٢٥- "أربع خِصال: واحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، وواحدة لي، وواحدة لك. فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك: فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء، وعليَّ الإجابة. وأما التي بينك وبين عبادي: ترضى لهم ما ترضى لنفسك" ١. رواه أبو نعيم عن أنس.
ش- في الحديث أربع خصال: الخصلة الأولى تختص بالله جل ذكره، أعني: العبادة، وهي في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد؛ أي: مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف. قال الراغب الأصفهاني
_________________
(١) ١ رواه أبو يعلى رقم "٢٧٥٧"، والبزار رقم "١٩"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "١/ ٥١" وقال: رواه أبو يعلى، والبزار. وفي إسناده: صالح المري ضعيف. وأورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية رقم "٣٢٨٦". وعزاه إلى أبي يعلى. نقول: وإسناده ضعيف.
[ ٣٠ ]
في مفرداته: العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير، وهي الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وتكون للإنسان، والحيوانات والنبات. وعبادة باختيار، وهي لذوي النطق، وهي المأمور بها في نحو قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] . اهـ ولا يجوز فعلها شرعًا، ولا عقلًا إلا الله تعالى؛ لأنه المستحق لكونه موليًا لأعظم النعم من الحياة، والوجود، وتوابعهما؛ لذلك يحرم السجود لغيره ﷾؛ لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء وهو التراب، ومواطئ الأقدام والنعال غاية الخضوع. وقيل: لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه، وما ورد من نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وارد على زعمهم تعريضًا لهم ونداءً على غباوتهم؛ وتستعمل بمعنى الطاعة، ومنه ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وبمعنى الدعاء، ومنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] وبمعنى التوحيد، ومنه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وكلها متقاربة المعنى.
والخصلة الثانية: هي مختصة بالعبد، وهي استحقاق الأجر، وجزاؤه على عمله الصالح يعني: أن الله ﷾ يجزي العبد على ما عمل من الخير، وأما ما عمل من الشر: فأمره موكول إلى ربه وموجده، إن شاء حاسبه عليه وعاقبه، وإن شاء غفر له وسامحه. سبحانك يا رب ما أحلمك، وأرأفك بعبدك المذنب!
والخصلة الثالثة: مشتركة بين الله تنزهت صفاته، وبين العبد الضعيف، وهو أن العبد إذ دعا الله ﷾ في السرِّ والعلن؛ استجاب له، ولبَّاه، وقد ورد في الدعاء وفضله آثار كثيرة نأتي بنبذة منها. روى أصحاب السنن الأربع، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن أبي شيبة في مصنفه من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ١ الآية [غافر: ٦٠] وأخرج
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند "٤/ ٢٦٧"، وأبو داود رقم "١٤٧٩"، والبخاري في الأدب المفرد رقم "٧١٤"، وابن أبي شيبة "١٠/ ٢٠٠". والترمذي رقم "٣٣٧٢". والحاكم "١/ ٤٩٠و٤٩١" وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان رقم "٨٩١" من حديث النعمان بن بشير ﵁. نقول: وهو حديث صحيح.
[ ٣١ ]
الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء مخُّ العبادة" ١. وأخرج الترمذي، وابن حبان، وصححه من حديث سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" ٢، وأخرج الحاكم في المستدرك، والبزار عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة" ٣. ومعنى يعتلجان: يتصارعان، ويتدافعان. وأخرج الترمذي، وابن حبان من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" ٤ وأخرج ابن حبان في صحيحه
_________________
(١) ١ رواه الترمذي رقم "٣٣٦٨" في الدعوات من حديث أنس ﵁. وإسناده ضعيف، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ٢ رواه الترمذي رقم "٢١٣٩". والقضاعي في مسند الشهاب "٨٣٣". والطحاوي في مشكل الآثار رقم "٣٠٦٨"، والطبراني في الكبير رقم "٦١٢٨" من حديث سلمان ﵁. وفي إسناده ضعف، ولعله يتقوى بما رواه أحمد، وابن ماجه عن ثوبان ﵁ بلفظ: "لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القضاء إلا الدعاء. وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". وهو حديث حسن دون قوله: وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. ٣ رواه الحاكم في المستدرك "١/ ٤٩٢". وصححه الحاكم، وقال الذهبي في التلخيص: زكريا مجمع على ضعفه. والقضاعي في مسند الشهاب رقم "٨٥٩"، والطبراني في الأوسط رقم "٢٥١٩" من حديث عائشة ﵂. وفي إسناده زكريا بن منظور ضعيف، وعطاف الشامي مجهول. والحديث ضعيف. ٤ رواه أحمد في المسند "٢/ ٣٦٢"، والترمذي رقم "٣٣٧٠" في الدعوات. وابن ماجه رقم "٣٨٢٩"، والحاكم "١/ ٤٩٠" وصححه ووافقه الذهبي، والبخاري في الأدب المفرد "٧١٢"، وابن حبان رقم "٨٧٠" من حديث أبي هريرة، ﵁، وإسناده حسن.
