٥١- "إني لست على كل كلم الحكيم أقبل، ولكن أقبل على همه، وهواه فيما يحب الله ويرضى، جعلت حكمته حمدًا لله ووقارًا وإن لم يتكلم"١. رواه ابن النجار عن المهاجر بن حبيب.
ش- الحكيم: قال صاحب النهاية: فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء، ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل. وقيل: الحكيم: ذو الحكمة، والحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات،
_________________
(١) ١ذكره المتقي الهندي ج/٣/ ورقم "٧٢٤١"وقال: رواه ابن النجار عن المهاجر بن حبيب، وإسناده ضعيف، وهو مرسل.
[ ٦٦ ]
ويتقنها: حكيم. انتهى. وقيل: الحكمة عبارة تفيد أدبًا أو عظةً، أو تجري مجرى المثل. والهوى: مصدر هواه: أحبه، وشرعًا: ميل النفس إلى مشتهيات الطبع دون مقتضيات الشرع. والوقار -بفتح الواو-: الحلم، والرزانة، والعظمة. والمعنى: أن الله ﷾ لا يقبل على كل كلام الحكيم؛ لأن فيه ما يكون تبعًا لهواه وحظه، وما يكون تبعًا لمرضاة الله جل ذكره وأمره فالله يقبل على كلامه؛ إذا كان همه وهواه فيما يحبه الله، ويرضاه. وزيادة على ذلك: فإن الله تباركت أسماؤه يجعل حكمته حمد الله، ويزينه بالوقار، والعظمة، والهيبة. وإن لم يتكلم بالحكمة، وهذا دليل على أن الإنسان مهما اتصف بالكمال، والعقل، والأدب، والحكمة، وغير ذلك من الصفات الحميدة لا تحليه، وتزينه، وتورثه عظمة، وحلمًا، وعظة إلا إذا كان يميل إلى ما يحبه الله جل اسمه؛ بأن يفعل المأمورات، ويجتنب المنهيات، ويتبع الرسل في كل ما جاء من الأحكام، والآداب، والأخلاق، ولذلك ورد في الحديث عن الرسول ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" ١. ولا شك أن المؤمن كامل الإيمان لا يكون هواه إلا تبعًا لما جاء به الدين الحنيف. ولذلك كانت الصحابة رضوان الله عليهم أفضل الخلق لما خصوا بالمزايا والصفات الكاملة، أعلاها: الميل إلى ما جاءت به الشريعة السمحة؛ التي ليلها كنهارها في الإضاءة، والوضوح، كان أحدهم يقاتل أباه، وابنه وهو في صف المؤمنين، وهما في حيز الكافرين المشركين، بذلوا -﵃- في طريقه مهجهم، وأنفقوا أموالهم، فطوبى لهم! فمن كان الهوى -وهو الباطل- المطاع المحبوب الاتباع تابعًا لطرق الهدى من الملة البيضاء، والسنة الزهراء حتى تصير همومه المختلفة، وخواطره المتفرقة؛ التي تنبعث من هوى النفس، وميل الطبع هما واحدًا، يتعلق بأمر ربه، واتباع شرعه؛ تعظيمًا لحقه، وشفقة على خلقه، كما قيل:
كانت لقلبي أهواءٌ مفرقةٌ فاستجمعت إذ رأتك العينُ أهوائي
وصار يحسُدني من كنت أحسدُهم وصرتُ مولى الورى إذ صرت مولائي
تركت للخلقِ دنياهم ودينَهم شغلًا بحبك يا ديني ودنيائي
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي عاصم في السنة"١٥". والبغوي في شرح السنة"١٠٤"من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وإسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير نعيم بن حماد ضعيف لكثرة خطئه، وقد اتهمه بعضهم، وذكر ابن رجب الحنبلي عللًا أخرى في شرح الأربعين النووي، فراجعه.
[ ٦٧ ]
فلا يميل إلا بأمر الشَّرع، ولا يهوى إلا حكم الطبع، فهو المؤمن الكامل الوحيد الذي يقبل منه التوحيد. ومن أعرض عنه متبعًا لهواه، مبتغيًا لرضاه؛ فهو الكافر الخاسر في دنياه، وعقباه، ومن اتبع أصول الشريعة دون فروعها؛ فهو الفاسق، ومن عكس؛ فهو المنافق، والله أسال هداية الأمم أجمع إلى اتباع الدين الإسلامي، والأخذ بمبادئه والتحلي بمحاسنه!
قال الحافظ زين الدين بن رجب: فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وكذلك البدع: إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها: أهل الأهواء، وكذلك المعاصي: إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه، كذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ، فيجب على المؤمن محبة الله، ومحبة من يحبه الله من الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين عمومًا، ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وتحريم موالاة أعداء الله وما يكره الله عمومًا. والله أعلم.
[ ٦٨ ]