-٢٠٧١ -
(٢/أ) الحديث الثالث والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: لا أزال أحبُّ بني تميم، بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله - ﷺ - يقولها فيهم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (هم أشد أمتي على الدجال)، قال: وجاءت صدقاتهم فقال النبي - ﷺ -: (هذه صدقات قومنا) قال: وكان سَبيَّةُ منهم عند عائشة ﵂، فقال رسول الله - ﷺ -: (أعتقيها؛ فإنها من ولد إسماعيل).
وفي رواية: (ثلاث خصال سمعتهن من رسول الله - ﷺ - في بني تميم لا أزال أحبهم بعده: كان على عائشة ﵂ مُحَرَّر، فقال النبي - ﷺ -: (أعتقي من هؤلاء).
وجاءت صدقاتُهُم فقال: (هذه صدقات قومي).
وقال: (وهم أشد الناس قتالًا في الملاحم) ولم يذكر الدجال)]
* في هذا الحديث ما يدل على فضل بني تميم. وهو تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان.
[ ٧ / ٥ ]
فهم يجتمعون مع رسول الله - ﷺ - في إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان؛ لأنه وصفهم بخصال ثلاث:
* أما الأولى: فهم أشد الأمة على الدجال، فهذا يدل على شجاعتهم، وثبات إيمانهم في آخر الزمان عند تزلزل إيمان الناس.
* والثانية: أنه لما جاءت صدقاتهم قال النبي - ﷺ -: (هذه صدقات قومنا)؛ لأنه يجمعه إياهم ما ذكرنا من النسب.
* وأما قوله لعائشة في السبية التي كانت عندها منهم: (أعتقيها، فإنها من ولد إسماعيل) فإنه صدق - ﷺ - لأن عدنان هو أبن أدبن أدد بن اليسع بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيذار بن إسماعيل على اختلاف في ذلك بين أهل النسب، إلا أنهم يجتمعون على أن عدنان من ولد إسماعيل، وإنما يختلفون في عدد الآباء إلى (٢/ب) إسماعيل فقط؛ لأنه تكرر في هذا الحديث ذكر النسب، وما يتعلق بعلمه في قوله - ﷺ - في صدقات بني تميم، هذه صدقات قومنا لما جاءته صدقاتهم.
* وقوله - ﷺ - لعائشة ﵂ في السبية التي كانت عندها منهم: (أعتقيها؛ فإنها من ولد إسماعيل).
وقول أبي هريرة: لا أزال أحب بني تميم) أي لما قال رسول الله - ﷺ - من
[ ٧ / ٦ ]
قوله: (بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله - ﷺ - يقولها فيهم)، ذكر خصلتين من الثلاث في ذكر الصدقات والسَبيَّة وهما متعلقان بالنسب، فإذًا والحال هذه فقد اقتضى ذكر نسب سيدنا رسول الله - ﷺ - ـ، ذكر أصول القبائل التي تلقاه من قريش وغيرها، ويتصل بنسبة الشريف، وتنفصل؛ ليوقف على ذلك مختصرًا ملخصًا مُوشحًا بنكت لا يليق بذي دين وعلم جهلها، ولا يحسن بمسلم على الإطلاق عدم المعرفة بها، إذ معرفة الطالب بخواص مطلوبه ونسبه، والصاحب بمصحوبة ورغبته في تعرف ذلك وتعريفه دال على صدقه في طلبه وصحبته، وضد ذلك مشيرًا إلى ضده، فكيف بهادي الهداة وإمام الأئمة، وسيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء - ﷺ -.
وبمعرفة ذلك أيضًا تعرف وشائج الإنسان، وتوصل الأرحام، ويقع الميز بين ذي السطة منهم والبعيد، ويتحقق بالشرف منهم: من ولده فهر بن مالك، إذ من لم يلده فهر، فليس من قريش، هذا هو القول المجتمع عليه عند علماء السيرة ومحققي النسابين، أن قريشًا الذين أشار إليهم النبي - ﷺ - في غير ما حديث في هذا الكتاب الصحيح، مما قد مضى ومما سيأتي: (أنهم ولاة هذا
[ ٧ / ٧ ]
الأمر وأن الناس أبتاعهم) إلى غير ذلك من ما أبد لهم من ولده: فهر بن مالك، وأنهم قريش دون سائر الناس من بني كنانة بن خزيمة؛ إذ أولئك (٣/أ) ممن لم يدله فهر، فلا يقال لهم وإنما ينسب إلى أنه من غير الآباء، هذا قول الأكثرين منهم كالزبير بن بكار وغيره، وأن منتهى من يقع عليه اسم قريش من ولده فهرٌ.
وقال آخرون منهم: من لم يلده النضر بن كنانة فليس من قريش، وأن منتهى جماع قريش هو النضر بن كنانة.
والقول الأول: أظهر وأكثر، وهذا أعم منه، وإن كان القولان يرجعان إلى قول واحد؛ لأنه ليس بين فهر والنضر إلا مالك، ومالك لم يبق له عقب إلا من فهر فيما أعلم.
* فلنذكر الآن أصولًا موجزة من علم النسب مقدمة بين يدي المصطفى - ﷺ - لتكون مقربة للعلم بما يحتاج إليه من ذلك، إذ معرفة القبائل والأنساب لا بد لها من أصل تُردُ إليه، وعلم يهّدى إليه، فنقول والله الموفق:
إن العرب على ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخد،
[ ٧ / ٨ ]
وفصيلة، وما بينها من الآباء يعرفها أهلها.
قال الله ﷿: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، وقال ﷿: ﴿يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (١١) وصاحبته وأخيه (١٢) وفصيلته التي تؤويه﴾.
* وفي هذا الكتاب في حديث جابر عن النبي - ﷺ -: (جعل على كل بطن عقوله).
وفي الحديث في تفسير قوله ﷿: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾. قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي - ﷺ - منهم قرابة.
وفي حديث آخر لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا قومه ففخدهم فخدًا فخدًا.
[ ٧ / ٩ ]
وقال الأخنس بن شهاب التغلبي:
لكل أناس من معد عمارة عروض إليها يلجأون وجانب
ومثال ما ذكرن من الطبقات الست: أن مضر شعب، وكنانة (٣/ب) قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخد، وبني العباس فصيلة، وعلى ذلك فقس.
* وإنما سميت الشعوب شعوبًا، لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل قبائل؛ لأن العمارة تقابلت عليها، فالشعب تجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاد، والفخد يجمع الفصائل.
* واختلف النسابون بعد إجماعهم على ما وصفنا من قبل؛ لم سميت قرش قريشًا:
فقال الزبير عن عمه هو: قريش بن بدر بن يخلد بن النضر، كان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال: (قدمت عير قريش)؛ فسميت قريش به، وأبوه بدر بن يخلد، صاحب بدر، الموضع الذي لقي فيه رسول الله - ﷺ - قريشًا،
[ ٧ / ١٠ ]
وذكره الله في القرآن فقال: ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ الآية.
وقال الزبير: وقال غير عمي: إنه هو قريش بن الحارث بن يخلد، وابنه بدر الذي سميت به بدر، وهو احتفرها.
وقال الزبير: وقال غير عمي: إنه هو قريش بن الحارث بن يخلد، وابنه بدر الذي سميت به بدر، وهو احتفرها.
وقال الزبير: وقد قالوا: إنما قريش هو اسم فهر بن مالك، وإنما فهر لقب كانت أمه تنبزه به؛ كما يسمى الصبي: غرارة وشملة وغير ذلك، وحكى هذا القول عن جماعة من علماء السير منهم: ابن شهاب الزهري، وناهيك به إمامًا
وقال الشعبي: إن النضر بن كنانة هو قريش، وإنما سمي قريشًا لأنه كان يقرش عن خُلة الناس وحاجتهم، فيسد ذلك بماله، والتقريش: هو التفتيش، وكان بنوه يقرشون الناس في الموسم عن الحاجة، فيرفدونهم بما يبلغهم، فسموا بذلك من قبلهم، وقرشهم: قريشًا.
قال الحارث بن حلزة في بيان القرش أنه التفتيش:
أيها الناطق المقرش عنا عند عمرو فهل لذاك إبقاء
[ ٧ / ١١ ]
وهذا فهو أظهر الوجوه فيما أرى. وقد قيل في ذاك غير (٤/أ) هذه الأقوال.
* وإسماعيل ﵇ أول من نطق العربية، ألهمه الله ﷿ ذلك إلهامًا، ولم ينطق بها غيره قبله ولم ينطق بلسانه.
* ولم يختلف العلماء كافة على أن نزارًا بأسرها، وهي مضر وربيعة هي الصحيح الصريح من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵇.
* وأجمع العلماء بالأنساب والأخبار وسائر الخبراء في الأنساب بالأمصار إجماع تواتر، ونقل كافة عن كافة أن نبينا وسيدنا أبا القاسم المصطفى - ﷺ -:
[ ٧ / ١٢ ]
خيرة الله سبحانه من خلقه، وخلاصته من عباده، وسيد ولد آدم من النبيين والمرسلين والخلق أجمعين من الملائكة المقربين وأهل السموات والأرضين - ﷺ - تسليمًا هو:
* محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلام بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا ما لم يختلف فيه أحد ولم يقع فيه نزاع.
وقد نسب نفسه - ﷺ - كذلك فيما أخبرناه أبو غالب أحمد بن الحسين بن البناء كتابة أن أبا محمد بن الحسن علي المقنعي أنبأهم قال: أخبرنا أبو عمر بن العباس الجزار عن علي الطيب الكوكبي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن أبي جعد الوراق قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن إسحاق المسيبي قال: علي عن أبي ذؤيب عن أبي الجهم عن عمرو بن العاص أن رجلًا قال لامرأة من بني هاشم: إنما مثل رسول الله - ﷺ - كمثل سدرة نبتت في
[ ٧ / ١٣ ]
كبا فقال رسول الله - ﷺ -: الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر، ورأينا وجهه أن يتوقد توقد من الغضب حتى رضي من الناس ثم قال: (إن الله اختار العرب على الناس، واختار قريشًا على العرب، واختارني على من أنا منه، فأنا محمد بن (٤/ب) عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر ابن كنانة)، ثم قال: من قال غير ذلك فقد كذب).
* وأمه - ﷺ - آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، تزوجها عبد الله بن عبد المطلب، وهو ابن ثلاثين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة، خرج به أبوه عبد المطلب إلى وهيب بن عبد مناف، وآمنة كانت في حجره فخطب إليه أبو هالة بنت وهيب بن عبد مناف لنفسه، وخطب على ابنه عبد الله ابنة أخيه آمنة بنت وهب، فزوجه وزوج ابنه في مجلس واحد، فولدت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة لعبد الله: رسول الله - ﷺ -، وولدت هالة لعبد المطلب: حمزة فأرضعت ثويبة جارية أبي لهب رسول الله - ﷺ - وحمزة بن عبد المطلب وأبا سلمة بن عبد الأسد ﵄، فهم أخوة من الرضاعة.
وفي ذكر آمنة يقول الشاعر:
صلى الإله على ابن آمنة الذي جاءت به سمح البنان كريمًا
[ ٧ / ١٤ ]
يا أيها الرجوان منه شفاعة صلوا عليه وسلموا تسليمًا
وأمهاته: برة بنت عبد العزى بن عبد الدار بن قصي، وأمها: أم حبيب بنت أسد بن عيد العزى بن قصي، وأمها: برة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، وأمها: أميمة بنت مالك بن غنم بن لحيان حنش بن عادية بن صعصعة بن كعب بن طابخة بن لحيان بن هذيل.
وأبو قلابة: أقدم من قال الشعر في هذيل، ومن قوله:
إن الرشاد وإن الغي في قرن بكل ذلك يأتيك الجديدان
لا تأمنن وإن أصبحت في حرم إن المنايا بجنبي كل إنسان
وأمها: دبة، وقيل: دب بنت الحاث بن تميم بن سعد بن هذيل، أخت عمرو، وكاهل ابني الحارث بن تميم.
وأمها لبنى بنت الحارث بن النمر بن (٥/أ) بن جرءة بن أسيد بن عمرو بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار.
* أما جداته من قبل آبائه - ﷺ - فمعروفات مشهورات تركنا ذكرهن
[ ٧ / ١٥ ]
اختصارًا، فهذا نسبه - ﷺ - من قبل أبيه وأمه إلى معد بن عدنان، وهو المجتمع عليه.
* فأما بن بين عدنان وإسماعيل بن إبراهيم ﵉، وبين إبراهيم ﵇ وبين سام بن نوح، وبين نوح وآدم ﵉ اختلاف كثير.
قال الله ﷿: ﴿وقرونا بين ذلك كثيرا﴾.
قال ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس: من معد بن عدنان إلى إسماعيل ثلاثون أبًا. ذكره الزبير وغيره، ثم قال: وهذا الإسناد وإن كان كما ترى إلا أنه عمن علم الأنساب صناعته.
وقد روى أيضًا عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان إذا انتهى إلى عدنان في النسب أمسك، ثم يقول: كذب النسابون، قال الله: ﴿وقرونا بين ذلك كثيرًا﴾.
وروى عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: ﴿وعاد وثمود والذين من
[ ٧ / ١٦ ]
بعدهم لا يعملهم إلا الله﴾ كذب النسابون.
قال الزبير وغيره من علماء النسب: إنهم وإن كانوا اختلفوا فيما بين هذه الآباء من الأسماء فقد اتفق جلهم على عدد الآباء، وإنما اختلفوا في كيفية الأسماء لكونها أعجمية.
وقد عرب بعضها، ونقل بعضها إلى غير ذلك مما يعلمه الله ﷾، ولم يختلفوا في الأصول الجامعة.
وقد رويت لنا الأسماء على اختلافهم فيها فلم نر ذكرها اكتفاء في ذلك بما قال المصطفى - ﷺ -، ووقوفًا في ذلك ما وقف عليه رسول الله - ﷺ -.
واكتفاء بما أرودناه من ذلك مواقع الإجماع والإفادة لا استيعاب المرويات، إذ ذلك له موضعه.
* فأما عدنان: فهو من ولد إسماعيل ﵇ كما قدمنا ذكره بلا شك، ومن ولده سائر القبائل التي يأتي ذكرها إن شاء الله.
* (٥/ب) وأبوه الأعلى هو قيذار بن إسماعيل، قاله محمد بن سعد في الطبقات، ولم أر بينهم اختلافًا أن معدًا من فخد قيذار بن إسماعيل وإنما
[ ٧ / ١٧ ]
الاختلاف في عدد الآباء، فلأن ذلك إنما أخذ عن أهل الكتاب، وترجموه لهم فاختلفوا فيه.
* واختلف فيه أيضًا من قبل اللغة: لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية، ولو صح ذلك لكان رسول الله - ﷺ - أعلم الناس به.
فالأمر عندنا على الانتهاء إلى معد بن عدنان، ثم الإيصال عما وراء ذلك إلى قيذار بن إسماعيل ﵇.
وقال عروة بن الزبير -وكان من أنسب الناس، أخذ ذلك عن جده الصديق ﵁-: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء معد بن عدنان.
* ومن ولد إسماعيل نشر الله تعالى العرب، فهذا ذكر ما في معد بن عدنان مختصرًا.
* وأما قحطان: فهو جماع اليمن، وحضرموت، وكندة، وحمير، وثقيف في القول الأظهر.
[ ٧ / ١٨ ]
وفيه: أن ثقيفًا وحمير ومن ذكرناهم من ولد مضر فيما يزعم نسابو مضر. والأول أكثر، ويؤيده من اجتماع ما ذكرناهم قبل ما ذكرنا، وقحطان فقيل: هو ابن هود، وقيل: وهو عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
وهذا هو الأغلب من الأقوال والأقوى منها.
وقد نسبه قوم إلى إسماعيل ﵇، وجعلوا قحطان وعدنان جميعًا من ولد إسماعيل، وهو قول شاذ إلا أنا أوردناه ليعرف، وليبين أن الأصح القول الآخر على وجه الاحتجاج به.
* وعدنان: هو أول من وضع أنصاب الحرم، وذلك أنه خاف أن يدرس الحرم، وهو كذلك أول من كسا الكعبة من ولد إسماعيل، فولد عدنان: معد، والحارث؛ وهو عك والديث، والنعمان، والضحاك: وهو المذهب الذي يقال: إنه لا عقب له، وعدينا، والعي، وأبيا، أمهم مهدد بنت اللهم بن جلحب بن جديس وعدينا (٦/أ)؛ فهو أبو رسول الله - ﷺ -، ويلقى رسول الله - ﷺ - في عدنان أولاد من أعقب من هؤلاء، فولد معد بن عدنان: نزارًا،
[ ٧ / ١٩ ]
وقُضاعة واسمه: عمرو، وعبيد الرماح، وقناصة وقنصًا وجُنادة وإيادًا وجُنيدًا وسنامًا وعوفًا، فنزار: فيهم البيت والعدد، والنبوة ووراثتها، وهي الخلافة، فهو أبو رسول الله - ﷺ -.
والنعمان بن المنذر: ملك الحيرة، من ولد قنص بن معد، وقد انقرض عقبه، وقد نسبوا في لخم، والصحيح أنه ابن معد، ولما أتى عمر بن الخطاب ﵁ بسيف النعمان بن المنذر، قال لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل انه عبد مناف -وكان من العلماء بالنسب-: إلى من كنتم تنسبون النعمان بن المنذر؟ قال: إلى قنص بن معد. ويلقى أولاد من أعقب من بقية أولاد معد رسول الله - ﷺ - في معد على أن قضاعة من انتسبوا إليه، وحمير. والأكثر ما ذكرنا أولًا.
وقد قيل: إن قضاعة هو أخو نزار لأمه، وهو مشبه للصحة، وقد تفرق أكثر ولد معد سوى نزار في غير بني معد، وبينهم في ذلك خلاف يطول اقتصاصه.
فولد نزار بن معد: مُضر، وإيادًا، وربيعة، وأنمارًا، ومضر وربيعة هما الصريحان من ولد إسماعيل؛ اللذين تقدما وذكرا وأشهرا ولم ينسبا إلا إليه بلا خلاف، سوى غيرهما ممن اختلف في نسبه وتجوذب في أمره. ففي مضر:
[ ٧ / ٢٠ ]
النبوة والخلافة، وهو أبو رسول الله - ﷺ -.
وربيعة ففيهم الكثرة، ويلقى رسول الله - ﷺ - بنو ربيعة في نزار، فمن قبائل ربيعة بن نزار: بكر، وتغلب ابا وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، فمن بني بكر: بنو الحصن، وهو الأعز، وهو ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
من ولده: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن أدريس بن عبد الله (٦/ب) بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعبلة الحصن.
الإمام -﵀- فهو يجتمع مع النبي - ﷺ - في نزار.
* قال الوزير بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان. وهو الحرث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شر حبيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة الحصن.
* وقتادة الذي هو أحد الستة الذين دار عليهم العمل، وانتهى إليهم الإسناد والحفظ، هو ابن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن
[ ٧ / ٢١ ]
الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة الحصن.
وقد نبل من شيبان رجلان: قتادة، وأحمد بن حنبل ﵄.
* ولثعلبة المذكرو بنون أربعة: شيبان، وذهل، وعائذ، وهو تيم الله، وقيس. فأحمد الإمام، وقتادة قله من ولد شيبان بن ثعلبة، وأنا أيضًا من ولد شيبان.
* ومن بني ثعلبة: الأرقم وهوم ستة بطون: جُشم، ومالك، وعمرو، وثعلبة، ومعاوية، والحارث بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب.
وبنو عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب، ومن بطون ربيعة والنمر بن قاسط أيضًا، ومن ولده: تيم الله، وأوس مناة وغيرهم.
وبنو قيس بن ثعلبة: منهم: معن بن زائدة الشيباني؛ الذي فتح اليمن والحجاز وأطدها في خلافة المنصور ﵀. وفي ربيعة كثرة.
[ ٧ / ٢٢ ]
* وأما نزار، وقد انتسب منهم إلى النخع من سكن العراق وباقيهم بالشام على نسبتهم إلى نزار.
* وأما أنمار، فمنهم: بجيلة، فقد انتسبوا إلى اليمن، إلا من كان بالشام (٧/أ) والمغرب، فإنهم على نسبتهم إلى أنمار بن نزار.
ومنهم: خثعم، وهو أقبل بن أنمار، وإنما خثعم جبل تحالفوا عنده، فنسبوا إليه. فلأجل ذا الخلاف قال النسابون: إن مضر وربيعة هما الصريحان من ولد إسماعيل، أي الخالصان اللذان لم يشبا تأولًا ولا دبرًا؛ إذ لما حضرت أباهم الوفاة، وأعطاهم عطايا، واختلفوا بعده قصة تركت ذكرها لشهرتها ولكونها جاهلية.
* فولد مضر بن نزار: إلياس، والناس، وهو عيلان، وقيل: إن امسه قيس ابن مضر، وإنما عيلان عيل ولد عنده فسمي به، وقيل: فرسه، وقيل غير ذلك.
وذكر الزبير: أن مضر أوصى بعض أهله، فقال: من يزرع شرًا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم،
[ ٧ / ٢٣ ]
فاصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس من الصلاح والفساد إلا صرفوان.
وذكر أيضًا أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا يقول:
إني امرؤ حميري حين تنسبني لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال رسول الله - ﷺ -: (ذلك أبعد لك من الله ومن رسوله).
* وإلياس هو الذي أنكر على بني إسماعيل تغييرهم سنن آبائهم وسيرتهم، وكان قد رأس فيهم حتى جمعهم رأيه، ورضوا به، وهو أول من أهدى البُدن إلى البيت، وأول من وضع الركن للناس بعد هلاكه حين غرق البيت زمن نوح وانهدم.
ويقال: بل إنما هلك بعد إبراهيم وإسماعيل، فكان الناس أول من سقط عليه فوضعه في زاوية البيت، وكان العرب يعظمون إلياس (٧/ب) ويأتمون به، ويلقى رسول الله - ﷺ - بنو قيس بن عيلان، ولد مضر بن نزار.
ومنهم: بنو قيس، وفزارة، وأشجع، وثقيف فيمن ينسبهم، وقال:
[ ٧ / ٢٤ ]
ثقيف هو قسي بن منبه بن قيس بن عيلان.
وبنو نصر بن معاوية وسائر قبائل قيس منهم: بنو هلال، وبنو بشير، وبنو أعصر، وبنو سليم، وباهلة، وعدوان، ومنهم: بنو جشم وبنو مرة، ومنهم: يلقى رسول الله - ﷺ - في إلياس، وهو طابخة منهم: بنو تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس، الذين قال النبي - ﷺ - في صدقاتهم: (فهذه صدقات قومنا)؛ لأجل نسبهم هذا منه، واجتماعهم معه في إلياس.
وقال فيهم - ﷺ -: (إنهم من ولد إسماعيل)، ولسبية كانت منهم: (إنها من ولد إسماعيل).
فهذا الشرح؛ فإنما بسطناه كله على ذكر تميم، وجلبناه لهذا المعنى، وعقدناه كله عليه.
* وفي تميم: حاجب بن زراة، وقيس بن عاصم، والأحنف بن قيس، وجرير، والفرزدق وغيرهم.
[ ٧ / ٢٥ ]
المسيبي في كتابه: إنه سمع يزيد بن ميحان المهلبي يحدث عن أبيه، قال: دخلنا على سليمان بن علي إمام البصرة، فجلست إلى جنب خالد بن صفوان، فدخل عليه شبيب بن شيبة فتركح من الكلام في شيء: ما رأيت أحسن منه، فقال: إني خالد بن صفوان: يا أبا يزيد، دنا والله أجلي، فقلت: فأجري إظهار ذلك، فقال: إني في بيت لم يخل من متكلم فإذا شاء من يكون خلفًا منه، قد بدأ الفتى يتكلم، والله ما يتكلم بشيء حتى اتبعه كذا وكذا؛ فيأتي به بعينه.
قال: فكان هذا في يوم الخميس أو يوم الجمعة فصلينا على خالد بن صفوان الخميس أو الجمعة الأخرى.
ومن بني أد بن طابخة: مزينة وضبة ابنا أد بن طابخة بن إلياس، فمن مزينة: النعمان بن مقرن صاحب النبي، (٨/أ) - ﷺ -، وزهير بن أبي سلمى الشاعر.
* ومن بني ضبة: المسيب بن زهير، ومنهم: (الرباب)، وتميم، وعدي وعكل.
[ ٧ / ٢٦ ]
* فولد إلياس بن مضر: مدركة، واسمه: عامر، وقيل: عمرو، وطابخة، واسمه: عمرو، وقيل: عامر، وقمعة، واسمه: عمير؛ وأمهم: خندف المذكورة قل،: واسمها: ليلى.
وقال أبو عبيد وغيره: إنما كانت أسماءهم واسم أمهم أن أرنبا أنفرت إبل إلياس بن مضر، فصاح بنيه أن يطلبوا الإبل والأرنب؟
فأما عمير: فاطلع من المظلة ثم انقمع فسمى: قمعة.
وأما عمرو وعامر: فخرجا في إثر الإبل، وخرجت أمهم ليلى تسعى من أثرهما، فقال لها زوجها إلياس: أين تخندفين؟ والخندفة: السعي، فسميت خندف، قالوا: ومن عمرو وعامر بظبي -فرماه عمرو فقتله، ويقال: هي الأرنب التي أنفرت الإبل، فقال عامر: أطبخ صيدًا، وأنا أكفيك الإبل، فطبخه عمرو فسمي: طابخة، وأدرك عامر الإبل فردها فسمي مدركة.
* ومن ولد قمعة المذكور: عمرو بن لحي بن قمعة، وهو أبو خزاعة، وهو من أول من غير دين إبراهيم، وأول من نصب الأوثان في الكعبة، وجعل البحيرة والسائبة، والواصلة.
[ ٧ / ٢٧ ]
والحلم، وهو الذي رآه رسول الله - ﷺ - في النار يجر قصبه، فمدركة: أبو رسول الله - ﷺ -، ويلقى رسول الله - ﷺ - عند مدركة: هذيل بن مدركة القبيلة بأسرها.
- منهم: عبد الله بن مسعود صاحب النبي - ﷺ - ﵁.
- ومنهم: أبوا ذؤيب الشاعر، وغيرهما.
* فولد مدركة بن إلياس: خزيمة، وهذيلًا، وغالبًا، وحارثة. فخزيمة: أبو رسول الله - ﷺ - ويلقاه - ﷺ - عند خزيمة: بنو أسد بن خزيمة.
- وزينب (٨/ب) بنت جحش زوج النبي - ﷺ -؛ لأنها بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن سبرة بن مرة بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، ومنهم: عكاشة بن محصن، ومنهم: عبيد بن الأبرص، وطليحة بن خويلد، وربيعة بن حذار. ويلقاه وبن والهون بن خزيمة يقال لهم: القارة:
[ ٧ / ٢٨ ]
وعضل وديش بنو ييثع بن الهون بن خزيمة.
ومن ولده: جذام فيما يقال، وقد انتسبوا في اليمن، فولد خزيمة بن مدركة: كنانة وأسدة، ويقال: أسدًا والهون.
فكنانة: أبو رسول الله - ﷺ -، ويلقاه عند كنانة بنو عبد مناة بن كنانة، منهم: بنو بكر بن عبد مناة، ومن بني بكر بن عبد مناة: بنو ليث، وبنو الديل، وبنو ضمرة بني بكر بن عبد مناة.
ومن بني ضمرة: بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة.
- ومنهم: أبو ذر الغفاري صاحب النبي - ﷺ - ﵁، والحارث ابن عبد مناة: منهم النسأة الذين كانوا ينسئون الشهور، سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وهو أولهم، ثم القلمس، وهو عدي بن عامر، ثم جنادة بن عوف بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي القلمس، وجنادة آخر من نسأ الشهور. وكذلك قصص يطول بإيرادها الكتاب.
- ومنهم: آل علقمة بن صفوان بن المحارب.
[ ٧ / ٢٩ ]
وبنو مرة بن عبد مناة، وهو بنو مدلج، منهم: سراقة بن مالك بن جعشم ﵁.
- فولد كنانة بن خزيمة: النضر، به كان بكنى، وملكا، وملكان، ومليكا، وقال ثعلب: وحده ملكان بفتح الميم- وغنما وعوفًا وغزوان، وقيل فيه: غزوان، وقيل: هما اثنان وعمرًا، وعامرًا، وأمهم كلهم: برة بن ت مر. وحدالًا، وسعدًا، وعوفًا، ومخربة، وجرولًا والحارث لأمهات.
قال (٩/أ) جرير يذكر:
فما الأم التي ولدت قريشًا بمقرفة النجار ولا عقيم
فما ولد بأكرم من قريش وما خال بأكرم من تميم
قال الفرزدق فيها أيضًا:
هم أبناء برة فأكرم بالخؤولة والعموم
فما فحل بأنجب من قريش وما خال بأكرم من تميم
[ ٧ / ٣٠ ]
* فالنضر والد رسول الله - ﷺ -، وهو الذي قتل أخاه لأمه فوداه مائة من الإبل، فهو أول من سنها.
فقال الكميت في ذلك:
أبونا الذي سن المئين لقومه ديات وعداها سلوفا منيبها
وسلمها فاستوثق الناس للتي يعلل مما سن فيهم جدوبها
غنائم لم تجمع ثلاثًا وأربعًا مسائل بالإلحاف شتى ضروبها
* السلوف: ما تقدم، والمنيب: الأوائل.
* والجدوب: الغلب.
* والنضر: هو الذي يقال: إنه جماع قريش، وإنه قريش، وقيل: بل هو فهر، وهو أكثر، وقد قدمنا ذكره، ويجتمع مع رسول الله - ﷺ - في النضر: يخلد ابن النضر بن الحارث، وحارثة ابناه، وزيد مناة ويخلد ابنا الحرب، وبه سميت بدر، ويقال: به سميت قريش أيضًا، وقد تقدم ذكرنا لذلك.
* فولد النضر بن كنانة: مالكًا، ويخلد، والصلت، فمالك والد رسول الله - ﷺ -، ويقال: إنه الصلت من خزاعة من ولد الصلب، وهو قول ضعيف في النظر
[ ٧ / ٣١ ]
والصحة، ولم يعقب أحد من ولد يخلد بعد من قدمنا ذكره.
* فولد مالك بن النضر: فهرًا، وهو قريش إليه وجماعها في أكثر الأقوال وأصحها، وقد قدمنا ذكره.
قال الزبير بن بكار: قال فهر بن مالك لأبيه مالك: رب بالحلاوة وربما (٩/ب) جعلت زيًا فقال له أبوه مالك: مثل البعير رب رضوا على خلاف المخبرة، قد عرف بجمالها ثم اختبر فما له درك: وكذلك ضرب السراب مثلًا أنه نسبة بالماء، وليس فيه درك، فاحذر الصور، واطلب الخير، ولا تدير أعجاز الأمور التي أوردت صدورها؛ فتعجز وتفشل.
* ففهر والد رسول الله - ﷺ -، وتلقى رسول الله - ﷺ - عند فهر: بنو الحارث بن فهر، منهم:
- أبو عبيدة الجراح، واسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ابن ضبة بن الحارث بن فهر، لا عقب له، من المهاجرين الأولين، ومن أهل بدر، وفضائله معروفة.
- ومنهم بنو بيضاء: صفوان، وسهيل، وسهل: بنو وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.
[ ٧ / ٣٢ ]
واستشهد صفوان بن بيضاء يوم بدر.
وفي سهل بن بيضاء يقول أبو طالب، وكان جاء إلى رسول - ﷺ - من الحبشة، فأخبره بما صار إليه أصحابه هناك من الأمن والعافية:
هم رجعوا سهل ابن بيضاء راضيًا فسر أبو بكر بها ومحمد.
وعياض بن غنم بن جابر بن عبد العزى بن ربيعة بن الحارث بن فهر الفهري، وهو خال أبي عبيدة الجراح، وله يقول ابن قيس الرقيات:
وعياضًا أعني عياض بن غنم كان من خير من أجن النساء.
ومنهم: بنو قيس بن الحارث بن فهر، منهم: ابن هرمة الشاعر، ومن بني فهر: أبو همهمة بن عبد العزى بن عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث ابن فهر، وكان من أشراف قريش وتلقاه بنو محارب بن فهر أيضًا.
[ ٧ / ٣٣ ]
منهم: الضحاك بن قيس، صاحب مرج راهط، وهو أخو فاطمة بنت قيس روى عنها الحديث: حديث تميم الداري، وحبيب بن مسلمة، وضرار بن الخطاب الشاعر، وهو فارس (١٠/أ) قريش، وهو القائل:
ونحو بنو الحرب العوار بها وبالحرب سمينا فنحن نحارب
وهو صاحب قصة أبي أزيهر، ومنعه عن نفسه دوسًا، والقصة مشهورة.
* ومن فهر المذكور كل من يلقى رسول الله - ﷺ - معه أو مع من بعده من آبائه، فهو من قريش الصميم، ومن قبلهم فله من العرب ما له وليس بقرشي.
* فولد فهر: غالبًا، والحارث، ومحاربًا، وجندلة وغيرهم.