[ ٣٢ ]
من حديث أنس ﵁: "لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد" ١. وأخرج الحاكم في المستدرك، وصححه من حديث أبي هريرة ﵁: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض" ٢، والإجابة مشروطة بأن لا يكون في الدعاء دعوة فيها إثم، أو قطيعة رحم.
روى أحمد في مسنده، والبزار وأبو يعلى -قال المنذري بأسانيد جيدة - وأخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". -زاد في المشكاة- قالوا: إذًا نُكثر؟ قال: "الله أكثر" أي: فضله٣، رواه أحمد وأخرج الترمذي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدعُ بإثمٍ، أو قطيعة رحم" ٤، وأخرج
_________________
(١) ١ رواه ابن حبان رقم "٨٧١" من حديث أنس ﵁. وفي إسناده عمر بن محمد بن صهبان ضعيف، ورواه الحاكم "١/ ٤٩٣و ٤٩٤" وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: لا أعرف عمرًا، تعبت عليه. كذا وقع في المستدرك عمرو بزيادة الواو. والصواب عمر. قال العقيلي: عمر بن محمد لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به. ٢ رواه الحاكم "١/ ٤٩٢". وأبو يعلى رقم "٤٣٩". والقضاعي في مسند الشهاب رقم "١٤٣". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "١٠/ ١٤٨و ١٤٩" وقال رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط. ورجال أحمد، وأبي يعلى، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي. وهو ثقة. من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وهو حديث صحيح. ٣ رواه أحمد في المسند "٣/ ١٨". والحاكم في المستدرك "١/ ٤٩٣" وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "١٠/ ١٤٨ و١٤٩" وقال رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط. ورجال أحمد، وأبي يعلى، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي. وهو ثقة. من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وهو حديث صحيح. ٤ رواه الترمذي رقم "٣٣٧٨" في الدعوت. باب: إن دعوة المسلم مستجابة. من حديث جابر ﵁. وهو حديث صحيح.
[ ٣٣ ]
أبو داود، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين" ١ وفي قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وما تقدم من الأحاديث دليل على أن دعاء المسلم لا يُهمل، بل يُعطى ما سأله؛ إما معجلًا، وإما مؤجلًا بفضل الله ﷿.
الخصلة الرابعة: مشتركة بين العبد وبين إخوانه الآدميين، وهي أن يرضى لأخيه من الخير والطاعات ما يرضى أن يكون مثله له، ومقابله: أن يكره لأخيه من الشر ما يكره لنفسه أن تلقاه، وهذا معنى ما رواه البخاري، ومسلم عن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢: قال الإمام محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: الأولى أن يحمل ذلك على عموم الأخوة حتى يشمل الكافر والمسلم، فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام، كما يحب لأخيه المسلم دوامه على الإسلام، ولهذا كان الدعاء بالهداية: للكافر مستحبًا. والحديث محمول على نفي الإيمان الكامل عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمراد: المحبة بإرادة الخير والمنفعة، ثم المراد: المحبة الدينية، لا المحبة البشرية، فإن الطباع البشرية قد تكره حصول الخير، وتمييز غيرها عليها: والإنسان يجب عليه أن يخالف الطباع البشرية، ويدعو لأخيه، ويتمنى له ما يحب لنفسه، والشخص متى لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان حسودًا، فعلى الإنسان أن يعالج نفسه، ويحملها على الرضا بالقضاء، ويخالفها بالدعاء لعدوه بما يخالف النفس.
وقال أبو الزناد٣: ظاهر هذا الحديث التساوي، وحقيقته: التفضيل؛ لأن الإنسان
_________________
(١) ١ رواه أبو داود رقم"١٤٨٨"، والترمذي رقم"٣٥٥١"، وابن ماجه رقم "٣٨٦٥"في الدعاء. وابن حبان رقم "٨٧٦".والبغوي رقم "١٣٨٥"من حديث سلمان ﵁. وهو حديث صحيح. ٢ رواه أحمد في المسند "٣/ ١٧٦و ٢٧٢". والبخاري رقم "١٣". ومسلم رقم "٤٥"في الإيمان، وابن ماجه رقم"٦٦"، والترمذي رقم "٢٥١٥". من حديث أنس ﵁. ٣ أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان، الإمام الفقيه، الحافظ، المفتي، أبو عبد الرحمن، القرشي المدني، ولد في حياة ابن عباس ﵁، وحدث عن أنس بن مالك. وأبي أمامة بن سهل، وأبان بن عثمان، حدث عنه ابنه عبد الرحمن، وسفيان الثوري. توفي ﵀ سنة"١٣٠" هـ لسبع عشرة خلت من رمضان.
[ ٣٤ ]
يحبُّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين، ألاترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه، ومظلمته، فإن أكمل إيمانه وكان لأخيه عنده مظلمة أو حق؛ بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة. قال المدني في هذا الحديث: أخرجه أبو يعلى الموصلي، وأبو نعيم عن أنس، وضُعف.
[ ٣٥ ]