاصمته في بعض داره، فقال: دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة اللهم إن كانت كاذبة
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٨.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٢.
(٣) رواه البخاري في كتاب: المظالم، باب: إثم من ظلم شيئا من الأرض (٢٤٥٣) . ورواه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (٤١١٣) .
(٤) رواه البخاري في كتاب: المظالم، باب: إثم من ظلم شيئا من الأرض (٢٤٥٤) .
[ ٦٣ ]
فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها» «١»، قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول:
أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها.
الظلم حرام قليله وكثيره؛ وسرقة الأرض وغصبها باب من أبواب الظلم، شبرا كان المأخوذ أو ذراعا، قصبة كان أو فدانا، ملكا للأفراد أو من المنافع العامة لما رواه أبو يعلى بإسناد عن الحكم بن الحارث أن رسول الله ﷺ قال: «من أخذ من طريق المسلمين شبرا جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين»»
. فالذين يأكلون من الطرق الخاصة أو العامة في المباني أو المزارع أو يأخذون من جسور السكك الحديدية أو من شواطىء الأنهار والترع كل أولئك ظلمة غصبة، وكذلك الذين يغيرون معالم الضياع أو أراضي البناء، ويزحزحون حدودها عن أماكنها ليضموا إلى ملكهم من أملاك غيرهم وقد بين الرسول ﷺ أن من ظلم مقدار شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين، أي ألزم إثم ذلك، ولم يكن له مفر من عقابه فليس معنى التطويق أن يجعل ذلك طوقا بوم القيامة يحيط بعنقه، أو أن يكلف نقل تراب ذلك الشبر من سبع أرضين تعذيبا له فإن ذلك مرّ في ذوق اللغة في هذا الموطن وأشباهه، وإنما الغرض لزوم الإثم له لزوم الطوق، وأخذ العذاب الشديد بخناقه، وليس العقاب على سطح ما أخذه ليزرع فيه أو يا بني عليه فقط، بل العقاب على ما اغتصبه بالغة في جوف الأرض وطبقاتها أقصاها، وهذا يفيد أن السفل تابع للسطح كما أن العلو تابع له، ولذلك استنبط الفقهاء من هذا الحديث أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة ثابتة، وأبنية ومعادن. وعيون ومنابع. وغير ذلك وله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بجيرانه. فإنه لا ضرر في هذا الدّين ولا ضرار. وله أن يمنع من يريد حفر
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين وقول الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ (٣١٩٨) بنحوه. رواه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (٤١١١) بنحوه. ورواه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (٤١١٠) .
(٢) رواه البخاري في كتاب: المظالم، باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه (٢٤٥٨) بنحوه. وگرواه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (٤٤٤٨) .
[ ٦٤ ]
بئر أو سرداب تحت أرضه ليسلكه أو ليسير فيه عربات أو قطارات. وكذلك له منع الأنابيب وأسلاك البرق والكهرباء أن تمدّ تحت ملكه. والمراد بالأرضين هنا: طبقات الأرض السبع التي نبّه إليها القرآن اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ «١»، وليعلم القارىء أن الاعتداء على الحدود كثيرا ما سبب مشاكل خطرة، وقضايا عدة. بل كثيرا ما أريقت فيه دماء. وأنفقت في سبيله خزائن الأموال. فلو أنّ الناس عملوا بهذا الحديث ووقف كل عند حدّه. ما وقعنا في هذه البلايا. بل لأرحنا الحكومة. وخففنا عن مصلحة المساحة ولم تثقل عبء المالية بما تنفقه من مئات الآلاف في سبيل إقامة الأعلام الحديدية. بل كنا نقتصد ذلك من هذا الباب. لينفق في أبواب أخرى كتعبيد الطرق، وشق الترع، وإقامة السدود والقناطر، وغير ذلك مما يساعد على تنمية الثروة، ويخفف عن الفلاح عبأه.
وبعد: فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وفي الدنيا نزاع وعداوة، ومتلفة وخسارة والطمع غبه الندم، فلا تدنس نفسك الطاهرة برجسه. ولا تفسد أرضك بشبره فتنتابها الأمراض الزراعية، ويرسل الله عليها من جنوده الخفية. فإذا بالثمر قليل وإذا بالقليل ذاهب البركة، وقليل في عفة، خير من كثير في نهمة.