مقدمة ابن هبيرة لكتابه "الإفصاح"
بسم الله الرحمن الرحيم (صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه):
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وعلى آل محمد الطاهرين؛ ورضي الله عنه الصحابة والتابعين.
أما بعد:
فإني كنت شديد العزم إلى رواية كتاب يشتمل على أحاديث رسول الله - ﷺ - المشهود لها بالصحة من علماء الأحاديث، وأن نذكر فقه الحديث أيضا في ذلك الكتاب ولاسيما [ما عدا] ما قد فرغ العلماء منه: كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والبيوع، والرهن، والإجازة؛ وغير ذلك من أبواب الفقه التي يشير الناس إليها، مما استقرت فيه المذاهب، وانتهت إليه الأمور؛ بل فيما عدا ذلك؛ لأنه قد تشتمل الأحاديث على الأمور المهمة والشؤون اللازمة في الدين، وفيما يرجع إلى العبادات والإخلاص فيها والآداب لها، وغير ذلك من أعمال الآخرة وتزكية النفوس؛ فجعلت أتتبع الكتاب المسطورة في هذا، وأرى كلا من العلماء قد أتى بغرض قصده وأوفض إليه، إلا أنه لم أجد في ذلك كتابا حاويا لما كانت تتطلع إليه نفسي حتى أتيت بكتاب
[ ١ / ٣٩ ]
(التمهيد) لابن عبد البر الأندلسي ﵀؛ فرأيت كتابا نفيسا، إلا أنه اقتصر فيه على الأحاديث المروية في الموطأ عن مالك ﵁، على أنه في بعض الأماكن لم يستقص كل ما في نفسي، وفي بعض الأماكن أفرط شيئا وأكثر على شرح خلاف الفقهاء المفروغ منه.
ثم إني رأيت إجماع المسلمين على الكتابين الصحيحين اللذين انتدب لتخريجهما الإمامان الكبيران: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، وأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، وأنه لا كتاب في الحديث على الإطلاق يفضل عليهما، فرأيت أن أجعلهما مستندا لما أقصده مما ذكرته. وكان قد انتدب (٢/ ب) أبو عبد الله محمد بن أبي نصر
[ ١ / ٤٠ ]
الحميدي ﵀، للجمع بين هذين الكتابين في كتاب سماه (الجمع بين الصحيحين) أحسن في تألفه، وربته على أسماء الرجال. وكنت قد سمعته على الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الهروي في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بالدور عن الحميدي المصنف ﵀، سماعا له منه في سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وقد ذكر الحميدي إسناده في هذين الصحيحين في آخر الكتاب، فقال: (فأما إسنادنا في هذين الكتابين، فقد روينا كتاب الإمام أبي عبد الله البخاري بالمغرب عن غير واحد من شيوخنا بأسانيد مختلفة تتصل بأبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري، ثم قرأته بمكة- أعزها الله تعالى- على المرأة الصالحة كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزي غير
[ ١ / ٤١ ]
مرة لعلو إسنادها فيه؛ كما قرأناه على أبي ذر عبد بن أحمد الهروي عن أبي الهيثم محمد بن المكي بن محمد بن زراع الكشميهني عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفربري عن البخاري رحمة الله عليه.
وأما كتاب مسلم فسمعناه بالفسطاط قراءة على الشيخ الصالح أبي عبد الله بن الفرج بن عبد الولي الأنصاري، وهو روايته عن أبي العباس أحمد بن الحسن الحافظ الرازي، سمعه منه بمكة سنة ست وأربعمائة، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه بن منصور الجلودي، قال: حدثنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، قال:
[ ١ / ٤٢ ]
سمعته من الإمام مسلم بن الحجاج. على أننا لم نغفل النظر في كتاب كريمة لروايتنا ذلك عنها، ولا في كتاب أبي ذر الهروي لسماعنا ذلك عنه من أبي مروان عبد الملك بن سليمان الخولاني، وأبي الفتح أصبغ بن راشد بن أصبغ اللخمي عنه، وفيما أخبرونا به عن البرقاني، وفي (٣/ أ) نسخة مسلم المقروءة على شيخنا أبي عبد الله بن الفرج الأنصاري، وأمعنا النظر في ذلك في كل نسخة وجدناها من النسخ في ذلك كله، وأثبتنا منها ما رأينا أنه ينتفع الناظر فيه، ولا توفيق إلا بالله ﷿!! هذا آخر ما ذكره الحميدي من الإسناد. قال يحيى بن محمد: وقد حدثنا الصالح أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي ﵀ بجميع كتاب الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري ﵁ من أوله إلى خاتمته؛ قراءة عليه. ونحن نسمع ببغداد في مجالس آخرها يوم السبت التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
[ ١ / ٤٣ ]
قيل له: أخبركم الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهيل بن الحكم الداودي قراءة عليه، وأنت تسمع في شوال وذي القعدة من سنة خمس وستين وأربعمائة؟ فأقر به. وقال: نعم، مرارا.
