٣٣- "إن الذي قال: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا؛ فقدكفر بي، وآمن بذلك النجم، وإن الذي يقول: إن الله سقانا؛ فقد آمن بي، وكفر بذلك النجم" ١. رواه الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود.
ش- النوء: النجم إذا مال للمغيب، والجمع: أنواء، ونوآن -بضم الأول- حكاه ابن جني مثل: عبد، وعبدان، وبطن، وبطنان. قال حسان بن ثابت شاعر الإسلام ﵁:
ويثربُ تعلم أنَّا بها إذا قحط الغيث نوآتها
_________________
(١) ١ رواه الطبراني في الأوسط رقم"٦١٨٦". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد"٨/ ١١٤و١١٥"وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وثَّقه جماعة، وضعفه غيرهم، ومحمد بن ماهان مجهول، ومحمد بن حنيفة الواسطي قال الدارقطني: ليس بالقوي من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁. وإسناده ضعيف. لكن يشهد له ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁.
[ ٣٩ ]
وقيل: معنى النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يومًا، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وإنما سُمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع -أي: نهض وطلع- وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النوء السقوط، كأنه من الأضداد، قال أبو عبيد١: ولم يسمع في النوء أنه سقوط إلا في هذا الموضع. وكانت العرب تضيف الأمطار، والرياح، والحر، والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مطرنا بنوء كذا.
قال أبو عبيد: الأنواء ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة، كلها من الصيف، والشتاء، والربيع، والخريف، يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلوم مسمى، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين كلها مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم، وطلع آخر؛ قالوا: لابد من أن يكون عند ذلك مطر، أورياح، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا، والدبران، والسماك. انتهى.
قال شمر: هذه الثمانية والعشرون التي أراد أبو عبيد هي منازل القمر، وهي معروفة عند العرب وغيرهم من الفرس، والروم، والهند، لم يختلفوا أنها ثمانية وعشرون، ينزل القمركل ليلة في منزلة منها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] قال: وقد رأيتها بالهندية، والرومية، والفارسية مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أخبرني به ابن الأعرابي: "السرطان، والبطين، والنجم، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرق، والجبهة، والخراثان، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلد، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر.
_________________
(١) ١ أبو عبيد: هو الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون أبوعبيد القاسم بن سلام بن عبد الله ولد سنة"١٥٠"هـ وسمع إسماعيل بن جعفر، وشريك بن عبد الله، صنف التصانيف، وهو من أئمة الاجتهاد، له كتاب الأموال. قال البخاري: توفي سنة "٢٢٤"هـ بمكة المكرمة.
[ ٤٠ ]
والحوت" قال: ولا تستنيء العرب بها كلها، إنما تذكر بالأنوار بعضها، وهي معروفة في أشعارهم، وكلامهم.
وإنما غلَّظ الشرع في ذلك؛ لأنَّ العرب كانت تزعم: أن ذلك المطر الذي جاء بسقوط نجم هو فعل النجم، وكانت تنسب المطر إليها، ولا يجعلونه سُقيًا من الله، وإن وافق سقوط ذلك النجم المطر يجعلون النجم هي الفاعلة.
قال أبو إسحاق: وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، ولم يرد ذلك المعنى، ومراده: أنَّا مطرنا في هذا الوقت، ولم يقصد إلى فعل النجم، فذلك والله أعلم جائز، كما جاء عن عمر ﵁: أنه استسقى بالمصلى، ثم نادى العباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها. فوالله ما مضت تلك السبع حتى غيث الناس، فإنما أراد عمر رضي الله تعالى عنه: كم بقي من الوقت الذي جرت به العادة: أنه إذا تم أتى الله بالمطر؟ والصحيح: أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى النجم، ولو على طريق المجاز، فقد صرح ابن مفلح في "الفروع" بأنه يحرم قول: مطرنا بنوء كذا، وجزم في الإنصاف بتحريمه، ولو على طريق المجاز، ولم يذكر خلافًا قال في فتح المجيد: وذلك أن القائل لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخر لا ينفع، ولا يضر، ولا قدرة له على شيء، فيكون ذلك شِركًا أصغر، والله أعلم.
[ ٤١ ]