٣٠/ ٥/ ٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - ﷺ -، فلما قضى بوله أمر النبي - ﷺ - بذنوب من ماء، فأهريق عليه" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: [في] (٢) راويه، وقد تقدم التعريف به في أول الاستطابة.
ثانيها: في ألفاظه وفيه مواضع:
_________________
(١) البخاري رقم (٢١٩، ٢٢١، ٦٠٢٥)، ومسلم برقم (٢٨٥)، والنسائي (١/ ٤٧، ٤٨)، ومالك في الموطأ (١/ ٦٤)، وابن ماجه (٥٢٨)، وأبو داود (٣٨٠)، وأحمد (٢/ ٢٣٩، ٢٨٢)، (٢/ ٥٠٣)، مع زيادة من رواية أبي هريرة ورواية أنس (٣/ ١١٠، ١١١، ١١٤، ١٦٧، ١٩١، ٢٢٦)، والدارمي (١/ ١٨٩)، وأبو عوانة (١/ ٢١٣، ٢١٥)، والترمذي من رواية أبي هريرة (رقم ١٤٧)، وابن حبان من رواية أبي هريرة (١٣٩٦، ١٣٩٧)، وأنس (١٣٩٨).
(٢) زيادة من الأصل.
[ ١ / ٦٩٢ ]
الأول: الأعرابي: الذي (١) يسكن البادية وإن لم يكن من العرب، والعربي منسوب إلى العرب وإن كان في الحضر، والعرب
ولد إسماعيل ﵇، وإنما نسب الأعراب إلى الجمع دون الواحد لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار، وقيل: لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب لقيل: عربي، فيشتبه المعنى فإن العربي كل من هو من ولد إسماعيل ﵇ كما تقدم سواء كان ساكنًا في البادية أو لا، وهذا غير المعنى الأول.
واعلم أن هذا الأعرابي لم أرَ أحدًا ممن تكلم على المبهمات سماه، وقد ظفرت به بحمد الله ومنِّه في معرفة الصحابة [لأبي] (٢) موسى الأصبهاني فإنه روى من حديث سليمان بن يسار قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلًا جافيًا على رسول الله - ﷺ - في المسجد، وساق الحديث وفى آخره: أنه بال فيه وأنه أمر بسجل فصبه على مباله (٣)، وقد ذكرته كذلك في كتابي العدة في معرفة رجال العمدة نفع الله به.
الثاني: الطائفة من الشيء: القطعة [منه] (٤)، وطائفة المسجد: ناحيته.
_________________
(١) في ن ب زيادة (لا).
(٢) في ن ب (أبي).
(٣) انظر تنوير الحوالك (١/ ٦٤)، وفيه قال عنه بعض الفضلاء: هو القائل، والسائل، والبائل؛ القائل: اعدل يا محمد، السائل: اللهم ارحمني ومحمدًا، البائل: معروف معناه.
(٤) زيادة من ن ب.
[ ١ / ٦٩٣ ]
الثالث: المسجد: بكسر الجيم كالمجلس، لموضع السجود، ويجوز فتحها، وقيل بالفتح: اسم لمكان السجود، وبالكسر: اسم
للموضع المتخذ مسجدًا.
وحكى ابن مكي (١) في تثقيفه (٢) عن غير واحد من أهل اللغة أنه يقال للمسجد: مسيد، بفتح الميم وبالياء المكسورة بدل الجيم.
وهو في الأصل: لموضع السجود ويطلق في العرف على كل مكان مبني للصلاة التي فيها السجود.
الرابع: الزجر: النهي والمنع. يقال: زجره وازدجره فانزجر وازدجر.
الخامس: الذنوب: بفتح الذال المعجمة وضم النون، قال الشافعي في المختصر: هو الدلو العظيم، وكذا قاله غيره، زاد الأزهري (٣): وهو دون الغرب الذي يكون للسانية ولا يسمى ذنوبًا حتى يكون مُلىء ماء، ونقله النووي في شرح المهذب عن الأكثرين،
وجزم به في شرحه لمسلم (٤)، وقال ابن السكيت (٥): هي التي فيها
_________________
(١) هو أبو حفص عمر بن خلف بن مكي الحميري المازري المتوفى سنة (٥٠١).
(٢) تثقيف اللسان (١٨٦) ومن ذلك قولهم للمسجد "مسيد"، حكاه غير واحد إلَّا أن العامة يكسرون الميم والصواب فتحها. اهـ.
(٣) تهذيب اللغة (١٤/ ٤٣٨).
(٤) (٣/ ١٩٠).
