عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، ثمّ شبّك بين أصابعه» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي «١»] .
البيت مكون من جدران اتصل بعضها ببعض، والجدار مكون من لبنات أو طوب أو حجارة، وللقطعة منها في الجدار من القوة والمتانة ما ليس لها خارجة إذ شدت إلى ما حولها بالشيد «٢»، وكان لها سند من جميع نواحيها، ولهذا يصعب تحريكها في جدارها، بل يصعب تكسيرها، أما خارج الجدار فليس لها مناعة وقوة فكسرها سهل، ونقلها أسهل، وكذلك الجدار إذا كان قائما وحده. وعمره قصير تزلزله حوامل الأثقال إذا مرت بجانبه، وتهزه العواصف الشديدة، أو تطرحه أرضا فإذا ما اتصل بغيره من طرفيه حتى كانت في الجدار حجرة. وكان من الحجرات منزل أو عمارة؛ رسخ في مكانه وصلب في مقامه، ولا تؤثر فيه الحوادث إلا بقدر، فالجدار وحده ضعيف، وبأمثاله قوي شديد.
ذلك مثل المؤمن للمؤمن، فهو معه كالبنيان يشد بعضه بعضا فالمؤمنون شأنهم التعاون والتناصر، والتظاهر والتكاتف على مصالحهم الخاصة والمصالح العامة:
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ «٣»، أما التفرق والتخاذل فلا يعرفه الإيمان، وليس من الدّين في شيء فإن كان التعاون كانت القوة
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب: المظالم، باب: نصر المظلوم (٢٤٤٦) . ورواه مسلم في كتاب: الأدب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (٦٥٢٨) . ورواه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في شفقة المسلم على المسلم (١٩٢٨) .
(٢) الشيد: ما يطلى به الحائط من جص ونحوه.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢.
[ ٥٩ ]
للمسلمين، والشوكة للموحدين؛ يستخدمونها في التنكيل بعدوهم، حتى يستردوا حقوقا مغصوبة وأرضا منقوصة، أو يرهبون بها من يحدثهم جشعهم باستلاب ملكهم، واستعمار بلادهم، فلا يقدمون على ما عزموا وبيتوا وقدروا، أو يسخرونها في الانتفاع بخيرات هذا الكون، وتذليل عناصره، بعمل الجمعيات، وإنشاء الشركات، وإقامة النقابات، وبقدر ما بين المسلمين في أنحاء الأرض من حسن الصلات، ووثيق العلاقات تكون قوتهم، وثبات ملكهم؛ وقيامه خالدا.
وإن كثرت الزلازل، وتوالت العواصف، وأجمع الأعداء من أمرهم. وأجلبوا علينا بخيلهم ورجلهم، وإن كان التخاذل والتدابر والتقاطع وتبديد عرا الإخاء، وانصراف كل إلى نفسه وهواه وشهرته. كان الضعف والإنحطاط، والفشل والخور.
فضيحة من عدونا، وإبراق وإرعاد، يزلزل ملكنا، ويذهب بمجدنا، ويجعلنا أذلاء في ديارنا؛ بل ضعفاء في ديننا. فلا دنيا حصلنا ولا دينا أقمنا؛ ولا ثوابا آجلا ضمنا فخسرنا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين؛ والذئب إنما يأكل من الغنم القاصية التي تركت جماعتها واستقلت عن فصيلتها.
ولقد مثل الرسول ﷺ اتحاد المسلمين ومعونة بعضهم لبعض بالتشبيك بين أصابعه. وإدخال بعضها في خلال بعض، ولا شك أن ذلك يزيد في متانة كل إصبع ويعطي كل يد قوة إلى قوتها؛ كذلك المسلمون إذا تضامت «١» أيديهم، وتظاهرت «٢» قواهم، وتحابّت نفوسهم؛ وتساندت أممهم، زادوا قوة، وخلقوا لهم عزة فدانت الأمم لسلطانهم وخضعت لأمرهم وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «٣» .
فيا أيها المسلمون ذلكم رسولكم، وأسوتكم وإمامكم، يرشدكم إلي سلاح ماض وجيش غلاب، وعدة عتيدة. تنفعكم في البأساء والضراء، وتدفع عنكم الأعداء وتزيل عنكم الاستعباد، وترد إليكم العزة الماضية، والكرامة الراحلة، وتبوّئكم المكانة العالية ذلكم هو سلاح الائتلاف، والاتحاد والوفاق، سلاح ضم اليد إلى
_________________
(١) تضامّت: ضم بعضها إلى بعض.
(٢) تظاهرت: تعاونت واتحدت.
(٣) سورة المنافقون، الآية: ٨.
[ ٦٠ ]
اليد. ومعونة الأخ للأخ، وترك النزاع جانبا، والعداء ظهريا. فاستمعوا لإرشاده، واعملوا بنصحه فإنه من يطع الرسول أطاع الله، ومن يعصه عصاه واذكروا قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا «١»، وقوله: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ «٢» .