٦- "ابن آدم! عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، إذا أصبحت معافى في جسدك، آمنًا في سربك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء" ١. رواه ابن عدي، والبيهقي عن ابن عمر.
ش - أي: يابن آدم عندك ما يسد حاجتك على وجه الكفاف، وأنت تحاول أخذ ما يطغيك، ويحملك على الظلم، ومجاوزة الحدود الشرعية، والحقوق المرعية. يابن آدم لا بقليل من الرزق تقنع؛ أي: ترضى، وتكتفي بما قسم لك، ولا من كثير تشبع، بل لا تزال شرهًا، نهمًا، تتطلع لما في أيدي الناس. يابن آدم إذا أصبحت؛ أي: دخلت في وقت الصباح والحال أنك معافى، أي: سالمًا من الآلام، والآثام في جسمك، وبدنك، آمنًا في سربك -بكسر وسكون، أي: نفسك- أو بفتح وسكون- مذهبك وملكك. عندك قوت يومك، وهو ما يقوم بكفايتك في يومك، وليلتك، أو ما يسد الرمق، فعلى الدنيا العفاء -بفتح العين المهملة- أي: الهلاك، والدروس، وذهاب الأثر.
قال الزمخرشي٢: ومنه قولهم: عليه العفاء: إذا دعا عليه ليعفو أثره والمعنى: إذا
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في الشعب رقم "١٠٣٦٠". وأبو نعيم في الحلية "٦/ ٩٨" والطبراني في الأوسط "٨٨٧٥". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "١٠/ ٢٨٩" وقال رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو بكر الداهري وهو ضعيف: أقول: الداهري قال الذهبي في الكنى ليس بثقة ولا مأمون، وقال الجوزجاني: كذاب. وقال العقيلي: لا يقيم الحديث، ويحدث ببواطيل عن الثقات. ٢ الزمخشري: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي صاحب "الكشاف" "والمفصَّل" كان رأسًا في البلاغة والعربية. توفي ﵀ سنة "٥٣٨"هـ.
[ ١١ ]
كنت كذلك، فقدجمع الله لك ما تحتاجه من الدنيا، فدع عنك ما عداه، واشتغل بما يقربك إلى الله.
قال الغزالي١: ومهما تأملت الناس كلهم وجدتهم يشكون، ويتألمون من أمورٍ وراء هذه الثلاث، مع أنه وبالٌ عليهم، ولا يشكرون نعمة الله فيها. ومرَّ سليمان ﵇ على بلبل بشجرة يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم. قال يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلقِ لم يخلقوا. وقال صالح بن جناح٢ لابنه: إذا مرَّ بك يوم وليلة وقد سَلِم فيهما دينك ومالك، وبدنك، وعيالك؛ فأكثر الشكر لله، فكم من مسلوب دينه ومنزوع ملكه ومهتوك ستره ذلك اليوم وأنت في عافية، ومن هنا نشأ زهد الزاهدين فاستراحت قلوبهم بالزهد، واكتفوا بالورع عن الكد وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، ومُيِّز القريب من البعيد، والشقي من السعيد، والسادة من العبيد، وهذا هو المهيع الذي قبض بسطةَ وجوه القلوب فلم يبق للعاقل حظٌ فيما زاد على كسرة تكسر شهوته، وسترة تواري عورته، وما زاد متجر، إن أنفقه ربحه، وإن ادَّخره خسره.
وفيه حجة لمن فضَّل الفقر على الغنى. وقد أفاد مطلع الحديث: أن الصحة نعمة عظيم وقعها، جزيل نفعها. بل هي أجل النعم على الإطلاق، وإشعاره إعلام بأن العالم ينبغي له ألا يغفل عن وعظ الناس؛ إذ الإنسان لما جبل عليه من الغفلات لابدَّ له من ترغيب يشده، وترهيب يرده، ومواعظ ترققه، وأعمال تصدقه، وإخلاص يحققه، لترتفع أستارُ الغفلة عن عيون القلوب، وتكتسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس. ولقد هز القلوب بحسن هذا النظم، وبلاغة تناسبه، وبراعة ربطه،
_________________
(١) ١ الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الطوسي الشافعي، حجة الإسلام، وأعجوبة الزمان، صاحب كتاب إحياء علوم الدين توفي ﵀ سنة "٥٠٥"هـ. ٢ صالح بن جناح اللخمي: شاعر دمشقي من العلماء. أدرك التابعين، تنسب إليه مقطوعات لطيفة، وله رسالة في الأدب والمروءة، نشرها الشيخ طاهر الجزائري في مجلة المقتبس.
[ ١٢ ]
وحسن انسجامه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] أفاده المؤلف في "فتح القدير" والحديث فيه مقال.
[ ١٣ ]