٤٣٢/ ١٨/ ٨٠ - عن أبي موسى عبد الله بن قيس ﵁، عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا" (١).
الكلام على هذا الحديث من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه أبو موسى الأشعري، وقد سلف في السواك.
ثانيها: هذا الحديث اتفق الشيخان أيضًا على إخراجه من حديث ابن عمر (٢) ﵁، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث أبي هريرة (٣) ﵁، وسلمة بن
_________________
(١) البخاري (٧٠٧١)، ومسلم (١٦٣)، وابن ماجه (٢٥٧٧)، والترمذي (١٤٥٩)، والسنن الكبرى (٨/ ٢٠).
(٢) رواية ابن عمر ﵄: أخرجها البخاري (٦٨٧٤)، ومسلم (٦١١)، وابن ماجه (٢٥٧٦)، والنسائي في الكبرى (٣٥٦٣)، والنسائي (٧/ ١١٧، ١١٨)، وأحمد (٢/ ٣، ١٦، ٥٣، ١٤٢، ١٥٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٨٦٨١)، والسنن الواردة في الفتن للداني (٨٦، ٨٧، ٨٨)، والطيالسي (١٨٢٨)، والبيهقي (٨/ ٢٠).
(٣) مسلم (١٦٤)، وابن ماجه (٢٥٧٥)، وأصول السنَّة لابن أبي زفين (١٧٨).
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
الأكوع (١)، ولفظه في هذا "السيف" بدل "السلاح".
ثالثها: كأن المراد بالحديث -والله تعالى أعلم- حمل على المسلمين السلاح لقتالهم، لأن فيه تخويفًا لهم وإدخالًا للرعب عليهم، فأما من حمله لإِرعاب المفسدين والمخالفين بإذن الإِمام فهو حمل لهم لا عليهم، فإن لم يقصد به القتال بل فصد أمرًا شرعيًّا كإظهار قوة الإِسلام لإِرهاب العدو وإعلامهم بقوتهم واهتمامهم بقتالهم، فهذا مندوب لا شك فيه، وإن قصد اللعب والخيلاء فمحذور، وقد يعبر عن مقصود الحمل وهو القتل، فإنه ملازم له غالبًا.
رابعها: معنى قوله ﵊: "فليس منا"، أي: ليس على مثلنا، أو ليس على طريقتنا، ولا مهتديًا بهدينا، لا أن ذلك يخرجه عن الإِسلام، اللهم إلَّا أن يستحل ذلك، فيكفر باستحلال المحرم، لا يحمل السلاح، وكذلك كلما جاء من هذا المعنى، فهذا تأويله مثل [(٢)]: "من غشنا فليس منا" (٣)، وقوله: "ليس منا من لطم
_________________
(١) مسلم (٩٩)، وأحمد (٤/ ٤٥، ٤٦)، والبغوي (٢٥٦٥)، والطبراني (٦٢٤٢، ٦٢٤٩، ٦٢٥١).
(٢) في الأصل زيادة (من)، ولا محل لها هنا.
(٣) مسلم (١٠٢)، وابن ماجه (٢٢٣٤)، والترمذي (١٣١٥)، والإِيمان لابن منده (٥٥٠، ٥٥٢)، والبغوي (٢١٢٠، ٢١٢١)، والبيهقي (٥/ ٣٢٠)، وأبو داود (٣٤٥٢)، وأبو عوانة (١/ ٥٧). قوله: "من غشنا فليس منا" وفي رواية: "من غشني فليس مني"، قال البغوي -رحمة الله علينا وعليه-: لم يرد به نفيه عن دين الإِسلام، إنما =
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
الخدود" (١) وغير ذلك في أحاديث كثيرة، وقد نقل عن السلف أنهم قالوا في مثل هذا الحديث وأشباهه أن الأولى إطلاق لفظه، كما أطلقه الشارع من غير بيان، ولا تأويل، لأن إطلاقه أبلغ في الزجر، وأوقع في النفوس من التأويل.
خامسها: الحديث دال على تحريم قتال المسلمين وتغليظ الأمر فيه، وعلى حمل السلاح لغير مصلحة شرعية، وقد نهى الشارع عن تعاطي السيف مسلولًا، وأمر بالإِمساك على النصال (٢) ومنع من الإِشارة بالحديد ونحوه خوف نزع الشيطان من يده إلى أخيه المسلم (٣). وكل ذلك دليل على احترام المسلم، وتعاطي الأسباب
_________________
(١) = أراد أنه ترك اتباعي، إذ ليس هذا من أخلاقنا رأفعالنا، أو ليس هو على سنتي وطريقي في مناصحة الأخوان، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك، يريد به الموافقة والمتابعة، قال الله ﷾ إخبارًا عن إبراهيم ﵇ "فمن تبعني فإنه مني" والغش نقيض النصح، مأخوذ من الغشش، وهو المشرب الكدر. اهـ. محل المقصود منه.
(٢) البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣)، وابن ماجه (١٥٨٤)، والترمذي (٩٩٩)، والنسائي (٤/ ٢٠)، والبيهقي (٤/ ٦٣، ٦٤)، والبغوي (٥١٣٣)، وابن الجارود (٥١٦)، وأحمد (١/ ٣٨٦، ٤٣٢، ٤٤٢، ٤٥٦، ٤٦٥).
(٣) ولفظ النهي من حديث جابر ﵁ قال: نهى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أن يتعاطى السيفُ مسلولاّ، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.
(٤) ولفظ من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال "لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزعُ في يده، فيقع في حفرة من النار" متفق عليه. =
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
الحاملة على أذاه لكرامته عنده وتعريف [مقامه] (١).
_________________
(١) = وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: "من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه". قوله - ﷺ -: "ينزع"، قال النووي -رحمنا الله وإياه- في رياض الصالحين (٦٠٣)، ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي، وبالغين المعجمة مع فتحها ومعناهما متقارب، ومعناه بالمهملة يرمى، وبالمعجمة أيضًا يرمى ويفسد، وأصل النزع: الطعن والفساد. اهـ.
(٢) في الأصل (معانيه)، وما أثبت من ن هـ.
[ ١٠ / ٣٧٩ ]