فغالب والد النبي - ﷺ - يلقى النبي - ﷺ - بنو تميم بن غالب، وتيم هو الأدرم.
منهم: عبد الله بن خطل الشاعر، وسمي الأدريم؛ لأنه كان منقوض الدقن، فولد غالب: لوئيًا، وتيما: وهو الأدرم.
[ ٧ / ٣٤ ]
فلؤي: أبو رسول الله - ﷺ -.
وقال لؤي لأبيه: يا أبت من رب معروفة أقل أخلافه ونضر ماؤه، ومن اختفره أحمله، وإذا أجمل الشيء لم يذكر، وعلى المولى تكبير يصغره ويسره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره.
فقال له أبوه: يا بني، إني لا أستدل بما أسمع من قولك على فضلك، واستدعى به الطول على قومك، فإن ظفرت بطول فعد على قومك بفضلك، واطفئ عرب جهلهم بحملك، ولم شعثهم بربعك، ويروى: برفقك، فإنما يفضل الرجال الرجال بأفعالها، ومن قاسها على ما ورائها، اسقط الفضل، ولم يعل له درجة على آخر، والعليا أبدًا على السفل فضل.
* ويلقى رسول الله - ﷺ - عند لؤي: بنو عامر بن لؤي.
- منهم: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر، بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وكان سهيل بن عمرو من المطعمين يوم بدر، وهو من أرشراف قريش وخطبائها.
كلم عمر بن الخطاب رسول الله - ﷺ - في نزع ثناياه حتى لا يخطب عليه يوم الحديبية فأبى عليه (١٠/ب) رسول الله - ﷺ -، وقال: (عسى أن يقوم مقامًا
[ ٧ / ٣٥ ]
تحمده) فلما أسلم سهيل وحسن إسلامه، وجاء نعي رسول الله - ﷺ - إلى مكة قام سهيل بمكة، فخطب بمثل ما خطب به أبو بكر بالمدينة، فبلغ ذلك عمر فحمد مقامه، وقال: أشهد أن رسول الله - ﷺ - رسول الله.
* ومن ولده: أبو جندل بن سهيل، صاحب القصة المشهورة وعبد الله بن سهيل، وإسلامهما قبل إسلام أبيهما، ولسهيل قصة مع عمر ﵁ لما قدم عليه، وفرض له فرضًا فسخطه سهيل، فجرى بينهما كلام، فخرج سهيل إلى الشام مجاهدًا فمات هناك.
- ومنهم: حويطب بن عبد العزى، وهو من المؤلفة قلوبهم.
- ومنهم: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد ابن معيص بن عامر بن لؤي، مؤذن النبي - ﷺ -، وفيه نزلت: (عبس وتولى)، وهو ابن أم مكتوم الأعمى، وقد استخلفه النبي - ﷺ - مرارًا على المدينة.
[ ٧ / ٣٦ ]
- ومنهم: عبيد الله بن قيس -الرقيات، الشاعر- بن شريح بن مالك بن ربيعة بن أهيب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.
- ومنهم حبان منقذ، ابن العرقة الذي رمى سعد بن معاذ يوم الخندق فقطع أكحله، فقال: خذها وأن ابن العرقة، فقال له النبي - ﷺ -: (عرق الله وجهك في النار).
- ومنهم: هشان بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، كاتب الصحيفة في البراءة من بني هاشم، وهو المتكلم أيضًا في نقضها والبراءة منها.
- ومنهم: حفص بن الأخيف بن عبد الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي، وابنه بشر الذي قتلته كنانة، قتله: عامر بن يزيد بن الملوح، وله قصة.
- ومنهم (١١/أ) رواحة بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي، كان شريفًا في الجاهلية، وهو الذي ريع الناس، وله في ذلك قصة.
- ومنهم: بنو عبيد، وبنو رواحة ابنا منقذ بن عمرو بن معيص، ولهم عدد
[ ٧ / ٣٧ ]
وشجاعة، وفيهم يقول شاعرهم:
إذا ركبت رواحة أو عبيد فبشر كل والدة بثكل
- ومنهم: عمرو بن عبد ود، كان يعدل في شجاعته بألف، فدعى البراز يوم الخندق، فبرز له علي ﵇ فقتله، في ذلك تقول ابنته الأبيات المشهورة.
- ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، كان أسلم ثم ارتد، فأمر النبي - ﷺ - بقتله، ثم أسلم واستأمن له عثمان ﵁، وولي بعد ذلك مصر في أيام عثمان ﵁، وهو أخوه لأمه.
- ومنهم: أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، كان قديم الإسلام، ومن المهاجرين البدريين، وهو ابن عمة رسول الله - ﷺ -، أمه: برة بنت عبد المطلب.
- ومنهم: عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن
[ ٧ / ٣٨ ]
نضر بن مالك، قديم الإسلام، شهد بدرًا.
- ومنهم بسر بن أبي أرطاة، وهو صاحب معاوية الذي بعثه إلى الحجاز واليمن فأوعب وقتل ابني عبيد الله بن عباس.
- ومنهم: أبو ذئب بن شعبة بن أبي قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وله قصة طويلة، ومن ولده: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب الفقيه.
* هؤلاء بنو عامر بن لؤي.
ويلقاه - ﷺ - أيضًا أبناء بدر بن (١١/ب) لؤي.
- منهم: بدر بن أبي الجهم بن بدر، وإدريس بن بدر.
ومنهم: آل زهير جعفر بن أبي زهير، وكان جعفر سخيًا، وهم بفارس.
- وبنو سامة يقال لهم: قريش الغاربة؛ لأنهم غربوا عن قومهم فنسبوا إلى أمهم: ناجية بنت جزم بن ربان، وهو علاف، وهو أول من اتخذ الرحال
[ ٧ / ٣٩ ]
العلافية فنسب إليها فقيل: علاف.
* وبنو عوف بن لؤي، يقال: إنه تخلف في بلاد قيس، ومن ولده: بنو مرة ابن عوف: منهم: الحارث بن ظالم، ومنهم: سنان بن أبي حارثة، ومنهم: هاشم بن حرملة، ومنهم:
- بنو سعد بن لؤي، وهم في آل بني أبي ربيعة من بني شيبان، يقال لهم: بنانة قريش، ومنهم: خزيمة بن لؤي، وهم أيضًا في بني ربيعة، يقال لهم: عائذة قريش.
ومنهم سنان فولد لؤي بن غالب: كعبًا وعامرًا، وهم المبطاح، وسامة، وخزيمة، وهم عائذة قريش، والحرث وهم بنو جشم، وسعدًا وهو بنانة قريش.
* فكعب والد رسول الله - ﷺ -، وهو أول من خطب، وأول من قال: أما بعد، وأول من سمى يوم عروبة: الجمعة، لاجتماع قريش فيه إلى كعب بن لؤي، وخطبته قد ذكرها الزبير إلا أنه قال أنشاء من خطبته أو جزء فلم أذكرها.
وكان كعب يقول: حرمكم عظموه، وزينوه، وكرموه، فسيخرج به نبي
[ ٧ / ٤٠ ]
كريم، وأرخت كنانة من موت كعب بن لؤي حتى كان عام الفيل، فأرخوا من الفيل، وهو مولد النبي - ﷺ -، وبين الفيل وموت كعب خمسمائة سنة وعشرون سنة.
* يلقى رسول الله - ﷺ - عند كعب بنو عدي بن كعب.
- منهم: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وهو أمير المؤمنين، ومن المهاجرين الأولين، وشهد بدرًا والمشاهد، وفصائله (١٢/أ) مشهور، وابنه عبد الله بن عمر، وحفصة بنت عمر زوج المصطفى - ﷺ - ورضي عنهم.
- وزيد بن الخطاب، وهو أسن من عمر، وأسلم قبل عمر، شهد بدرًا والمشاهد كلها، واستشهد يوم اليمامة، وحزن عليه عمر ﵁ حتى
[ ٧ / ٤١ ]
قال: ما هبت الصبا إلا خيل لي أنها تجيء بريحه.
- ومنهم: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، كان قديم الإسلام، وأحد العشرة، وفضائله مشهورة.
- ومنهم: عمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر بن أذاة بن رباح بن عبد الله بن قرط بن زراح، كانا من المهاجرين وشهدا بدرًا.
- ومنهم: نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي ابن كعب، وعبد الله هو النحام، وكان نعيم شريفًا، وهو متقدم الإسلام، وأبوه عبد الله كان يقوت فقراء بني عدي كلهم، فلما أسلم نعيم حمته عشيرته، فلم يكن يؤذي بمكة، فلذلك تخلف بمكة فلم يشهد بدرًا ولا أحدًا.
[ ٧ / ٤٢ ]
- ومن ولده: إبراهيم بن نعيم كان شريفًا قتل يوم الحرة، وكان تحته رقية بنت عمر بن الخطاب ﵁، وأمها أم كلثوم بنت علي ﵇.
- ومنهم: سليمان بن أبي حثمة بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، وكان سليمان من الصالحين القراء، وكان يؤم الناس في عهد عمر ﵁، ثم يحيي ليلته صلاة، وله ولعمر ﵄ في ذلك حديث.
- ومنهم: أبو جهم بن حذيفة بن غانم، كان مسرفًا شرسًا، وهو الذي قال في المصطفى - ﷺ -: (لا يرفع عصاه عن عاتقه) لما خطب فاطمة بنت قيس،
[ ٧ / ٤٣ ]
ومن ولده: محمد بن أبي الجهم، قتله مسلم بن عقبة يوم الحرة صبرًا، وحميد بن أبي جهم، وكان شريفًا أيضًا كأبيه، وهو الذي يقال (١٢/ب): إنه دخل على أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وقال له أبو بكر: قد أذيت الناس فخرًا واستطالة، هل لك أن أعادل؟ قال: اسأل بعم بخال، فقال: أنت بمثل سعد بن معاذ اهتز العرش لوفاته.
* وحنظلة بن أبي عامر: غسيل الملائكة.
* وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، حمي الدبر، قال: إنه قال: وأي شيء يريد أكبر من هؤلاء، قال: فأمسك.
عامر بن فهيرة حملته الملائكة والناس ينظرون.
[ ٧ / ٤٤ ]
* ومهجع مولى عمر، أول قتيل قتل يوم بدر.
- وبلال مولى أبي بكر، المعذب في الله.
قال: آتيك بفلان وفلان، وتأتيني بفلان وفلان، قال: ليس، إنما عددت أهل الجنة، هؤلاء أهل الجنة، إنما أردت آتيك بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين، وأولئك هيهات.
قال ذو شنؤة قال: كأنك والله ظننت أن يجزع من شيء، والله إنه لبطن، قد خاف من جورك، فما أكل منذ ثلاث شيئًا، قال: خلوه قبحه الله.
- ومنهم: عبد الله بن مطيع بن الأسود بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج ابن عدي بن كعب، وهو الذي اجتمع عليه في المدينة قبل الحرة.
بنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب.
- ومنهم: خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بدري، زوج حفصة بنت عمر ﵁ قبل المصطفى - ﷺ -، وليس في بني سهم بدري غيره.
[ ٧ / ٤٥ ]
- ومنهم: العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم، كان من المستهزئين، ومن سادة قريش.
وابنه عمرو بن العاص، وكان من سادات المسلمين وأمرائهم، ومن رجالات قريش وذوي حرمها، ولاه المصطفى - ﷺ - غزاة ذات السلاسل، وولاه عمر بن الخطاب ﵁، وكان عمر إذا رأى إنسانًا ضعيفً، يقول: أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد، وقال عمر ﵁ (١٣/أ) أيضًا في محفة، ما رأيت أحدًا يجاوزه يعني عمرًا إلا رجمته، فقال عمر بن الخطاب: إلا رجمته.
وقال عمر بن الخطاب يومًا أيضًا لجلسائه: ليذكر رجل ألد الاستياء، فتكلموا وعمرو ساكت، فقال له عمر: ما عندك؟ قال: غمرات تنجلين.
- ومنهم: المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة بن سعيد.
- ومنهم: منبه، ونبيه، ابنا الحجاج بن عامر بن سعيد بن سهم كانا من المطعمين يوم بدر، وقتلا كافرين يومئذ، والعاص بن منبه قتل يوم بدر كافرًا.
[ ٧ / ٤٦ ]
- ومنهم: قيس بن عدي بن سعد بن سهم، وهو سيد بن شريف.
- ومنهم: عبد الله بن الزبعري في الإسلام مشهور.
- ومنهم: الحارث بن قيس بن عدي، يقال له: ابن الغيطلة من المستهزئين.
* وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب.
- منهم بنو مظعون: عثمان وعبد الله، وقدامة بن مظعون بن حبيب بن وهيب بن حذافة بن جمح، مهاجرون بدريون، وعثمان توفي قبل إبراهيم ابن النبي - ﷺ -، فكان رسول الله - ﷺ - يقول إذا اتوفي رجل، فقيل: أين ندفنه؟ (ادفنوه عند سلفنا الصالح: عثمان بن مظعون).
ومنهم: أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، قتل كافرًا ببدر.
[ ٧ / ٤٧ ]
وابنه صفوان بن أمية كان شريفًا مسلمًا سيدًا، شهد الفتح ثم أسلم بعده، وهو الذي مشى بين المطيبين والأحلاف حين قتلت بنو مخزوم أبا أزيهر الدوسي حتى يصلح أمرهم، فكان يسمى سداد البطحاء.
ومن ولده: عبد الله بن صفوان، كان يقال له: الطويل، وكان شريفًا، وكان أميًا.
ومنهم: حاطب والحطاب ابنا الحارث كانا من مهاجرة الحبشة.
ومنهم: أبو محذورة مؤذن أهل مكة.
ومنهم: سعيد بن عامر بن حذيم، كان من الصالحين، وكان عاملًا لعمر ﵁ على حمص، محمودًا في ولايته، (١٣/ب)، وله سيرة محمودة.
* ومنهم: أبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، قتله المصطفى - ﷺ -،
[ ٧ / ٤٨ ]
ولعن أبيًا يوم أحد، وكان حدث ليقتلن المصطفى - ﷺ - على فرس له علفة زمانًا، فبلغت إلى المصطفى - ﷺ - فقال: (بل أنا أقتله إن شاء الله)، فلما كان يوم أحد أقبل أبي مسددًا رمحه للمصطفى - ﷺ -، فلما كاد أن يناله رمى مصعب بن عمير ﵀ بنفسه بينهما فوقعت الطعنة في مصعب فاستشهد ﵀، فطعنه رسول الله - ﷺ - عند طرف سانعة النعصة طعنة فاحتقن دمه فهلك منها بالطريق أو بمكة.
وكان من أشد الناس عذابًا بحديث المصطفى - ﷺ -: (أشد الناس عذابًا من قتل نبيًا أو قتله نبي).
* فولد كعب بن لؤي: مرة، وهصصا، وعديًا، فمرة والد رسول الله - ﷺ -، وعنده يلقى رسول الله - ﷺ - عثمان بن عامر بن عمرو، أبو قحافة، أسلم، وحديث إسلامه في هذا الكتاب، وبقي إلى أن مات ابنه أبو بكر فورثه.
وابنه أبو بكر الصديق: عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، الأثير عند رسول الله - ﷺ -، وخليفته في الصلاة في مرضه، وهو صاحب الغار والهجرة، وذو الفضائل المشهورة التي هي كثر من أتورد في هذا الفصل.
[ ٧ / ٤٩ ]
وابنه: عبد الله بن أبي بكر القديم الإسلام، وجرح بالطائف ولم يزل ضميمًا حتى مات في خلافة أبيه شهيدًا.
وابنه الآخر: عبد الرحمن بن أبي بكر؛ أسلم يوم الخندق، وتوفي في نومة نامها، وفي ولده العدد الكثرة.
- ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، يكنى: أبا عتيق، ولد في حجة الوداع، وأتى به النبي - ﷺ -.
وقال موسى بن عقبة: لا يعلم أربعة رأوا النبي - ﷺ - فأسلموا كلهم سبقًا إلا أبا قحافة، وأبا بكر بن قحافة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، ومحمد بن عبد الرحمن (١٤/أ) بن أبي بكر ﵃ أجمعين.
وابنته عائشة الصديقة زوجة المصطفى - ﷺ -، وذات الفضيلة الكبيرة، وجاهتها عند المصطفى - ﷺ - لدينها وعلمها وصلاحها للأخذ عنه، وغير ذلك من خصائصها الكثيرة مضافًا إلى فضائلها المشهورة.
ومحمد بن أبي بكر، وابنه القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵄،
[ ٧ / ٥٠ ]
هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.
ومنهم: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
وأبلى يوم أحد بلاءً بالغًا، محمد بن طلحة السجاد، قتلا يوم الجمل.
ومنهم: الحارث بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، من مهاجرة الحبشة، وهو جد محمد بن إبراهيم بن الحارث الداري.
ومنهم: المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى بن عامر بن الحارث ابن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة، كان فاضلًا دينًا، وابنه محمد بن المنكدر الراوية الفقيه السخي الجواد.
[ ٧ / ٥١ ]
ويلقاه - ﷺ - بنو مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب عند مرة أيضًا.
- منهم: أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم زوج المصطفى - ﷺ -.
- وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وهاجر الهجرتين، وكان أخا النبي - ﷺ - من الرضاعة، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، وتوفي شهيدًا بخيبر.
وروى المسيبي في كتابه مسندًا له أن النبي - ﷺ - لما صلى على أبي سلمة هذا، كبر عليه سبعًا أو تسعًا. شك المسيبي، فقيل له: يا رسول الله، أو نسيت أو زيد في التكبير، فقال: (لم يكن من ذلك شيء، ولو كبرت على أبي سلمة ألفًا لكان أهل ذلك).
* ومن ولده: عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد، ولده بأرض الحبشة (١٤/ب) وكان ربيب النبي - ﷺ -، وفقيه يقول رجل له أرض مجاورة له ولعاصم بن عمر بن الخطاب: فإن لها جارين لن يغدرا بها: ربيب النبي - ﷺ -، وابن خير الخلائف.
[ ٧ / ٥٢ ]
* والأرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، صاحب الدار المباركة التي اجتمع المسلمون فيها إلى المصطفى - ﷺ -، وممن شهد بدرًا والمشاهد بعدها، ولم يزل المسلمون مستخفين حتى أسلم عمر، وفي داره أسلم، فظهر المسلمون عند إسلامه.
* وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان متقدم الإسلام، ومن المهاجرين الأولين، وهو أخو أبي جهل، والحارث أبي هشام لأمهما، وكانا قدما عليه فأخبراه عن أمه بما رق لها، فرجع معهما، وأمنهما، فخانا، واستوثقا منه وعذباه عذابًا شديدًا في الله، فكان هو، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام من المستضعفين بمكة، الذين كان المصطفى - ﷺ - يدعو لهم في الصلاة بالنجاة.
* والحارث بن هشام بن الغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو شقيق أبي جهل، كان شريفًا ومطعمًا يوم بدر، ومن المؤلفة قلوبهم، ثم حصن إسلامه؛ فكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، وخرج في زمن عمر بن الخطاب ﵁ راغبًا في الرباط بالشام والجهاد، فتبعه أهل مكة يبكون لفراقة، فلم يبق أحد يطعم إلا عرج معه يشيعه، حتى إذا كان بأعلى البطحاء
[ ٧ / ٥٣ ]
وقف، ووقف الناس حوله يبكون، فلما رأى جزعهم قال: أيها الناس، إنها النقلة إلى الله، وما كنت لأوثر عليكم أحدًا، ووالله ما خرجت بنفسي رغبة عن أنفسكم ولا اختيار بلد على بلدكم؛ ولكن كان هذا الأمر فخرجت فيه رجال من قريش، فأصبحنا والله ولو أن لنا جبال مكة ذهبًا فأنفقناهم في سبيل الله ما أدركنا يومًا من أيامهم، والله لئن فاتونا في الدنيا لنلتمسن أن نشاركهم في الآخرة فاتقى الله امرؤ، وتوفي بالشام مجاهدًا.
* ومن ولده: عبد الرحمن بن الحارث بن (١٥/أ) هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، من أشراف قريش، ولاه عمر البصرة.
* ومن ولده: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهو أحد الأشراف، وهو أحد الذين قاموا بأمر الحرة، وأخوه الحارث بن عبد الله أبي ربيعة، كان من أشراف قريش وكرمائهم، وذوي المنطق منهم، وكانت أمه نصرانية، فماتت، فحضرت قريش جنازتها لجلالته وقدره فيها، فأمر بها أن يصلح أمرها ثم دفعها إلى نصارى يدفنونها، وكان في دارهم بابان، فأمر بها أن تخرج من الباب الذي ليس عنده قريش ثم خرج إلى قريش فقال: وصل الله
[ ٧ / ٥٤ ]
أرحامكم، قد قام بها أهل دينها فانصرفوا راشدين.
- وهشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وابنه أبو جهل بن هشام فرعون هذه الأمة، قتله الله كافرًا ببدر، وهو الذي كان رئيسهم، وأبوه هشام مات قبل ذلك كافرًا أيضًا.
وأخوه الحارث بن هشام الذي أكرمه الله تعالى بالإسلام، وقد تقدم ذكره قبل.
- ومن ولد أبي جهل: عكرمة، أسلم يوم الفتح، فحسن إسلامه، وشهد الفتوح بالشام، فأبلى البلاء الحسن حتى استشهد ﵁.
- ومنهم: الوليد بن المغيرة، كان ذا عقل وفهم، فلم يغن عن ذلك شيئًا، إذ لم يوفق للإسلام.
- وابنه خالد بن الوليد، سيف الله، أسلم بعد الخندق، وشهد المشاهد كلها، وحضر مؤتة؛ فأبلى فيها بلاء حسنًا لم يسمع مثله، حتى اندقت في يده
[ ٧ / ٥٥ ]
تسعة أسياف، ولم تصبر معه إلا صفيحة يمانية، وهو صاحب الحيرة، وصاحب اليمامة، واليرموك، وفارس الإسلام، ومناقبه أشهر من أن تذكر.
- وأخوه الوليد بن الوليد، كان متقدم الإسلام، ومن المستضعفين بمكة، وقد تقدم ذكرنا لدعاء رسول الله - ﷺ - له.
- وأخوه هشام بن الوليد، كان من أشراف قريش، وهو الذي قتل أبا أزيهر، والقصة مشهورة، وهو الذي (١٥/ب) أشار على عمر بتدوين الدواوين، وحكى له أنه رآهم بأرض الروم يفعلونه؛ ففعله عمر ﵁.
- وأخوه عمارة بن الوليد، كان من شعراء قريش وظرفائهم، ولم يكن فيهم أحد يشبهه في الجمال، وهو الذي أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى النجاشي من أجل مهاجرة الحبشة، وقصته مشهورة.
- ومنهم: عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن
[ ٧ / ٥٦ ]
عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان شريفًا، وولي اليمن لابن الزبير، وله معه قصة.
- ومنهم: عبد الله بن السائب بن أبي السائب: صفي عبد عائذ بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، إمام أهل مكة في القراءة، صلى خلفه عمر بن الخطاب.
- وأبوه: السائب شريك رسول الله - ﷺ -، الذي مدحه بأنه كان لا يسارى ولا يمارى.
- ومنهم: أبو أمية المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، زاد الركب.
- ومن ولده: أم سلمة، وقد تقدم ذكرها.
- ومن ولده: زهير بن أبي أمية بن المغيرة، وكان من أعداء المصطفى - ﷺ -؛ الشديدي العداوة له، وهو الذي يقولن: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا﴾، ثم أسلم فحسن إسلامه واستشهد يوم الطائف.
[ ٧ / ٥٧ ]
- ومن ولده: عبد الله بن عبد الله، كان شريفًا شاعرًا، ومن شعره:
إذا حدثتك النفس إنك قادر على ما حوت أيدي الرجال فجرت
- ومنهم: عبد الله بن عمرو بن أبي حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قتل يوم الحرة.
- ومنهم: السائب بن أبي السائب بن عائذ بن رفاعة بن أمية بن عائذ، ولد الوليد أمية بن عائذ، قتل كافرًا يوم بدر.
- ومنهم: عبد الله بن المسيب بن عائذ بن عبد الله بن مخزوم، قتل يوم الدار مع عثمان ﵄.
- ومنهم: المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن مخزوم، والمطلب بن عبد الله (١٦/أ) بن المطلب بن حنطب، صاحب الراية، كان له ابن يقال له: الحكم كان جوادًا ممدحًا.
- ومنهم: عثمان بن عثمان بن الشريد بن هرمي بن عامر بن مخزوم،
[ ٧ / ٥٨ ]
وكان يقال له: الشماس، وكان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا، واستشهد يوم أحد، فقال النبي - ﷺ - حين رآه: (إنما كان شماس جنة) كان يقيه بنفسه حتى استشهد.
- ومنهم: أم مكتوم، أم الأعمى: عمرو بن قيس، صاحب النبي - ﷺ - المتقدم ذكره، واسمها: عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم.
- ومنهم: سعيد بن يربوع، أبو هود، كان من المؤلفة، ومن المعمرين بلغ مائة وعشرين سنة، وكان أحد الذين أمرهم عمر بن الخطاب ﵁ فأقاموا أنصاب الحرم.
- وكان ابنه عبد الرحمن بن سعيد من الصالحين.
- ومنهم: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، الفقيه، أحد أئمة التابعين، وفقهاء المدينة السبعة، وأخباره كثيرة؛ ففي فضله ودينه، ومن فضل المدينة أن جعل الله سبحانه
[ ٧ / ٥٩ ]
وتعالى فقيها قرشيًا، وهو سعيد، وسائر الأمصار كان فقهاؤها موالي، ولذلك قصة مروية.
- ومنهم: هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وكان شاعرًا فارسًا.
- ومن ولده: جعدة بن هبيرة، أمه: أم هانئ بنت أبي طالب، استعمله علي ابن أبي طالب ﵁ على خراسان.
- فولد مرة بن كعب بن لؤي: كلابًا، وتيمًا، ويقظة، فكلاب جد رسول الله - ﷺ -، وتيما ويقظة تلقى النساب أولادهم رسول الله - ﷺ - كما قدمنا ذكره.
- فولد كلاب بن مرة: قصيًا وزهرة. فقصي: والد رسول الله - ﷺ -،
[ ٧ / ٦٠ ]
وهو الذي جمع قريشًا، وسكن الحرم، ولم يكن بمكة بيت في الحرم، إنما يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا خوفًا أن يصيبوا فيها فاحشة أو جناية حتى سكنها قصي، واجتمعت (١٦/ب) إليه القبائل، ونفى خزاعة وبني بكر، واستعان عليهم بأخيه لأمه، وفي ذلك قصة طويلة، تركتها اختصارًا.
وأجار بالناس قصي وغلب صوفة، وأخذ ما كان إليهم من ذلك، واستولى على جميع ما كانت خزاعة وغيرهم من العرب غلبت قريشًا عليه، مضافًا إلى ذلك ما كان بقي بأيدي قريش من الحجابة والإفاضة، وذلك لما أراده الله تعالى من كرامة نبيه - ﷺ -، ورد ميراث إسماعيل ﵇ إلى أولاده.
فكان قصي أول بني كعب، أصاب ملكًا، أطاع له به قومه، فابتنى دار الندوة، وجعل بابها إلى البيت، ففيها كان يكون أمر قريش كله، وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة فيما ينوبهم، حتى إن الجارية تبلغ تدرع فما يشق درعها إلا فيها، ثم مطلوبها إلى أهلها، ولا يعقدون لواء حرب لهم إلا فيها، تشريفًا لقصي وتيمنًا به، فكان أمره فيها ماضيًا في حياته وبعد موته، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة.
وقعط قصي مكة رباعًا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم التي عرفوا بها، وسمي مجمعًا لما جمع من أمر قريش، وأدخل قصي بطون قريش كلها الأبطح، فسموا قريش البطائح، وأقام بنو معيص بن عامر بن لؤي، وبنو تيم الأردم بن غالب بن فهر، وبنو محارب بن فهر، بظهر مكة، فهؤلاء قريش الظواهر؛ لأنهم لم يهبطوا مع قصي الأبطح، إلا أن رهط أبو عبيدة بن الجراح، وهم من بني الحارث بن فهر نزلوا الأبطح، فهم مع المطيبين أهل
[ ٧ / ٦١ ]
البطاح.
وأحدث لهم قصيًا أمورًا التزموها، لم نرد ذكرها؛ لأن ما جاء الشرع منها بإيجابه فهو الواجب، وكذلك ماحسنه الشرع منها وندب إليه فهو الحسن، من ذلك: دار الندوة التي كان قصي ألزمها قريشًا فبنيت.
وكان قصي يقول: (يا معشر قريش، إنكم جيران الله، وأهل (١٧/أ) بيته وأهل الحرم، وإن الحاج ضيفان وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحج، حتى يصدروا عنك، ففعلوا، فكانوا يُخرجون ذلك كل عام من أموالهم خرجًا يترافدون به، فيدفعونه إليه، فيصنع الطعام للناس أياما لحج بمنى وبمكة، ويصنع حياضًا للماء من أدم فيسقى فيها بمكة وبمنى وعرفة، فجرى ذلك من أمره في الجاهلة على قومه حتى قام الإسلام، ثم جروا في الإسلام على ذلك إلى اليوم.
وكان من أهل مكة من قريش يسمون أهل الله؛ لأنهم لم يفارقوا مكة وما قاربها منذ خلقوا، ولم يدعوا ميراثهم عن أبيهم إسماعيل بن إبراهيم، ودفع الله عنهم الفيل والجنود، ولذلك قصة، وقيل فيها أشعار، وكل ذلك مشهور فتركت ذكره.
ويلقى رسول الله - ﷺ - عند كلاب جماعة:
[ ٧ / ٦٢ ]
- منهم: أم رسول الله - ﷺ -: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.
- وعبد الرحمن بن عوف ببن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، أحد المهاجرين البدريين، وأحد العشرة، وفضائله جمة، وأولاده: إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة؛ كانوا فضلاء فقهاء ذوي رواية.
واسم أبي سلمة: عبد الله، وهو أوسعهم رواية وفقهًا.
* وسهيل بن عبد الرحمن بن عوف أخوهم أيضًا يكنى بأبي الأبيض.
- ومنهم: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله ابن الحارث بن زهرة، أبو بكر الفقيه المحدث، كان من العلم والرسوخ فيه بمكان بيغ، وكان سخيًا زاهدًا.
قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا أقص للحديث من الزهري.
[ ٧ / ٦٣ ]
- وسعد بن أبي وقاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، من المهاجرين الأولين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأول من أهرق دمًا في سبيل الله، ولاه عمر بن الخطاب ﵁ ملك فارس، وهو الذي فتح العراق، ونفى الأعاجم، وكوف الكوفة وفضائله معروفة.
وابناه: عامر بن سعد، ومصعب بن سعد، كانا من أهل (١٧/ب) الفضل والدين والرواية، وأخوهما عمر بن سعد هو الذي تولى أمر محاربة الحسين ﵁، وكان سعد لا يحبه على كونه كان من فتيان قريش جلدًا ونسبًا، فغضب عليه سعد فكلمه جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - أن يكلمه وأن يأذن له ليعتذر، وكان عمر سألهم عن ذلك. فكلفهموه فأذن له في الدخول والاعتذار، فتكلم كلامًا بليغًا أعجب القوم به. فقال سعد: أبغض ما كان إلي الساعة، لأني سمعت النبي - ﷺ - يقول: (إن من البيان لسحرًا).
* وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وهو المرقال، وكان بطلًا شجاعًا، شهد صفين مع علي ﵇، وأخباره معروفة أيضًا، وهو أبن أخي سعد.
[ ٧ / ٦٤ ]
* وعتبة بن أبي وقاص، أبوه، كان من الأشقياء الشديدي العداوة للمصطفى - ﷺ -، وهو كسر رباعيته يوم أحد، وكان شديدًا ذا بأس، وكان يقال له: أحمد العينين.
* ومنهم: عبد الله بن الأرقم بن الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة؛ الذي كان على بيت المال زمن عثمان ﵁، وكان من الصالحين.
* والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، كان من المستزئين الكافرين.
وولده: عبد الرحمن بن الأسود، وكان من خيار المسلمين الصالحين.
* ومنهم: المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، كان من الصالحين، وكان أبوه من المعمرين من قريش.
ذكر الواقدي: إنه بلغ مائة وخمس عشرة سنة، وإنه من الذين بعثهم عمر ﵁، فأقاموا أنصاب الحرم.
[ ٧ / ٦٥ ]
- فولد قصي: عبد مناف واسمه المغيرة، وعبد العزى، وعبد الدار، وعبدًا، وبرة، وتخمر، وأمهم كلهم، حبى بنت حليل.
- وعبد مناف والد رسول الله - ﷺ -، ويلقى رسول الله - ﷺ - في قصي: عبد العزى بن قصي، وهو أخو عبد مناف لأمه، وأمه هي والدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي زوجة المصطفى - ﷺ - ورضي الله عنها، والأثيرة عنده، والمساعدة له (١٨/أ) على الدين، ولم يتزوج رسول الله - ﷺ - في حياتها، وأولاده - ﷺ - كلهم منها سوى إبراهيم -وأمه مارية- وفضائلها مشهورة.
- والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، مهاجري حواري بدري، أحد العشرة ثم أحد الشورى، ومناقبه مشهورة.
- من ولده: عبد الله بن الزبير، أول مولود ولد للمسلمين بالمدينة، وكان شجاعًا عالمًا عابدًا، قيل لعبد الله بن عمر: أي ابني الزبير أشجع؟ قال: ما
[ ٧ / ٦٦ ]
منهما إلا شجاع، كل واحد منهما أقدم على الموت وهو يراه.
- وعروة أخوهما، كان فاضلًا راويًا زاهدًا عابدًا.
وعمرو بن الزبير أخوهم، وخالد بن الزبير، وغيرهم من أولاده وأولاد أولاده، ولهم بقية وعدد.
- وحكيم بن حزام، كان من شيخان قريش، أسلم فحسن إسلامه، وأعطاه رسول الله - ﷺ - في المؤلفة قلوبهم، فقال: يا رسول الله، إن كنت إنما أعطيتني استئلافًا على الإسلام، فقد والله دخل الإسلام قلبي ما دونه شيء، وإن كنت تعطينيه على غير ذلك آخذ به، ورجوت بركته. فقال النبي - ﷺ -: (خذه، بارك الله لك فيه)، وكان من المعمرين، بلغ عشرين ومائة سنة.
- وخالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
- ومن بني أسد بن عبد العزى: بسرة بن صفوان بنت نوفل بن أسد بن
[ ٧ / ٦٧ ]
عبد العزى، لها صحبة، ورواية في مس الفرج وغير ذلك، وكانت جدة عبد الملك بن مروان من قبل أمه.
- وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، كان ممن طلب الدين، ورغب عن دين قومه، وقرأ الكتب، ومات على التوحيد فيما يقال.
- وعدي بن نوفل بن أسد، كان ولي حضرموت.
- وأبو البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد، كان ممن قام في الصحيفة، فكان رسول الله - ﷺ - شكر ذلك له، وأمر يوم بدر ألا يقتل فلقيه المجذر بن زياد (١٨/ب) فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عن قتلك، فقال: هذا؟ ضيفًا له، قال: لا، فحمل عليه، وهو يقول:
لن يسلم ابن حرة زميله حتى يموت أو يرى سبيله
وكان من المطعمين يوم بدر.
- وحميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، ولد في جوف الكعبة.
[ ٧ / ٦٨ ]
- وتويت بن حبيب بن أسد، وعثمان البطريق الشاعر، ابن الحويرث ابن أسد، وله قصة في إرادته التملك على قريش، وطلبه ذلك من قيصر معروفة.
- ومنهم: الأسود بن المطلب، وكان من المستهزئين، وزمعة بن الأسود، كان من المطعمين يوم بدر، وقتل يوم بدر كافرًا.
وأخوه عقيل بن الأسود، وابنه: الحارث بن زمعة، قتلوا يوم بدر كفارًا.
وهبار بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، هو الذي نخس زينب بنت رسول الله - ﷺ - حين خرجت مهاجرة، فكان رسول الله - ﷺ - أمر بقتله، فلم يقتل حتى أسلم، وكان فاحشًا كثير الشر في الجاهلية،
[ ٧ / ٦٩ ]
فكان بعد إسلامه يُظلم فلا يتكلم، ويؤذى فلا ينتصر مما فدعه الإسلام أوقده به، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يُكلم من كلمه).
وابنه: إسماعيل بن هبار.
ومنهم: عبد الله بن السائب بن أبي حبيش، كان من أشراف قريش، وذوي اللسان منهم.
وابنه: أبو الحارث، كان أفصح أهل دهره.
* * وبنو عبد الدار بن قصي، منهم: الحجة، وهم ولد أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي.
- ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، بدري، شهد المشاهد كلها، وهاجر الهجرتين، وهو المقرئ الذي بعثه رسول الله - ﷺ - إلى المدينة قبل قدومه - ﷺ - إليها، فأقرأهم القرىن بعد أن دعاهم إلى الله تعالى، وأسلم على يديه بشر كثير، منهم: سعد بن معاذ، وهو أول من قام الجمعة (١٩/أ) بالمدينة، وقتل يوم أحد شهيدًا، قتله أبي بن خلف في وقاية مصعب النبي - ﷺ - بنفسه.
[ ٧ / ٧٠ ]
وذلك أن أبيًا قصد النبي - ﷺ - ليطعنه، فرأى مصعب ذلك، فرمى بنفسه بين رسول الله - ﷺ - وأبي، فوقعت الطعنة فيه. وقد تقدم ذكرنا لذلك، فيالها من قتلة ما أكرمها، وشهادة ما أعظمها.
ولما لقي رسول الله - ﷺ - زوجة مصعب هذا يوم أحد، وهي حمنة بنت جحش، أخت زينب. قال لها: (يا حمنة، استرجعي)، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: (قتل خالك حمزة بن عبد المطلب، يا حمنة استرجعي)، قالت: إن لله وإنا إليه راجعون، قال: (قتل أخوك عبد الله بن جحش، يا حمنة، استرجعي)، قالت: ماذا يا رسول الله؟ قال: (يا حمنة استرجعي) مرتين، ونحو ذلك، ثم قال: (قتل زوجك مصعب بن عمير)، فقالت: واحزناه، فقال النبي - ﷺ -: (إن الزوج من المرأة لبمكان) أو نحو ذلك.
- ومنهم سويبط بن سعد بن حرملة بن السباق بن عبد الدار بن قصي، مهاجري بدري، لا عقب له.
- ومنهم: النضر بن الحارث، قتل يوم بدر صبرًا، بأمر المصطفى - ﷺ -، وهو الذي أنزل الله سبحانه فيه ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾، وقيل: إن ابنته
[ ٧ / ٧١ ]
رثته بأبيات لم أذكرها؛ لأن العلماء لم يثبتوها.
ومنهم: برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، جدة رسول الله - ﷺ -.
ومنهم: شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، كان من سادات قريش.
وابنه: عبد الله بن شيبة الأصغر، يقال له: (الأعجم)، وله مع خالد القسيري في فتح باب الكعبة ليلًا حديث.
* وبنو عبد بن قصي، منهم: طليب بن عمير بن وهب بن عبد قصي، وانقرض ولد عبد قصي، فلم يبق منهم أحد، آخرهم موتًا رجل ورثهم عبد الصمد بن علي وعبد الله بن (١٩/ب) عروة بن الزبير بالتعدد، ورجل من بني نوفل بن عبد مناف.
فولد عبد مناف: هاشمًا، واسمه عمرو، وكان يقال له: (عمرو العلي)؛ هشم الخبز وثرده، وأطعمه فسمي هاشمًا.
[ ٧ / ٧٢ ]
والمطلب، وكان يقال له: الفياض والفيض.
وعبد شمس، ونوفلًا.
وكان يقال لهاشم والمطلب: البدران.
ولعبد شمس ونوفل: الأمهران.
وأبا عمر، وعبيدًا، وحية، وتماضر، وأم الأخثم، واسمها هالة، وأم سفيان، وقلابة، وريطة.
وكان يقال: لهاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل أولاد عبد مناف: أقداح النضار، وهم المجيزون؛ لأنهم خيروا قومهم، وأحيوا مآثرهم.
- وأما ابن جدهم قصي، فهاشم: أبو النبي - ﷺ -، وهو أول من سن الرحلتين، وولي الرفادة والسقاية باصطلاح قريش على ذلك، وكان يحض على إقامة الرفادة، ويأمر قريشًا أن يكون من أطيب أموالهم، وألا يكون فيها شيء أخذ من غصب ولا قطيعة رحم ولا ظلم.
ويقول: أنتم جيران الله وأهل بيته، ويأتيكم في هذا الموسم زوار الله، يعظمون حرمة بيته، فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خصكم الله بذلك، وأكرمكم به، فأكرموا ضيفه وزواره؛ فإنهم يأتون شعثًا
[ ٧ / ٧٣ ]
غبرًا من كل بلد على ضوامر كالقداح، قد أرجفوا، وتفلوا، وقملوا، وأرملوا.
وكان يقول: ورب هذه البيتة لو كان مالي يحمل ذلك ما كلفتكموه، وأنا مخرج من طيب مالي وحلاله، ما لم يقطع فيه برحم، ولم يوجد بظلم، ولم يدخل فيه حرام: فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فليفعل، فأسألكم أن لا يخرج منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبًا، لم يوجد ظلمًا، ولم يقطع فيه رحم، ولم يوجد غصبًا.
فكانت بنو كعب بن لؤي يشهدون ذلك ثم يخرجونه من أموالهم حتى يأتوا به هاشمًا، فكان ربما حمل (٢٠/أ) الرجل منهم بمائة مثقال هرقلية، وكان يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم، وذلك قبل أن يحفر، ثم يستقى فيها من البئار التي بمكة، فيشرب الحاج، وكان يطعمهم أول ما يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة ومنى وجمع وعرفة، وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق والتمر، ويتفرق الناس إلى بلادهم، وإنما سمي هاشم هاشمًا لهشمه الخبز ثريدًا، وكان اسمه عمرو العُلي فقال الشاعر:
عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
وإنما سموا المجبرين؛ لأنهم أولمن نفع الله بهم قومهم، أعني هؤلاء
[ ٧ / ٧٤ ]
الأربعة: هاشمًا، ونوفلًا، والمطلب، وعبد شمس رفع الله بهم قريشًا ونفعهم وجبرهم؛ لأن قريشًا إنما كانت تنحر بمكة لا يتعداها، وربما انصفت مع من يخرج من الأعاجم.
فركب هاشم فأخذ لهم خيلًا من قيصر، وله معه قصه، وكتب له قيصر كتابًا بذلك، فجعل هاشم كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافًا، والإيلاف: أن يأمنوا عندهم وفي أرضهم بغير حلف، وإنما هو أمان، وعلى أن قريشًا تحمل لهم بضائع فيكفونهم حملانها، ويؤدي إليهم رأس مالهم وربحهم فذلك الإيلاف، فأخذ هاشم إيلاف من بينه وبين الشام حتى قدم مكة، فأتاهم بأعظم شيء أتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم يجوزهم، ويوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يوفيهم، ويجمع بينهم وبين العرب حتى ورد بهم الشام، وأحلهم قراها، ومات في ذلك السفر بغزة من الشام.
* وخرج المطلب أخوه إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم حبلا لم يخبر قبلهم من قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى أتى مكة على مثل ما كان هاشم أخذه، وهلك المطلب بردمان من اليمن.
[ ٧ / ٧٥ ]
* وخرج نوفل (٢٠/ب) أخوهما، وهو أصغر ولد عبد مناف، فأخذ حبلًا من كسرى لتجارة قريش ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى قدم مكة ثم رجع إلى العراق فمات بسلمان من أرض العراق.
* وخرج عبد شمس فأخذ لهم حبلًا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك الحبل إلى أرض الحبشة، فجبر الله لهم قريشًا، فسموا المجبرين.
وكانوا أول من أخذ لقريش العصم والقسم وأمن الحرم، حتى قال ابن عباس ﵁: لقد علمت قريش أن أول من أخذ الإيلاف وأجار لها الغبرات لهاشم، حتى عدد أشياء كان هاشم أول من عملها.
وروى ابن سعد في الطبقات: أن ابن عباس قال: لما أنزل الله على النبي - ﷺ -: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ خرج حتى علا المروة ثم قال: (يا آل فهر)، فجاءته قريش، فقال أبو لهب بن عبد المطلب: هذه فهر عندك، فقال: (يا آل غالب)، فرجع بنو محارب وبنو الحارث ابنا فهر، فقال: (يا آل لؤي)، فرجع بنو تميم الأدرم بن غالب، فقال: (يا آل كعب بن لؤي)، فرجع بنو عامر بن لؤي، فقال: (يا آل مرة بن كعب)، فرجع بنو عدي بن كعب، وبنو سهم، وبنو جمح ابنا عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي.
فقال: (يا آل كلاب بن مرة)، فرجع بنو مخزوم بن يقظة وبنو تميم بن
[ ٧ / ٧٦ ]
مرة، فقال: (يا آل قصي)، فرجع بنو زهرة بن كلاب، فقال: (يا آل عبد مناف)، فرجع بنو عبد الدار بن قصي، وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو عبد بن قصي، فقال أبو لهب: هذه بنو عبد مناف عندك.
فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله قد امرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم الأقربون من قريش، وإني لا أملك لكم من الله شيئًا، ولا من الآخر نصيبًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله فأشهد لكم بها عند ربكم، وتدين لكم بها العرب، وتذل لكم بها العجم). فقال أبو لهب: تبا لك! فلهذا دعوتنا، فأنزل الله ﷿: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾.
يقول: كسرت يدا أبي لهب.
* ويلقى رسول الله - ﷺ - عند عبد مناف أولا المطلب بن عبد مناف: أبو رهم الأكبر، وأبو رهم الأصغر ابنا المطلب، (٢١/أ) لا عقب لهما، وحارث ابن المطلب، وهاشم بن المطلب، وأبو عمرو بن المطلب، وعباد، والحارث، وأبو شمران ومحصن، وعلقمة، وعمرو: بنو المطلب بن عبد مناف.
- فمن ولد الحارث بن المطلب: عبيدة بن الحارث، وهو أحد أصحاب النبي - ﷺ -، ومن المهاجرين الأولين البدريين، فاستشهد ببدر، وقال وهو عقير، يا رسول الله، وددت أن أبا طالب حيًا حتى يرى أنا صرعنا حولك قبل
[ ٧ / ٧٧ ]
أن نسلمك، وأنشد قول أبي طالب:
ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وقد انقرضت أعقاب بني الحارث بن المطلب إلا من نساء ولدن في القبائل.
- ومن ولد عباد بن المطلب: أثاثة بن عباد، وابنه: مسطح، من المهاجرين البدريين.
- ولد علقمة بن عبد المطلب: أبو نبقة، واسمه عبد الله بن علقمة بن المطلب.
وعمرو بن علقمة المقتول المتحاكم في أمره إلى الوليد بن المغيرة؛ حيث يقول أبو طالب:
أفي فضل حبل، لا أبا لك ضربه بمنسأة قد جاء حبل بأحبل
هلم إلى حكم ابن صخرة فإنه متى ما يحكم في العشيرة يعدل
[ ٧ / ٧٨ ]
وصخرة: هي أم الوليد بن المغيرة.
ومسعود بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، وعثمان بن علقمة، وعامر ابن علقمة، وقد انقرض ولد علقمة فلم يبق إلا آل أبي نبقة بن علقمة. وولد هاشم بن المطلب: عبد يزيد بن هاشم، وكان يقال لعبد يزيد (المحض)؛ لأن أمه: الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف، وكان أول منافي ولدبه مناقبه.
ومن ولده: عجير بن عبد يزيد، وركانة بن عبد يزيد، السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي.
- ومن ولده: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد الشافعي الإمام. فهو يجتمع مع النبي صلى الله عليه (٢١/ب) وسلم في عبد مناف.
- وعمرو بن المطلب بن عبد مناف لا عقب له.
وولد مخرمة بن المطلب: قيس، والقاسم، والصلت.
[ ٧ / ٧٩ ]
ومن ولد قيس بين مخرمة: عبد الله بن قيس، والي المدينة من قبل الحجاج ابن يوسف.
ومن ولد الصلت بن مخرمة: جهيم بن الصلت؛ الذي رأى الرؤيا قبل بدر بمقتل من قتل بها من كبراء قريش التي أنكرها أبو جهل، وقال: جئتمونا بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم، فهؤلاء بنو المطلب بن عبد مناف.
- ويلقاه بنو عبد شمس بن عبد مناف عند عبد مناف أيضًا.
- فمن ولد عبد شمس: أمية الأكبر ومن ولده: أبو العاص بن أمية، والعاص بن أمية، والعيص، وأبو العيص، وهم الأعياص.
- وربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف من ولده: عتبة وشيبة ابنا ربيعة. كانا من المطعمين يوم بدر، وبارزا ومعهما الوليد بن عتبة قتلوا كفارًا وكان عتبة قد حرض بقريش أن تنصرف فلم يطيعوه، وكان يتردد بينهم في ذلك على جمل أحمر، فقال المصطفى - ﷺ - فيما روي عنه: (إن يكن في أحد خير
[ ٧ / ٨٠ ]
من القوم ففي صاحب الجمل الأحمر).
ومن ولده: عتبة بن ربيعة، أبو حذيفة بن عتبة، من المهاجرين الأولين البدريين، فاستشهد باليمامة، ويقال: إنه استأذن النبي - ﷺ - أن يبرز لابنه يوم بدر، فمنعه النبي - ﷺ - وقال له خيرًا.
وابنه: محمد بن أبي حذيفة بن عتبة، وكان يتيمًا في حجر عثمان ﵁، ثم كان أحد الواثبين عليه، فقتل بالشام.
- وحبيب بن عبد شمس، ومن بني حبيب بن عبد شمس: عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وكان أميرًا بالبصرة.
- وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس: له صحبة ورواية عن النبي - ﷺ -.
* وعبد العزى بن عبد شمس من ولده: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس، وكانت تحته زينب بنت النبي - ﷺ -، ومدحه المصطفى عليه
[ ٧ / ٨١ ]
(٢٢/أ) الصلاة والسلام في مصاهرته فقال: (إن أبا العاص حدثني فأصدقني ووعدني فوفى لي). فولدت زينب لأبي العاص المذكور، عليًا وأمامة التي كان يحملها في صلاته.
* وتزوج علي بن أبي طالب ﵁ أمامة بعد خالتها فاطمة الزهراء ﵂، وهي أوصته بذلك، فولدت له محمدًا، وقتل عنها علي ﵁، فخلف عليها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فلم تلد له، وماتت لا عقب لها.
* وحرب بن أمية، كان شريفًا، وولده: أبو سفيان صخر بن حرب، كان رئيس قريش يوم أحد، ثم أسلم يوم الفتح، ثم حسن إسلامه، وفقئت عينه يوم اليرموك.
* وابنه: معاوية بن أبي سفيان، ولي الشام أميرًا عشرين سنة، ثم ولي الخلافة بعد مبايعة الحسن بن علي ﵄- له وتسليم الأمر إليه.
وكان حليمًا سؤددًا، واستعمله عمر فرضي عنه، ولم يتنكر عليه في ولايته، وهو أحد كتاب رسول الله - ﷺ - كما قدمنا ذكره.
[ ٧ / ٨٢ ]
* وأخوه: يزيد بن أبي سفيان، كان أكبر من معاوية، واستعمله عمر ﵁، ورتب أخاه معاوية مكانه، فأقره عمر، توفي يزيد في أيامه بطاعون عمواس.
* وأختهما: أم حبيبة زوجة المصطفى - ﷺ -، إلى غيرهم من أولاده.
* ومن ولده: معاوية، يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
* ومن ولده: معاوية بن يزيد بن معاوية ولي الأمر أيامًا.
* وأخوه: خالد بن يزيد بن معاوية، ومن ولده: حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، وأخوه: يزيد بن خالد بن يزيد.
* ومن بني أمية بن عبد شمس: مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وكان من فتيان قريش، وكان صديق أبي طالب، ورثاه أبو طالب بالقصيدة المعروفة التي أولها:
ليت شعري مسافر بن أبي عمرو.
[ ٧ / ٨٣ ]
* وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، كان من المهاجرين الأولين، وشهد المشاهد سوى بدر؛ فإنه تخلف على رقية بنت المصطفى - ﷺ -، فضرب له رسول الله (٢٢/ب) - ﷺ - بسهمه وأجره، وهو أحد الشورى الستة، والخلفاء الأربعة، وجهز جيش العسرة، وتزوج الكريمتين: رقية وأم كلثوم؛ واحدة بعد أخرى، وأولاهما تزوج بها رقية بمكة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنًا فسماه عبد الله، وكان يكنى به.
وبلغ عبد الله من العمر ست سنين، ونقر عينه ديك فتورم وجهه، ومرض ومات، وصلى عليه رسول الله - ﷺ -، ونزل أبوه عثمان في حفرته، ثم توفيت رقية ﵂، فتزوج عثمان ﵁ بعدها أم كلثوم، فتوفيت أيضًا عنده،،لم تلد له.
وفضائل عثمان كثيرة.
* وله أولاد، منهم: عبد الله الأكبر غير الذي من رقية؛ فإنه الأصغر سنًا، وعمر، وأبان، وخالد وغيرهم، ولهم عقب حتى اليوم.
* ومن ولد أبي العاص بن أمية: الحكم بن أبي العاص، وابنه مروان، وقد ولي الأمر شهورًا، وأولاده جماعة، منهم:
[ ٧ / ٨٤ ]
* عبد الملك، وولي الأمر بعده مع خلافة لابن الزبير وبعده.
* ولعبد الملك أولاد جماعة، وولي الأمر منهم أربعة:
الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وهشام ابن عبد الملك، ومسلمة بن عبد الملك منهم، ولم يل الأمر، وكان غزاء.
ولهم أولا وعقب ..
* ومن ولد مروان أيضًا: عبد العزيز بن مروان، وولده: عمر بن عبد العزيز، كان من أئمة الهدى والخلفاء الراشدين.
* ومن ولد العاصي بن أمية بن عبد شمس: سعيد وهو أبو أحيحة، وكان شريفًا، ومن ولده: العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس، قتل يوم بدر كافرًا.
* ومن ولده: سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس، وكان أميرًا بالمدينة، وكان مشكور الولاية.
[ ٧ / ٨٥ ]
* وابنه: عمرو بن سعيد، الأشدق، الذي وثب على عبد الملك بن مروان فلم (٢٣/أ) يتم أمره وقتل، ومن ولده: أبان بن سعيد، قتل يوم أجنادين شهيدًا، ومن ولده: عبد الله بن أبان بن سعيد، كان اسمه الحكم، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله.
* وسعيد بن سعيد: أخو أبان، قتل يوم الطائف، وعمرو بن سعيد أخوهما قتل يوم أجنادين، وخالد بن سعيد آخرهم، قتل يوم أجنادين، كان من مهاجرة الحبشة، وكان متقدم الإسلام.
* وولده: سعيد بن خالد بن سعيد، ولد له بأرض الحبشة، وأمه بنت خالد، روت عن النبي - ﷺ -، وتزوجها الزبير فولدت له خالدًا وعمرًا، ولا عقب لخالد بن سعيد، ولا لأحد من ولد سعيد بن العاصي إلا العاصي بن سعيد.
* ومن ولده: أبو عمر سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: صاحب المغازي واللغة.
* وأبوه يحيى وعمه، وهما لغويان أيضًا.
[ ٧ / ٨٦ ]
* ومن بني أمية بن عبد شمس: عقبة بن أبي معيط، أبان بن أبي عمرو، ذكوان بن أمية بن عبد شمس، وقيل: إن ذكوان كان عبدًا لأمية فاستلحقه، والأول أثبت وأكثر، أسر يوم بدر فأمر رسول الله - ﷺ - فقتل صبرًا.
* وبنوه: الوليد بن عقبة، وعمارة بن عقبة، وخالد بن عقبة، أسلموا يوم الفتح جميعًا.
* والوليد: هو الذي أقيم عليه الحد، وكان أميرًا بالكوفة، وهو أخو عثمان ابن عفان -﵁- لأمه، أمهما:
أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأختهم أم كلثوم، أسلمت بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة، ثم هاجرت وبايعت، فهي من المهاجرات المبايعات، وهي أول امرأة هاجرت، وقد كان أخواها: الوليد وعمارة لحقاها ليمنعاها؛ فمنعها الله منهما، ثم أسلما بعد ذلك.
ويروى أنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة، وتزوجها عند قدومها المدينة (٢٣/ب) زيد بن حارثة، ثم قتل عنها (يوم) مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام، ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف، ومات عنها، فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرًا ثم ماتت، وهي أخت عثمان أيضًا لأمه
[ ٧ / ٨٧ ]
﵂.
وفيها نزل قوله: ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾.
* ومن ولده: أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة، كان شاعرًا.
*ويلقاه بنو نوفل بن عبد مناف، وهو أخو هاشم لأمه.
* منهم: مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، كان شريفًا مطعمًا، وممن قام في نقض الصحيفة، فشكر له النبي - ﷺ - ذلك، وقال يوم بدر: (لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى -يعني أساري بدر- لوهبتهم له).
* ومنهم: عبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف، من خير
[ ٧ / ٨٨ ]
المسلمين.
* والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، كان شريفًا، قتل يوم بدر كافرًا، وقد كان النبي - ﷺ - فيما روي عنه قال: (من أتى منكم الحارث بن عامر، فلا يقتله، دعوه ليتامى بني نوفل بن مناف)، كذا رواه الأموي في المغازي وغيره.
* ومن ولده: عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي الحسين المحدث، وأبو حسين هو الذي دب إلى خبيب ابن عدي وفي يده الموسى، والحديث في الصحيح.
* فولد هاشم بن عبد مناف: عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، والشفاء، ونضلة، وأسد أو أبا صيفي، وصيفيا، وخالدة، وحية، درج أكثرهم ولم يعقب، ولا عقب لهاشم من غير عبد المطلب.
* وأم عبد المطلب، والشفاء: سلمى الأنصارية النجارية، وكانت سلمى هذه تزوجت بعد هاشم: أحيحة بن الجلاح الأوسي شيخًا أنصاريًا، فولدت له: عمرو، ومعبدًا، وأنيسة، فهم أخوة عبد المطلب والشفاء لأمهما،
[ ٧ / ٨٩ ]
وعمرو بن أحيحة قد عده ابن أبي حاتم من الصحابة الذين رووا عن النبي - ﷺ -، وذكر فيهم، حاتم (٢٤/أ) ورواه عنه ابنه، أبي حاتم، ووهمه ابن عبد البر في ذلك، وتوقى توهيمه له.
وكان عمرة بن أحيحة حليمًا وقورًا، يسمع الأذى فيغضى عنه فيقال: لم تقر ما تسمع من الأذى؟ فيقول: لو أني آخذ بطرف شرارة أذى يبلغني لخسرت دونه، ولم أبلغ في ذلك ما أريد، وشغلني ذلك عن غيره، وأدرك من يبلغني ذلك عنه الذي طلب، والصمت على ما يكره المرء خير من السمعة إذا تكلم المتكلم في الشيء، ثم نزع عنه قبل أن يبلغ أقصى الذي يتكلم فيه، عجزه ذو الرأي والفضل واللب والفصل، ومن عارض الناس في كل ما يكره منهم، أشتد ذلك عليه، وانكشف للناس من أمره ما لا يحب أن ينكشف لهم منه.
ومن حاجى ليس له بخطر لم يصغر إلا عرضه، وهان على من كان يكرمه، واجترأ عليه من كان يهابه، وصغر من كان يجله، وإذا استشرى الشيء، وصون المرء نفسه بالعلم خير من ابتذالها بالجهل، والفراغ من إدارة أمر لا يعنيك ولا ينفعك خير من الوقوف عليه، وشغلك عن سواه من إكرام عرض وصون حسب، ومن ماط الناس ماطوه، ومن قال ما ليس فيهم، قالوا عنه ما ليس فيه.
واستمع ما يقال للناس في أنفسهم، ولا تجعل للناس مقالًا عليك فيما
[ ٧ / ٩٠ ]
بينهم، وأخرس نفسك من غيرك، وكن عليها أشد سلطانًا، ووقرها بالحلم يوقرك سواك، فإن الحلم رأس الحكمة، ومن كان حليمًا كان حكيمًا.
* وكان هاشم دخل المدينة، فنزل على عمرو بن زيد، أبي سلمى، فخطبها إلى أبيها فزوجها إياه، وشرط عليه ألا تلد ولدًا إلا في أهلها، فمضى فلم يبن بها حتى كر، فبنى بها عند أهلها، وسكن معها سنين.
ثم نقلها إلى مكة، فما حملت خرج بها فوضها عند أهلها للشرك الذي شرطه له، ومضى هشام إلى الشام فمات بغزة في وجهة الشام كما ذكرنا أولًا.
وولدت عبد المطلب؛ فسمته شيبة (٢٤/ب) الحمد، وكانت في ذوابيه شعرة بيضاء حين ولد، فيقال بذلك سمي شيبة، فمكثب بالمدينة سنين سبعًا ثم مر رجلًا بها بينما رآه مع الغلمان يتنضل، والحديث معروف، وإنما أذكر ملخصه: فأنصرف فأخبر عمه المطلب، فقصد المطلب المدينة، فرآه فقال له: يا ابن أخ، أنا عمك، وأريد الذهاب بك إلى قومك، فاركب قال: فوالله ما كذب، أن جلس على عجز الراحلة، وأجلس المطلب على الرحل، وانطلق به، وكان ذلك مكتومًا عن أمه، فما علمت به علقت تدعو أخوتها على ابنها، فأخبرت أن عمه ذهب به، فلما رأى الناس المطلب وشيبة الحمد معه، جعلوا يقولون له: من هذا معك؟ فيقول: عبدًا ابتعته، فقال الناس: عبد المطلب، فلح اسمه عبد المطلب وترك شيبة الحمد، ثم إن المطلب ألبسه عشاء الحلة ثم أجلسه في مجلس بني عبد مناف، وكان عبد المطلب ممن ثبت حين جاء
[ ٧ / ٩١ ]
الفيل، ومن معه، وفرت قريش وثبت هو، وهو شاب، وقال: والله لا أخرج من حرم الله أبغي العز في غيره، ثم قال:
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك
والقصة مشهورة، ثم لم يزل باقيًا في الحرم، حتى أهلك الله الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيهم وشرف؛ لتعظيمة محارم الله سبحانه، ثم أري في المنام بعد، أن يحفر زمزم بعد ذلك فحفرها، والقصة مشهورة، وله بها ولبنيه الفضيلة الكبرى الباقية التالدة، فحسدته قريش على ذلك بأسرها.
وعظم في أنفسهم ما ناله، حتى إن كان أحدهم ليحمله الحسد حتى تجيء فيفسد عليه حوضه ذلك، فلا يتناهى عن ذلك، حتى ابتلي بلاء في جسده، فكف الناس عنه، وعلموا أنه لأمر، ولما حفرها، وسط الماء وجد فيها الغزال والحلية الذهب (٢٥/أ) فجعلها للكعبة.
ثم نذر ذبح أحد ولده مع تمامهم عشرة، وكان من أمره في ذلك من الفداء
[ ٧ / ٩٢ ]
ما افتضته علماء السيرة، وكان ذلك كله من المقدمات بين يدي مبعث المصطفى - ﷺ -، والمبشرات إلى قدومه، والمنبهات على زكو مطلعه - ﷺ -، إلا أن عبد المطلب كان في زمنه سيد قريش وشريفها غير مدافع، وعمر حتى ناهز المائة، وكانت هيبة الملك، ومكارم الأخلاق، ونور النبوة يعرف فيه.
وعبد المطلب هو جد رسول الله - ﷺ - الأدنى الألصق، ولا عقب لهاشم من غير عبد المطلب، وإن كان قد ولد لهم من ذكرناهم قبل، ولك انقرض عقبهم.
* فولد عبد المطلب بن هاشم: عبد الله أبا رسول الله - ﷺ -، وأبا طالب، واسمه عبد مناف، والزبير، والحارث، عبد الكعبة، وبه كان يعكنى، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة وهي صاحبة الرؤيا، وهي عجيبة ومشهورة، ومرة، وأروى، وأميمة، وحمزة، والمقوم، وحجلا، وهو المغيرة، وصفية، والعباس، وضرار، وقثم، وأبا لهب، واسمه: عبد العزى، والغيداق، وقيل: إن اسمه نوفل، وقيل: مصعب، فهؤلاء تسعة عشر ولدًا، أو هم ست
[ ٧ / ٩٣ ]
بنات وثلاثة عشر ذكرًا، هكذا ذكرهم الزبير بن بكار الأسدي في كتاب النسب، وناهيك به عالمًا به، وابن كيسان وكان عالمًا بالنسب وغيرهما من العلماء.
وقد اختلف الناس في هذه العدة من أولاد عبد المطلب، فعدهم الجمهور كما ذكرنا، وهم المحققون كالزبير وغيره.
ومنهم: من جعل الذكور أحد عشر، وأسقط عبد الكعبة، وقال: هو المقوم، وجعل الغيداق وحجلا اسمين له أيضًا، فيكون له على قول هذا القائل أربعة أسماء، ولم يصنع هذا القائل شيئًا منهم من العدد على ذلك، وزاد أن أسقط (قثم) فجعلهم عشرة ولم يصنع شيئًا.
والصحيح (٢٥/ب) ما ذكرناه أولًا؛ إذ هو مما ظهر برهانه وأفصح شأنه؛ لأن الغيداق قيل: اسمه نوفل، وأن حجلًا اسمه المغيرة، وقد قيل: إن حجلًا الذي هو المغيرة، إنما هو ابن الزبير بن عبد المطلب، فلأجل ذا أسقطوه من العدد.
