كانت له رحلات علمية جاب خلالها كثيرًا من البقاع، وسمع فيها بدمشق والإسكندرية وبيت المقدس ومصر وبغداد وحِرَّان والموصل وأصبهان وهَمَذان وغيرها، وسافر إلى بغداد مرتين الأولى سنة ٥٦١، ومصر مرتين، وكان ارتحاله إلى دمشق وهو صغير بعد سنة خمسين وخمسمائة فسمع بها من أبي هلال، وسلمان بن علي الرحبي وأبي عبد الله محمد بن حمزة القرشي، وغيرهم. ثم رحل إلى بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة مع ابن خالته الشيخ الموفق فأقاما ببغداد أربع سنين، وكان الموفق ميله إلى الفقه والحافظ عبد الغني ميله إلى الحديث، فنزلا على الشيخ عبد القادر الجيلاني،
[ ١ / ١٢ ]
وكان يَرْعَاهُمَا ويحسن إليهما، وقرأوا عليه شيئًا من الحديث والفقه، وحكى الشيخ الموفق أنهما أقاما عنده نحوًا من أربعين يومًا ثم مات، وأنهما كانا يقرآن عليه كل يوم درسين من الفقه، فيقرأ هو من الخرقي من حفظه، والحافظ من كتاب الهداية.
قال الضياء: وبعد ذلك اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المنى وصارا يتكلمان في المسألة ويناظران، وسمعا من أبي الفتح ابن
البطي وأحمد بن المقرئ الكرخي وأبي بكر ابن النقور وهبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق وأبي زرعة وغيرهم، ثم عادا إلى دمشق.
ثم رحل الحافظ سنة ست وستين إلى مصر والإسكندرية وأقام هناك مدة سمع فيها من السِّلفي، ثم عاد إلى دمشق، ثم رحل أيضًا إلى الإسكندرية سنة سبعين وأقام بها ثلاث سنين وسمع بها من الحافظ السلفي، وأكثر عنه حتى قيل: لعله كتب عنه ألف جزء، وسمع من غيره أيضًا، وسمع بمصر من أبي محمد بن بري النحوي وجماعة، ثم عاد إلى دمشق، ثم سافر بعد السبعين إلى أصبهان وكان قد خرج إليها وليس معه إلَّا قليل فلوس، فسهل الله له مَنْ حَمَلَهُ وأنفق عليه حتى دخل أصبهان وأقام بها مدة وسمع بها الكثير، وحصّل الكتب الجيدة ثم رجع.
وسمع بهمذان من عبد الرزاق بن إسماعيل القرماني، والحافظ أبي العلاء، وغيرهما، وبأصبهان من الحافظين: أبي موسى
المديني وأبي سعد الصائغ وطبقتهما، وسمع بالموصل من خطيبها أبي الفضل الطوسي، وكتب بخطه المتقن ما لا يوصف كثرةً، وعاد إلى دمشق.
[ ١ / ١٣ ]
ولم يزل ينسخ ويصنف ويُحَدِّثُ، ويفيد المسلمين، ويعبد الله حتى توفاه الله على ذلك.
وقد جمعت فضائله وسيرته، وممن أعدها: ضياء الدين، في جزئين، وذكر فيها أن الفقيه مكي بن عمر بن نعمة المصري جمع
فضائله أيضًا.
وهكذا قطع الفيافي وجاب الأمصار بحثًا عن العلم وجهادًا في سبيله.