كلمة موجزة في ترجمة أبي هريرة ﵁
وأخلاقه وما أخرج له من الأحاديث
* (الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله - ﷺ -،أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحفاظ الأثبات.
*اختلف في اسمه على أقوال جمة، أرجحها: عبد الرحمن بن صخر، والمشهور عنه أنه كني بأولاد هرة برية. قال: وجدتها، فأخذتها في كمي، فكنيت بذلك.
*حمل عن النبي - ﷺ - علما كثيرا طيبا مباركا فيه-لم يلحق في كثرته-، وعن أبي بكر، وعمر، وأسامة، وعائشة، وأبي بن كعب، والفضل، وبصرة بن أبي بصرة ).
*حدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، فقيل: بلغ عدد أصحابه ثمان مئة، واقتصر جمال الدين المزي فذكر من له رواية عنه في كتب الأئمة الستة.
*كان أبو هريرة رجلا آدم، بعيد المنكبين، أفرق الثنيتين، ذا ضفيرتين، لحيته حمراء، يختضب.
*أسلم أبو هريرة على يدي طفيل بن عمر الدوسي.
[ ٦ / ٣٥ ]
*هاجر إلى المدينة، فعلم أن الرسول - ﷺ - خرج لخيبر، فخرج إليها ووصل خيبر بعد الفتح، وفرت عينه برؤية خاتم النبيين - ﷺ -، واطمأن قلبه بهذا الدين، وأثنى عليه الرسول - ﷺ - لما رأى من حرصه الشديد وطموحه بملازمته ودعا له.
*خرجت أمه-ميمونة بنت صبيح-معه إلى المدينة وهي مشركة، وكان أبو هريرة يخدمها ويدعوها إلى الإسلام وهي ترفض، وتسب النبي - ﷺ -، وكان أبو هريرة لا يهدأ باله بما يراه من أمه، حتى دخل يوما من الأيام على النبي - ﷺ - مغموما محزونا ملتجئا إليه أن يدعو الله ﷿ أن يدخل الإيمان في قلب أمه، فدعا لها النبي - ﷺ -، فقال: (اللهم اهد أم أبي هريرة)، فلما وصل أبو هريرة إلى داره قالت له أمه: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فرجع إلى رسول الله - ﷺ - يبكي من الفرح، ويقول: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمي. وقال: ادع الله أن يحببني وأمي إلى عبادة المؤمنين، فقال الرسول - ﷺ -: (اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحببهم إليهما).
قال ابن كثير، وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس؛ وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من رواته من أراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة والإمام على المنبر،
[ ٦ / ٣٦ ]
وهذا من تقدير الله العزيز العليم ومحبة الناس له ﵁.
*وكان بارًا بأمه؛ اشتد الجوع بأبي هريرة وآخرين، فدخلوا على رسول الله - ﷺ -، وأخبروه، فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل تمرتين، وقال: (كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليها من الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا)، فأكل أبو هريرة تمرة، وخبأ الأخرى، فقال له رسوله الله - ﷺ -: (لم رفعتها؟) قال: لأمي، قال: (كلها، فسنعطيك لها تمرتين).
*اتخذ أبو هريرة الصفة مسكنا له طول عمر النبي - ﷺ - ولم ينتقل عنها، وكان يتولى شئون من سكن الصفة من القاطنين، ومن نزلها من الطائرتين.
*لزم أبو هريرة رسول الله - ﷺ - أربع سنوات من فتح خيبر إلى وفاة الرسول - ﷺ - مخلصًا لله ولرسوله- وحريصا على التلقي والتعليم
[ ٦ / ٣٧ ]
والحفظ عن رسول الله - ﷺ -.
وقد قال الرسول - ﷺ -: (ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟) قال أبو هريرة: أسألك أن تعلمني مما علمك الله)، وعن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: (لقد ظننت يا أبا هرة لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من نفسه).
*وعن أبي هريرة قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثله! وإن إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكان إخواتي من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرًأ مسكينًا من مساكين الصفة، ألزم رسول الله - ﷺ - على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال رسول الله - ﷺ - في حديث يحدثه يومًا: (إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثم يجمع إليه ثوابه، إلا وعى ما أقول). فبسطت نمرة عي، حتى إذا قضى مقالته، جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله - ﷺ - تلك من شيء.
وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه؟ قال: (ابسط ردائك) فبسطته، قال: فغرف بيديه، ثم قال:
[ ٦ / ٣٨ ]
(ضمه)، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده.
قال شمس الدين الذهبي: احتج المسلمون قديما وحديثا بحديثه؛ لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ويقول: (افت يا أبا هريرة ). وأشاف الذهبي: وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعه علمه، لقد كان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة.
*وقد استعمل عمر بن الخطاب أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله، وعدو كتابه؟، فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطيه تتابعت، فنظروا، فوجدوه كما قال.
فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليوليه، فأبى. فقال: تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرا منك: يوسف ﵇، فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة. وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال: فهلا قلت: خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.
وهذه الوقائع تدل على صدقة وكريم أخلاقه وشجاعته.
[ ٦ / ٣٩ ]
*وكان أبو هريرة من العلماء العاملين بما عمروا؛ يكثر العبادة والذكر وإكرام الضيف. قال عثمان النهدي: تضيفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل ثلاثًا يصلي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا. قالت: يا أبا هريرة كيف تصوم، قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا.
وعن الطفاوي قال: نزلت على أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر من أصحاب رسول الله - ﷺ - رجلا أشد تشميرًا ولا أقوم على ضيف من أبي هريرة.
*مات أبو هريرة -في الراجح- سنة سبع وخمسين من الهجرة النبوية عن ست وسبعين سنة.
*مسنده خمسة آلاف وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ست مئة وتسعة أحاديث.
ونختم هذه الكلمة الموجزة بقول الذهبي عن أبي هريرة: (هو رأس في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه).
[ ٦ / ٤٠ ]