٥٤- "أنا الله، خلقت العباد بعلمي، فمن أردت به خيرًا؛ منحته خُلُقًا حسنًا، ومن أردت به سوءًا؛ منحته خلقًا سيئًا" ١. رواه أبو الشيخ عن ابن عمر.
ش- الخُلق- بضم الخاء المعجمة، وضم اللام-: السجية، والعادة، والطبيعة، والدين، والمروءة، وجمعه: أخلاق. قال صاحب النهاية: وحقيقته: أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة، وأوصافها، ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة. والثواب، والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولذا تكررت الأحاديث في مدح حُسن الخلق في غير موضع، كقوله ﷺ: "أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق" ٢ وقوله: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٣ وقوله: "إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم، القائم" ٤ وقوله: "بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ٥ وأحاديث من هذا النوع كثيرة. وكذلك جاء في ذم سوء الخلق أحاديث كثيرة، وفي حديث عائشة: "كان ﷺ خلقه القرآن" ٦ أي: كان متمسكًا
_________________
(١) ١ ذكره المتقي الهندي في كنز العمال ج/٣/ ورقم "٥٢٣٤"وقال: رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر ﵄. ٢ رواه أحمد في المسند"٢/ ٢٩١و٣٩٢" والترمذي "٢٠٠٤"في البر والصلة، والحاكم في المستدرك "٤/ ٣٢٤"وصححه، ووافقه الذهبي. وابن ماجه رقم "٤٢٤٦"في الزهد، وابن حبان رقم "٤٧٦"من حديث أبي هريرة ﵁. وإسناده حسن. ٣ رواه أحمد في المسند" ٢/ ٢٥٠" وأبو داود رقم "٤٦٨٢"في السنة، والترمذي رقم" ١١٦٢" في الرضاع، والبغوي في شرح السنة رقم"٣٤٩٥"من حديث أبي هريرة ﵁. وهو حديث صحيح. ٤ رواه أحمد في المسند "٦/ ٩٠و٩٤"، وأبو داود رقم "٤٧٩٨"في الأدب، والحاكم" ١/ ٦٠" من حديث عائشة ﵂، وهو حديث صحيح. ٥ رواه الحاكم في المستدرك "٢/ ٦١٣"وصححه الحاكم، وقال في التلخيص: على شرط مسلم. وهو كما قالا. ٦ رواه أحمد في المسند "٦/ ٩١." ومسلم رقم" ٧٤٦"من حديث عائشة ﵂.
[ ٧٣ ]
بآدابه، وأوامره، ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم، والمحاسن، والألطاف، وفي حديث عمر: من تخلَّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله. أي: تكلف أن يظهر من خلقه خلاف ما ينطوي عليه، مثل: تصنع، وتجمل: إذا أظهر الصنيع، والجميل.
وقد رُوي عن السلف في تفسير حسن الخلق أقوال نسأل الله تعالى أن يكمل أخلاقنا به، رُوي عن الحسن أنه قال: حسن الخلق: الكرم، والبذلة، والاحتمال. وعن الشعبي١ قال: حُسن الخلق: البذلة. والعطية. والبشر الحسن. وكان الشعبي ﵁ كذلك، وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، وسُئِل سلام بن أبي مطيع٢ عن حسن الخلق، فأنشد شعرًا:
تراه إذا ما جئته متهللًا كأنك تعطيه الذي أنت سائلهُ
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائلُه
هو البحرُ من أي النواحي أتيته فلُجَّتُه المعروف والجود ساحلُه
وقال الإمام أحمد: حُسن الخلق ألا تغضب، ولا تحقد، وعنه: أنه قال: حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس، وقال إسحاق بن راهوية٣:هو بسط الوجه،
_________________
(١) ١ الشعبي- هو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، الإمام علامة العصر، أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي، مولده في إمرة عمر بن الخطاب ﵁، رأى عليًا ﵁ وصلى خلفه، حدث عن سعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة. قال ابن عيينة: علماء الناس ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. توفي ﵀ سنة "١٠٣"هـ. ٢ سلام بن أبي مطيع، وهو الإمام الثقة القدوة، أبو سعيد الخزاعي، مولاهم البصري، قال أحمد بن حنبل: ثقة، صاحب سنة، تُوفي ﵀ وهو مقبل من مكة سنة "١٦٤"هـ. ٣ إسحاق بن إبراهيم بن راهويه هو الإمام الكبير شيخ المشرق، سيد الحُفَّاظ، أبو يعقوب، مولده في سنة إحدى وستين ومئة. سمع من ابن المبارك، وعبيدة بن حميد، وعبد الرحمن بن مهدي، حدث عن بقية بن الوليد، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل. وهما من أقرانه. ومحمد بن إسماعيل البخاري. ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما، قال سعيد على وجه الأرض مثل إسحاق. تُوفي ﵀ ليلة نصف شعبان سنة "٢٨٨"هـ.
[ ٧٤ ]
وألا تغضب، ونحو ذلك، قال محمد بن نصر١: وقال بعض أهل العلم: حُسن الخلق: كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة، والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزَّالين إلا تأديبًا، وإقامة الحد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا تغيير، منكر وأخذًا بمظلمة المظلوم من غير تعد.
وقوله: "منحته" أي: أعطيته، والمعنى أن الله ﷻ يخبرنا: أنه تعالى خلق الخلق بعلمه، لا يعزُب عن علمه شيء -في السموات ولا في الأرض- فمن أراد به خيرًا من الناس؛ منحه، وأعطاه خلقًا حسنًا، فيستعمل خلقه الحسن في معاملاته بينه وبين إخوانه المخلوقين، فلا يوصل إليهم أذى، بل يسعى لمنفعتهم أينما وُجدوا، وحيث كانوا، ومن أراد الله به سوءًا؛ منحه، وأعطاه خلقًا سيئًا، فيستعمله بينه وبين المخلوقات، فتصدر عنه المساوئ، والنقائص، والإضرار بالناس، فتجد غالب أفعاله، وأكثر عمله في غير منفعة وثمرة مفيدة. أرجو الله ﷾ أن يهدينا لطرق السداد، ويسهل لنا مناهج الخير والفلاح.
وقوله: "رواه أبو الشيخ" هو الإمام حافظ أصبهان، ومسند زمانه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان -بالحاء المهملة والياء التحتية- الأنصاري، صاحب المصنفات النافعة، ويُعرف بأبي الشيخ، المتوفى سنة ٣٦٩هـ، وهو غير ابن حبان-بالباء الموحدة.
_________________
(١) ١ محمد بن نصر بن الحجاج المروزي الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبد الله الحافظ، مولده في بغداد سنة "٢٠٢"هـ، ومسكنه في سمرقند سمع يحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهوية. حدث عنه أبو العباس السراج، قال أبو بكر الصيرفي: لو لم يصنف إلا كتاب القسامة لكان من أفقه الناس، كيف وقد وصنف سواه؟ توفي ﵀ سنة "٢٩٤"هـ.
[ ٧٥ ]