المسلم لا يعمل لخير نفسه فقط؛ بل لخيرها وخير غيره، وقد أكد عليه الرسول ﷺ كل يوم صدقة، يعود بها نفسه البذل ويثبت فيها خلق الكرم، وينفع بها الفقراء والمساكين، فإن لم يجد ما يتصدق به جد في العمل، وكدح في تحصيل الرزق من طريق التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو غيرها من طرق الكسب حتى يكون بيده مال ينفع نفسه بالطعام، والشراب، واللباس، والسكن والركوب، وتخير المرأة الصالحة، والإنفاق عليها وعلى أولادها منه وينفع غيره بالتصدق عليه، والإقراض له؛ وتحمل الدّين عنه، فإن لم يجد العمل أو وجده ولا يستطيعه أعان ذا الحاجة من مظلوم يستغيث، ومكروب يستجير، وعاجز يستعين. فينصر المظلوم بمساعدته على نيل حقه، ومنع الحيف «١» عنه، ويجير المكروب بتفريج كربته وتخفيف بليته، فإن كان مريضا رجا له طبيبا يداويه، أو ساعده على دخول مستشفى يطببه ويراعيه، وإن كان له مال ضائع ساعده على الوصول إليه، ويعين العاجز على قضاء ماربه، وتحقيق أمانيه، فإن لم يكن في قدرته الإعانة وكشف الكرب أمر الناس بالمعروف من صلاة وصيام، وحج وزكاة، وحسن أخلاق، وجميل معاشرة، وأدب في معاملة وتعلم علم، وإخلاص في عمل، وابتغاء خير، ونهاهم عن المنكر من زني وشرب خمور، وشهادة زور، وتهتك وفجور، وظلم وسرقة، ونفاق ومداهنة «٢»، وليعمل بما يأمر.
_________________
(١) - ورواه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (٢٣٣٠) . ورواه النسائي في كتاب: الزكاة، باب: صدقة العبد (٢٥٣٧) .
(٢) الحيف: الجور.
(٣) المداهنة: الغش والخداع.
[ ٢٧ ]
وليترك ما نهي عنه فإن ذلك أساس الدعوة الحقة: أن يعمل أولا بما يدعو إليه فإن لم يكن ذلك في المكنة «١» جنّب الناس شره، ومنع ضره، كما يجنب نفسه موارد الهلكة، ومزالق الفتنة، ومواقف التهمة.
ذلك ما ينبغي للمسلم نحو الناس: أن يكون نفّاعا لهم بقدر ما يستطيع، لا يدخر وسعا في جلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم، فلو أمكنه أن يقوم بكل ذلك فيتصدق ويعمل، ويعين وينفع، ويأمر بالخير، ويمسك عن الشر كان مطالبا بالقيام به، بل لو أمكنه إلى ذلك غيره، فعل ما استطاع.
فالحديث يرغب في الصدقة إذ جعلها أول ما يبدأ به المسلم، ويحبب في العمل والكسب، ويقدم حاجة النفس على حاجة الغير «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ويحث على الإعانة، ويدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأمر بمنع الأذى عن الناس.