٤٣٥/ ١٢/ ٨١ - " عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: من أعتق شقصًا من مملوك فعليه خلاصه [كله] (١) في ماله، فإن لم يكن له مال، قُوِّم المملوك قيمة عدل، ثم استسعى [العبد] (٢) غير مشقوق عليه" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: لفظ "الاستسعاء" مختلف فيه بين الرواة، فمنهم من فصله من الحديث، وجعله من رأي قتادة.
قال الدارقطني: رواه شعبة وهشام عن قتادة، وهي أثبت فلم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام ففصل الاستسعاء من الحديث،
وجعله من رأي قتادة. قال: وعلى هذا أخرجه البخاري وهو الصواب.
_________________
(١) في ن هـ ساقطة، ومتن العمدة.
(٢) زيادة من إحكام الأحكام ومتن العمدة.
(٣) البخاري (٢٤٩٢)، ومسلم (١٥٠٣)، والنسائي في الكبرى (٣/ ١٨٥، ١٨٦)، والترمذي (١٣٤٨)، وأبو داود (٣٩٣٤، ٣٩٣٨)، وابن ماجه (٢٥٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٢٦، ٤٧٢، ٥٣١)، والحميدي (١٠٩٣)، والبغوي (٢٤٢٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢٠١)، وعبد الرزاق (٩/ ١٥٢).
[ ١٠ / ٤١٣ ]
قال الدارقطني (١): وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام، وضبطه، [بفصل] قول قتادة عن الحديث.
ونقل القاضي (٢): عن الأصيلي وابن القصار وغيرهما أن من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها، ولأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر. وقال ابن عبد البر (٣): الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها. وقال غيره (٤): قد اختلف فيها عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ذكرها، وتارة لم يذكرها، فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره.
وقال الشيخ تقي الدين (٥): هذا الحديث قد أخرجه الشيخان في صحيحيهما، وحسبك بذلك، فقد قالوا: إن ذلك أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات، لا تصبر على النقد، ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث، يرد عليهم فيها مثل تلك التعللات.
_________________
(١) سنن الدارقطني (٤/ ١٢٧) وما بين القوسين في السنن (وفصل) العلل للدارقطني (٢٠٣١).
(٢) إكمال إكمال المعلم (٤/ ١٥٦).
(٣) التمهيد (١٤/ ٢٧٣)، والاستذكار (٢٣/ ١٢٠). تبيه في إكمال إكمال المعلم (٤/ ١٥٦)، خطأ ونصه (إذ ليست في الأحاديث الآخر من رواية أبي عمر بن عبد البر)، والصواب (ولأنها ليست في الأحاديث الآخر من رواية ابن عمر. وقال ابن عبد البر) فلتصحح. هكذا في إكمال المعلم (٥/ ٩٨).
(٤) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ١٥٦).
(٥) إحكام الأحكام (٤/ ٥٦٦).
[ ١٠ / ٤١٤ ]
ثانيها: "الشقص" بكسر الشين وفتحها. والشقيص بزيادة ياء ثلاث لغات: النصيب، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. وصوّب بعضهم زيادة الياء، وكلاهما صواب.
ثالثها: "المملوك" يتناول الذكر والانثى وقد يتعسف متعسف، ويقول: لا يطلق على الأنثى. نعم هو أولى من لفظ "عبد"، على أن بعض الناس (١) أدعى أن لفظ "العبد" يتناول الذكر والأنثى، وقد نقل "عبد وعبده".
رابعها: قوله ﵊ "فعليه خلاصه"، قد يشعر بأنه لا يسرى بنفس العتق، لأنه لو أعتق بنفس العتق سراية لتخلص على هذا التقدير بنفس العتق. واللفظ يشعر باستقبال خلاصه، إلَّا أن يقدر محذوف أي: فعليه عوض خلاص، ونحوه.