وليس ذلك بحجة؛ فإن الزبير قد كان له ابن يسمى حجلًا كما ذكروا، وقيل: إن اسمه المغيرة؛ ولكن لا يدل ذلك على أن عبد المطلب لم يكن له ابن يسمى حجلًا والمغيرة، بل إن الظاهر أن الزبير سمى ولده باسم أخيه، كما سمى العباس ولده قثم باسم أخيه قثم بن عبد المطلب الهالك صغيرًا، حتى
[ ٧ / ٩٤ ]
اشتبه ذلك على من لم ينعم النظر أيضًا فأسقطه من أولاد عبد المطلب كما ذكرنا عنهم آنفًا، وكذلك كما أسقطوه حجلًا سواء للشبهة الواقعة به فيولد ابن الزبير.
* فأما من قال: إن عبد الكعبة هو المقوم، فإنه قول غير بعيد كهذين القولين المقدم ذكرهما، فيكون الذكور على قول من أسقط المقوم، وجعله اسمًا لعبد الكعبة اثني عشر ذكرًا وسقناه أولًا، وهو الأكثر.
* فأما عدد البنات فلم يختلف فيه.
* فأما من أدرك من الرجال منهم بعث النبي - ﷺ - ونبوته فأربعة: أسلم منهم اثنان: حمزة والعباس، ولم يسلم منهم: أبو لهب أبو طالب.
* وأما البنات: فأسلم منهم صفية بغير شك، وبإجماع من العلماء، وأختلف في أروى، عاتكة رائية المنام. قال الواقدي: إن أروى وعاتكة أسلمتا أيضًا، وتابعه على ذلك أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي فذكرهما في الصحابة، وصحح قول الواقدي في إسلامهما، وأبي محمد بن إسحاق، وسائر العلماء، ولم يثبتوا إلا إسلام صفية خاصة.
فهذا إما يعود إلى ذكر الإسلام من أسلم من ولد عبد المطلب ومن لم يسلم ملخصًا استيعابه وتجويده، فهو خواص أخبارهم.
* فأما عبد الله أبو رسول الله - ﷺ -، فإن المصطفى صلى الله عليه (٢٦/أ)
[ ٧ / ٩٥ ]
وسلم كان حيث توفي أبوه عبد الله ابن شهرين، وقيل: كان ابن ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: توفي عبد الله وأمه حامل به - ﷺ - لم تضعه، وقيل: بل خرج زائرًأ أخواله وهو ابن سبعة أشهر، وأصحها وأكثرها ما ذكرناه أولًا واخترناه.
* وكانت وفاة عبد الله بالمدينة، كان خرج إليها يمتار منها تمرًا فتوفي بها، فوليه أخواله بنو النجار، وكان شابًا، وأبوه عبد المطلب حي، ولم يكن لعبد الله ولد سوى النبي - ﷺ - سيد الأولين والآخرين.
* وأما أبو طالب؛ فإن النبي - ﷺ - كفله جده بعد موت أبيه إلى أن مات، واختلف في سن النبي - ﷺ - وقت وفاة جده عبد المطلب، والصحيح من الأقوال أنه كان - ﷺ - إذ ذاك ابن ثمان سنين.
* كما أن الصحيح من الأقوال أن أمه آمنة ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة، وهو ابن ست سنين؛ فكفله أبو طالب.
[ ٧ / ٩٦ ]
* وكان عبد المطلب أوصى به إلى أبي طالب لكونه شقيق ابنه عبد الله، فقام أبو طالب بكفله للمصطفى إلى أن بلغ خمس عشرة سنة، ثم انفرد بنفسه، وكان مائلًا إلى عمه لمحبته له وإشفاقه عليه وحنوه، ثم إن أبا طالب أدرك الإسلام، فلم يسلم، مع دعاء النبي - ﷺ - إلى ذلك، كما جاء في هذا الكتاب الصحيح.
* وأما الزبير بن عبد المطلب، فلم يدرك الإسلام؛ لكن كان له نظر وفكر، أتى فقيل له: مات فلان لرجل من قريش، كان ظلومًا، فقال: بأي عقوبة مات؟ قالوا: مات حتف أنفه، قال: لئن كان ما قلتم حقًا، إن للناس معادًا يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم.
* وأما الحارث، وضرار، والغيداق، وعبد الكعبة، وأم حكيم، وأميمة، وبرة، فلم يدركوا الإسلام.
* وأما أبو لهب: فأدرك الإسلام ولم يسلم، إلا أنه كان قد قام بأمر رسول الله - ﷺ - بعد أبي طالب وحاطه وقارب الرجوع إلى الحق (٢٦/ب)، فما زاده أبو جهل اللعين الذي أردى أخاه أبا طالب أيضًا بأشياء، منها: أن قال له القوم بأمر من تزعم أن عبد المطلب في النار، فأنكرها أبو لهب أن يكون رسول الله - ﷺ - يقول ذلك، فقام له: فسأله، فصرح رسول الله - ﷺ - بالحق، فغضب وانقلب بأشد ما يكون من العداوة للنبي - ﷺ - حتى مات على ذلك.
[ ٧ / ٩٧ ]
* وأما قثم فهلك صغيرًا، كما قدمنا ذكره.
* وأما المقوم وحجل فلم يدركا الإسلام أيضًا.
* وأما صفية فأسلمت بإجماع من العلماء ﵂، وجاهدت وهي أم الزبير بن العوام، وعمرت؛ حتى توفيت في سنة عشرين في خلافة عمر ابن الخطاب ﵂، وقبرها بالبقيع ظاهر حتى اليوم يزار.
* وأما أروى وعاتكة فقد ذكرنا الاختلاف فيهما.
* وأما حمزة ﵁، فهو أسد الله وأسد رسوله، من المهاجرين الأولين، من المتقدمين في الإسلام، أسلم في السنة الثانية من المبعث، وقيل: بل أسلم بعد دخول النبي - ﷺ - دار الأرقم، في السنة السادسة من المبعث، وشهد بدرًا وأبلى فيها البلاء المشهور، وهو عم رسول الله - ﷺ -، وأخوه من الرضاعة كما قدمنا ذكره، وهو أسن من النبي - ﷺ - لسنتين، واستشهد بأحد ﵁.
[ ٧ / ٩٨ ]
* وأما العباس؛ فكان أسن من رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين، وسئل العباس: بكم أنت أكبر من رسول الله - ﷺ -؟ قال: هو أكبر مني، وأنا أسن منه، مولده أبعد عقلي أتى إلى أمي فقيل لها: ولدت آمنة غلامًا، فخرجت بي حين أضحت آخذة بيدي حتى دخلنا عليها فكأني أنظر إليه يمصع برجليه في عرضيه، وجعل النساء يجتذبني عليه، ويقلن: قبل أخاك.
وختمت بالعباس الهجرة، كما ختمت بالنبي - ﷺ - الرسالة.
* وروى عن رسول الله - ﷺ - (٢٧/أ) أنه قال: (هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا وأوصلها).
وفضائله مشهورة كثيرة. وفيه البيت، والعدد، والخلافة بحمد الله ومنه، وكان العباس ثوبًا لعاري بن هاشم، وجفنة لجائعهم، ومقطرة لجاهلهم، وفي ذلك يقول اب هرمة:
وكانت لعباس ثلاث يعدها إذا ما شتاء الناس أصبح أشهبا
فسلسلة تنهى الظلوم وجفنة تباح فيكسوها السنام المزغبا
[ ٧ / ٩٩ ]
وحلة عصب لا تزال معدة لعار ضريك ثوبه قد تهيبا
وكان يمنع الجار، ويبذل المال، ويعطي في النوائب.
* وقال النبي - ﷺ -: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).
وذلك مما صح وثبت عنه - ﷺ -، وهو مما في كتابنا هذا في مسند وائلة بن الأسقع.
فالعباس ﵁ من الكنانيين، ثم من القرشيين، ثم من الهاشميين، ثم هو عم خاتم النبيين، فهو إذًا من خيار القرشيي، ثم من الهاشميين، فهو إذًا خيار من خيار الخيار.
وأمه نتيلة بنت خباب بن النمر بن قاسط، ولدت العباس فانحنت به، وهو أول عربية كست البيت الحرام الحرير والديباج وأصناف الكسوة، وذلك أنها أضيعت العباس وهو صغير؛ فنذرت كسوة البيت إن وجدته، ففعلت لما وجدته.
[ ٧ / ١٠٠ ]
* وكان العباس رئيسًا في الجاهلية، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام، والسقاية والعمارة.
فأما العمارة للمسجد والسقاية فمعروفتان.
وأما العمارة فإنه كان لا يترك أحدًا يساب أحدًا في المسجد الحرام، ويحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون له امتناعًا؛ لأنه كان ملأ قريش قد أجمعوا على ذلك، فكانوا له أعوانًا وسلموا ذلك إليه.
وقال معروف بن خربود: انتهى الأمر في الشرف من قريش في الجاهلة إلى عشرة نفر من عشرة بطون (٢٧/ب) وأدركهم الإسلام فوصل لهم ذلك من بني هاشم، ومنهم: العباس بن عبد المطلب، وقد سقى الحجيج في الجاهلية، وكانت إليه عمارة المسجد الحرام، وحلول النفر له، وحلول النفر معناه: أن قريشًا لم تكن تملك عليها في الجاهلية أحدًا، فإذا كانت الحرب أقرعوا بين أهل الرئاسة، فمن خرج سهمه كان هو المحكم، فلما كان يوم الفجار خرج السهم على العباس.
وقال الزهري: لقد جاء الإسلام وإن جفنة العباس لتدور على فقراء بني هاشم، وإن قيده وسوطه لمعد لسفهائهم، فكان عبد الله بن عمر يقول: هذا والله، هذا الشرف، يطعم الجائع، ويؤدب السفيه، وحصل العباس بيعة
[ ٧ / ١٠١ ]
الأنصار للمصطفى - ﷺ - وأحكمها ووثقها، وكان له فيها البلاء الحسن، وكل ذلك لم قد دخر الله له من كرامته؛ لأن ذلك كان قبل إسلامه ﵁.
قال عروة بن الزبير: وذلك بمعنى قيام العباس بما قام به في بيعة الأنصار من إحكامها، واستئناف القول فيها في عزة الإسلام قبل أن يعبد الله علانية، وكذل كان العباس بمكة يتقوى المسلمون بمكانه، وكان يحب أن يقدم إلى رسول الله - ﷺ -، فكتب إليه رسول الله - ﷺ -: (إن مقامك خير)،فلذلك قال النبي - ﷺ - يوم بدر: (من لقي منكم العباس فلا يقتله، فإنه أخرج كارهًا).
وكان العباس أنصر الناس لرسول الله - ﷺ -، وأحدبهم عليه بعدما مات عمه أبو طالب، والذي ذهب إليه محققوا علمائنا أن العباس ﵁ أسلم قبل فتح خيبر، وإنما كان يكتم إسلامه لمصلحة الدين، وأن يخبر رسول الله - ﷺ - ويكاتبه بأحوال المسلمين، ويدل على ذلك ويوضحه حديث الحجاج بن علاط، وهو بين لمن تدبره، ولما ظهر إسلامه حين أظهره، عضد
[ ٧ / ١٠٢ ]
الله سبحانه بإسلامه الدين، وسر به محمدًا خاتم النبيين.
ومن لطف صنع الله سبحانه وإحسانه، أن الله سبحانه (٢٨/أ) بعث نبيه محمدًا - ﷺ -، وله عمومة، وقد أتينا على ذكرهم وذكر من أدرك الإسلام منهم، فلم يختر الله سبحانه إسلام أحد منهم سوى حمزة والعباس، ثم جعل النسل منهما، والعدد والكثرة والبيت في ولد العباس ﵁، ذلك إلا بمكان الاختيار السابق من الله سبحانه لهذا البيت الكريم البادع، والنسب الشريف الشامخ؛ حيث خلقهم أعلامًا للدين وأئمة المسلمين، فحفظ بهم بلاده وعباده، واستودعهم أمر خلقه، وجعلهم القائمين بشرعه، والنواب عن نبيه المصطفى - ﷺ -، وخصهم بوارثه القيام بخلافة النبوة، والتحمل لأعباء الأمة دون غيرهم من عترته، شرفًا عظيمًا، وأمرًا جسيمًا، وخطرًأ كريمًا ﴿ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم﴾، ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾.
* شهد العباس مع المصطفى حنينًا، وكان له ذلك البلاء المبين؛ لأنه ثبت معه وقت الشدة حيث لم يثبت معه إلا عدد يسير، هو أحدهم، فلا خلاف فيه بين العلماء، وهو الذي كان ينادي الصحابة -وكان صيتًا- بأمر رسول الله - ﷺ -، فقال بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة؟ قال: فو الله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.
وكفاه في هذا الشرف أن ثبت في مقام ولى فيه الأكثرون، ومن أحق منه
[ ٧ / ١٠٣ ]
بالثبات واليقين.
وهو الذي اختاره الله سبحانه وحمزة من بين سائر الأعمام، ثم اختار ذريته خلفًا للدين ومصابيح للمسلمين.
وقد روينا وروينا من فضائله غير حديث لو استوعبت كانت كتابًا، إلا أن منها ما أخبرناه أبو القاسم الحصيني قال: أخبرنا أبو طالب الهمذاني قال: أخبرنا محمد الشافعي، قالك أخبرنا محمد بن يونس القرشي، أخبرنا إبراهيم ابن سعيد السفري، أخبرنا خلف بن حذيفة بن أبي هاشم عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ قال: (لقى رسول الله - ﷺ - العباس يوم فتح مكة، وهو على بغلته الشهباء فقال (٢٨/ب): (يا عم، ألا أخبرك، إن الله تعالى فتح الأمر بي، ويختم بي).
فحب العباس ﵁ خصلة من خصل الإيمان، وقد ذكرناه في شعب الإيمان من كتابنا هذا.
وكانت له الدعوة المجابة، وتوسل عمر بن الخطاب والمسلمون ﵃ به إلى ربهم، فرفع عنهم الضرء بمكانه، والحال مشهورة ونحو نستوفيها مختصرة موعبة من جميع الطرق، وهو أن سبب ذلك أن الأرض أجدبت في
[ ٧ / ١٠٤ ]
عهد عمر بن الخطاب، وذلك عما سبع عشرة؛ عام الرمادة، حتى التقيت الرعاء، وألقت العضا، وعطلت النعم، وكسر العظم، فقال كعب الأحبار، يا أمير المؤمنين: إن بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم أشباه هذا، استسقوا بنصب الأنبياء.
فقال عمر: هذا عم النبي - ﷺ -، وصنوا أبيه، وسيد بني هاشم، فمشى إليه عمر ﵁، فشكا إليه ما فيه الناس، ثم صعد عمر المنبر، وصعد معه العباس، فخطب عمر ﵁ الناس، قال بعد حمد الله سبحانه والثناء عليه، والصلاة على نبيه - ﷺ -: أيها الناس، إن رسول الله - ﷺ - كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فيعظمه، ويفخمه، ويبر قسمه، ولا بتاله يمينه، فاقتدوا إيها الناس برسول الله - ﷺ - في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم، ثم قال: اللهم إن هذا عم نبيك، وإنا قد توجهنا إليك بعم نبيك، وصنو أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين.
وفي رواية: (أن عمر لما وقف على المنبر أخذ في الاستغفار حتى قال الراوي: ما نراه يعمل لحاجته ثم قال: (اللهم إني قد عجزت فيهم، وما عندك أو سع لهم، وأخذ بيد العباس فقال: (وهذا عم نبيك، ونحن نتوسل به إليك).
وفي رواية قال: (اللهم إنا نتقرب بعم نبيك، ونستشفع به فاحفظ فيه نبيك كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين. وأقبل على الناس، فقال: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا (١٠) يرسل السماء عليكم مدرارًا (١١) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم
[ ٧ / ١٠٥ ]
أنهارًا﴾.
ثم قال عمر: يا أبا الفضل، (٢٩/أ) قم فادع، فقام العباس وعيناه تنضحان، فطالع العباس، عمر ﵄، فقال بعد حمد الله سبحانه والثناء عليه، والصلاة على النبي - ﷺ -: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة، فاسقنا الغيث.
اللهم أنت الراعي، لا تهمل الضالة، ولا تدع الكسير بدار مضعية، فقد ضرع الصغير، ورق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى.
اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا؛ فإنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون.
اللهم إن شفعاء عمن لا ينطق من بهائمنا وأنعامنا.
اللهم اسقنا سقيًا نافعًا وداعا طبقا سحاء عامًا.
اللهم إنا لا نرجوا إلا إياك، ولا ندعو غيرك، ولا نرغب إلا إليك.
اللهم، إليك نشكو جوع كل جائع، وعرى كل عار، وخوف كل خائف، وضعف كل ضعيف.
فأرخت السماء عزاليها، فجاءت بأمثال الجبال، حتى استوى الحفر بالآكام، وأخضبت الأرض، وعاش الناس.
وفي رواية: فنشأت طريرة من سحاب، فقال الناس: ترون، ترون، ثم
[ ٧ / ١٠٦ ]
تلامت واستتمت، ومشيت فيها ريح، ثم نهرت ودرت، فو الله مابرحوا حتى اعتلوا الجدار، وقلصوا المآزر، وطفق الناس بالعباس يمسون أركانه، ويقولون: هنيئًا لك ساقي الحرمين.
وقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه.
وفي رواية: ثم نزل فتراءى الناس طرة في مغرب الشمس فقالوا: ربنا هذا، قال: وما رأينا قبل ذلك من قرعة سحاب أربع سنين، قال: ثم سمعنا الرعد ثم انتشرت ثم أمطرت، فكان المطر يقلدنا في كل خمس عشرة قلد الزرع، حتى رأيت الأرنبة خارجة من خفاق العرفط يأكلها صغرى الإبل.
فقال الشعراء في ذلك فأكثروا، فمنهم شاعر بن هاشم؛ حيث قال: (٢٩/ب).
رسول الله والشهداء منا والعباس الذي فتق الغماما
وقال ابن عفيف النضري:
مازال عباس بن شيبة غاية للناس عند تنكر الأيام
رجل تفتحت السماء لصوبه لما دعا بدعاوة الإسلام
فتحت له أبوابها لما دعا فيها بحيد معلمين كرام
عم النبي فلا كمن هو عمه ولدًا ولا كالعم في الأعمام
عرفت قريش يوم قام مقامه فبه له فضل على الأقوام.
[ ٧ / ١٠٧ ]
وقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقي بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب راغبًا فما كر حتى جاء بالديمة المطر
ومنا رسول الله - ﷺ - فينا تراثه فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر
وقال حسن في ذلك:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا فسقى الغمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت مخضرة الأجناب بعد الياس
وأعتق العباس عند موته سبعين مملوكًا، ولما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: أي بني، قد فنيت، فيا بنين أحب الله وطاعته؛ حتى لا يكون شيء أحب إليك منه ومن طاعته، وخف الله حتى لا يكون شيء أخوف إليك منه ومن معصيته، فإنك إذا حببت الله وطاعته نفعت كل أحد، وإذا خفت الله ومعصيته لم تضر أحدًا، أستودعك الله.
ومناقبه كثيرة كما ذكرنا، وإنما أشرنا منها في هذا الفصل إلى ما اقتضته الحال، فلنذكر الآن أعقاب أولاد عبد المطلب المذكورين على ما انتهى إلينا، ومن لم يعقب، ومن أعقب ثم انقطع عقبه.
[ ٧ / ١٠٨ ]
* أما حمزة ﵁ فلم يترك إلا بنتًا فدرجت.
* وأما أبو طالب فولد: طالبًا لا عقب له خرج إلى بدر مع المشركين، فلم يسحن له ولا يدرى (٣٠/أ) أقتل أم فقد.
* وعقيلًا بكنى أبا يزيد، أسلم قبل الحديبية، وروى عن النبي - ﷺ -، وكان عالمًا بالأنساب، وهو أحد الأربعة الذين يؤخذ عنهم علم الأنساب.
* ومن ولده: يزيد بن عقيل، وبه كان يكنى، وعبد الله ومحمد وغيرهما من أولاده، وقد انقرض ولد عقيل بن أبي طالب إلا من محمد بن عقيل.
* وجعفرًا، وهو الطيار ذو الجناحين في الجنة، وهو أفضل الشهداء، هاجر الهجرتين، وقال له النبي - ﷺ -: (أشبهت خَلْقِي وخُلقي)، وهو الجواد المطعم للمساكين، ودعا له النبي - ﷺ - ولولده بالبركة، فاستجيبت الدعوة، وقتل يوم مؤتة، فوجد فيه بضع وسبعون من بين ضربة وطعنة ورمية كلها فيما أقبل من جسده.
* ومن ولده: محمد بن جعفر بن عبد الله بن جعفر، الجواد الممدح، وأخباره في ذلك لها كتاب مفرد.
[ ٧ / ١٠٩ ]
* ومن ولده: معاوية بن عبد الله بن جعفر، وفي تسميته معاوية قصة.
* ومن ولده: عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، ولهم بقية وعقب، واستيعابهم يطول.
* وعليًا، وهو أصغر سنًا، وأعظمهم قدرًا، وأغزرهم علمًا، لأن طالبًا أكبر من عقيل بعشر سنين، وعقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وجعفر أكبر من علي بعشر سنين، وهو فارس الإسلام وفقيهه، وهو ابن عم المصطفى - ﷺ - وظهيره، شهد المشاهد كلها سوى تبوك، ولم يكن بتبوك قتال.
وكان له في كل مشهد شهده البلاء المبين لاسيما بدرًا، وهو أول من صدق النبي - ﷺ -، وأسلم من بني هاشم لا اختلاف في ذلك، وكفاه بهذا شرفًا مبينًا وفضلًا سابقًا مكينًا، وزوجه النبي - ﷺ - الزهراء فاطمة ﵂، ولم يبق لرسول الله - ﷺ - عقب إلا من ولده منها، وفضائله مشهورة ومناقبه غير منكورة، ولو أنا ذهبنا إلى إيرادها لخرجنا بذلك عن حد مما أجرينا إليه، ولكانت تبلغ كتابًا (٣٠/ب) كبيرًا.
* وولده الحسن، أبو محمد، وأخوه أبو عبد الله الحسين ﵄، السيدان السبطان، ولدا الزهراء محبوبا رسول الله - ﷺ -، وولداه اللذان قال النبي - ﷺ - فيهما: (هما ريحانتاي من الدنيا).
[ ٧ / ١١٠ ]
* وقال النبي - ﷺ - في حق الحسن: (إن ابني هذا سيد) وهو من أصح الأحاديث وأجلها، ولا أسود ممن سماه النبي - ﷺ - سيدًا، وقد بان سؤدده بما ظهر من حقنه الدماء، ونظره للإسلام والمسلمين بعد أن أعطى العهد والبيعة، ووجبت له الإمرة والطاعة، فتخلى منها إيثارًا لمصلحة الإسلام، وتحقيقًا لما قاله النبي - ﷺ - فعده جماعة من العلماء من الدلائل النبوية.
* والحسين: فهو ذو الشجاعة والبأس، وأكرمه الله سبحانه بالشهادة في يوم شريف؛ ليعظم الله سبحانه ثوابه، ويجزل إكرامه، ويشرف مآبه.
* فأما الحسن فمن ولده: الحسن بن الحسن، وعبد الله بن الحسن، وزيد بن الحسن، وعمرو بن الحسن وغيرهم، وعقبة باق واستيعابهم إلى حيث انتهينا يجمله كتاب مفرد.
* وأما الحسين بن علي، فليس له عقب إلا من ولده: علي بن حسين بن علي زين العابدين، فهو علي الأصغر، وكان من أفضل هذه الأمة فقهًا وعلمًا
[ ٧ / ١١١ ]
ودينًا وزهدًا، فليس للحسن نسل إلا منه.
* ومن ولده: زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، المقتول في أيام هشام.
* وابنه: يحيى بن زيد المقتول بخرسان، وفي عقبهم كثرة، واستيعابهم يطول، فهذا السبطان أولادهما أفضل ولد علي بن أبي طالب ﵁؛ لمكان فاطمة بنت المصطفى ﵂، ويتلوهما في الفضل من أولاد علي أولاد أبي القاسم عبد الله محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، فاضلًا فقيهًا، وكان علي رضي لله عنه يحبه كثيرًا.
* وابنه: أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو الذي كان أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ودفع إليه كتبه، وصرف الشيعة إليه، وأعلم أن الأمر صائر إليه وإلى أولاده (٣١/أ)، ولمحمد بن الحنفية أولاد وعقب حتى اليوم أيضًا.
* ويتلوهم في الفضل والسبق من أولاد علي: ولد العباس بن علي بن أبي
[ ٧ / ١١٢ ]
طالب كرم الله وجهه:
أولاده: عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، وغيره، ولهم عقب حتى اليوم أيضًا.
ويتلوهم في الفضل والسبق: عمر بن علي بن أبي طالب، منهم محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب وغيره، ولهم عقب حتى اليوم أيضًا.
* وكان لعلي ﵁ من الولد: ثلاثون بين ذكر وأنثى، وإنما العقب منهم في هؤلاء الخمسة لا غيرن وهم: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس، وعمر، ﵃ أجمعين.
هؤلاء بنو أبي طالب وبنوهم على الاختصار.
* وقد ذكر المسيبي، أبو عبد الله محمد بن إسحاق، النسابة في كتابه الذي أخبرنا به: أبو طالب أحمد بن الحسن المقري كتابه بإسناده إليه، وقدر روينا هذا الكتاب، وقرئ علينا أن أبا طالب كان له ولد خامس غير الأربعة المذكورين فأبناءهم، وأنه: طليق بن أبي طالب، وأنه لا عقب له، وأن أمه عيساء جارية أبي وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، ولم يذكر الزبير ولا غيره طليقًا، والله أعلم.
* وأما أبو لهب، فمن ولده: عتبة، ومعتب، أسلما يوم الفتح، وسر
[ ٧ / ١١٣ ]
المصطفى - ﷺ - بإسلامهما سرورًا شديدًا، ودعا لهما دعاءً طيبًا، فشهدا معه حنينًا والطائف، وأبليا بلاء حسنًا، ولم يخرجا عن مكة إلى المدينة، ولهم عقب.
* ومن ولد عتبة: الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، كان فصيحًا، وكان ذا منزلة من الوليد بن عبد الملك، وذا خاصة به، وله معه قصة.
* وعتيبة أخوهما، دعا عليه النبي - ﷺ - بأن يسلط الله عليه كلبًا من كلابه، فأكله الأسد، والحديث مشهور في السير ودلائل النبوة، ومات من غير عقب.
* وأما الحارث (٣١/ب) فهو أكبر ولد عبد المطلب، وهو الذي أعان عبد المطلب على حفر زمزم، وقد ذكرنا أنه لم يدرك الإسلام، ولكن أسلم أولاده.
* نوفل، وربيعة، وأبو سفيان المغيرة، وعبد الله بنو الحارث.
[ ٧ / ١١٤ ]
* ونوفل أقدمهم إسلامًا، ويكنى أبا الحارث، وهو أسن إخوته، وأسن من جميع من أسلم من بني هاشم كلهم، كان أسن من حمزة والعباس، أسر يوم بدر، ففدى نفسه برماحه، وكان لما أسر قال له رسول الله - ﷺ -: (افد نفسك) قال: مالي شيء أفتدي به قال: (افد نفسك برماحك التي بجدة) فقال: والله ما علم أحد أن لي بجدة رماحًا غيري بعد الله، أشهد أنك رسول الله، هكذا ذكره ابن سعد، هاجر أيام الخندق، وشهد مع النبي - ﷺ - الفتح وحنينًا والطائف، وكان ممن ثبت مع النبي - ﷺ - يوم حنين.
* وربيعة ويكنى أبا أروى، وهو الذي قال رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة: (ألا إن كل دم ومأثرة كانت في الجاهلة، فهي تحت قدمي، وإن أول دم أضع دم ربيعةبن الحارث)، وذلك أنه قتل لربيعة ابن في الجاهلية، فأبطل رسول الله - ﷺ - الطلب به في الإسلام، ولم يجعل لربيعة في ذلك بيعة.
وقد اختلف العلماء في اسم ابن ربيعة المقتول- جدًا، ووقع فيه تصحيف فيما يقال من حماد بن سلمة فقال: اسمه آدم، وإنما كان دم ابن ربيعة، فصحفه، وكان ربيعة أسن من العباس، وأسلم، وروى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث.
* وأبو سفيان، أخوهما فهو الشاعر، وهو ابن عم النبي - ﷺ - كإخوته المذكورين، ويزيد عليهما أنه أخو النبي - ﷺ - من الرضاعة، أرضعتهما حليمة
[ ٧ / ١١٥ ]
السعدية، وأميمة المغيرة، وكان يشبه (٣٢/أ) رسول الله - ﷺ - في صورته.
* والذين كانوا يشهبون رسول الله - ﷺ - جماعة هم:
أبو سفيان هذا، وجعفر بن أبي طالب، والحسن بن علي، والحسين ﵄، اقتسما شبهه، وقثم بن العباس بن عبد المطلب، والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب.
* وأسلم أبو سفيان هذا يوم الفتح، واعتذر إلى النبي - ﷺ - فقبل منه، وحسن إسلامه، وشهد حنينًا، وأبلى فيها بلاءًا حسنًا، وكان ممن ثبت، ولم يفارق يده لجام بغلة النبي - ﷺ - حتى انصرف الناس إليه، وكان النبي - ﷺ - يحبه، وشهد له بالجنة في غير حديث رواها الأئمة العلماء.
وروى أن النبي - ﷺ - كان يقول له: (أرجو أن تكون خلفًا من حمزة)، وهو معدود في أفاضل الصحابة.
* وعبد الله بن الحارث، اسمه عبد شمس، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، مات بالصفراء، في حياة النبي - ﷺ -، فدفنه النبي - ﷺ - في قميصه وقال: (سعيد أدركته السعادة) ذكره مصعب الزبيري وغيره.
[ ٧ / ١١٦ ]
* فهؤلاء بنو الحارث الأربعة كلهم أسلموا.
* ومن أولادهم: جعفر بن أبي سفيان بن الحارث، أسلم مع أبيه أبي سفيان، ويكنى أبا الهياج، رأى النبي - ﷺ -.
* والحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أسلم مع أبيه نوفل.
* وابنه عبد الله بن الحارث الملقب (ببه) الذي اصطلح عليه أهل البصرة حين مات معاوية، ولد (ببه) على عهد المصطفى - ﷺ -.
* المطلب بن ربيعة، ولد على عهد المصطفى - ﷺ -.
* ومحمد بن ربيعة، ويكنى أبا حمزة، ولا عقب اليوم لأبي سفيان بن الحارث ولا لعبد الله (٣٢/ب) بن الحارث، فهؤلاء بنو الحارث بن عبد المطلب وبنوهم.
* وأما الزبير بن عبد المطلب، والمقوم، وحجل، وضرار، والغيداق فلا عقب لهم، وقثم فقد قدمنا أنه مات صغيرًا.
* وأما العباس ﵁، فولد: الفضل، ويكنى أبا محمد، وكان رديف النبي - ﷺ - وحفظ منه، وروى عنه، وشهد غسله، وبه كان يكنى
[ ٧ / ١١٧ ]
العباس؛ لأنه أكبر ولده، ولم يخلف إلا بنتًا، وقد انقرض عقبه.
* وعبد الله ويكنى أبا العباس الحبر، والحبر: هو حبر الأمة وعالمها بعلومها كلها، وأبو الأئمة، ترجمان القرآن، دعا له النبي - ﷺ - (بالحكمة وتأويل القرآن).
وفي رواية: (بالفقه في الدين وعلم التأويل).
وفي حديث آخر: (بأن يبارك فيه، وينشر منه، وأن يجعله من الصالحين).
وهي أحاديث كلها صحاح؛ فكلها تحققت فيه بحمد الله ومنه، فإن الله
[ ٧ / ١١٨ ]
سبحانه بارك فيه، ونشر منه، وفقهه في الدين، وعلمه التأويل، والحكمة والتفسير، فهو عالم الأمة وحبرها وفقيهها، وأبو أئمتها وخلفائها؛ الذين هم منار البلاد وسرج العباد.
قال مجاهد: قال ابن عباس: رأيت جبريل عند النبي - ﷺ - مرتين، ودعا لي رسول الله - ﷺ - بالحكمة مرتين.
فكان عمر بن الخطاب ﵁ يحبه ويُدنيه، ويقربه ويدخله مع أجلة أصحابه، والبدريين منهم ذوي الأسنان.
وكان ابن عباس يُقرئ القرآن جماعة من المهاجرين الأولين منهم عبد الرحمن بن عوف.
وقال ابن مسعود: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل.
وكان عمر يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.
وقال القاسم بن محمد: ونظر الحطيئة إلى مجلس عمر بن الخطاب، وفيه ابن عباس (٣٣/أ)، فقال: من هذا الغلام الذي أراه هنا يأتي إلى المجلس برع
[ ٧ / ١١٩ ]
الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنه؟ فقالوا: عبد الله بن عباس، فقال: أبياتًا منها:
إني وجدت بيان المرء نافلة تُهدي له ووجدت العي كالصمم
والمرء يفنى ويبقى سائر الكلم وقد يلام الفتى يومًا ولم يلم.
وقال مسروق: كنت إذا رأيت عبد الله بن عباس، قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.