قال حدثنا الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه بن أحمد بن يوسف بن أعين السرخسي قراءة عليه، وأنا أسمع في صفر، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري قراءة عليه وأنا أسمع بفربر سنة ست عشرة وثلاثمائة، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري ﵁، فذكر الكتاب.
وسماع الفربري لهذا الكتاب من البخاري مرتين: مرة بفربر في سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخاري في سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
وهذا الكتاب رزقناه بحمد الله سبحانه من هذا الطريق عاليا، وهو من أحسن الطرق مع علوه؛ فإن الحميدي قد قرأه على كريمة مغتنما لعلوها فيه، وكأننا سمعنا من الحميدي وممن قبله من الأشياخ: كأبي بكر الخطيب،
[ ١ / ٤٤ ]
والشريف أبي الحسين (٣/ ب) بن المهتدي وتشافهنا به، وقد توفيا، أعني الخطيب وابن المهتدي، بعد الستين والأربعمائة جميعا، الخطيب سنة ثلاث وستين، وابن المهتدي سنة خمس وستين، إذ شيخنا مساوٍ لهما في الرواية.
وأما كتاب مسلم فأنبأ الشريف الزاهد: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسي المكي قراءة عليه، ونحن نسمع في مجالس آخرها في شعبان من سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة من أوله إلى أثناء كتاب الصلاة إلى الحديث الذي هو عن سهل بن سعد الساعدي أنه كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة: إلى هنا انتهى السماع منه. وأخبرنا بباقي الكتاب إجازة، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري قراءة عليه، وأنا أسمع بمكة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة قال حدثنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي قراءة عليه وأنا أسمع قال حدثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه بن منصور الجلودي قراءة عليه وأنا أسمع قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان قال: سمعت مسلم بن الحجاج أبا الحسين الإمام، فذكر الكتاب.
[ ١ / ٤٥ ]
وأخبرنا بكتاب مسلم الصحيح أيضا، الشيخ الفقيه أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري ﵀ مناولة لي من يده إلى يدي سنة خمس وعشرين وخمسمائة مجيزا لي بإسناده، قال:؛ حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد صباغ الأصبهاني ثم النيسابوري بقراءاتي عليه بأصبهان في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وأربعمائة من أول الكتاب إلى آخر الجزء الخامس والعشرين من أجزاء الأصل إلى حديث النبي - ﷺ - أنه كان يقول: (اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) آخر باب ما كان النبي - ﷺ - يقول يوم أحد: (كذا في الأصل يوم أحد).
قال شيخنا سعد الخير الأنصاري ومن هنا إلى آخر الكتاب حدثنا به (٤/ أ) أبو الحسن المذكورة إجازة، قال: حدثنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي بقراءة حسين بن أحمد السمرقندي في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة.
قال: حدثنا أبو أحمد الجلودي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: سمعت الإمام أبا الحسين مسلم بن الحجاج يقول، فذكر الكتاب.
وقد أخبرتنا الشيخة فاطمة أم الخير بنت علي بن الحسين العجلانية في كتابها من نيسابور قالت: إن أبا الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر
[ ١ / ٤٦ ]
الفارسي أخبرها قراءة عليه وهي تسمع في سنة كذا فرأيت أن استقرئ الأحاديث من كتاب الحميدي إذ أراحني ﵀ بتعبه وفرغني بدأبه، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٧ ]
صفحة فارغة
[ ١ / ٤٨ ]
١