من خلق المؤمن الصبر عند نزول المصائب، ومقابلتها بالرضا والتسليم إذ يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «٣» ويقول: إن لله ما أخذ ولله ما أعطى، والصبر يخفف المصيبة؛ ويحلل صلدها «٤»؛ ويقتل جرثومتها.
وأما الجزع والهلع والسخط على ما قضى الله وقدّر، فليس من الإيمان في شيء وليس الذي يقوم به من حزب محمد ﷺ وصحبه.
فالذي ينخلع قلبه للمصيبة ولا يعرف الثبات والشجاعة في ملاقاة الإحن «٥»،
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٣.
(٢) رواه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: ليس منا من شق الجيوب (١٢٩٤) . ورواه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء (٢٨١) . ورواه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: ضرب الخدود (١٨٦١) . ورواه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب عند المصيبة (٩٩٩) . ورواه ابن ماجه في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب (١٥٨٤) .
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٦.
(٤) الصلد: الصلب الأملس الشديد.
(٥) الإحن: جمع إحنة: الحقد والضغن.
[ ٢٥ ]
وملاقاة المحن، بل يلطم الخدود، ويسخم «١» الوجوه، ويدق الصدور، ويشق الجيوب، ويمزق الثياب ويقطع الهندام، ويدعو بدعوى الجاهلية فيقول: واأبتاه، وا أماه، وا ولداه، وا زوجاه، وا قريباه، وا مصيبتاه، وا داهيتاه، وا مالاه، وا بيتاه، ويقول كلّما يعترض بها على القدر؛ وينقد قضاءه- من كان كذلك فليس من المسلمين.
إنما المسلم الثابت الرزين الصابر المحتسب: الذي لا يدفعه الحزن إلى التسخط، بل يكون كما قال رسول الله ﷺ: حال وفاة إبراهيم ولده، جعلت عيناه تذرفان الدمع، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، فليتق الله رجالنا ونساؤنا فيما يصنعون وقت المصائب، وليعلم الأزواج الذين يسمحون لنسائهم بالنياحة والتعديد «٢»، ولطم الخدود، ودق الطبول، أنهم شركاؤهن في الإثم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ «٣» .