، وليس ذلك بمناف لمقام النبوة، ومبدأ العصمة. فإن ذلك في المبادىء التشريعية؛ والأحكام الدينية، التي هي قانون عام للناس يرجعون إليه في كل العصور؛ فهذه لا يخطىء فيها؛ وإن أخطأ- بأبي هو وأمي- على رأي من يرى له الاجتهاد في سن الأحكام الشرعية نزل عليه وحي الله بالصواب، إذ هو أسوة للناس وقدوة، فلا يقرّ على الأخطاء، وإن كانت من غير قصد، أما الأحكام القضائية فقد يكون فيها الخطأ، لا في مبادئها، ولكن في طرقها فقد يحكم ببينة يراها عادلة والواقع أنها فاسقة؛ وقد
[ ٦٨ ]
يحكم بيمين خالها «١» صادقة وهي غموس «٢» كاذبة وقد يحسن أحد الخصمين الدفاع والبيان؛ فيحسب الحق في جانبه؛ فيحكم له والحق لصاحبه، فمثل هذا القضاء يجوز من الرسول ﷺ كما يجوز من غيره؛ والقضاء ينفذ فيه ظاهرا لا باطنا فلا يحرم حلالا، ولا يحل حراما؛ فإن كان القضاء طبق الواقع نفذ ظاهرا وباطنا.
فيا أيها المسلم لا تسلك إلى الباطل الحيل؛ ولا تأكل الإثم وإن قضت به لك المحاكم؛ أو عجز صاحب الحق عن رفع دعواه لفقده الرسوم، أو لأنه يخشى بأسك وسلطانك، أو لأنه تعوزه البينة والدليل، واجعل لعلمك قيمة فاعمل به وإن خالفه القضاء، واعلم أن الله رقيب عليك، يعلم سرك وجهرك، وباطلك وحقك، وهو أولى بالخشية؛ وأجدر بالرعاية وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «٣» .
وأما أنت أيها القاضي فليكن لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فإذا تقدم إليك الخصوم، وقد جدّ بينهم النزاع فتقدم إليهم بالموعظة الحسنة. والمقالة المؤثرة، عسى أن يرجعوا عن خصامهم، ويعترفوا بالحق فيعودوا من مجلسك إخوانا متصافين، ولنصحك شاكرين.