(٥) في المشوف المعلم (١/ ٢٩١) قريب من الملء.
[ ١ / ٦٩٤ ]
قريب من الثلث، وقال ابن داود من أصحابنا: إنه لا يسمى ذنوبًا ما لم يكن الحبل مشدودًا فيه وهو مذكر وقد يؤنث، قاله ابن
سيده (١): والجمع: في أدنى العدد أذنبة، والكثير ذنائب مثل قلوص وقلائص (٢).
واعلم: أن الذنوب من الألفاظ المشتركة فهو ما ذكرنا وهو [من] (٣) الفرس الطويل، والنصيب، ولحم أسفل المتن.
السادس: "أهريق عليه": سبب، والأصل (أريق) والهاء زائدة.
ثالثها: في أحكامه وفوائده ويحضرنا منها ثلاث عشرة:
[الأولى] (٤): نجاسة بول الآدمي وهو إجماع إذا أكل غير اللبن.
ثانيا: احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار، وفي مسند إسحاق بن راهويه وصحيح ابن خزيمة (٥) أنه ﵇ قال له: "إن هذا المسجد إنما هو لذكر الله والصلاة، ولا يبال فيه".
ثالثها: الرفق بالجاهل في التعليم وأنه لا يؤذى ولا يعنف إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا وعنادًا، وأخرج الشافعي
_________________
(١) انظر: المخصص (٩/ ١٦٤).
(٢) انظر: لسان العرب (٥/ ٦٤).
(٣) في ن ب ساقطة، وفي مجمل اللغة (٣٦١) زيادة: الفرس الطويل الذنب. انظر: لسان العرب (٥/ ٦٤).
(٤) في ن ب (الأول)، وما أثبت من ن ب.
(٥) (١/ ١٤٨، ١٤٩).
[ ١ / ٦٩٥ ]
في الأم (١) هذا الحديث بفائدة حسنة من طريق أبي هريرة وهذا لفظه: "دخل أعرابي المسجد فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "لقد تحجرت واسعًا"، فما لبث أن بال في ناحية المسجد فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي - ﷺ - ثم أمر بذنوب من ماء [أو سجل من ماء] (٢) فأهريق عليه.
ثم قال النبي - ﷺ -: "علموا ويسروا ولا تعسروا". وفي رواية أبي داود (٣) أنه صلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا الحديث، وكذا أخرجه الترمذي (٤)، وقد يستنبط من هذه الرواية صحة صلاة مدافع الأخبثين؛ لأن الظاهر من حال من يبول عقب الصلاة أنه كان يدافعه، ويحتمل أنه سبقه والله أعلم.
رابعها: أن الأرض تطهر بصب الماء ولا يشترط حفرها، على قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، والأمر بالحفر ورد من [طريق] (٥) معللة (٦).
_________________
(١) مسند الشافعي (٢١، ٢٢) وأخرج بعضه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٥٠).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) أبو داود، عون المعبود، رقم (١٤٧) وآخره: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
(٤) الترمذي رقم (١٤٧)، وآخره: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"، وأحمد (٢/ ٢٣٩، ٢٨٣)، والنسائي (٣/ ١٤)، وابن خزيمة (٨٦٤)، والحميدي (٩٣٨).
(٥) في ن ب (طرق).
(٦) أخرجها أبو داود برقم (٣٧٧) عون المعبود، وهي من طريق عبد الله بن معقل: قال أبو داود ﵀: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك =
[ ١ / ٦٩٦ ]
خامسها: أن غسالة النجاسة طاهرة وفي ذلك خلاف للعلماء، والتصحيح عندنا طهارتها إن انفصلت غير متغيرة ولم يزد وزنها وقد طهر المحل.
سادسها: أنه لا تحديد فيما يغسل بها.
وقيل: يشترط بقيته أمثال البول.
وقيل: لبول كل رجل دلو، وهما شاذّان، نعم قال الجرجاني (١) من أصحابنا في كتاب (البلغة) باستحباب الأول، وحكاه الشيخ تقي (٢) الدين فقال: وقيل: [إنه] (٣) يستحب أن يكون مثل سبعة أمثال البول، وفي كتاب المحاملي من أصحابنا أنه لا بدَّ في الأرض الرخوة من قلع ترابها، وأبعد بعض أصحابنا فاشترط نضوب الماه من الأرض وهو ذهابه.
سابعها: فيه دلالة للجمهور على أن إزالة النجاسة لا يطهرها الجفوف، بل الماء خلافًا لأبي حنيفة.
