٥٧- "أنا العزيز، من أراد عِزَّ الدارين؛ فليطع العزيز"١. رواه الخطيب البغدادي عن أنس.
ش- العزيز: مِن عزَّ الشيء، يعز بكسر العين- أي: لا مثيل له، ولا نظير، من عزَّ الطعام في البلد: إذا تعذر وجوده عند الطلب "أو من عز يعز - بضم العين - بمعنى الغالب الذي لا يغلب، ويقهر، ولا يقهر، أو من عز يعز - بفتح العين -: إذا اشتد وقوي. أو يكون عزيز بمعنى المعز، فعيل بمعنى مفعل، كالأليم بمعنى المؤلم، والوجيع بمعنى الموجع، وعلى الأول فلفظ العزيز يرجع إلى التنزيه، والثاني، والثالث إلى صفة من صفات الذات، وهي: القدرة، والرابع إلى صفات الفعل. ومنه: العِزة، وهي حالة مانعة للإنسان من أن يغلب. ومدح الله ﷾ بالعزة تارة وذم بها تارة أخرى. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ "المنافقون:٨" وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ "الصافات: ١٨٠" ومن الثاني قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ "ص:٢" وبيان ذلك: أن العزة التي هي لله جل وعلا، ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين رضوان الله عليهم هي الدائمة الباقية؛ التي هي العزة الحقيقة. والعزة التي هي للكافرين، والمخالفين هي التعزز، وهو في الحقيقة ذل، كما قال عليه الصلة والسلام: "كلُّ عزٍّ ليس بالله فهو ذل".
قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "المقصد الأسني" شرح أسماء الله الحسنى: العزيز: هو الذي يقل وجود مثله، وتشتدُّ الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة فيه لم يطلق عليه اسم العزيز، فكم من شيء يقل وجوده ولكن لا يحتاج إليه فلا يسمى عزيزًا، وقد يكون بحيث لا مثل له ويحتاج إليه جدًا، ولكن يسهل الوصول إليه فلا يسمى عزيزًا، كالشمس، فإنه لا مثل لها، والانتفاع بها المعاني الثلاثة في شيء فهو العزيز؛ ثم في كل واحد من هذه المعاني الثلاثة كمال
_________________
(١) ١ ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة "١/ ٢٣"وفي إسناده سعيد بن هبيرة كان يحدث بالموضوعات عن الثقات، وذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة "١/ ١٣٨ "وقال: لا يصح. وقال: في إحدى طريقيه داود بن عفان، وفي الأخرى سعيد بن هبيرة العامري. وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص "٤٨٨"وقال: رواه الخطيب عن أنس مرفوعًا، وفي إسناده داود بن عفان بن حبيب النيسابوري كان يضع الحديث.
[ ٨٢ ]
ونقصان، فالكمال في قلة الوجود: أنه يرجع إلى واحدة؛ إذ لا أقل من الواحد، ويكون بحيث يستحيل وجود مثله، وليس هذا إلا لله، فإن الشمس وإن كانت واحدة في الوجود ولكنها ليست واحدة في الإمكان؛ لأنه لا يمكن وجود مثلها. وأما كونه منتفعًا به، فالكمال فيه أن يكون جميع المنافع حاصلة منه، ولا يحصل من غيره، وما ذاك إلا لله ﷾، فإنه هو المبدئ لوجود جميع الممكنات، فإنه سبحانه هو الذي يحتاج إليه كل شيء في ذاته، وصفاته، وبقائه. أما صعوبة الوصول إليه؛ فالكمال فيه هو ألا يكون لأحد قدرة عليه، وتكون قدرته على الكل حاصلة، والحق كذلك؛ لأنه لا سبيل للعقول إلى الإحاطة بكنه صمدتيه، ولا سبيل للأبصار إلى الإحاطة بعظيم جلالة، ولا سبيل لأحد من الخلق إلى القيام بشكر آلائه ونعمائه، فثبت أن كمال هذه الصفات حاصلة لله ﷾ لا لغيره، فوجب القطع بأنه ﷾ هو العزيز المطلق. والله أعلم.
والمعنى: أن الله جل ذكره يخبر أنه العزيز الغالب، الذي لا يغلبه أحد، ولا يقهره شيء، بل هو القاهر فوق عباده، يفعل ما يشاء، ومن أراد من عباده عِزَّ الحياة الدنيا والآخرة؛ فليطعه يكن عزيزًا قويًا غالبًا، وذلك بأن يجتنب المنهيات، ويفعل المأمورات، ولا يقول إلا خيرًا. اللهم وفقنا لذلك، واهدِ العصاة من عبيدك يا رب!
[ ٨٣ ]