ونظر معاوية إلى ابن عباس، وهو يتكلم فأتبعه بصره وقال متمثلًا:
إذا قال لم يترك مقالًا لقائل مصيب ولم يثن اللسان على هجر
يصرف بالقول اللسان إذا انتحى وينظر في أعطافه نظر الصقر
وفيه يقول حسان ﵀:
إذا ما ابن عباس بدالك وجهه رأيت له في كل أحواله فضلا
إذا قال لم يترك مقالًا لقائل بمنتظمات لا ترى بينها فصلا
كفى وشغل ما في النفوس فلم يدع لذى إربها في القول جدًا ولا هزلا
[ ٧ / ١٢٠ ]
سموت إلى العليا بغير مشقة فنلت ذراها لا دنيا ولا وعلا
خلقت خليقًا للمودة والندى فليجا ولم تخلق جبانًا ولا كهلا
وقال العباس لولده عبد الله: يا بني أرى هذا الرجل -يعني عمر- قد قربك وأدناك وأجلاك، فأحفظ عني ثلاث:
لا تفشين له سرًا، ولا يخزن عليك كذبًا، ولا تغتابن عنده أحدًا.
قال الشعبي: قلت لابن عباس، يا ابن عباس، كل واحدة خير من ألف قال: ومن عشرة ألاف.
وسمع ابن عباس النبي - ﷺ - وروى عنه.
ومات النبي - ﷺ - وابن عباس صبي، فحفظ عنه علمًا جمًا.
وروى عنه تقي بن مخلد، له في مسنده ألف حديث وستمائة حديث وستين حديثًا، أخرج له في الصحيح مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا، وفضائله مشهورة (٣٣/ب) جمة كثيرة، لا يحتمل هذا الفصل إن زاد أكثر من هذا منها.
[ ٧ / ١٢١ ]
وعبيد الله بن العباس كان جوادًا ممدحًا مطعامًا، رأى النبي - ﷺ - فيما قيل.
وقثم بن العباس، ومعبد بن العباس، وكثير بن العباس، وكان فاضلًا، وعبد الرحمن بن العباس، والحارث بن العباس، وتمام بن العباس، وكان من أشد الناس بطشًا، وأم حبيب بنت العباس، وآمنة بنت العباس، وصفية بنت العباس.
وهؤلاء ولد العباس لصلبه منهم: عبد الله، وعبيد الله، والفضل، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وأم حبيب أمهم كلهم: لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم، أم الفضل، وهي أخت ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان النبي - ﷺ - لها مكرمًا، وهي منجبة أخت منجبات، وهن أخوات تسع كلهن نجبات، وأمهن هند بنت عوف التي يقال لها هي أكرم الخلق أصهارًا.
[ ٧ / ١٢٢ ]
* فولد عبد الله بن عباس أولادًا جماعة منهم: علي بن عبد الله، وكنيته، أبو محمد، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين فسمي باسمه، وكان أصغر ولد عبد الله سنًا، وكان أجمل قرشي، وأوسمه وأمراه، وكان يقال له السجاد.
* فولد علي بن عبد الله بن العباس أولادًا منهم: محمد بن علي، أبو الخلائف، وداود بن علي، وعيسى بن علي، وعبد الصمد بن علي، وهو آخرهم موتًا، حج يزيد بن معاوية بالناس سنة خمسين من الهجرة، وحج بالناس عبد الصمد ابن علي سنة خمسين ومائة من الهجرة، وبين الوقتين مائة عام، وبين وفاتيهما أكثر من مائة سنة وعشرة أعوام، وهما في التعدد بعبد مناف سواء.
* فولد محمد بن علي، أبو الخلائف، عبد الله أبا جعفر، أمير المؤمنين، وعبد الله أبا العباس أمير المؤمنين، وإبراهيم الإمام، وموسى وغيرهم (٣٤/أ) ولكل منهم عقب.
* وفي شهر ربيع الآخر من سنة اثنين وثلاثين ومائة منَّ الله سبحانه بالدولة العباسية، ثبتها الله سبحانه وأطدها وشيد قواعدها ومهدها- فولى أبو العباس
[ ٧ / ١٢٣ ]
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس المذكور الخلافة، ويلقب بالسفاح، وكانت ولايته الخلافة سنتين وثمانية أشهر وأيامًا.
* ثم ولى الأمر أخوه: أبو جعفر عبد الله المنصور، وكان أكبرهما، فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير أيام، وقيل: غير شهر.
* وكان له من الولد: أبو عبد الله محمد، وصالح، وسليمان، وعيسى، ويعقوب، وجعفر، والقاسم، وعبد العزيز، والعباس، والعالية.
* فولي الخلافة بعده ابنه: أبو عبد الله محمد المهدي بن عبد الله المنصور، فكانت خلافته عشر سنين وشهرًا وأيامًا، وكان له من الولد: موسى، وهارون، وعلي، وعبيد الله، ومنصور، ويعقوب، وإسحاق، وإبراهيم، وعالية، وسليمة.
[ ٧ / ١٢٤ ]
* فولي الخلافة بعده من ولده اثنان: موسى الهادي، وهارون الرشيد، فالذي تلاه في الأمر ولاية أكبرهما سنًا: أبو محمد موسى بن محمد المهدي، ولقبه الهادي، فكانت خلافته سنة أيامًا، واختلفوا في مقدارها.
* ثم ولي الخلافة بعده أخوه: أبو جعفر هارون الرشيد بن محمد المهدي، وكان رشيدًا كاسمه ﵁، غزاءً حجاجًا، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وأيامًا، اختلف فيها، وكان له من الولد: محمد، وعبد الله، وأبو إسحاق محمد، وأبو محمد صالح، وأبو عيسى علي، وإسحاق، والعباس، وأبو أيوب، وأبو أحمد، وأبو علي، وبنات.
* وولي الخلافة من ولده ثلاثة: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، وأبو إسحاق محمد المعتصم.
والذي تلاه في الأمر منهم: أبو عبد الله محمد الأمين، ولم يل الأمر بعد علي من أبوه وأمه هاشميان سواه، وأمه: أمة الواجد (٣٤/ب) وقيل: أمة العزيز زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية عشر يومًا، وكان له من الولد: موسى، وعبد الله،
[ ٧ / ١٢٥ ]
وإبراهيم.
* فولى الخلافة بعده أبو العباس عبد الله المأمون، وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر.
وله من الولد: محمد الأكبر، ومحمد يعرف بالأصغر، وعبيد الله، والعباس، وعلي، والحسن، وإسماعيل، والفضل، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب، وإسحاق، وسليمان، وجعفر، وأحمد، وعلي الأصغر، والحسن الأصغر، وهارون، وبنات.
* فولي الخلافة بعده: أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، فكانت خلافته ثمان سنين، وثمانية أشهر، وثمانية أيام، وقيل: ويومين، غزى بنفسه دفعات،،كان له من الولد: هارون، وهو الواثق، وجعفر، وهو المتوكل، ومحمد وهو أبو السمعين.
* ولي الخلافة منهم اثنان: فأولهما واليًا أكبرهما، وهو: الواثق أبو جعفر هارون بن محمد المعتصم، فكانت خلافته خمس سنين، وتسعة أشهر، وستة
[ ٧ / ١٢٦ ]
أيام، وأولاده: محمد، وهو المهتدي، وعبد الله، وأحمد، وإبراهيم، ومحمد الأصغر، وعائشة.
* فولي الخلافة بعده أخوه أبو الفضل جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بالله، فكانت خلافته أربع عشر سنة وتسعة أشهر، وتسعة أيام، وقيل: وخمسة عشر يومًا.
وأولاده: أبو أحمد الموفق طلحة، ولم يل الأمر بل كان أميرًا كبيرًا، ومحمد، وهو المنتصر، والزبير، وهو المغيرة، وإبراهيم، وهو المؤيد، وموسى، وإسماعيل، وأحمد المعتمد.
* فولي الخلافة من ولده ثلاثة: المنتصر، والمعتز، والمعتمد، وأولهم ولي بعده المنتصر أبو جعفر محمد، فكانت خلافته ستة أشهر، وكان له أولاد أربعة.
* فولي الخلافة بعد المنتصر ابن عمه: المستعين بالله، وهو أبو العباس أحمد ابن محمد المعتصم، فكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر، ولم يل الخلافة (٣٥/أ) من بني العباس -﵃ وعنه- بعد المنصور من لم
[ ٧ / ١٢٧ ]
يكن أبوه خليفة إلا المستعين، ثم المعتضد، ثم القادر، وسيأتي بيان ذكرهما إذا انتهى إليه. وكان للمستعين عدة أولاد.
* ثم استقرت الخلافة بعد المستعين في أبي عبد الله محمد، وقيل الزبير، وهو المعتز بالله، فكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر غير أيام، ولم يكن له سوى ولد واحد اسمه: عبد الله.
* فولي الخلافة بعد المعتز ابن عمه: أبو عبد الله محمد، هو المهتدي بالله ابن هارون، الواثق بالله، وكانت خلافته أحد عشر شهرًا وبضعة عشر يومًا، وكان متحريًا سيرة عمر بن عبد العزيز ﵄، وكان له خمسة عشر ولدًا ذكرًا، وعقبه باق.
* فويل الخلافة بعد المهتدي ابن عمه: أبو العباس أحمد المعتمد على الله ابن جعفر، المتوكل على الله، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وأيامًا، وقيل: يومًا، وفي أيامه خرج صاحب الريح الخارجي بالبصرة، فندب إليه المعتمد أخاه أبا أحمد الموفق، فلم يزل مجتهدًا في قتاله حتى قتله، وكان أمره قد استفحل، لولا أن الله تعالى دفع.
[ ٧ / ١٢٨ ]
وكان للمعتمد من الأولاد: جعفر، وإسحاق.
* فولي الخلافة بعد المعتمد أخيه: أبو العباس أحمد المعتضد بالله ابن أبي أحمد الموفق طلحة، وقيل: محمد بن المتوكل على الله جعفر، وكانت خلافته عشر سنين غير شهرين وأيام، وكان له: علي، وهو المكتفي، وجعفر، وهو المقتدر، ومحمد، وهوا لقاهر، وهارون، وأحد عشر بنتًا.
* فولي الخلافة بعده أخوه أبو الفضل جعفر (٣٥/ب) المقتدر أحمد بن المعتضد، فكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة، وأحد عشر شهرًا، وأربعة عشر يومًا، كان له من الولد: أبو العباس أحمد الراضي، وأبو إسحاق إبراهيم المقتفي، وإسحاق والد القادر، وأبو القاسم الفضل المطيع، وقيل كنتيه: أبو العباس، وعبد الواحد، وعباس، وهارون، وعلي، وإسماعيل،
[ ٧ / ١٢٩ ]
وعيسى، وموسى وغيرهم.
* فولي الخلافة ثالثة: الراضي، والمتقي، والمطيع.
* فولي الخلافة بعد المقتدر أخوه: أبو منصور محمد بن القاهر بن أحمد المعتضد فكانت خلافته سنة، وستة أشهر، وأيامًا، كان له من الولد: أبو الفضل، وعبد الصمد والد القاسم، وعبد العزيز.
* ثم ولي الخلافة بعد ابن أخيه: أبو العباس محمد الراضي بالله، وجعفر المقتدر بالله، فكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وأيامًا، وكانت له عدة أولاد: أحمد، وعبد الله، وغيرهما.
* فولي الخلافة بعده أخوه: أبو إسحاق إبراهيم المتقي، ابن جعفر المقتدر، فكانت خلافته أربع سنين غير شهر واحد، وكان له ولد واحد.
* فولي الخلافة بعده ابن عمه أبو القاسم عبد الله المستكفي بالله بن علي المكتفي بالله، فكانت خلافته سنة وأربعة أشهر إلا يومًا واحدًا.
* فولي الخلافة بعده: ابن عمه، أبو القاسم، وقيل: أبو العباس الفضل المطيع
[ ٧ / ١٣٠ ]
ابن جعفر المقتدر، فكانت خلافته سبعًا وعشرين سنة. وأربعة أشهر، وأيامًا، وله أولاد منهم: أبو بكر عبد الكريم الطايع، وجعفر.
* فولي الخلافة بعده ابنه أبو بكر عبد الكريم الطائع بن الفضل، فكانت خلافته سبع عشرة سنة، وتسعة أشهر، وأيامًا، ولم يل الخلافة من يكنى أبا بكر بعد الصديق ﵁ سواه، ولا من اسمه عبد الكريم على الإطلاق سواه.
* فولي الخلافة بعده: ابن عمه، أبو العباس أحمد القادر بن إسحاق بن جعفر المقتدر بالله، فكانت خلافته ثلاثًا وأربعين سنة.
* وولده: أبو جعفر عبد الله، فولي (٣٦/أ) الخلافة بعده ابنه الإمام أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله بن أحمد القادر بالله، فكانت خلافته خمسًا وأربعين سنة، وكان له عدة أولاد، ولم يعقبوا، سوى الأمير ذخيرة الدين أبي العباس محمد؛ فإنه أعقب الأمير أبا القاسم عبد الله، وأحيا الله تعالى جده حتى رآه بحيث يصلح للأمر ففوضه إليه، ونص عليه، والحمد لله رب العالمين.
* فولي الخلافة بعد: ابن ابنه الإمام أبو القاسم عبد الله المقتدي ابن الأمير ذخيرة الدين أبي العباس محمد بن الإمام القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله،
[ ٧ / ١٣١ ]
فكانت خلافته عشرين سنة، وكان له من الولد عدد وافر بحمد الله ومنه، وقد بقي حتى الآن منهم.
* فولي الخلافة بعده منهم: ابنه الإمام أبو العباس أحمد، المستظهر بالله بن الإمام المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله، فكانت خلافته خمسًا وعشرين سنة وشهورًا، وكان له من الولد عدد كبير وافر، وقد بقي منه بقية.
* فولي الخلافة منهم: ابنه الإمام المسترشد بالله أبو المنصور الفضل، فكانت خلافته سبع عشرة سنة، وسبعة أشهر، وله أولاد جماعة.
* فولي الخلافة أخوه الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين أبو عبد الله، محمد قدس الله روحه، فكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر وأيامًا.
* ثم ثبت الأمر واستقوت الخلافة في سيدنا ومولانا الإمام المستنجد بالله أمير المؤمنين: أبي المظفر يوسف بن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن الإمام المتقدي بالله أبي القاسم عبد الله بن الأمير ذخيرة دين الله أبي العباس محمد بن الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبي جعفر عبد الله بن الإمام القادر بالله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن الأمير أبي محمد إسحاق بن الإمام أبي الفضل جعفر المقتدر بالله أمير المؤمنين أبن الإمام أبي العباس (٣٦/ب) أحمد المعتضد بالله ابن الإمام المعتصم بالله، ابن الإمام أمير المؤمنين أبي أحمد الموفق طلحة بن الإمام أبي أحمد الموفق طلحة بن الإمام أبي الفضل جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين
[ ٧ / ١٣٢ ]
أبي إسحاق محمد بن الإمام أبي جعفر بن هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن الإمام أبي عبد الله محمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين ب الإمام أبي جعفر عبد الله المنصور بالله أمير المؤمنين بن محمد بن علي بين عبد الله بن العباس عم المصطفى - ﷺ - بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وكان إمامته الشريفة المحمدية، وخلافته العباسية في ثاني شهر ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، والله سبحانه يطيل في عمره، ويُديم أيامه، وينفذ في مشارق الأرض ومغاربه أوامره وأحكامه، ويملكه ما طلعت عليه الشمس، وحواه من بسيطة الأنس، ويعينه من أمر أمة محمد - ﷺ - على ما ولاه، ويحفظه فيما منهم استرعاه، ويبارك له في ذريته الشريفة المباركة، الأمراء الغر الميامين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، ويجعل الخلافة باقية في عقبه إلى يوم الدين برحمته، إنه أرحم الراحمين.
* فهؤلاء بنو العباس بن عبد المطلب ﵁ على الاختصار، أبقى الله سبحانه دولتهم مدى الأحقاب والأعصار.
* فولد عبد الله بن عبد المطلب: أبا القاسم محمدًا رسول الله - ﷺ -، سيد ولد آدم - ﷺ -. وخاتم النبيين - ﷺ -، والمصطفى من الخلق أجمعين؛ الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، وأنقذ به من الضلالة، وبصر به من الجهالة، فهو الذي أنارت به الأرض، وهو سيد ولد آدم، وما ولد تحت لوائه إلي يوم القيامة،
[ ٧ / ١٣٣ ]
وهو الشفيع (٣٧/أ) عن الجميع يوم العرض، حيث له الأنبياء والمرسلون متوقفون لنبينا، اثبت من فضله، ونتائج مقامه من ربه ﷿.
فهو - ﷺ - الذي انتهى إليه الأمر، وختم به الأنبياء، فكانت أمته آخر الأمم، فهو لكل متأمل مشيري بمنزلته إلى أنها الفضلى؛ لأن الأنبياء كلهم جاءوا بين يديه، مرشدين إليه ومحيلين عليه، أخذ ميثاقهم وإصرهم على أن يؤمنوا به.
قال الله ﷿: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾.
فشهد الله ﷻ على ذلك، وأن النبي - ﷺ - إليه المقضي، وهو من الأنبياء المنتهى، فهو كالشمس إذا تقدمت من يديها كواكب الأسحار، وهو رسول الله - ﷺ - حقًا، ونبيه صدقًا، بشر به الأنبياء، وأوصى به كل نبي قومه.
ولقد كان الشيخ محمد بين يحيى يقول: والله الذي لا إله إلا هو، لكأني أسمع بأذني موسى بن عمر أن يقول لبني إسرائيل: سيأتي محمد - ﷺ - نبيًا من حاله كذا وكذا، فيقول بنو إسرائيل: صلى الله على محمد؛ لأن الله يقول: ﴿يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل﴾. الآية.
[ ٧ / ١٣٤ ]
فهو قد جمع الله له - ﷺ - بين معجزات الأنبياء كلهم، فإن الله سبحانه جعل دلائله قوله وبرهانه كلامه، فصدق الله به وعوده، ونفذ به أوامره، فقال ﷾: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾.
وكان ذلك مما تولى الله ﷾ تصديقه فيه، ونصره بالرعب (٣٧/ب)، وجعل الأمر في الدعاء له، كرامة في العاجلة والآجلة، وكمل له إثبات الفضائل والمحاسن وأصناف المناقب والمآثر، ومحاسن الأخلاق والأوصاف، وكريم السجايا والمزايا.
وأجل له ولأمته ما كان محرمًا على من قبله، ونسخ له ولهم ما كان محظورًا، ونصره بالرعب بين يدي عده شهرًا بين يديه، وأحل له ولأمته الغنائم، وأرسله إلى الأحمر والأسود، والجن والإنس، وشرفه في خطابه في القرآن العظيم، فلم يأت بذكره مفردًا إلا ومعه ذكر النبوة والرسالة، والتعظيم والتفخيم، وقرن ذكر نبوته بذكر توحيده سبحانه والإيمان به.
فلا يصح لأحد اسم الإسلام إلا بالإيمان به، والإقرار بنبوته، ثم جعل اسمه تاليًا لاسمه ﷿ في الأذان والأذكار والصلوات، فلا يذكر الرب سبحانه إلا ويتبع ذكره بذكره.
[ ٧ / ١٣٥ ]
وشرح صدره، وأعلى على كل قدر قدره، وأنزل في الكتب صفته ونعته، فبشر به الأنبياء، ويقدموه في البعث، وجاء خاتمًا لهم، مصدقًا لجميعهم، ناسخًا لجميع الشرائع بشريعته.
وأنزل عليه كتابًا مهيمنًا على كل الكتب الذي قبله، وجعله مختارًا من أشرف البيوت وأوسطها، وجعل معجزاته الشاهدة بتصديقه، أكبر من عدد الحصى وورق الشجر؛ حتى أيقنت النفوس، واضطرت إلى الإيمان به، ومن أعلامه ومعجزاته: القرآن الكريم، وإنما كان القرآن معجزًا؛ لأن الخلق عجزة أن يأتوا بمثله.
فأما من حيث ظهور عجزهم؛ فإنه قد بان لعوام الناس من أنه لما مضى على إنزاله ما مضى من السنين، ولم يقدر أحد على أن يأتي بمثله مع تحديهم به، التحدي الذي ظهر وانتشر، ودعاهم وهم بلغاء الناس منذ بعثه الله ﷿ وجزيرة العرب يومئذ مملوءة بالآلاف منهم، ومن جاء بعده منهم ﵇ في أقطار المشارق والمغارب. قرنًا فقرنًا إلى وقتنا هذا منذ خمسمائة سنة (٣٨/أ) ونيف وخمسين عامًا من هجرته - ﷺ -.
مع تحديهم بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة من مثله أو متلوا منه، وهي قوله ﷿: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ تقريعًا وتعجيزًا، فكلهم عجز عن ذلك، وكع عنه، وانقطع دونه، وخسر، وأخلدوا إلى أن
[ ٧ / ١٣٦ ]
عرضوا نفوسهم للقتل، وأولادهم للسبي، وأموالهم للتلف، وديارهم للخراب، ولو أحسوا في نفسهم قوة ومسكة لما وقفوا عندما وقفوا عليه من ذلك، فهل يصح أن مثل هذه الحالة الباهرة، وظهور هذه العجزة القاهرة، كانت بتعصب من أعداء النبي الأمي محمد - ﷺ - لمحمد - ﷺ -، على تنائي أوطانهم، وتباعد أغراضهم، وتباين مقاصدهم أسلفت ذات بينهم، واصطلح أمرهم فالتأم شنانهم في القلوب والأبدان، وتواطئوا على بعد الآراء والأمكنة والأزمنة على أن يتعصبوا لمحمد - ﷺ - ويحققوا قوله في هلاكهم، وخراب ديارهم، وقتل أنفسهم، وذهاب أموالهم في زمانه، وزمان أصحابه.
وبصروا على وقع السيوف والسهام، ويعجزوا أنفسهم عما تحداهم به مع قدرتهم عليه أو على بعضه حتى يتم لمحمد - ﷺ - أمره، ويظهر صدقه، مع كونه هو - ﷺ - نابذًا لهم كلهم، مجاهدًا بتكذيب جميعهم، وأنهم لا يقدرون على شيء مما تحداهم به أصلًا ومسجلًا عليهم بذلك، وهم مع ذلك قادرون على أن يدحضوا عنهم شيئًا مما لزمهم من العار؛ أو يدفعوا عنه بشيء مما تحداهم به شيئًا من هذه الأسباب الموله ولا يفعلون.
هذا مستحيل قطعًا غاية الاستحالة، ولكن الحق يبهر الخلق، ويملك النفوس، ويعجز الناس، ويأخذ بالقلوب، فهل يخفى هذا الحق الواضح الجلي (٣٨/ب) على من له أدنى بصيرة، أو يتدبر عقله القرآن العظيم الذي أعجز الخلق، لا تنقضي عجائبه، ولا تذهب معجزاته، كما أن نبوته باقية بائنة لا معقب لنبوة ولا نسخ.
* فأما أهل العلم فإنهم لما سمعوه بأول وهلة، عرفوا أن الجن والإنس لا
[ ٧ / ١٣٧ ]
يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، لأن فيه قوله ﷿: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون﴾ وهذه نزلت عليه ﵇، والذين كفروا عنده يومئذ هم الذين اشتملت أيديهم على الأرض طولها والعرض، فأمر ﷾ أن يفصح ويعلن لهم بأنكم ستغلبون، بالسين المخلصة الفعل للاستقبال، ثم أتبعها بقوله: ﴿وتحشرون إلى جهنم﴾، وكان تحت هذه الكلمة أنه يجب عليه إزهاق أرواحكم، وسبي ذراريكم ونسائكم، وسلب ممالككم، والاستيلاء على أراضيكم، ونزع التيجان عن رؤوس مملوككم، وأمره أن يعلن بذلك، وأن يقوله في وقت ضعفه - ﷺ -، وأنه كائن صائر، فكان كما أخبر الله سبحانه، ومن عجيب صدقه أن هذا لم يستتب في زمانه، فكان ربما تخيل الكافر أنه استتب له هذا فقاله، ولكنه - ﷺ - خرج من الدنيا ولم يستتب ذلك، فأتمه الله له كما كان وعده؛ ليعلم كل ذي لب أن الله تعالى هو الذي وعد به، فهذا من معجزات القرآن التي هي أخبار غيوبه التي لا تدخل الإحاطة بها تحت قدرة البشر.
* ومن معجزات القرآن: وعده سبحانه بنصر الضعيف على القوي، والوحيد على ذي الجمع، فهذا والذي قبله من الغيوب المستقبلية.
* ومن معجزات القرآن: الأخبار عن الغيوب الماضية، كالحال فيما جرى لموسى ﵇ حين نودي من شاطئ الوادي الأيمن، وحين نودي من جانب الطور، مما كان أهل الكتاب يسرونه ولا يظهرونه، فلما أخبر سبحانه (٣٩/أ) رسوله - ﷺ - بما كان عليه حال موسى ﵇ في قوله
[ ٧ / ١٣٨ ]
سبحانه: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾، ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾، فكان ما أخبر به - ﷺ - بما أنزل في التوراه بتلك اللغة بهذه اللغة حتى قال سبحانه: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾.
* ومن معجزات القرآن وعجائبه: فصاحته، فمن ذلك قوله: ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾، وقد اشتملت هذه الحروف على علوم جمة منها: أن الألف إذا أتى به أولًا، فكانت همزة، وهي أول المخارج من أقصى الصدر، لأن أصول المخارج للحروف ثلاثة، وهي الحلق، واللسان، والشفتان، فلما كان أول مخارج الحلق الهمزة، ومعتمد مخارج اللسان اللام، وآخر الحروف مخرجًا الميم، وهي التي ينطبق عليها الفم، كان في التنزيل هذا الترتيب، إشارة إلى هذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي يكون منها ستة عشر مخرجًا التي يخرج منها تسعة وعشرون حرفًا، وهي يدور عليها كلام الأولين والآخرين، ترتيبها ألف لا ميم، فتبارك الله رب العالمين.
* ومن معجزات القرآن: (طس)، فإن هذين الحرفين وهما: الطاء والسين، اقتسما صفات الحروف كلها، فإن أقسام الحروف عشرة، وهي: مجهور، ومهموس، وشديد، ورخو، وعال، ومستفل، ومطبق، ومنفتح، وصفيري، ومعرى.
فأما الطاء: فجمعت خمس صفات، ليس في الحروف ما يجمع الخمس
[ ٧ / ١٣٩ ]
صفات غيرها، وهي: الجهر، والشدة، والاستعلاء، والإطباق، التعرية. وليس في الحروف ما يجمع هذه الخمس غير الطاء، كما أن السين حرف مهموس رخو مستفل صفيري منفتح، لا يقدر الأولون ولا الآخرون، ولا الجن والإنس أن يلحقوا بالطاء حرفًا حرفًا غير السين جامعًا لهذه الأوصاف، ولا مع السين (٣٩/ب) غير الطاء جامعة لهذه الأوصاف، فلما كان هذان الحرفان جامعين لأوقاف القرآن كلها جميعًا، جمعها الله ﷿ فقال سبحانه: ﴿طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين﴾ يعني ﷻ أن هذا الحرفين فيهما صفات الحروف التي هي مدار كلام الأولين والآخرين، وهذا وما تقدمه كان يقوله الشيخ محمد بن يحيى ﵀.
* ومنها: رشده، فإنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فهو قول فصل وليس بالهزل.
* ومنها: حلاوته؛ التي تسلب كل قلب سليم نحو قوله تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتعبون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا (٢٧) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا﴾.
ونحو قوله سبحانه: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلًا﴾.
وكقوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
[ ٧ / ١٤٠ ]
* ومن معجزاته: قصصه، فإنه - ﷺ - جمع فيه أخبار الأولين والآخرين على ما قص في كتابه، وعلى ما جاء في الحديث: (فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم).
وقد مضى في هذا الكتاب، ويأتي من معجزات القرآن ما فتح الله به سبحانه.
ومن معجزاته: قوله سبحانه: ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾، وهذه الكلمة قطعت كلمة حجاج أعداء الرسل، وقد مضى ذلك بنذة، وسيأتي ذلك مشروحًا إن شاء الله تعالى.
* هذا إلى غير ذلك من معجزاته - ﷺ - التي هي آتت معجزات موسى وعيسى صلى الله عليه وعليهما جميعًا، وزادت عليهما عند النظر الذي لا يمكن جحده، من شق الله القمر له بمكة، إذ سألته قريش ذلك آية، حتى رآه من حضر وغاب عنه، وأخبر به الشعاب بعضهم بعضًا، وأنزل الله سبحانه ذكر ذلك في القرآن العظيم.
* وإطعامه - ﷺ - النفر الكثير من الطعام اليسير تارات كثيرة (٤٠/أ) في منزل جابر مرة، وفي منزل أبي طلحة أخرى، وفي يوم الخندق مرتين: ثمانين رجلًا من أربعة أمداد من شعير، وعناق، وهو من أولاد المعز فوق العنود، ومرة
[ ٧ / ١٤١ ]
أكثر من ثمانين رجلًا من أقراص شعير حملها أنس في يده، ومرة أهل الجيش كله من تمر يسير حملته بنت بشير في يدها، فأكلوا حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم.
ونبع الماء من بين أصابعه - ﷺ - فشرب أهل العسكر كلهم، وهم عطاش، وقد بينا أن انفجار الماء من بين الأصابع أبلغ وآكد في المعجزة من انفجاره من بين الأحجار، وتوضؤوا من قدح صغير ضاق أن يبسط يده - ﷺ - وضوؤه فيه.
وأهرق - ﷺ - وضوءه في غير تبوك ولا ماء فيها.
ومرة يوم الحديبية في البئر المعروفة هناك فحاشا بالماء الرواء حتى شرب من غير تبوك أهل الجيش وهم ألوف، يقاربون ثلاثين ألفًا، لأنه - ﷺ - لم يجتمع له في غزاة ما اجتمع له في غزوة تبوك حتى قيل: إنهم ثلاثون ألفًا، وبالجملة فهم ألوف كثيرة، وشرب من بئر الحديبية ألف وخمسمائة؛ ولم يكن فيها قبل ذلك ماء.
ورمى - ﷺ - الجيش بقبضة من تراب فعمت عيونهم، ونزل القرآن العظيم بذلك في يقوله ﷿: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾.
وأبطل الله الكهانة بمبعثه فعدمت، وكانت ظاهرة موجودة. وحن إليه الجذع الذي كان يخطب عليه لما عمل له منبره، حتى سمع أصحابه والحاضرون كلهم صوته.
[ ٧ / ١٤٢ ]
ودعى اليهود إلى تمني الموت؛ فأخبرهم أنهم لا يتمنونه أبدًا، فحيل بينهم وبين النطق بذلك، وهذا مذكور في القرآن في (٤٠/ب) سورة فيها يقرأ بها في جمع جامع له الله الإسلام شهد غيرنا جهرًا تعظيم الآية التي فيها.
ودعى النصارى إلى المباهلة فامتنعوا، وأخبر أنهم إن فعلوا هلكوا، فعرفوا صحة قوله فامتنعوا.
وأخبر - ﷺ - بالغيوب فكانت كما أخبر، كإخباره عن الحسن ﵁: (وإنه سيد وإنه يصلح الله به بين فئتين) وأن عثمان تصيبه بلوى بعدها الجنة.
وإخباره أن قزمان من أهل النار مع اجتهاده في القتال لأعداء الله، وأخبر بمقتل العنسي الكذاب ليلة قتله، وهو بصنعاء اليمن، وإخباره بمن قتله .. إلى غير ذلك من إخباره الغيوب، يزيد لو عدت على أخبار الأنبياء كلهم ومعجزاتهم كلهم كثيرة، وإفرادها بنفسها يحتمل كتابًا كبيرًا، فكانت كلها كما أخبر، وهذا لا يعلم البتة إلا بوحي من الله سبحانه، وكما أخبر الله - ﷺ - أنه يقتل أبيًا فكان كما أخبر، وكما أخبر بمصارع أهل بدر، وأرى أصحابه مواضعهم، فما أخطئوا المواضع التي أشار إليها.
* وأما دعواته المجابة ﵇ فأكثر من أن يحاط بها، فمنها: دعاؤه - ﷺ -
[ ٧ / ١٤٣ ]
كحالة أمر سراقة في سفر الهجرة، فساخت قدما فرسه، وأتبعها دخان حتى استغاثه، فدعا له فانطلقت الفرس، ودعاؤه على ابن أبي لهب أن يسلط عليه كلبًا من كلابه، فأجيبت، ولو ذهبنا إلى تعديد ذلك لطال جدًا.
* وأما الأفعال التي جرت على يده - ﷺ - خارقة للعوائد مظهرة للإعجاز فكثيرة جدًا، قد تقدم (٤١/أ) منها ما تقدم، ومنها أن أبا قتادة بدرت عينه فسقطت فردها ﵇ بيده، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.
وتفل في عين علي وهو أرمد فصح من وقته.
وأصيب رجل عبد الله بن عتيك فمسحها بيده، فبرئت من حينها إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته المشهورة المنقولة نقل التواتر.
