، والحلف به زورا. لينال عرضا زائلا، وربحا كاسدا، وما هو بنائله. فيعرض سلعته وقت قيام السوق، والظاهر أنها كانت تقام إذ ذاك بعد العصر. أو خص هذا الوقت بالذكر لقرب العهد بالصلاة فكان الظاهر أن يرعوي «١» بها عن الكذب ولكن لم يرعوا. فكانت جريمته عند الله أشد وكأنه الرسول ﷺ قال: - بعد الصلاة- ويقيمها بالأيمان المغلظة، ويروجها بالعبارات الكاذبة، فيقول لرواد التجارة: والله الذي لا إله غيره لقد قدرت هذه السلعة ودفع لي خمسة وعشرون أو ستة وعشرون أو وما قبلت، يريد بذلك ترغيب المشتري في الأخذ بأزيد مما قال، فصدقه رجل في يمينه التي أكدها أشد التأكيد، وأخذها منه بما قال، أو بما زاد. والواقع أنها لم تقدر بذلك ولم يعط بها الثمن الذي ذكر، بل كذب على أخيه وغشه في الثمن واستهزأ بالله إذ اتخذ اسمه وسيلة للكذب، والتلبيس على الناس.
ثم قرأ ﷺ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا «٢» الآية ليؤكد قوله، ويزيد النفوس إيمانا به وتصديقا له. وواضح دخول المبايعة في عهد الله. ودخول ترويج السلعة بالحلف الكذب في الأيمان. بل هما داخلان تحت العهد والأيمان إذ الأكثر في العهد أن يقرن باليمين. والأيمان تقال للعهود أيضا. وأما دخول من منع الماء وارديه فغير واضح. فالظاهر أن الاستشهاد بالآية على الأخيرين.
_________________
(١) يرعوي: يكف ويبتعد.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
[ ٣٩ ]
وجائز أن يقال: حقيقة الأيمان عهد بين الله والعبد أن يقوم بكل ما أمر به ويجانب كل ما نهى عنه. وقد أمر بالتعاون على البر والتقوى. ومن البر بذل الماء وحرّم منع الخير بقوله في سياق الذم مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ «١» ومنه منع الماء وعلى ذلك فالثلاثة داخلة تحت الآية.
ومعنى الآية أن من لم يوف بعهد الله، أو لم يصدق فيه ويخلص، وكذلك من لا يصدق في يمينه واستبدل بذلك عوضا قليلا. وعوضا ضئيلا من نحو ما ذكرنا- وكل ثمن نظير الحق والصدق فإنه قليل مهما كان في نظر الشهويين عظيما- لا نصيب له في نعيم الآخرة ولا حظ. ولا يكلمه الله كلمة رضا وعطف ولا ينظرن إليه نظرة محبة ورعاية يوم القيامة. ولا يشهد له بما ينجيه. أولا يطهره في الدنيا من الأوزار ما دام عاكفا على ما يلوث نفسه. ويدنس فطرته ويعذبه في الآخرة عذابا أليما- فإن تاب وعمل صالحا عاد عليه بالمغفرة والرحمة وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى «٢» .
فالحديث يحتم الوفاء بالعهود، والإخلاص فيها، والنصيحة للرعية في تخير الحكام العادلين، والموظفين المخلصين، ويحرّم الأيمان الكاذبة، والغش في المعاملة وبيع الحق بالشهوات والأعراض الزائلة، ويأمر ببذل المعونة للمحتاجين.
وإنفاق العفو للبائسين وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ «٣» يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ «٤» .