خامسها: قوله "فعليه خلاصه" كل هذا يراد به: الكل من حيث هو كلُّ، أعني لكل المجموعي لأن بعضه قد تخلص بالعتق السابق، والذي يخلصه كله من حيث هو كل هو تتمة عتقه.
سادسها: قوله: "في ماله" يرد به على من يقول: إنه يعتق من بيت مال المسلمين، وهو ابن سيرين، فإن إضافة المال إلى السيد المعتق ينافي بيت مال المسلمين.
سابعها: قد يستدل به من يقول: إن الشريك الذي لم يعتق أولًا ليس له أن يعتق بعد [عتق] (٢) الأول إذا كان الأول موسرًا، لأنه
_________________
(١) أي ابن حزم، وانظر: (المحلى).
(٢) زيادة من إحكام الأحكام.
[ ١٠ / ٤١٥ ]
لو [أعتقه] (١) ونفذ، لم يحصل الوفاء يكون خلاصه من ماله. لكن يرد عليه لفظ [(٢)] الحديث [الذي قبله] (٣) [فإنه] (٤) من لوازم عدم [صحة] (٥) عتقه [في] (٦) أنه يسري بنفس العتق ويبقى النظر في الترجيح بين هذه الدلالة والتي قدمناها من قوله: "قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد" فإن ظاهره ترتيب العتق على إعطاء القيمة، فأي الدليلين كان أظهر عُمِلَ به.
ثامنها: قوله "فعليه خلاصه كله في ماله" يقتضي عدم استسعاء العبد عند يسار المعتق.
تاسعها: قوله: "فإن لم يكن له مال" ظاهره: النفي العام للمال، والمراد به المال الذي يؤدي إلى خلاص المملوك.
عاشرها: معنى الاستسعاء عند [جمهور]. القائلين به: أن العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق.
فمعنى قوله: "استسعى" ألزم السعي فيما يَفُك به بقية رقبته من الرق. وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من الرق. وتتفق الأحاديث على هذا.
_________________
(١) في المرجع السابق (أعتق).
(٢) في المرجع السابق (ذلك).
(٣) غير موجودة في المرجع السابق.
(٤) في المرجع السابق (فإن كان).
(٥) زيادة من هـ والمرجع السابق.
(٦) في هـ (بالواو)، والمرجع السابق غير موجودة.
[ ١٠ / ٤١٦ ]
الحادي عشر: قوله: "غير مشقوق عليه" أي لا يكلف المملوك ما يشق عليه في السعابة.
الثاني عشر: فيه جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء.
الثالث عشر: أنه إذا كان له مال يلزم خلاص باقيه من ماله.
الرابع عشر: أنه إذا لم يكن له مال واستسعى العبد فيما يفك به رقبته أنه لا يكون سعيًا شاقًا على العبد، بل يعمل فيه بالاجتهاد والظن الراجح، كما قلنا في القيمة.
الخامس عشر: تعظيم حق العتق، وأنه مطلوب مؤكد للشرع.
السادس عشر: استسعاء العبد عند عسر المعتق، وتقدم الاختلاف فيه في الحديث قبله. والمخالفون في الاستسعاء يعارضونهم بالحديث السالف "وإلَّا فقد عتق منه ما عتق". قال الشيخ تقي الدين (١): والنظر بعد الحكم بصحة الحديث منحصر في تقديم [أحد الدليلين] (٢) على [الآخر] (٣) أعني دلالة قوله: "عتق منه ما عتق" على رق الباقي. ودلالة ["الاستسعاء"] (٤) على لزومه في هذه الحالة، والظاهر ترجيح هذه الدلالة على الأولى.
_________________
(١) إحكام الأحكام (٤/ ٥٦٨).
(٢) في المرجع السابق (إحدى الدلالتين).
(٣) في المرجع السابق (الأخرى).
(٤) في المرجع السابق (استسعى).
[ ١٠ / ٤١٧ ]
[. . .] (١)