* فأما صفته - ﷺ -، فهي إذا تؤملت تشهد له أنه - ﷺ - رسول الله حقًا:
فإنه - ﷺ - لا يختلف اثنان أنه نشأ أميًا في قوم أميين، معروف منشأه ومولده، وأبوه وأمه، وأجداده وجداته، وأنه كان فقيرًا أميًا لا يقرأ ولا يكتب، يرعى الغنم على قراريط يتقوتها، لم يرحل قط عن قومه إلا مرتين معروفتين: أحدهما مع عمه وهو صبي إلى الشام، فرده عمه من الطريق قبل أن يبلغ الشام.
والثانية: مع جماعة من قومه حتى بلغ إلى الشام، وانصرف، فعلمه الله سبحانه الكتاب والحكمة، وأخبار الأولين والآخرين، ومحاسن الأخلاق، وكرائم الأوصاف، وحميد الطرائق، وصالح الشيم، وآتاه جوامع الكلم،
[ ٧ / ١٤٤ ]
وما فيه من النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والصلاح في الدنيا، دون توسط معلم أصلًا، أو قراءة كتاب، أو تلق من موقف، وهذا من أكبر معجزاته، بل مَنَّ عليه سبحانه بذلك من غير واسطة، وآتاه النبوة، فدعا قومه إلى الله سبحانه، وغيرهم فكتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله سبحانه كلهم، والالتزام لأمره، والأخذ بحدود شرعه، وجريان الأحكام عليهم، وترك ما هم عليه من مألوفات النفوس، ومحبوبات الطباع، ومجبولات الخلق إلى التكاليف الشرعية وتحمل أعبائها (٤١/ب) بلا مال، ولا أعوان، ولا حرس ولا سور، ولا قصر. من غير أن يمني أحدًا منهم ولاية، ولا ملكًا، فراسله الملوك، ودانت له العرب بعد حاله التي نشأ عليها، وأقروا بنبوته، وذعنوا برسالته لما بهرهم من صدقه، وظهر لديهم من معجزاته حتى اضطروا إلى الإيمان به.
ثم لم تتغير نفسه عليه بعد ذلك، ولا حالت سيرته عما كانت عليه، وكان على خلق عظيم، كما قال ﷿، أعدل الناس، وأحلم الناس وأشجع الناس، وأعف الناس، وأكرم الناس، وأعظم الخلق تواضعًا على عظيم شرفه ومنزلته من ربه تعالى، وأشد الناس حياء، يجيب دعوة العبد والمسكين والأمة، تعصب لربه ولا تعصب لنفسه، وينفذ الحق على من توجه؛ وإن عاد ذلك بالضرر عليه، أو على أصحابه، عرض عليه الانتصار بالمشركين، وهو في قلة وحاجة إلى إنسان يزيده في عدد معه، فأبى، وقال: (إنا لا نستعين
[ ٧ / ١٤٥ ]
بمشرك).
ووجد أصحابه قتيلًا من خيارهم وفضلائهم بهذه البلاد العظيمة والعساكر الكثيرة بعد مثلة فلم يحف لهم من أجله على أعدائه من اليهود الذين وجد مقتولًا بينهم، ولا زاد على مر الحق بل وداه بمائة ناقة من صدقات المسلمين، وإن لأصحابه إلى بعير واحد يتقوون به، وكان يؤثر على نفسه بالطعام، ويصبر على ذلك، حتى لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية إيثارًا على نفسه فلا فقرًا ولا بخلًا.
يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، أشد الناس تواضعًا، وأسكنهم في غير كبر، وأبلغهم في غير إطالة، وأحسنهم برًا، لا يهوله شيء من أمر الدنيا، يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويقبل المعذرة، ولا يحتقر مسكينًا (٤٢/أ) لفقره وزمانته، ولا ينأى ملكًا لملكه.
يدعو هذا وهذا إلى الله دعاءً واحدًا إلى غير ذلك من سيرته الشريفة - ﷺ -.
وهذا الكتاب كله، وكتب الإسلام المصنفة لا تأتي على فضله - ﷺ -، ولا على معجزاته، ولا على دلائله - ﷺ -، فكان الاقتصار في هذا الموضع عن شرح ذلك وبسطه دليلًا على إشاعة وعظمة وتوفيره عن الحصر والجمع والضم في موضع من الكتاب.
[ ٧ / ١٤٦ ]
* وأما ذكر سنه ومولده وسنة وفاته ومبعثه. فقد مضى ذكر نسبه - ﷺ -.
* وأما مولده - ﷺ -؛ فولد بمكة في الدار التي كانت تدعى آخرًا لمحمد بن يوسف الثقفي، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
وقيل: لليلتين خلتا منه عام الفيل إذ ساقه الحبشة إلى مكة في جيشهم، يغزون البيت، فردهم الله عنه، وأرسل عليهم الطير الأبابيل فأهلكتهم ببركة مولده، لا خلاف بين العلماء أنه ولد عام الفيل.
* وعاش يتيمًا؛ إذ مات أبوه وأمه كما قدمنا ذكر ذلك، فكفله جده، ثم عمه، كما قدمنا، وأرضعته ثويبة وحليمة، وحضنته أم أيمن، وأتته الرسالة من الله سبحانه وهو في غار حراء في تحنثه وتعبده، فأقام بمكة ثلاثة عشر سنة مع سني الشعب الثلاثة التي أسلم فيها رجال ونساء، ثم ساق الله إلى الأنصار الكرامة، بأن جعل دار هجرته إليهم، فهاجر إليهم، فأقام عندهم عشر سنين، وكانت هجرته إليهم بعد بيعة العقبة بشهرين وليال.
وخرج لإهلال شهر ربيع الأول، وقدم النبي - ﷺ - المدينة يوم الاثنين لأيام
[ ٧ / ١٤٧ ]
خلون من ربيع الأول؛ قيل: ثمان، وقيل: اثنا عشر، (٤٢/ب) ومن مقدمه إلى المدينة أرخ التاريخ في زمن عمر بن الخطاب، ثم أذن الله سبحانه له بالقتال، فبعث البعوث والسرايا، وغزا بنفسه، دفعات، وكان أعظمها يوم بدر، واعتمر عمرًا، وحج حجة واحدة بعدما هاجر، وتمهد الشرع وتقرر الأمر بالمدينة في سنيه العشر، وتزوج - ﷺ - عددًا من النساء زائدًا على الأربع، خذ بذلك.
* وكان له من الولد أربع بنات لا خلاف في ذلك، فهن: زينب، وهي الأكبر بلا خلاف، ثم أم كلثوم، ورقية، وفاطمة.
واختلف في عدد أولاده الذكور فقيل: القاسم، والطيب، وعبد الله، والطاهر. والصحيح أنهما اثنان: عبد الله وهو الطيب والطاهر؛ لقبان له، والقاسم، وبه كان يكنى، وجميعهم من خديجة، وإبراهيم من مارية.
والذكور والإناث كلهما ماتوا قبله سوى فاطمة فإنها بقيت بعده ستة أشهر في أصح الأقاويل، وقيل: أقل من ذلك، ولم يبق من ولده ذكرهم وأنثاهم أحد حيًا بعده سواها ثم لحقته، فلم يبق من ينسب إليه بولادة سوى أولادها.
ثم لم يمت حتى استقر به الدين، فأكمل البيان، وبلغ ما أوحي إليه،
[ ٧ / ١٤٨ ]
وانقطع الوحي بموته، فلا نبي بعده، ثم لم يقبضه الله إليه حتى خيره بين البقاء وبين لقاء ربه، فاختار - ﷺ - لقاء ربه، فكان انتقاله إلى الكرامة العظمى الذي قال الله في ذلك: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾ في يوم الاثنين لاستهلال شهر ربيع الأول. وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاثنتي عشر، سنة إحدى عشرة من الهجرة حين اشتد الضحى.
* ودفن ليلة الأربعاء في أصح الأقاويل، وكانت مدة مرضه اثنى عشر يومًا، وكان في بيت عائشة موته - ﷺ -، ودفن في بيتها، وهو الآن في المسجد، وإنما دفن - ﷺ - حيث قبض من بيت عائشة، وصلى عليه المسلمون أفرادًا بعد أن كفن في (٤٣/أ) في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وتولى غسله علي والفضل ﵄، وقثم، وكان أسامة بن زيد وشقران وأوس بن خولي معاونين لهم في ذلك.
ﷺ عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
وهذا آخر ما قدر إيراده من نسب المصطفى - ﷺ -، وذكر أصول القبائل المتصلة به على الاختصار والإيجاز، ونرجوا أن نكون قد أتينا فيه مع ذلك على جملة من المعارف، وقطعة صالحة من علم السير، والله سبحانه هو الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٧ / ١٤٩ ]
-٢٠٧٢ -
الحديث الرابع والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (أتى جبريل النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام- أو طعام، وشراب؛ فإذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن جبريل ﵇ أتى رسول الله - ﷺ - قبل أن تأتيه خديجة، آمرًا بأن يبشرها عند إتيانها على الصفة التي ذكرناها عن ربه ﷿، ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
* وسمعت شيخنا محمد بن يحيى ﵀ يقول: إنه بشرها بذلك، ليؤمنها من النار، فإن القصب لا يكون حيث تكون النار.
* وقوله: لا صخب فيه، يعني: لا سخط. ولا نصب أي: لا تعب فيه.
* وقد سبق هذا الحديث في مسند عبد الله بن أبي أوفى.
[ ٧ / ١٥٠ ]
-٢٠٧٣ -
الحديث الخامس والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا تنفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من (٤٣/ب) مغربها؛ فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا).
وفي رواية ثالثة: (إذا خرجت لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يخرج قريب من ثلاثين كذابين دجالين، كلهم يقول: إنه نبي، ولا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويؤمن الناس أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود،
[ ٧ / ١٥١ ]
فيفر اليهودي وراء الحجر، فيقول الحجر: يا عبد الله، يا مسلم، هذا يهودي ورائي، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر).
وفي رواية: (بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدجال، أو الدخان، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة).
وفي رواية: (بادروا بالأعمال ستًا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم).
وفي رواية لمسلم: (من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها، تاب الله عليه].
* في هذا الحديث وجوب الإيمان بطلوع الشمس من مغربها، فقد قال ﷿: ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾، فقال المفسرون: هي طلوع الشمس من مغربها، وإنما كان طلوعها من مغربها؛ أنه لرؤية أهل المشارق والمغارب
[ ٧ / ١٥٢ ]
لذلك، ولا يحتاجون إلى من يخبرهم به إذا كان الإنسان ذا بصر.
* وفيه أيضًا: أنه لم يوقت لذلك وقت ما، من ليله، إلا ويجوز أن تكون الليلة التي تتطلع فيها، إلا أنه إذا توافرت الأشراط كان ذلك أقرب.
* وقوله: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ فمعناه أن الإيمان ينفع إذا كان بحالة غيرها، فإذا خرج الغيب إلى المشاهدة زال (٤٤/أ) زمن الإيمان فلا ينفع نفسًا إيمانها؛ لأنه لا يقى ما يؤمن به.
وقوله: ﴿لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ يعنى أنها إن كانت مؤمنة ولم تكسب في إيمانها خيرًا، يعني طلعت الشمس من مغربها؛ فحينئذ لا ينفعها ما تكسبه.
* وفيه أيضًا: وجوب الإيمان بخروج الدجال، وقد مضى ذكره.
* وفيه من الآيات بخروج دابة من الأرض؛ كما قال الله ﷿: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾.
* وفيه: أن بين يدي الساعة خروج قريب من ثلاثين دجالين كذابين كلهم يزعم أنه نبي، فينبغي لكل مؤمن أن يكون حذرًا على دينه من بعضهم؛ فإنه لم يقل - ﷺ - إنهم يخرجون في وقت معين، ولا أنهم يخرجون في مرة واحدة فليحذر الإنسان على دينه، من كل من يتظاهر بالخبر مع بدعة يبتدعها في
[ ٧ / ١٥٣ ]
الدين، فإنه وإن لم يقل إني نبي بلسانه إذا رغب عما كان عليه - ﷺ - وابتدع بدعة، ودعا الناس إليها؛ فإنه يقول: إني نبي بلسان حاله.
* وفيه ما يدل على أن اليهود عود باقي العداوة، لا تزيل البغضاء من قلبه كر الليل والنهار، وإنهم سيقاتلون المسلمين، وإن المسلمين يظهرون عليهم، فيقتلونهم حتى ينادي الحجر المسلم، أن هذا يهودي ورائي فاقتله، وإنما يدل الحجر عليه؛ لأن الحجر خاف أن يكون وقاية لعدو الله ﷿.
* وقوله: (يقاتلون قومًا نعالهم الشعر)، وأنهم الترك، قد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن مسعود.
* وقوله: (خاصة أحدكم)، يعني أنه لا يستطيل أحدكم المدة بأن يقول أنا أحيي إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فإن خاصة نفسه غير متروكة إلى أن تخرج الدابة، ورآها تجر عذاب الله في الدنيا والآخرة، كل شغل شاغل.
* وقوله: (٤٤/ب) (أو أمر العامة)، يعني أنه يصيب عوام المسلمين أمر يشغلهم فيكون شغل الإنسان في خاصة نفسه من فعاله.
* وقوله: (خويصة أحدكم)، تصغير خاصة، وقيل: خاصة أحدكم: الموت الذي يخصه، والعامة: القيامة التي تعم الخلق.
* وفيه أيضًا: ما يدل على أن باب التوبة مفتوح لكل تائب، ولا يرد إلى أن تطلع الشمس من مغربها.
[ ٧ / ١٥٤ ]
-٢٠٧٤ -
الحديث السادس والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي زرعة قال: دخلت أنا وأبو هريرة دار مروان، فرأى فيها تصاوير -وفي حديث جرير- دار بالمدينة تبتنى لسعيد أو لمروان، فرأى مصورًا يصور في الدار، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: (قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب بخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة).
وفي حديث عبد الواحد بن زياد نحوه، وزاد: ثم دعا بتنور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة: أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - فقال: نعم منتهى الحلية].
* في هذا الحديث ما يدل على تحريم الصور، وقد سبق ذكر ذلك، ولما صور هؤلاء صول الأجسام عاجزين على أن يخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة، فإنما يصنعون أصنامًا مجردة، فكانوا في المعنى أقبح ممن يعبد الأصنام من وجه؛ لأنهم يعملون الأصنام التي يعبدها من يعبدها، فلذلك اشتدت جريمتهم، وعظمت خطيئتهم.
* وقول أبي هريرة: منتهى الحلية، معناه: أن الحلية في الآخرة تبلغ إلى حيث يبلغ الوضوء من الأعضاء.
[ ٧ / ١٥٥ ]
-٢٠٧٥ -
الحديث السابع والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)].
* في هذا (٤٥/أ) الحديث أن الكلم في الميزان لا يكون عن كثرة حروفها ولكن عن عظم معناها؛ فإن (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، إنما ثقلتا في الميزان من حيث إن معناهما أجل عظيم؛ لأنهما تسبيح الله وحمده على تسبيحه في إقرار بأن تسبيحه إنما كان بتوفيقه، ثم تعظيم الله سبحانه بعد تجديد تسبيحه، والتسبيح هو التنزيه وقد تقدم ذكره.
* وقوله: (خفيفتان على اللسان)، أي من حيث النطق، ومن حيث اتساق الحروف؛ فإن الحروف من النون إلى الهمزة، ومن الهاء إلى الواو وإلى السين، وإلى اللام الساكنة سهل لأنه يتناسب في المخارج ويتقارب، بخلاف خروجك من صاد إلى كاف، أو خروجك من كاف إلى جيم، أو من باء إلى زاي، فإن هاتين الكلمتين نزية من التكلف.
* وأما قوله: (كلمتان) وهي كلمات، فالمعنى: أنهما جملتان، والعرب
[ ٧ / ١٥٦ ]
تسمي القصيدة كلمة، فتقول قلت في كلمتي كذا، كما يعنون القصيدة.
ويجوز أن يكون معنى قوله: (خفيفتان على اللسان): أن كل كلمتين من هاتين الجملتين خفيفة على اللسان.
* وأما قوله: (حبيبتان إلى الرحمن)؛ فلأجل أنهما جمعتا بين التنزيه والتعظيم، فالتنزيه: ناف لكل ما لا يجوز، والتعظيم: لكل ما لا يجب.
-٢٠٧٦ -
الحديث الثامن والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اللهم أجعل رزق آل محمد قوتا).
وفي رواية: (كفافًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أخبر أن من الرزق ما يكون بلغة ولا يعوز ولا يفضل؛ لأن الكفاف ما كان مبلغًا المحل غير قاصر فيشغل بفضول أو معوز فيشغل في تحصيله وعلى أن هذا الدعاء هو الكفاف الحاصل لم يكون من الرزق لسائر أهل الدنيا، فإنه لا يحصل لكبر إنكار سوى قوته؛ وللذي يتقي الفتن من الدنيا وقد قاسى (٤٥/ب) شيء مما قدر له عن كفاية فثبت أن الفاضل عن القوت فيه إشغال، وقد أجاد أبو الطيب حين يقول:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ما فاته وفضول العيش إشغال
[ ٧ / ١٥٧ ]
* وفيه أيضًا: أنه - ﷺ - دعا لآله أن يكون رزقهم قوتًا، فلا يطغون بالإكثار، ولا يحسدهم أهل الدنيا في أرزاقهم، إذا رآهم الفقير استعمل الرضا، وإذا رآهم الغني استحيا.
-٢٠٧٧ -
الحديث التاسع والثلاثون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح).
وفي رواية: (والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه؛ فتأبي عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها).
وفي رواية: (إذا باتت المرأة مُهاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح).
وفي رواية: (حتى ترجع)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الرجل إذا دعا امرأته إلى فراشه فامتنعت، كانت ظالمة بمنعها إياه حقه، فتكون عاصية لله بمنع الحق، وبالظلم، وبكفران العشير، وبتكدير عيش الصاحب، وبسوء الرفقة، وبكونها عرضت زوجها
[ ٧ / ١٥٨ ]
ونفسها لفتنة؛ فلذلك لعنتها الملائكة حتى تصبح أو حتى ترجع، ويعني - ﷺ - أنها إذا رجعت قطعت الملائكة لعنتها، لكن ما مضى من اللعنة فبحاله إلا أن يعفو الله ﷿.
* وقوله: (إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها)، فإنه يعني به الله ﷿، وقد قال الله سبحانه: ﴿أأمنتم من في السماء﴾.
- ٢٠٧٨ -
الحديث الأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه (٤٦/أ) كسرته، فإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)
وفي رواية: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهم خلقن من ضلع ).
وفي رواية لمسلم: (أن النبي - ﷺ - قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير وليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع ).
وفي رواية: (المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج).
[ ٧ / ١٥٩ ]
وفي رواية: (إن المرأة خلقت من ضلع، ولن تستقيم على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)].
* المراد من هذا الحديث أن قوله: (خلقت المرأة من ضلع) إشارة إلى أن أصل خلقها زائغ عن الاستقامة، فلا ينبغي للرجل أن يحمله على عقله، فلا يكلفها مقتضيات كل رأيه؛ بل يستمت هبها في علم ما خلقت عليه مستوصيًا بها خيرًا من حيث عرفانه بفضله عليها في الرأي والعقل؛ فيكون في ذلك كالراحم لها، فيبني أمرها على المسامحة.
* وقوله: (أعوج ما في الضلع أعلاه)، يعني به - ﷺ - فيما أراه أن حنوها الذي يبدو منها؛ إنما هو عن عوج خلق فيها، وهو أعلا ما فيها من حيث الرفعة على ذلك، فإن أعلا ما فيها الحنو، وذلك الحنو فيه عوج.
* وقوله: (لن تستقيم لك على طريقة)، يعني - ﷺ - أنها كثيرة التلون والتقلب في أي طريقة أردت من سلوكها لم تستقم عليها كل الاستقامة، وهذا ينصرف إلى الغالب منهن والأكثر فيهن، ولا يمتنع مع ذلك أن تبرز فيهن الصالحات الحافظات بالغيب بما حفظ الله.
[ ٧ / ١٦٠ ]
وأما قوله - ﷺ -: (وإن ذهبت تقيمها (٤٦/ب) كسرتها، وكسرها طلاقها)، فالذي أراه أن المعنى: إذا أردت تقيم العوج الذي بها كسرت الضلع.
* ثم قوله: (وكسرها طلاقها) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى: أنك متى أردت أن تقيمها طلقها، والآخر: أنك تستغني عن كسره؛ بأن تطلقها.
* وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير أو ليسكت)، فمعناه: إذا شهد أمرًا بين قوم فلينبئهم بخير، أي: بالحق الواجب عليه في ذلك، إلا إذا لم يقدر على ذلك؛ فلا أقل من السكوت والإمساك عن الشر.
-٢٠٧٩ -
الحديث الحادي والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون) قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (أوفوا بيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم)].
* في هذا الحديث من الفقه: جواز ذكر السياسة، وأنه لا بأس بذكر هذه الكلمة.
[ ٧ / ١٦١ ]
* وفيه: أن الله تعالى عاض هذه الأمة من الخلفاء بما كانت تقوم به الأنبياء من بني إسرائيل.
* وفيه: شرف لنبينا - ﷺ - من حيث إن كل نبي من بني إسرائيل كان إذا هلك بعث الله بعده نبيًا يوحى إليه، فيشرف محمد - ﷺ - أن الخلفاء بعده يكونون نوابًا عنه، ويعملون بشرعه؛ بخلاف ما تقدم من الأنبياء.
* وفيه: آية على صدقه - ﷺ - فيما أخبر به؛ لأنه أخبر بهذا قبل كونه، وكان كما أخبر - ﷺ -.
* وفيه: أن حيث كانت الخلفاء أقامهم الله مقام الأنبياء في بني إسرائيل أنه يجب على كل الناس أن يروا الخلفاء بذلك المقام، وأنه يجب أن يطاع كل منهم في وقته، كما كان يطاع النبي في أمته.
* وفي (٤٧/أ) أيضًا: أنه ينبغي للخلفاء أن يكونوا على سيرة الأنبياء؛ لأن الله تعالى جعلهم عوضًا منهم، وخلفاء عنهم.
* وفيه أيضًا: أن الخلفاء يكثرون، وهذا دليل على بقاء الخلافة إلى آخر الدهر؛ لأنه قال: فيكثرون، ولم يذكر أنه يأتي نبي بعدهم.
* وقوله: (فأفوا للأول)، يعني: أن الأول في البيعة هو الخليفة، وكذلك جاء في الحديث الآخر: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما).
* وقوله: (أعطوهم حقهم)، المعنى: لا تكونوا أنتم الذين تحاسبونهم، وإنما
[ ٧ / ١٦٢ ]
عليكم إعطاؤهم الحق، وحسابهم على الله، وهذا دليل على شرف الخلافة؛ لكونها نزهت أن يكون عليها مشرف أو معارض، بل الله تعالى هو المتولي لذلك؛ بل يجب على الناس طاعتهم وفاء بحقهم، ومن حقهم طاعتهم سرًا وجهرًا.
-٢٠٨٠ -
الحديث الثاني والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك؛ لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، فقال: (من يضيف هذا الليلة؟ فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (هل عندك شيء؟ قال: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء).
وفي حديث أبي أسامة: (وإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، فأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفيئه، قال: فقعدوا فأكل الضيف).
وفي حديث عبد الله بن داود: (باتا طاويين، فلما أصبح غدا على رسول الله - ﷺ - فقال: (لقد عجب الله من صنيعكما (٤٧/ب) بضيفكما الليلة).
وفي رواية ابن فضيل: (فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة،
[ ٧ / ١٦٣ ]
فانطلق به إلى رحله، ثم ذكره نحوه)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن لفظه الجهد، لا تستعمل في الأكثر إلا في حالة المرض، وعلى هذا يكون الرسول - ﷺ - قد رأى علاج المريض: إطعامه الطعام، فيكون هذا الحديث دالًا على خلاف ما يذهب إليه المتنطعون في التداوي، من أنهم يحمون المجهود الطعام، وهذا ما لا أراه في كل مرض؛ بل إنما يكون الامتناع من الطعام دواء لمن داؤه الامتلاء، أو يكون هضمه قد ضعف، فينبغي أن يوفر القوى الهاضمة بالتجويع إلى أن تهضم ما كانت ضعيفة عن هضمه، وأما باقي الأمراض فلا أعلم أنه يصلح فيها قطع الغذاء، وقد جربت هذا مرارًا.
ويجوز أن يكون المراد بقوله في الحديث: إني مجهود، أن الجوع قد بلغ منه الجهد فأمرضه.
*وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - لم يعرض لغيره، حتى ذكر نساؤه ﵅ خلو بيوتهن من قوت؛ فحينئذ قال: من يضيف هذا الليلة؟
*وفيه أيضًا دليل على جواز أن يضيف الرجل الرجل، وليس عنده إلا قوت صبيانه، ولا يكره ذلك له إلا أن يستمر فيضر بأهله؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال له: (لقد عجب الله من صنيعكما الليلة).
*وفيه دليل على أن الرجل قد لا يعلم ما في بيته كذلك، تفويضًا لذلك إلى
[ ٧ / ١٦٤ ]
زوجته.
*وفيه أيضًا دليل على جواز التوصل في تسكين الأطفال وتعليلهم، مع أخذ زادهم في مثل هذه الحالة النادرة تغنمًا لسده الحاجة الشديدة؛ فإن هذا الرجل بلغ منه الجهد؛ وليس كل ضيف يكون مثل هذا.
*وفيه أيضًا من التوفيق أن هذا الرجل جمع بين توفير الزاد على الضيف مع التوصل (٤٨/أ) في تطييب نفس الضيف؛ إذ أمر امرأته لعتم المكان إذ لو قد كان المصباح يقد حتى رأى امتناعهم من الطعام توفيرًا عليه إذ لم يتعد أن يتكدر قلبه.
*وفيه أيضًا ما يدل على أن الله تعالى جعل أصحاب رسول الله - ﷺ - أصولًا في عمارة الطرق كلها، يقتدى بهم، فإن فعل هذا الأنصاري مما قل فيما سمع أن أحدًا سبقه إليه أو لحقه فيه، وهو في معنى قوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
-٢٠٨١ -
الحديث الثالث والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: (ما عاب رسول الله - ﷺ - طعامًا قط، كان إذا اشتهى شيئًا أكله، وإذا كرهه تركه).
وفي رواية: (ما رأيت رسول الله - ﷺ - عاب طعامًا قط، كان إذا اشتهاه أكله
[ ٧ / ١٦٥ ]
وإن لم يشتهه سكت)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن الإنسان ينبغي أن يرى نفسه في هذه الدنيا ضيفًا لله ﷿، وأن كل ما يقدم إليه في بيته وبيت غيره إنما هو من ضيافة الله؛ لأن إضافة الرجل للرجل بالشيء المستطرف والمستحسن من الأطعمة فقد سبق خلق الله ﷿ لذلك الشيء وإعداده سبحانه إياه، فلو لم يجد الضيف ذلك الشيء المضاف به مخلوقًا معدًا لم تبلغ قدرته إيجاده، فصار المضيف على الحقيقة هو الله تعالى، وحقيق بمن يرى أنه ضيف الله ﷿ وإن أكل طعامًا فإنما هو مجموع أجناس قد بدأ الله بخلقها، وسهل حصولها، ولا ينبغي له أن يعيب شيئًا منها؛ بل إن كان به حاجة إليه يتناوله، وإن لم يكن إليه حاجة تركه.
فكما أنه لا يحسن بالمؤمن أن يهين شيئًا مما خلقه الله له من جميع الأشياء، فكذلك لا ينبغي له أن يتناول منه فوق حاجته؛ لأنها قوته وقوت غيره، فالقسمة بينه وبين غيره لم يكن تقديرها إلا بالإشارة بحالة الاحتياج، فإذا أخذ من شيء هو مشاع بينه وبين غيره أكثر من حاجته فقد ظلم غيره مقدار التفاوت (٤٨/ب).
*وفيه: أن النبي - ﷺ - لا يأكل إلا ما يشتهيه لقوله: (كان إذا اشتهى شيئًا أكله)، وهذا يدل على أنه يستحب للإنسان ألا يأكل من الطعام إلا ما يشتهيه، ولا يجاهد نفسه على تناول ما لا يريده؛ فإنه من أضر شيء بالبدن، وقد جاء
[ ٧ / ١٦٦ ]
في صفة أهل الجنة: ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾.
*وفيه أيضًا رد على من يزعم أن تناول ما يشتهى مكروه.
*وقوله: (وإن لم يشتهه سكت) أي: لم يعبه.
-٢٠٨٢ -
الحديث الرابع والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (ما شبع آل محمد - ﷺ - من طعام ثلاثة أيام، حتى قبض).
وفي رواية عن أبي حازم، قال: (رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارًا يقول: والذي نفس أبي هريرة بيده، ما شبع نبي الله - ﷺ - وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة، حتى فارق الدنيا).
وفي رواية: (والذي نفس أبي هريرة بيده ما أشبع رسول الله - ﷺ - أهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا).
وفي رواية عن أبر هريرة: أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكلها، وقال: (خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)].
*قوله: لم يشبع ثلاثة أيام، أي: لم يوال الشبع ثلاثة أيام، وهذا يدل على
[ ٧ / ١٦٧ ]
جواز الشبع، وأنه إذا لم يواله لم يكره بحال؛ إلا أن المستحب أن يكون أكل الإنسان وفق حاجته من غير أن يكظ معدته، ولا يخليها ما أمكنه، ويجوز أن يكون ما اتفق لرسول الله - ﷺ - ما يشبعه.
*وأما ذكره لخبز الشعير، فيجوز أن يكون عوزًا، ويجوز أن يكون إيثارًا لغير الشعير، لأن غير الشعير أصلح للأبدان.
-٢٠٨٣ -
الحديث الخامس والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة: (أن رسول الله - ﷺ - انصرف من (٤٩/أ) اثتنين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -:أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله - ﷺ - فصلى اثنتين أخريين ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع).
وفي حديث سلمة بن علقمة: (قلت لمحمد- يعني ابن سيرين -:في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة).
وفي رواية: (صلى النبي - ﷺ - إحدى صلاتي العشي).
قال محمد: وأكثر ظني: العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم: أبو بكر وعمر ﵄ فهاباه أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي - ﷺ -:ذو اليدين فقال: يا نبي الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟
[ ٧ / ١٦٨ ]
فقال: (لم أنس ولم تقصر)، قال: بلى قد نسيت، قالوا: صدق ذو اليدين، فقام فصلى ركعتين، ثم سلم، فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر).
وفي حديث سفيان بن عيينة عن أيوب نحوه، وفيه: (ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبًا، وفيه: (فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي - ﷺ - يمينًا وشمالًا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع- قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم).
وفي رواية: (صلى النبي - ﷺ - الظهر ركعتين، فقيل: صليت ركعتين، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين).
وفي رواية: (صلى بنا النبي - ﷺ - (٤٩/ب) الظهر أو العصر فسلم، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله، أنقصت؟ فقال النبي - ﷺ - لأصحابه أحق ما يقول؟ قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين، قال سعد ابن إبراهيم: ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين؛ فسلم وتكلم، ثم صلى ما بقي، وسجد سجدتين، وقال: هكذا فعل النبي - ﷺ -).
وفي رواية لمسلم: (صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (كل ذلك لم يكن)، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس، فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا
[ ٧ / ١٦٩ ]
رسول الله، فأتم رسول الله - ﷺ - ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - صلى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلم، فأتاه رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ وساق الحديث)].
*هذا الحديث برواية ابن سيرين عن أبي هريرة: فالطريق الصحيحة عنه: أن ذو اليدين قال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: (كل ذلك لم يكن). فقال له الرجل: قد كن بعض ذلك. فهذه الرواية هي الصحيحة التي يشهد بعضها لبعض، وأما الرواية الأخرى التي رويت عن ابن سيرين، وفيها: (لم أنس ولم تقصر) فإن مثل هذا لا يجوز أن يجري على رسول الله - ﷺ -؛ لأنه لا يجوز أن يقول لم أنس وقد نسي؛ لأن الراوي روى الحديث عن ابن سيرين بالمعنى على ظن صفة أن هذا المعنى معبر عن ذلك، ولم يكن عالمًا؛ فأتى بمعنى لا يصح.
*ثم روي هذا الحديث من طرق ليس فيها هذه الزيادة، وفي الحديث دليل على أنه إذا أخبر الواحد عن مثل هذه الحالة في سهو، وظن المخبر ما ذكره،
[ ٧ / ١٧٠ ]
فرجع إلى غيره في السؤال إلى صدق ما يقول: كان ذلك في موضعه لا علم يجيزه عن غائب، فكان يقبل خبره، إذ خبر الواحد مقبول؛ ولكن لما خبر ذو اليدين رسول الله - ﷺ - بما لم يذكره (٥٠/أ) رسول الله - ﷺ - رجع إلى الناس، فقال: أحق ما يقول ذو اليدين؟
*وفيه من الفقه: أن من سلم وقد بقي عليه من صلاته أتى بما بقي وسلم، ثم سجد للسهو بعد السلام.