ثامنها: فيه أيضًا أن غيره من المانع لا يجزئ خلافًا له أيضًا.
_________________
(١) = النبي - ﷺ -: ولفظه: "خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماءً".
(٢) هو أحمد بن محمد بن أحمد أبو العباس الجرجاني، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. طبقات ابن قاضي شهبة (١/ ٢٦٠).
(٣) أحكام الأحكام (١/ ٣٣٦).
(٤) في ن ب ساقطة.
[ ١ / ٦٩٧ ]
تاسعها: فيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لنهيه - ﷺ - عن زجره، وفي الصحيح أيضًا: "دعوه"، وفيه مصلحتان:
الأولى: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل؛ فكان احتمال زيادةٍ أولى من إيقاع ضرر به.
الثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد [فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من
المسجد] (١)، وذكر هنا القرطبي (٢) ﵀ احتمالين فقال: يحتمل أمره بتركه أن يكون لئلا تنتشر النجاسة وتكثر، ولئلا يضر قطعه به.
عاشرها: فيه أيضًا أن الماء إذا كان واردًا على النجاسة طهرها، وقال القرطبي (٣): فرقت الشافعية بن ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء، تمسكًا بهذا الحديث، وقالوا: إذا كان الماء دون القلتين [فحل به] (٤) نجاسة [تنجس، وإن لم تغيره، وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته، وأزال النجاسة] (٥)، قال: وهذه مناقضة [إذ المخالطة] (٦) حصلت في الصورتين، وتفريقهم بالورود فرق صوري
_________________
(١) زيادة من ن ب ج.
(٢) المفهم (٢/ ٦٤١).
(٣) في المرجع السابق.
(٤) في ن ب (فحلته)، وفي المفهم (فحلت به).
(٥) ساقطة من ن ب ج، وموجودة في المفهم.
(٦) في ن ب (إذا المخاطبة).
[ ١ / ٦٩٨ ]
ليس فيه من الفقه شيء، وليس الباب [من] (١) [باب] (٢) التعبدات بل من باب عقلية المعاني، فإنه من [أبواب] (٣) إزالة النجاسة وأحكامها، قال: [ثم] (٤) هذا كله منهم يرده قوله ﵇: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلَّا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" (٥).
قلت: هذا الاستثناء ضعيف، ويقوي الفرق الذي ذكروه قوله ﵊: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" (٦). كما قررناه هناك.
حادي عشرها: في رواية [في] (٧) الصحيح: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول" (٨). قال القرطبي (٩): فيه حجة لمالك أنه [لا] (١٠) يتسوك فيه؛ لأنه من باب إزالة الأقذار، وغيره علله
_________________
(١) زيادة من المفهم.
(٢) زيادة من ن ب ج والمفهم.
(٣) في ن ج (باب)، وأيضًا في المفهم.
(٤) زيادة من ن ب والمفهم.
(٥) الدارقطني (١/ ٢٨). انظر: التلخيص الحبير (١/ ١٥)، وإرواء الغليل (١/ ٤٥).
(٦) أخرجه مسلم وأبو عوانة في صحيحه وأصحاب السنن، سبق تخريجه فراجعه.
(٧) في ن ب ساقطة.
(٨) مسلم (٢٨٥).
(٩) في المفهم (٢/ ٦٤٢).
(١٠) في ن ب ساقطة.
[ ١ / ٦٩٩ ]
بأنه يُخْشى أن يخرج من فيه دم ونحوه مما ينزه المسجد عنه، وهذا يبعد إذا استعمل السواك المشروع وهو أن يكون عودًا بين عودين وقد قدمنا رد هذه المقالة في باب السواك.
ثاني عشرها: قال الخطابي (١): إذا أصاب الأرض نجاسة ومطرت مطرًا عامًا كان ذلك مطهرًا لها، وكانت في معنى صب الذنوب وأكثر.
ثالث عشرها: فيه المبادرة إلى إنكار المنكر عند من يعتقده منكرًا [فإنهم] (٢) زجروا الأعرابي لكونهم اعتقدوه منكرًا فبادروا إلى منعه، لما فيه من تنزيه المسجد عن الأنجاس، لكنه فاتهم النظر إلى أن منعه وقطعه عليه يؤدِّي [إلي] (٣) الضرر به وزيادة التنجيس لمكان آخر من المسجد كما سلف، فلهذا نهاهم ﵊ عن زجره.
_________________
(١) معالم السنن (١/ ٢٢٥).
(٢) في ن ب (إنما).
(٣) زيادة من ن ب ج.
[ ١ / ٧٠٠ ]