*وقوله: خرج سرعان الناس. قال الخطابي: الصواب نصب السين وفتح الراء، هكذا يقول الكساني. وغيره يقول: بتسكين الراء. والأول أجود.
*وقد ذكرنا تحريم الكلام في الصلاة في مسند ابن مسعود. وتكلمنا في كلام أبي بكر وعمر في ذلك اليوم في مسند عمران بن الحصين.
[ ٧ / ١٧١ ]
-٢٠٨٤ -
الحديث السادس والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: نهي عن الخصر في الصلاة).
وفي رواية: (نهى أن يصلي الرجل مختصرًا).
وفي رواية: (نهى النبي - ﷺ - )].
*يجوز أن يكون هذا من وضع اليد على الخصر؛ وذلك ينافي الخشوع.
ويجوز أن يكون المراد شد الوسط.
ويجوز أن يكون نهيًا عن اختصار الصلاة؛ بأن لا يتم ركوعها ولا سجودها.
-٢٠٨٥ -
الحديث السابع والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها).
وفي رواية: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها؛
[ ٧ / ١٧٢ ]
لكن الله قالها)].
*هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي ذر وابن عمر وغيرهما.
-٢٠٨٦ -
الحديث الثامن والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله؛ قوله: ﴿إني سقيم﴾، وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾، وواحدة في شأن سارة؛ فإن قدم أرض جبار، ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجابر إن يعلم أنك امرأتي (٥٠/ب) يغلبني عليك؛ فإن سألك فأخبريه أنك أختي؛ فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل هذا الجبار، فأتاه، فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأتي بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد
[ ٧ / ١٧٣ ]
من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله إلا أضرك، ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر، قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم انصرف، قال لها: مهيم، فقالت: خيرًا، كف الله يد الفاجر، فأخدم خادمًا)، قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء).
وفي رواية للبخار موقوفًا على أبي هريرة وفيه: (بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها؟، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده ثم ذكر نحو ما تقدم في منعه، ودعائها إلى أخره وفيه: فأخدمها هاجر، وقول أبي هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء).
وفي رواية: (هاجر إبراهيم بسارة، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل له: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء، فأرسل إليه أن يا إبراهيم: من هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها فقال: لا تكذبيني حديثي، فإني أخبرتهم أنك أختي، والله إن (٥١/أ) على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا
[ ٧ / ١٧٤ ]
على زوجي، فلا تسلط على يد الكافر، فغط، حتى ركض برجله، وفيه أن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته، فأرسل، ثم قام إليها، فقامت توضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي فلا تسلط على هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله، قال أبو هريرة: فقالت: (اللهم إن يمت، يقال: هي قتلته، فأرسل في الثانية أو الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إلى إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوه هاجر، فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة)].
*أما حديث الكذبات الثلاث؛ فقد تقدم في هذا المسند قبل سبعة وعشرين حديثًا، وتكلمنا على معاني الثلاثة.
*وإنما قال: هي أختي، ولم يقل هي زوجتي لئلا يقتله، فإنه لو قال: زوجتي قتله، وتزوجها.
[ ٧ / ١٧٥ ]
*وقوله: (مهيم؟):سبق تفسيرها في مسند أنس.
*وقوله: فتلك أمكم يا بني ماء السماء: قال الخطابي: يعني العرب، وذلك أنهم يعيشون بماء السماء، ويتبعون مواقع القطر في بواديهم، قال: ويقال إنما أراد زمزم أنبطها الله لهاجر فعاشوا بها، وصاروا كلهم كأنهم أولادها.
-٢٠٨٧ -
الحديث التاسع والأربعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (لم يتكلم في المهد لا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: ياجريج، فقال: يا رب، أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت. فلما كان من الغد، أتته وهو يصلي، فقالت: ياجريج، فقال: يا رب، أمي وصلاتي، فاقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج فقال: أي رب، أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات،.
فتذاكر بنو إسرائل جريجًا (٥١/ب) وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه، قال: فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه، فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه.
[ ٧ / ١٧٦ ]
فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: عوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك؟ فقال: فلان الراعي.
قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه، ويتمسحون به، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا.
وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه، فجعل يرتضع- قال: فكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها- قال: ومروا بجارية وهم يضربونا، ويقولون: زنيت، سرقت، وهي تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع، ونظر إليها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهنالك تراجعا الحديث، فقالت: مر رجل حسن الهيئة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله.
ومروا بهذه الأمة وهم يضربونا ويقولون: زنيت، سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهم اجعلني مثلها، قال: إن ذلك الرجل كان جبارًا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت، ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها). لفظ حديث مسلم عن زهير بن حرب، وهو أتم، وأخرجه البخاري مختصرًا.
وأخرج البخاري حديث المرأة وابنها خاصة من حديث شعيب بن أبي حمزة (بينا امرأة ترضع ابنًا لها، إذ مر راكب وهي ترضعه، فقالت: اللهم لا
[ ٧ / ١٧٧ ]
تمت ابني (٥٢/أ) حتى يكون مثل هذا، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم رجع في الثدي.
ومر بامرأة تجرر، ويلتعن بها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقال: أما الراكب فكافر، وأما المرأة، فإنه يقال لها: تزني، وتقول: حسبي الله، ويقولون: تسرق، وتقول: حسبي الله).
وأخرج البخاري أيضًا حديث جريج تعليقًا من حديث جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (نادت امرأة ابنها وهو في صومعة له، فقالت: يا جريج، قال: اللهم أمي وصلاتي، فقالت: ياجريج، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فقالت: يا جريج، قال: اللهم أمي وصلاتي، قالت: اللهم لا يموت جريج حتى ينظر وجوه المياميس.
وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم، فولدت، فقيل لها: ممن هذا الولد؟ قالت: من جريج، نزل من صومعته، قال جريج: أين هذه التي تزعم أن ولدها لي؟ قال: يا بابوس، من أبوك؟ قال: راعي الغنم).
وأخرج مسلم منه طرفًا في جريج خاصة، من حديث أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: (كان جريج يتعبد في صومعة، فجاءت أمه، قال حميد بن هلال: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله - ﷺ - حين دعته، كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه- فقالت: يا جريج، أنا أمك كلمني، فصادفته يصلي، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج ابني وإني كلمته فأبي أن يكلمني، اللهم لا تمته حتى تريه المومسات، قال: ولو دعت عليه أن يفتن فتن، قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها الراعي،
[ ٧ / ١٧٨ ]
فحملت، فولدت غلامًا، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير، قال: فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم، فنادوه، فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم قال: فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك، نزل إليهم، فقالوا له: سل هذه، قال: فتبسم، ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: راعي الضأن، فلما سمعوا ذلك، قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة؟ قال: لا، ولكن أعيدوه ترابًا كما كان، ثم علاه)].
*في هذا الحديث وجوب (٥٢/ب) الإيمان بأنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، حتى إنه قد روي على النبي - ﷺ - من الأحاديث الواهية أنه قد تكلم غير هؤلاء، رد ذلك، وعمل بهذا.
*وفيه أيضًا أن هذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة شؤون كبار مهمة من حيث إنه قرن كل شيء منها بما يناسبه؛ لأن أولها كلام عيسى بن مريم ﵇ في المهد، وذلك مما يدل على علوه على الحالتين الأخريين لمشاركتهما قصة عيسى.
*فأما كلام غيسى في المهد، فإنه لم يكن تبرئة أمه مما قذفت به إلا بنطق الولد، فإنها لما أتت به من غير ذكر، وكانت حالًا في ظاهر الأمر هائلة خارقًا للعادة أتى الله ﷿ فيها بأمر بديع من كلام صبي في المهد يقول: ﴿إني
[ ٧ / ١٧٩ ]
عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ وكان ذلك من الشأن العظيم الذي قاوم الأمر العظيم، فقامت به الحجة وثبت به المعجزة.
*وأما جريج فإنه كان عبدًا صالحًا، إلا أنه لما دخل عليه من استغراقه في التعبد بالصلاة، كان غير ناظر إلى أن عبادة الله ﷿ في كل الطرق المشروعة متى أكب الإنسان على طريق منها، أضر بالبواقي، فيكون على نحو من أرجح كفه بأن أسف الأخرى، فلما أتته أمه، فكان كلامه لأمه أفضل عند الله من الصلاة النافلة، فقال: رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته وترك أمه، وكان من الفقه أن يقدم أمه؛ لأن صلاته إنما تكون له، وتكليمه أمه يكون عملًا متعبدًا يشمله ويشمل غيره، فربما كانت أمه قد جاءت في حاجة مهمة، بحيث يجب عليه أن يجيبها عنه.
*وفيه أيضًا أنها صلة رحم، هي أولى الأرحام بالصلة فآثر عليها ما لا يتعداه من الصلاة، فغلط في الموازنة فخسر، وقد ترددت إليه يومًا بعد يوم، وهو يؤثر الأدنى على الأرفع حتى هاج صدرها، بأن دعت عليه دعاء لا يبلغ فيه إلى الغاية؛ لأنها رفقت به؛ إذا خفي عليها فقالت: اللهم لا تمته حتى (٥٣/أ) تيه وجوه المومسات؛ يعني الفواجر، فلما لم ينظر في وجه أمه، دعت عليه بعقوبة من جنس ما أعرض عنه من النظر في وجوه المومسات، والمومسات: جمع مومسة، وهي الفاجرة، ويقال: مومسات وميامس.
[ ٧ / ١٨٠ ]
وإنما أجيب من دعائها مقدار ما سألت على وجه الرفق به من أن ينظر في وجوه الفواجر؛ فاتهم بتهمة هو بريء منها، إلا أنه لما آثر ما هو له، على ما هو له ولأمه، ابتلي ببلية لا ذنب له فيها؛ بل اطلع في وجه الفاجرة حتى أظهر الله بذلك كرامة عرفه الله غلطه في إيثاره صلاة النافلة على إجابة أمه.
*وفيه أيضًا دليل على أنه لا يجوز أن يسرع طاعن في مسلم بقول عن غير بينة، فإن هؤلاء لو كانوا عملوا بما أوجبه الله تعالى في شرعه، من أنه لا يقبل طعن في مسلم إلا ببينة لم يهدموا صومعته ولم يؤذوه.
*وفيه أيضًا من الفقه: أن جريجًا لما بلي بهذه البلية وعلم براءته منها، قوي إيمانه بالله ﷿ في أن يكشف كل لبس؛ فجاء إلى المولود فطعن في بطنه فقال: يا بابوس أو يا غلام، من أبوك؟ فقال: أبي الراعي، فكفر بصدق إيمانه، وحسن يقينه بالله سبحانه ما كان منه إلى أمه، فأنطلق الله الغلام ببراءته، حتى قال: أبي الراعي.
ولم يذكر رسول الله - ﷺ - هذه الحالة إلا منبهًا لكل من جرى عليه تلبيس حتى يتفاقم أمره ويعظم، فإنه ينبغي ألا يستطرح، بل بفزع إلى الله ﷿، فإن الذي أنطق المولود حتى بادر يسمع ويرى، ولم يذكر رسول الله - ﷺ - مثل هذا سمرًا قط بل ليعمل به، فكانت هذه القصة جامعة لفضل الوالدة، ولكونها أجيب دعاؤها في مثل الولد الصالح مع كونه لم يشتغل عنها بمنكر ولا بمحرم، وإنما اشتغل بعبادة فجرى في حقه هذا.
*وفيه: أن الله تعالى قائم بالقسط، عند كشف كل إلباس.
*وفيه أيضًا: أن الله (٥٣/ب) تعالى يجيب الدعاء عند السؤال.
[ ٧ / ١٨١ ]
*وقوله: يا بابوس، فهي كلمة تقال للصغير.
*وأما القصة الثالثة: فالشارة الحسنة الجمال الظاهرة في الهيئة.
*وفيه من الفقه: أن يتعوذ الإنسان أن يكون مثل الجبار؛ لأنه قال: لا تجعلني مثله، فأنطق الله تعالى ذلك المولود بهذا؛ لتكون هذه الحالة أوقع عند كل سامع لئلا يتمنى الناس أحوال الجبارين؛ ولبسه الظالمين أدهى مقام فتنة؛ لأنه قد يأتي إبليس من هذه الطريق ويقول: فهذا الظالم أو الجبار مع عنفه وغشمه هو أصلح حالًا في عاجل الدنيا من كثير الخلق، فأوضح الله الحق في ذلك، بإنطاق المولود؛ الذي نطقه بدع في وقته؛ لتسير به الأخبار، ويتهاداه الرفاق؛ وحتى يذكره رسول الله - ﷺ - فينقل إلى يوم القيامة، وليعلم الناس أن الإملاء للظالمين ليس بخير لهم.
*فأما حديث الجارية؛ فإنه قد يتهم الجهال المرأة الصالحة بالزنا والسرق، وليست من أهل ذلك، فلا ينبغي أن يترك الرجل أهله من أجل أن يقول عدو له أو لهم أو يطبع الشيطان في أفواه الناس: إنها زانية أو سارقة، ولا يحل لمسلم أن يقبل هذا ولا يؤثر عنده بحال إلا أن يثبت ذلك بثبوت مثله، أو يرى من قرائن الأحوال ما يفيده عليه الظن، فيكون لذلك حكمه؛ فأما مجرد أقوال الأعداء فلا يحل العمل بذلك، إلا أن كثيرًا من النسوان يستجزن أن يقلن في ضرائرهن الكلمة الخبيثة؛ ليكون سببًا لإتلاف من يتلف، وإبعاد من يبعد.
ولقد حدثني ثلاثة رجال، أحدهم كان ذا طريقة صالحة، وممن حج بيت الله الحرام، أنهم سمعوا في الليل أنينًا يصعد من قبر فحكيت أنا هذه الحكاية لرجل، قال لي ذلك الرجل: إن خالي هو صاحب البستان الذي ذلك القبر
[ ٧ / ١٨٢ ]
إلى جانبه، وقد كان أنس خالي بهذا الأنين لكثرة ما يسمعه قال: وهذا القبر (٥٤/أ) لرجل من أهل الكتاب المتعاطين القدامى، أتى امرأة فاسدة اختصمت الفاجرة مع أخت هذه المتعاطي، فقالت الفاجرة له: إن أختك قد زنت فحمله تعاطبه على أن أخذ أجنة وبقر بطنها فوجدها بكرًا لم تصب، ثم أعماه الله على أثر ذلك، ثم أماته فدفن في هذا القبر، فمذ ليلة دفن سمع هذا الأنين.
فلا يحل لمسلم أن يقبل في دعوى الزنا إلا البينة التي شرطها الله تعالى في ذلك أن قال: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ هذا ولو أنهم رأوا وشاهدوا؛ فإنهم عند الله كاذبون، وذلك لأن هذه الوصمة إذا وصم بها رجل رجلًا أو امرأة فقد أتى عظيمًا من الأمر، فإذا عمل الإنسان بقوله صار شريكًا له فيما أناه الله.
*وأما قول المرأة: لا تجعل ابني مثل هذه؛ فلأنها رأت صورة كرهتها، من أنها تقذف وتؤدى، وما علمت الباطن.
*وأما إخراج الصبي الثدي من فمه، فإنه آثر قول الحق على الرضاع المستلذ، فقال: اللهم اجعلني مثل هذه، ولو قبالت لا تبل ولدي بمثل ما ابتليت هذه لم ينكر ذلك إن شاء الله، إنما قالت: لا تجعل ولدي مثل هذه، وكان هذا شأنًا عظيمًا منهما في الخلق، وهو أنه لا يسوغ قبول قول الفجار
[ ٧ / ١٨٣ ]
والفساق في العوامل مع كونه قد يجوز أن يكون بعضه كما يقال؛ ولكن الله ﷿ حرم علينا أن نقبله أو نعمل به، فأنطق الله المولود في أمر بديع، شاع وسار حتى ذكر رسول الله - ﷺ -، فصار ذكر رسول الله - ﷺ - قائمًا عند كل مؤمن مقام مشاهدة الطفل، وهو يقول ذلك، واستغنى بذلك عن أن يتكلم مولود في الإسلام، بمثل هذه الحادثتين، فقد أخبر بهذا الصادق - ﷺ -.
-٢٠٨٨ -
الحديث الخمسون بعد المائتين:
(٥٤/ب) [عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)].
*قوله: (إن الله أطعمه) المعنى: أنه لم يأكل وهو ذاكر، إنما أطعمه الله وسقاه، ولا يعقب إطعام الله لعبده حرج، ولا نقص في عبادة، ولا حرمان من خير، فكان ما أطعمه الله صدقة عليه، واحتسب له بصيامه، وهذا الحديث يحج به أحمد، فهو حجة الفقهاء كلهم في صحة صوم الآكل والشارب ناسيًا، وأنه لا يقض سوى مالك وحده؛ فإنه يوجب عليه القضاء.
[ ٧ / ١٨٤ ]
-٢٠٨٩ -
الحديث الحادي والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (فقدت أمه من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت، قال أبو هريرة: فحدثت كعبًا بهذا، فقال: أنت سمعت النبي - ﷺ - يقوله؟: قلت: نعم-فقال لي مرارًا- فقلت: فأثرأ التوراة).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: (الفأرة مسخ، وأية ذلك أن يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه. فقال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟، قال: أفأنزلت على التوراة!)].
*أما قوله: (لا أراها إلا الفأر)؛ فإنه يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يقطع بذلك، وقد سبق في مسند ابن مسعود: (إن الله لم يمسخ مسخًا، فيجعل له نسلا) فالعمل على ذلك الذي قطع عليه.
-٢٠٩٠ -
الحديث الثاني والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لو آمن بي عشرة من اليهود، لآمن
[ ٧ / ١٨٥ ]
بي اليهود)
وفي رواية: (لو تابعني عشرة من اليهود، لم يبق (٥٥/أ) على ظهرها يهودي إلا أسلم)].
*المعنى الذي أراه في العشرة أنه أراد عشرة معينين، والا فقد آمن به ألوف منهم، وإنما أراد إن أثم المخالفين لي منهم في رقاب أولئك العشرة؛ لكونهم رؤساء القوم، وهذا على معنى قوله لهرقل: (فعليك إثم الأريسين)، وقد دل رسول الله - ﷺ - بهذا على أن اليهود أهل تقليد لرؤسائهم، وطرح الإرسان مقادتهم في أيدي علمائهم، لا أنهم يتبعون الدليل، فإذا أمر عشرة منهم آمنوا مقلدين لهم، فلما لم يؤمن أولئك الرؤساء لم يؤمن أولئك، قد عرض الاتباع تقليد أولئك، ويستنبط من فحوى هذا الكلام أن رسول الله - ﷺ - قد عرض في هذا: النهي عن التقليد في الإيمان.
-٢٠٩١ -
الحديث الثالث والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (أوصاني خليلي بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل
[ ٧ / ١٨٦ ]
شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند أبي ذر وغيره.
-٢٠٩٢ -
الحديث الرابع والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد-أو شابًا، ففقدها رسول الله - ﷺ -، فسأل عنها-أو عنه- فقالوا: مات، قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟) قال: فكأنهم صغروا أمرها-أو أمره- فقال: (دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليها ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)].
*تقم: تكنس، والقمامة: الكناسة.
[ ٧ / ١٨٧ ]
*وفي هذا الحديث ما يحث على تنظيف المساجد وكنسها، وإخراج ما يؤذي منها حتى ما يقذي العين.
*وفيه أيضًا: افتقاد الصاحب، والسؤال عنه مستحب، ألا ترى إلى قوله: (هلا آذنتموني حتى أصلي عليه؟).
*وفيه: وجوب الصلاة على الميت.
*وفيه: أن صلاة الرسول - ﷺ - على (٥٥/ب) الميت تنور له؛ فمن له بصلاة الرسول، قال الله تعالى: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾.
*وفيه: أن الصلاة على الميت شفاعة في حقه، وكلما كان الشفيع وجيهًا، كانت شفاعته أسرع قبولًا، ورسول الله - ﷺ - هو الوجيه في الدنيا والآخرة، المقبول الشفاعة في الجمع كلهم، فما الظن بواحد يصلي عليه ويشفع فيه في صلاته؛ لأنه شرع لأمته لفظ الشفاعة في الصلاة على الجنازة، فلم يكن ليخل به، ولم يكن ليشفع إلا وتشفع، والله تعالى يوفقهم للصواب.
-٢٠٩٣ -
الحديث الخامس والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أنه لقيه رسول الله - ﷺ - في طريق من طرق المدينة؛ وهو جنب، فانسل، فذهب فاغتسل، ففقده النبي - ﷺ -، فلما جاء، قال: (أين كنت يا أبا هريرة)؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن
[ ٧ / ١٨٨ ]
أجالسك حتى أغتسل، فقال: سبحان الله؛ إن المؤمن لا ينجس)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند حذيفة وتكلمنا عليه.
-٢٠٩٤ -
الحديث السادس والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل)
وفي رواية: (وإن لم ينزل).
وقال زهير بن حرب: (بين أشعبها الأربع: يداها ورجلاها)].
*وقوله: ثم جهدها، أي: اجتهد في الوصول إليها، والإشارة إلى التقاء الختانين، وهذا ناسخ لقوله - ﷺ -:الماء من الماء.
[ ٧ / ١٨٩ ]
-٢٠٩٥ -
الحديث السابع والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن زينب كان اسمها برة فقيل: تزكي نفسها، فسماها رسول الله - ﷺ - زينب)].
*في هذا الحديث من الفقه (٥٦/أ) أنه لا يحسن بالإنسان أن يسمي نفسه بما يزكيها به نحو التقي، والزكي، والأشرف، والأفضل؛ كما أنه لا ينبغي أن يسمي نفسه اسمًا يتشاءم به كدار له وضربه، ونحو هذا، بل يسمي نفسه عبد الله وعبد الرحمن وغير ذلك.
-٢٠٩٦ -
الحديث الثامن والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (من أعتق شقصًا من مملوك، فعيه خلاصه في ماله؛ فإن لم يكن له مال، قوم المملوك قيمة عدٍل، ثم استسعي
[ ٧ / ١٩٠ ]
غير مشقوق عليه).
وفي حديث ابن يونس: (ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق، غير المشقوق عليه)].
*والشقيص والشقص: الشرك والنصيب.
*وقد أوضحنا الكلام على هذا في مسند ابن عمر، فهذا الحديث هناك، والكلام عليه تم.
-٢٠٩٧ -
الحديث التاسع والخمسون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (العمرى جائزة).
وفي رواية: (العمرى ميراث لأهلها، أو قال: جائزة)].
*هذا الحديث أصل في جواز العمرى، وهو أن يقول الرجل للرجل:
[ ٧ / ١٩١ ]
(أسكنك هذه الدار عمري أو عمرك؛ فإذا انقضت المدة عادت إلى ورثة معمرها.
-٢٠٩٨ -
الحديث الستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: (أنه نهى عن خاتم الذهب)].
*قد تقدم هذا الحديث في مسند ابن عمر والبراء وغيرهما ﵃ أجمعين.
-٢٠٩٩ -
الحديث الحادي والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم به). قال (٥٦/ب). قال قتادة: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تكلم).
وفي رواية: (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست صدورها ما لم يعمل أو
[ ٧ / ١٩٢ ]
يتكلم).
وفي رواية: (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به، أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن كل ما حدث به الإنسان نفسه مما يتصور أن يعمل؛ فإنه معفو عنه عند الله ﷿ حتى يعمله، وكذلك إن كان مما ينطق بطه، فإنه مما يعفو عنه حتى ينطق به مضمره، والظاهر أن هذا لا يكون إلا في خواطر السوء؛ لقوله: (تجاوز)، فإن التجاوز لا يستعمل في الحسنات إلا أن هذا يتبين بضرب مثال: وهو أنه لو خطر في قلب مريض أن يتداوى، وكان المثير لهذا العزم منه أن يتبع في التداوي السنة، ويدبر بدنه المودع عنده لله سبحانه بأصوب البليتين، فهذا إيمان وتوفيق؛ فإن خطر في قلبه أو وسوس له الشيطان ما معناه أنه إذا لم يتداو ربما يهلك، ويوهمه الشيطان أنه يموت بغير أجله إن لم يتادو؛ كما قذف في قلوب المشركين حتى قالوا يوم بدر ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ فتداوى بهذا العزم فيكون كافرًا.
[ ٧ / ١٩٣ ]
-٢١٠٠ -
الحديث الثاني والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة؛ ليقطع علي صلاتي، وأمكنني الله منه؛ فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فرددته خاسئًا)].
*العفريت: المارد الخبيث من الجن.
*وقوله: (تفلت علي)، أي: تعرض لي فلته، أي فجاء (٥٧/أ) ليغلبني على صلاتي.
* (فرددته خاسئًا)، أي: مبعدًا.
*قد سبق شرح هذا الحديث فيما تقدم.
[ ٧ / ١٩٤ ]
-٢١٠١ -
الحديث الثالث والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار؟)].
*في هذا الحديث من الفقه: شدة كراهة المبادرة للمأموم أن يرفع رأسه قبل الإمام.
*قوله: (يجعل الله رأسه رأس حمار أو صورة حمار)؛ فإنه ينبغي أن لا يستبعد هذا؛ فإن الله سبحانه تعالى إن لم يجعل رأسه على شكل رأس الحمار؛ فإنه قد يجعل رأسه في المعنى رأس حمار في البلادة وبعد الفهم، وهو على صورة الآدميين، وقد أخذ على المأموم أن لا يسبق الإمام في التسليم، فما الذي تفيده المسابقة في الركوع أو السجود مع كنونه لا يمكنه الخروج من الصلاة إلا بخروج الإمام؛ فلا يحصل له من ذلك إلا سوء الأدب، وأن يظهر للمصلين معه قلة أدبه ودينه، ونزارة علمه وعدم ثباته، فإذن هذه كلها من أخلاق من رأسه في المعنى رأس حمار.
[ ٧ / ١٩٥ ]
-٢١٠٢ -
الحديث الرابع والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا لم يغسل عقبيه فقال: (ويل للأعقاب من النار).
وفي رواية عن أبي هريرة: (أنه رأى قومًا يتوضؤون في المطهرة، فقال: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: (ويل للعراقيب من النار)].
في هذا الحديث من الفقه: الحث على تفقد الأماكن التي لا يصل إليها الماء غالبًا إلا بالتفقد؛ فإن العقب لكونه من وراء الإنسان قد ربما لا يشمله الماء، ولا يرى المتوضئ ذلك، وعلى هذا يقاس المفصل الذي بين اللحية والأذن، وكذلك المرفقان.
*وأسبغوا بمعنى: أتموا (٥٧/ب).
*والأعقاب: جمع عقب، وهو ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك.
[ ٧ / ١٩٦ ]
-٢١٠٣ -
الحديث الخامس والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي ﵁ تمرة من تمر الصدقة؛ فجعلها في فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: (كخ كخ، إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟).
وفي رواية: (أنا لا يحل لنا الصدقة؟).
وفي رواية عن رسول الله - ﷺ - قال: (إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي، أو في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة، فألقيها)].
*في هذا الحديث من الفقه: أن الصدقات لا تحل لآل رسول الله - ﷺ -.
*وفيه أيضًا: أن العالم الفصيح إذا اضطر إلى تكليم صبي، أو من هو في الفهم في رتبة الصبي، فإنه ينزل عن رتبة فصاحته إلى الكلام الذي يفهمه ذلك المخاطب؛ كما فعل رسول الله - ﷺ -، وهو أفصح العرب؛ بأن نزل إلى ما فهمه الحسن بن علي ﵁.
*وقوله: كخ، ردع للصبي وزجر.
[ ٧ / ١٩٧ ]
-٢١٠٤ -
الحديث السادس والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين). في رواية للبخاري عن آدم.
وفي رواية الربيع بن مسلم: (فإن غمى عليكم فأكملوا العدة).
وفي رواية: (فإن أغمى عليكم الشهر بعدوا ثلاثين).
وفي رواية لمسلم: (إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا؛ فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا).
وفي رواية: ذكر رسول الله - ﷺ - الهلال فقال: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدوا (٥٨/أ) ثلاثين)].
*في هذا الحديث من الفقه: وجوب الصوم برؤية هلال رمضان. ولا يحل للصائم أن يفطر حتى يرى هلال شوال؛ إلا أنه إذا رأى هلال رمضان عدل واحد، وجب عليه صيامه وعلى الناس بقوله، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وأبو حنيفة يفرق بين الليلة المعتمة والمصبحة.
[ ٧ / ١٩٨ ]
*وأما هلال شوال فإن رآه عدل واحد لم يفطر، لا هو ولا غيره، إلا أن يوافقه عدل آخر احتياطًا للعبادة؛ ولأن الشاهد الواحد في حقوق الآدميين لا توجب شهادته ولا تسقط بانفراده، فحقوق الله تعالى أولى أن يحاط لها، فلا يسقط الصيام بشهادة الواحد، وإنما وجب الصوم في أول الشهر بقول الواحد احتياطًا للعبادة.
*فأما قوله: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين): فهذا اللفظ انفرد به آدم عن شعبة، وقد رواه الإسماعيلي بالإسناد الذي ذكره البخاري، وقال فيه: (فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين).
قال الإسماعيلي: قد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي، وابن علية، وعيسى بن يونس، وشبابة، وعاصم بن علي، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وأبي داود، وكلهم عن شعبة فلم يذكر واحد منهم: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).
فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بني من رواه عنه وجه.
وقد أخرج مسلم فيما سيأتي في أفراده من حديث أبي هريرة هذا الحديث، فقال فيه: (فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين).
فدل على أن المراد بقوله: (فعدوا): عد رمضان لا شعبان.
فعلى هذا يكون الاحتياط أن يكون عدة رمضان ثلاثين.
[ ٧ / ١٩٩ ]
-٢١٠٥ -
الحديث السابع والستون بعد المائتين:
(٥٨/ب) [عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (والذي نفسي بيده لأذودن رجالًا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض).
وفي رواية للبخاري عن سعيد بن المسيب أنه كان يحدث بعض أصحاب النبي - ﷺ - قال: (يرد على الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه، فأقول: يا رب، أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).
وأخرجه تعليقًا عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: (يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي، فيحلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقال: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).
وفي لفظ: (يجلون) بالجيم.
وفي رواية للبخاري: (بينا أنا نائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلى مثل همل النعم)].
[ ٧ / ٢٠٠ ]
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن مسعود، وفي مسند حذيفة، وفي مسند سهل بن سعد، وفي مسند أنس بن مالك.
* والذود: الطرد، يقال: ذدته، إذا طردته.
* وقوله: كما تذاد الغريبة من الإبل، وذلك أن الإبل إذا وردت على الماء فدخلت فيها غريبة طردت حتى تخرج عنها.
* ومعنى يحلؤون: يمنعون، قال الشاعر:
مخلا عن سبيل الورد مصدود
ومن رواه بالجيم، فمعناه يطردون، يقال جلى القوم عن منازلهم وأجليتهم: إذا أخرجتهم.
* والقهقرى: (٥٩/ أ) الرجوع على العقب إلى خلف.
* الهمل من الغنم: المهملة التي ليس معها راع ولا حافظ، ولا تكاد تسلم من السباع وغيرها.
* ولا أرى هذا يرجع إلا للذين ارتدوا بعد موت النبي - ﷺ - ومنعوا الزكاة، فقاتلهم الصديق على ذلك إلى الخوارج الذين رأوا تكفير الصحابة كعثمان
[ ٧ / ٢٠١ ]
وعلي ﵄، وهم أهل النهروان ومن شابهههم وتابعهم.
-٢١٠٦ -
الحديث الثامن والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل به إلى يوم القيامة).
وفي رواية: (بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبرداه إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة).
وفي رواية لمسلم: (بينا رجل يتبختر فمشى في بردته قد أعجبته نفسه، فخسف الله به، فهو مجلل فيها إلى يوم القيامة)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر.
* والجمة من الإنسان: مجتمع شعر ناصيته، وهي جمة إذا بلغت المنكبين؛ فإذا كانت إلى شحمة الأذن فهي وفرة على ما بينا في مسند ابن عمر ﵁.
* والخسف: غئوص ظاهر الأرض، وسؤوخها بما عليها.
* ويتجلجل بمعنى: يهوى، ويزعج في الخسف.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
* والتبختر: مشية فيها تمايل.
-٢١٠٧ -
الحديث التاسع والستون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: (كلوا) ولما يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله ﷿ صان رسوله - ﷺ - عن أكل الصدقة، وأذن له في (٥٩/ ب) الهدية، من أجل أن الهدية مع نية المكافأة، وكان رسول الله - ﷺ - يثيب على الهدية إذا قبلها.
فأما الصدقة: فإنما يطلب منها ثواب الآخرة؛ لعجز الفقير أن يجازي عليها فيكون ذليلًا للمتصدق، والرسول - ﷺ - منزه عن ذلك.
-٢١٠٨ -
الحديث السبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: سمى النبي - ﷺ - الحرب خدعة).
وفي رواية: (هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن
[ ٧ / ٢٠٣ ]
ثم لا يكون قيصر بعده، ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله) وسمى الحرب خدعة].
* هذا الحديث قد تقدم في هذا المسند وتكلم عليه، وقد سبق ذكر كسرى وقيصر في مسند جابر بن سمرة، وفي مسند عدي بن حاتم.
-٢١٠٩ -
الحديث الحادي والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: (غزا نبي من الأنبياء، فقال
[ ٧ / ٢٠٤ ]
لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحدًا اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور. اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت- يعني النار- لتأكلها، فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولا: فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعها فجاءت النار فأكلتها).
زاد في حديث عبد الرازق: (فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا) ثم أحل الله لنا الغنائم].
* في هذا الحديث من (٦٠/ أ) الفقه: تعليم الغزاة ألا يستعين واحدًا جاء له لم يبن، ترك قلبه وراءه، فلا يؤمن من أن يحمله ما في قلبه على أن يفر من المعركة في وقت، فيكون عدمه أنفع للجيش من حضوره؛ والذي ملك بضع امرأة ولم يبن بها، فإن تملك الرجل بضع المرأة يقوي قومه إلى الغشيان.
[ ٧ / ٢٠٥ ]
* وإن عامر البيوت التي لم تسقف، شديد الحرص على تكملة ما بدأ به من البنيان، ومالك الحوامل شديد التوقع لما فتح له، ولا يؤمن على واحد من هؤلاء أن يستثير له الشيطان.
* وفيه أيضًا دليل على بطلان ما يزعمه المنجمون من أن الأفلاك لا يتصور وقوفها، بل قد وقف الله ﷿ جريان الأفلاك لدعوة ذلك العبد الصالح.
* وفيه أيضًا ما يزيدك أن دعوات المؤمنين إنما تزيد حسنًا إذا قوي إيمانهم فيها؛ لأن الله ﷾ يخرق العوائد فلا يدعونه دعاء الجبناء؛ الذين يقفون مع العوائد، فإنهم إذا فكروا في ذلك لم يؤمن أن يكونوا كالمشركين بالعوائد.
* فيه أيضًا ما يدل على أن الغلول إذا كان في جزء من مال يمنع قبول الله ﷿ جميع ذلك المال.
* وفيه: أنه لما كان الغلول من اثنين في جماعة، وكان شياع التهمة تعم غيرهما، يلطف النبي ﵇ إلى أن علم ذلك بقدرة من الله تعالى في سر لصقها بحيث لصقت بيده يد الغال حتى رد الغلول، فقبل الله ذلك، ونزلت النار فأكلت الغنيمة.
وأما كون الغنائم قد كانت العلامة في قبول الله لها أن تأكلها النار، فإني لأرى الحكمة في ذلك إلا ليكون جهاد المجاهدين خالصًا لله سبحانه من غير أن يشاب بطمع من غنيمة تحصل للمجاهدين؛ ليكون المجاهد في سبيل الله قد علم هو خصمه أنه لا يقاتل على عرض يأخذه، ما يغنمه المجاهد بفرض أن تنزل نار من عند الله فتأكله (٦٠/ ب).
[ ٧ / ٢٠٦ ]
فكان هذا مما صفى العبادة لله ﷿، فلما عمت السلامة من سوء القصد هذه الأمة أبيحت لها الغنائم، فكان الإخلاص النهائي: القتال لوجهه ﷿. فلم يسلبهم أخذ غنيمة، وإذا يظل لهم وفيمن أذعنه الغرض؛ لكونه لم يؤمن عليه فتنة، وفيمن أبيح له تناول ذلك؛ لأنه أمن عليه ما منعه؛ بان التفاوت الذي يبين قوله ﷿: ﴿كنتم خير أمة أخرجت الناس﴾.
-٢١١٠ -
الحديث الثاني والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (قيل لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم﴾، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم. وقالوا: حبة في شعرة)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله ﷾ أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب سجدًا لله تعالى شكرًا على ما أنعم به عليهم.
وسجدًا: منصوب على الحال.
وذلك أن الله ﷾ أراد أن يكون دخولهم إلى الباب شاكرين لله
[ ٧ / ٢٠٧ ]
سبحانه، وأن تكون كلمتهم (حطة)، ومعنى حطة: حط عنا الذنوب، كما يقول القائل: مغفرة، إلا أن حطة أبلغ؛ لأن الحط يتضمن محو الذنوب، ومحو الذنب وحطه، والغفر إنما هو الستر، فكل قول كان يتضمن هذا المعنى ممن طلبهم حط الذنوب عند دخولهم الباب شاكرين له بالسجود؛ قد كان مجزئًا عنهم؛ لكن لما ظنوا أن حطة لم يكن المقصود بها إلا هذا النطق، بدلوه تبديلًا أحال معناه، ولم يقع فعلهم وفق المأمور به، وأرسل عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون.
وإنما كان الأمر لهم عند دخولهم المدينة بأن يلتمسوا حط الذنوب ومحوها شكر من جهة أن المجاهد إذا فتح على يديه، كان وقت الفتح، طلبه من مولاه فلما ذهلوا عن معرفة معنى قوله: حطة كانوا أهلًا لنزول الرجز (٦١/ أ)، وأنهم لما أمرهم الله سبحانه أن يدخلوا الباب سجدًا، فلم يفهموا الأمر، ولم يحسنوا إلى القيدين به في الأمرين؛ بل إلى الاستهزاء بأن قالوا: حبة في شعرة، وهذا أسند بالآية فيه؛ لأنهم أشاروا إلى ضعف المتعلق بضعف الشعيرة، والحبة إلى الطعمة فيما أرى.
-٢١١١ -
الحديث الثالث والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى
[ ٧ / ٢٠٨ ]
﵇ بإثره، يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. فقالوا: والله ما بموسى من بأس.
فقام الحجر حتى نظر إليه، قال: فأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربًا، قال أبو هريرة: والله إن بالحجر ندبا- ستة أو سبعة- من ضرب موسى بالحجر).
وفي رواية: (إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا، لا يرى شيء من جلده، استحياء منه، فآذاه من لآذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ بثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فو الله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه- ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا- فذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين (٦١/ ب) آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾).
ورواية لمسلم قال: (كان موسى رجلًا حييا، قال: فكان لا يرى متجردًا، قال: فقالت بنو إسرائيل: إنه آدر، قال: فاغتسل عند مويه: فوضع ثوبه على حجر، فانطلق الحجر يسعى، وأتبعه بعصاه يضربه: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى وقف على ملأ من بني إسرائيل، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا
[ ٧ / ٢٠٩ ]
تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمن حيي، وأنه يستتر عند اغتساله، ولا أرى في هذه القصة إلا أن موسى ﵇ كان مستترًا مؤزرا؛ لأنه لا يستحب للرجل أن يتجرد حيث تتكشف عورته، وإن كان خاليًا.
وإنما الذي اتهمه بنو إسرائيل أنهم قالوا: هو آدر.
قال ابن قتيبة: (الآدر): عظيم الخصيتين، يقال: رجل آدر بين الأدرة والشرج: أن تعظم وتصغر أخرى، والأدر لا يمنعه المئرز بل يصفه، فلما نزع موسى ثيابه واغتسل، ذهب الحجر بثوبه، فاتبعه موسى ثوبي حجر؛ فبرأه الله تعالى مما كانوا يظنون به من الأدرة.
* وأما ضربه الحجر، فلأجل ما فعله الحجر لم يرد موسى، ولا علم مراد الله تعالى بذلك، وإنه مما يبرئه الله تعالى به، والندب: الأثر.
-٢١١٢ -
الحديث الرابع والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا
[ ٧ / ٢١٠ ]
عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن (٦٢/ أ) الصلاة) هذا لفظ البخاري، وانتهى حديث مسلم إلى قوله: (فصلوا جلوسًا أجمعون).
وفي رواية: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
وفي رواية: (وإذا سجد فاسجدوا، وأقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة).
وفي رواية: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
زاد في رواية: (فقولوا: ربنا لك الحمد).
وفي رواية: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا، يقول: (لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
وفي رواية: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون).
[ ٧ / ٢١١ ]
وفي رواية: (إنما الإمام جنة، فإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه)].
* قد سبق هذا الحديث في هذا المسند، وفي غيره مما تقدم، وتكلمنا عليه.
-٢١١٣ -
الحديث الخامس والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غيره أمره، فله نصف الأجر).
وأول حديث مسلم: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره، فإن نصف أجره له).
وفي رواية: (لا يحل للمرأة أن تصوم، وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة من غير إذنه، فإنه يؤدي إليه شطرها)].
[ ٧ / ٢١٢ ]
* في هذا الحديث من الفقه: أنه ينصرف إلى امرأة تعلم من زوجها، أنه يريد الإنفاق ويعجبه ذلك ولا يكربه ولا يكرهه من ذلك ما يعلم أنه له رضا يتضمنه، فيكون لزوجته نصف أجره من غير أن ينقص أجره هو من الكمال شيئًَا، وإنما ورد هذا؛ لتحذير امرأة تعلم أن زوجها يريد الإنفاق، إن تقف عند انتهاز الفرص في سبيل الخير التي قد اعتدت من زوجها الصالح، أن يتطلع إلى اغتنام الظفر بمثلها، فتفوته ذلك من أجل أنه لم يكن أذن لها فتأبى بذلك حجة، ويجعلها الشيطان سببًا إعاقة عن خير.
* فأما قوله: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد)، ففيه احتراز عن زمان غيبته، والذي أراه أن الصوم في حال غيبته أولى؛ لأنه يعينها على الصبر عنه، فأما في حضوره فإنها إذا أخبرته أنها صائمة عند إيثاره غشيانها، وقفته بين أمرين: إما أن يفسد صيامها فيفوتها الأجر، أو يؤخر غشيانها فيكدر عيشه.
* وقوله: (ولا تأذن لأحد، وهو شاهد إلا بإذنه)، وهذا لأنها إذا أذنت في غيبته، كان ذلك كالخيانة؛ لأنها رضي بها نائبة عنه في بيته، فأما إذا كان شاهدًا، فإن الأمر يعود إلى الأصل الذي هو الزوج، فإذا أذنت وهو حاضر كان ذلك افتئاتًا عليه.
[ ٧ / ٢١٣ ]
-٢١١٤ -
الحديث السادس والسبعون بعد المائتين:
(٦٣/ أ) [عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس)، قال: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته، فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة).
قال: (والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي موسى، وفي مسند أبي ذر، وشرحناه، وشرحنا معنى السلامى وغيرها.
-٢١١٥ -
الحديث السابع والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم
[ ٧ / ٢١٤ ]
قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: رحمة الله، وكل من يدخل الجنة على صورة آدم، قال: فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن).
وفي رواية: (على صورته)].
* أما اختيار الستين، فلأنه عدد مقصود يتعلق به الحساب أمور كثيرة، ويتفرع منه أصول، وتنسب إليه.
* أما آدم ﵇- وكونه ستين ذراعًا، فإن هذا لا يدل على نحو خلق أحدنا اليوم، وذلك أكثر أنهمة ورواء وشارة، ويجوز أن يكون قد كانت له خيل يركبها تناسب خلقه.
* وقوله: (فلم يزل الخلق ينقص)، يعد دليل على أنه ينقص من خلق الراكب والمركوب.
والذي أراه في ذلك أنه لما كانت أعمار الأوائل طوالًا لم يكن يقتضى طول بلوغ الأشد منه؛ لأن مده يناسب ذلك الطول، وأن ابتداء الخلق من
[ ٧ / ٢١٥ ]
الآدمي إلى أن يبلغ أشده، فإنه يكون ما يخلف عليه في مدته (٦٣/ ب) أكبر ما يتخلل منه دائمًا إلى القوة والزيادة، فإذا حسبت هذا على مقتضى ما يستحق العمر الذي هو الآن من الستين إلى السبعين، أو العمر الذي هو ستمائة أو سبعمائة وألف كان قريبًا مما ذكر أن طوله كان ستين ذراعًا.
* وأما الحكمة في نقص الخلق، فإنه تخفيف على المؤمن ومحق للكافر، وليكون عدد هذه الأمة أكبر من عدد ما مضى قبلها من الأمم؛ لأنهم لما قصرت أعمارهم تضاعف عددهم.
* فأما قوله: (اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة)، فإن الذي أراه أنه سلف من آدم ﵇ على الملائكة؛ ليكون الملائكة تسلم على ذريته قضاء لذلك الحق كقوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (٢٣) سلام عليكم بما صبرتم﴾.
* وأما قوله: (فتلك تحية ذريتك)، يعني أنه سيحيون ذريتك بذلك، ويجوز أن يراد فإنه تحية ذريتك فيما بينهم، فيكون ذلك مانعًا من تعمق المتعمقين في التحية لئلا يستنكف عن القناعة بذلك من يحيي به.
* فأما قوله: (فزادوه: ورحمة الله)، فإنه لما قال - ﷺ - قال لهم: (السلام عليكم): زادوه، وفي ذلك من الفقه: أنه لا يحيى أحد بتحية إلا كان مندوبًا إلى أن يحيى بأحسن منها، إلا أنه إن لم يوفق لاستعمال الندب رد مثلها.
[ ٧ / ٢١٦ ]
-٢١١٦ -
الحديث الثامن والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا، والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني).
وفي حديث معمر: (وكذبت نفسي)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه ينبغي تأويل من حلف (٦٤/ أ) له بالله ﷿ أنه صادق ولو رأى أن يكذب نفسه؛ ليكون معلنًا حسن الظن بالمسلم في أنه لا يحلف بالله إلا صادقًا على نظر عينه التي يجوز عليها أن ترى الشيء على خلافه؛ فإن فعل عيسى ﵇ ذلك، واختيار نبينا - ﷺ - لنا عن عيسى ذلك، دليل على ندبنا إليه وحضنا عليه.
-٢١١٧ -
الحديث التاسع والسبعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (اشترى رجل من رجل عقارًا، فوجد الذي اشترى العقار، في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك عني، إنما اشتريت منك الأرض؛ ولم أشتر الذهب، وقال
[ ٧ / ٢١٧ ]
الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، فقال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدقا)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - جلى لأمته حديث الرجلين اللذين تدافعا المال، فكل منهما يدفعه عنه إلى صاحبه ترغيبًا للناس في الاقتداء بهما، وإن ذلك أفضى بهما إلى حصول الشيء لهما؛ لأنه صار في أحسن مواقعه منهما؛ فإنه لو كانا قد اقتسما لم يكن الواحد منهما يتركه إلا لولده، فزوج ابن هذا ابنة هذا، فصار المال إليهما، فلم يفتهما من ذلك خير بل كسبا أجرًا، وحصلا عند الله به ذخرًا، وكان من أحسن الثناء عليهما أن رسول الله - ﷺ - يذكر مثل ذلك عنهما، وهذه القصة توبخ أهل الحرص والشرة والتفاني في طلب الدنيا.
-٢١١٨ -
الحديث الثمانون بعد المائتين:
(٦٤/ ب) [عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة).
[ ٧ / ٢١٨ ]
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج- وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرض، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس يعني آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة يبلغ به قال: (تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يليط في حوضه، فما تصدر حتى تقوم)].
[ ٧ / ٢١٩ ]
* هذه أشراط، هي علامات لقرب الساعة.
والفئة المدعاة (٦٥/ أ)، والدعوى: الانتماء يعني في انتمائها إلى دين واحد.
* وقوله: (يتقارب الزمان) قد فسرناه في أوائل مسند أبي هريرة. واللقحة: واحد اللقاح، وهي الناقة ذات اللبن.
* وقوله: (وهو يليط حوضه)، يقال: لاط فلان حوضه وألاطه ويلوطه ويليطه، إذا طانه بالطين، وسد خروقه ليحفظ الماء.
* والأكلة: اللقمة، وتصدر: ترجع، والمراد أن الساعة بغتة.
-٢١١٩ -
الحديث الحادي والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه- يشير إلى رباعيته- اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله)].
* أما ما جرى لرسول الله - ﷺ - يوم أحد؛ من كسر رباعيته فقد تقدم في مسند
[ ٧ / ٢٢٠ ]
أنس، وفي مسند سهل بن سعد.
* وأما اشتداد الغضب على من قتله رسول الله - ﷺ -، فلأن رسول الله - ﷺ - بعث بالرحمة والعفو؛ فإذا قتل شخصًا دل على أن الشخص كان مستحقًا لعقوبة غير أهل الرحمة، لذلك اشتد الغضب عليه.
-٢١٢٠ -
الحديث الثاني والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟)
زاد في رواية محمد بن رافع: وغرتهم. فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله.
وفي رواية محمد بن رافع: حتى يضع الله ﵎ رجله (٦٥/ ب) فتقول: قط- قط- قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة: فإن الله ينشئ لها خلقًا).
وفي رواية للبخاري: (اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: .. فقال [الله]
[ ٧ / ٢٢١ ]
للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال: فأما الجنة، فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد؟، حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط).
وفي رواية: يرفعها بعض الرواة تارة، وتقفها أخرى: (يقال لجهنم: هل امتلأت؟؛ فتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب قدمه عليها فتقول: قط قط).
وفي رواية لمسلم: (فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وعجرهم؟ وفي آخره: (فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع قدمه فيها، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الفائدة فيه، تعيين أهل النار: وأنهم المتكبرون والجبارون، وتعيين أهل الجنة: وأنهم ضعفاء الناس، سموا سقطًا على معنى أنهم لا يكرمون بصدر المجالس، ولا يفتقدون إذا غابوا، ولا يعرفون إذا حضروا، وهذا هو الأغلب من صفة أهل الجنة.
* وأما قوله للجنة: أنت رحمتي، وللنار: أنت عذابي، فإنه يقطع العجربين الدارين: من جهة أن هذه دار نعمة، وهذه دار نقمة.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
* وقوله: (لكل منكما ملؤها)، سكانها، فجعل شعبها على قدر سكانها ومالهم.
وخلق النار، فجعلها في الضيق والحرج على قدر عدد سكانها في أحرج مكان يتصور تقديره، فكان مقدار ما بينهما مقدار ما بين أهليهما؛ لأنه (٦٦/ أ) قال ﵇: ولكل واحدة منهما ملؤها، فليس يبقى في الجنة موضع يعوزه ساكن، ولا ساكن يعوزه موضع.
* فأما النار؛ فإنها دار الضيق والحرج، فيملؤها الله ﷿ بمن يدخله إليها، فهذه ملأى بمن فيها، وهذه ملأى بمن فيها، ولكن بين العرضين تفاوت عظيم.
* وأما قوله: (يضع فيها قدمه)، فقد ذكرناه في مسند أنس، وكذلك فسرنا هنالك معنى قط قط، وعلى ما سبق في هذا وأمثاله، فإن الإمساك عن الإبانة في مواضع المواطن قد لا يصلح، والمقصود من هذا الحديث: إعلام الخلق أن النار إذا سلطت أتت على الأشياء، حتى إنه لولا رحمة الإله سبحانه لأتت على السموات والأرض وسائر المخلوقات، فمجموع هذا يبين من قوله: سبقت رحمتي غضبي، وقد شرحناه فيما قبل.
وإنما كانت السنة المتبوعة في رواة الحديث أن تمر هذه الأحاديث كما جاءت، ولا ينقلوا نطقها عن صيغته اكتفاء بما ذكره رسول الله - ﷺ - في صيغتها؛ إذ نقلها عن صيغتها قد لا تقع من البلاغة مع سعتها عن نفي التشبيه موقع نطق
[ ٧ / ٢٢٣ ]
رسول الله - ﷺ - في ذلك، وإنما ذكر رسول الله - ﷺ - ما ذكر من هذه الأحاديث مع كونه قد أنزل عليه قوله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، وأنزل عليه قوله سبحانه: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾.
فإنما أراد الله فيما أرى تحقيق الصفات المقدسة، وتمكين الآيات بما ذكره - ﷺ - عن ربه ليكون كافيًا قلوب أهل الصلاة بذلك، وناكبًا قلوب أهل الزيغ، ودامغًا رؤوس أهل التعليل، الذين لما اضطرهم الاعتراف بوجود الخالق سبحانه عدلوا إلى جحد (٦٦/ ب) صفاته ﷾ من غير ذلك بما ألحدوا به في أسمائه.
فكانت هذه الأحاديث من رسول الله - ﷺ - كبًا لقلوب الكافرين، ونكأ لصدور المعطلين، وعلم بها أهل الحق أنه ﷾ كما وصف به رسوله - ﷺ - يؤمنون بأنه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحد والحصر والميل والشبه والتأليف والاقتران والمضامة والاتساق، بل هو سبحانه واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
[ ٧ / ٢٢٤ ]
-٢١٢١ -
الحديث الثالث والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (العين حق)، ونهى عن الوشم.
كذا في حديث البخاري: (أتي عمر بامرأة تشم، فقال: أنشدكم بالله، من سمع من النبي - ﷺ - في الوشم؟ قال أبو هريرة: فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين أنا سمعت، قال: ما سمعت؟ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (لا تشمن ولا تستوشمن).
وقد أخرجه البخاري تعليقًا: (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة)].
* أما قوله: (العين حق)، قد فسرناه في مسند ابن عباس.
* وأما نهيه عن الوشم، فقد سبق في مسند ابن مسعود: أن رسول الله - ﷺ - (لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة)، وقد فسرناه هناك.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
-٢١٢٢ -
الحديث الرابع والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، وقال رسول الله - ﷺ -: (والله، لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله إثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه).
(٦٧/ أ) وفي رواية للبخاري: (من استلج في أهله بيمين، فهو أعظم إثمًا ليبر: تغنى الكفارة)].
* أما قوله: (نحن الآخرون السابقون)، فقد سبق في هذا المسند.
* وقوله: (لأن يلج)، قال ابن قتيبة: يقال يلج واستلج في يمينه إذا استمر على حكمها وترك التكفير، وهو يعلم أن الحنث أفضل.
قال يحيى بن محمد ﵀: والذي أراه في هذا أنه إذا ترك ما جعله الله ﷿ متداركًا لقرطاب الآدميين في أيمانهم من الكفارات خائفًا من ذلك أن يأثم بفعل ما حلف عليه، فإن الذي آتاه من خوف ذلك آثم مما حلف، ويبين هذا قوله: استلج في أهله بيمين فهو أعظم.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
* وقوله: ليس تغني الكفارة، أي: ليس يدفع بلجاج هذا الحالف، ومنه قول عثمان ﵁ لما أتي بالصحيفة التي بعثها إليه علي ﵁ في صدقات العمال: أغنها عنا.
-٢١٢٣ -
الحديث الخامس والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري، لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار).
وفي رواية لمسلم: (من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يجوز أن يشير الإنسان إلى أخيه بالسلاح مهولًا عليه لا جدًا ولا هزلا؛ فإن الشيطان ينزع يده كما ينزع في قلبه، فيقع السلاح من أخيه بحيث لا يؤثر وقوعه، فيقع في حفرة من النار؛ فإن الذي يقع في الحفر يقع عن غير قصد، فيكون إصابة هذا عن غير إرادة من جنس وقوعه في الحفرة.
قال الحميدي: والنزع: الفساد، فنهى عن ذلك خوفًا من أن يتفق الفساد
[ ٧ / ٢٢٧ ]
في ذلك، فيصيبه بما يؤذيه، فيأثم بتلك الإشارة التي آلت إلى الأذى.
* وقوله: (فإن الملائكة تلعنه)، المراد (٦٧/ ب) بهذا ألا يشير ولو كان في وضع يريد منه إيثار حرجًا كالإنسان إلى أخيه لأبيه وأمه؛ لأن الغالب ألا يشير إلى أخيه في النسب قصدًا للجرح، فأراد - ﷺ - بذلك تشديد القول، وتأكيد الوصاة في ألا يشير أحد إلى أحد بالسلاح.
* وقوله: (حتى) من غير أن يتبعها بشيء؛ ليتناول المحتملات كلها.
-٢١٢٤ -
الحديث السادس والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي).
وفي رواية لمسلم: (لا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، ومولاي).
وفي أخرى له قال: (لا يقولن أحدكم: عبدي، فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل: فتاي، ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي).
زاد في رواية: (فإن مولاكم الله).
وفي أخرى: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل
[ ٧ / ٢٢٨ ]
نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي)].
-٢١٢٥ -
الحديث السابع والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم).
وفي رواية: (لم يخبث اللحم- ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها).
وفي رواية لمسلم: (لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها، الدهر)].
* في الحديث من الفقه: أن الله سبحانه إذا أدر رزقًا وأنزل خيرًا، فإنه ينبغي
[ ٧ / ٢٢٩ ]
للمدر عليه أن يكون غير مرتاب بأن الله سبحانه لا يجوز عليه البخل، ولا يقطع ذلك الإمداد إلا لحكمة، فلا يدخر مما أنعم به عليه كالمن والسلوى الذي كان يأتي كل يوم إلى بنى إسرائيل.
فإن في جعل ذلك الإدرار منامة بينها، على أنه يأتي كل يوم برزقه، فإذا ادخر من رزق يوم إلى يوم آخر؛ فإن ادخاره دليلًا على ارتياب حسن نيته مع ربه ﷿ على الشيء المدخر أنه لما أفسد بمثل فعله في إفساد ما ادخره. وعلى هذا فإن ما أنعم الله به مساقاة كالحبوب والثمار، فإنه لم يأت عن رسول الله - ﷺ - أنه ادخر من ذلك أكثر من قوت عام من جهة أن درور ذلك في كل عام.
وإنما فسد الطعام على بين إسرائيل؛ لأنهم ادخروا من ذلك أكثر من قوت.
حواء فقد قيل: إن خيانتها لزوجها، أنها لما رأت آدم قد عزم على الأكل من الشجرة (٦٨/ أ) تركت نصحه في النهي له؛ لأن ذلك كان ترك النصح له خيانة؛ فعلى هذا، كل من رأى أخاه المؤمن على سبيل ذلك فترك نصحه بالنهي عن ذلك النهي فقد خانه، ولا يخرج هذا من تسمية الخائنين الذين جزم الله سبحانه منهم: ﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ اللهم إلا أن يسكت تقية، فذلك له حكم تعلق به.
* وقوله: خنز الطعام؛ قال أبو عبيد: يقال خنز يخنز، وخنز يخنزون، خزن يخزن، إذا أروح.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
قال طرفة:
ثم لا يخزن فينا لحمها إنما يخزن لحم المدخر
-٢١٢٦ -
الحديث الثامن والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا).
وفي رواية لمسلم؛ عن أبي هريرة، أنه رأى رجلًا يجر إزاره، فجعل يضرب برجله الأرض وهو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: (لا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطرًا)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن عمر، وشرحناه هنالك.
-٢١٢٧ -
الحديث التاسع والثمانون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا، فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب).
وفي رواية لمسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن
[ ٧ / ٢٣١ ]
يأتيه، إنه إذا انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند أنس، وتكلمنا عليه هنالك، ولكنا نشير إليه هاهنا.
ويستعتب: يستفعل من العتبى، فكأنه أشار إلى أنه حيث كان في الإساءة؛ فإن العتاب من الله متوجه إليه (٦٨/ ب) فلا ينبغي أن يتمنى الموت، فلعله يستعتب أي يتوب إلى ربه ويعود إلى الحسنى.
وهذا من لطيف القول في استعطاف المالك المقتدر للعبد الضعيف الجاهل.
* وأما قوله: (ولا تدعوا)، فإنه يدل على أن الدعاء به في جنس يمينه، وإن كان متوجهًا استخراجه له من ربه، فإن دعاءه بالموت يدل على جهل واعتراض.
* وقوله: (إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا)؛ فإن المؤمن لا يزال يجدد له إيمانه خيرًا بعد خير، وفائدة على أثر فائدة عند كل تجنب لما يتجنبه، وإمداده على ما يقدم عليه، وعند كل قوة على مفعول أو عجز عنه، وعند الأماني التي يتمناها، وعند كل خير متعرض له أو سواد للمسلمين يكثره؛ أو عدد لهم يكمله، فإنه مع إيمانه لا يخلو شيء من ذلك كله من أن يكتب له فيه الحسنات
[ ٧ / ٢٣٢ ]
والدرجات.
-٢١٢٨ -
الحديث التسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾ ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه شمس أو تغرب).
وقال: (لغدوة أو روحة في سبيل الله، خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب).
وفي رواية البخاري، عن أبي هريرة يبلغ به النبي - ﷺ - قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾).
وفي رواية: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة)، وفي (٦٩/ أ) رواية: (لا يصلها)].
[ ٧ / ٢٣٣ ]
* أما تلك الشجرة الموصوفة فقد سبق في مسند سهل بن سعد، وفي مسند أنس، وسبق في مسند أنس ذكر الغدوة والقاب وشرح جميع ذلك.
-٢١٢٩ -
الحديث الحادي والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (إذا قاتل أحدكم، فليتجنب الوجه).
وفي رواية: (إذا قاتل أحدكم أخاه ).
وفي رواية: (إذا ضرب أحدكم أخاه).
وفي رواية: (إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه).
وفي رواية: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم
[ ٧ / ٢٣٤ ]
على صورته)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه يجوز أن يكون المراد اجتناب الوجه أن ينال بضرب أو سوء، ويجوز أن يراد اجتناب وجهه بالمواجهة له، لقول النبي - ﷺ -، وقد مضى الكلام في قوله: (خلق آدم على صورته)، وسبق القول في جملة هذه الأحاديث.
* إن مذهبنا فيهما مذهب السلف الصالح؛ وهو: إمرار الأحاديث على ما جاءت مع اعتقادنا أن الله سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
والظن بالسلف الصالح إنهم لم يمسكوا عن هذه الأحاديث، إلا أنهم لم يمكنهم تأويلها إلا بأن يضربوا لله الأمثال من خلقه، فتحرجوا أن يشبهوا صفات الله الحقيقية بصفات المخلوقين؛ ثم زاد تحرجهم أن يشبهوا صفات ربهم بصفات خلقه مجازًا، فكان مذهبهم منع التشبيه لصفات الله سبحانه بصفات المخلوقين؛ لا حقيقة ولا مجازًا.
[ ٧ / ٢٣٥ ]
-٢١٣٠ -
(٦٩/ ب) الحديث الثاني والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي - ﷺ - وقال: إن دوسًا قد هلكت وعصت وأبت، فادع الله عليهم. فقال: (اللهم اهد دوسًا، وائت بهم).
وفي رواية: (فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم).
وفي رواية: (قدم الطفيل وأصحابه، فذكر نحوه، فقيل: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم).
وفي رواية: (قدم الطفيل وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا كفرت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم)].
* في هذا الحديث ما يدل على رحمة رسول الله - ﷺ - لأمته؛ فإنه كان - ﷺ - يقبل على الآتي إليه، ويدعو للمدبر عنه؛ ألا تراه حين قال له الطفيل: ادع الله على دوس فقال: اهد دوسًا وائت بهم.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
* وفي هذا الحديث من الفقه: أن فرصة الخير تنتهز عند اشتداد ضدها، دعا هذا المحرض على القوم عند يائسة منهم، فانتهز رسول الله - ﷺ - فرصة الخير، ودعا لدوس بالهداية، فكان ذلك أليق بسجاياه الكريمة، وأدعى إلى فلاحهم، فعلى هذا أحب لكل من اشتد غضبه على إنسان، أو أغرى به، أن ينتهز الفرصة في ذلك الوقت فيدعو للمغضوب عليه، والشخص الذي قد أغرى به ما بلغ ما يمكنه من الخير، كاسرًا صولة طبعه الذي أعان تهييجها، ما كان من مغيظة أو إغراء قائل.
فيطلع الله ﷿ حينئذ على قصده في ذلك الوقت، فيستجيب دعاءه ويغفر به (٧٠/ أ) كل ذنب عمله إن شاء الله لأنه ﷻ إذا رأى من عبده هذه الخلة الحسنة عند اشتداد غيظه، والتهاب طبعه، كان سمته بالعفو والجود؛ أجود وأعود.
-٢١٣١ -
الحديث الثالث والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة؛ يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، فيستشهد).
وفي رواية لمسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قال: هذا يقاتل في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد).
[ ٧ / ٢٣٧ ]
وفي رواية: (يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟، قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله سبحانه كان من لطفه بعباده المؤمنين أن كتب الشهادة لبعضهم على بعض ففاز بها المستشهد، ولم تكن تتم الشهادة لمن كتبت له إلا بأن يجري على يد آخر، حتى يكرم بها وليه، فبلغت رحمته ﷿ أن يرحم العبدين كليهما، فاستشهد هذا بيد هذا، ثم يقود القاتل للإسلام، فأسلم، ثم قاتل في سبيل الله فاستشهد، فكانا معًا من أشد الناس محابًا في الجنة؛ لأن كل واحد منهما نال مال ناله بصاحبه، وقد سبق معنى الكلام في الصفات؛ مثل قوله: يضحك (٧٠/ ب) وغيره.
-٢١٣٢ -
الحديث الرابع والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (المسلم يأكل في معى واحد، والكافر في سبعة أمعاء).
[ ٧ / ٢٣٨ ]
وفي رواية: (أن رجلا كان يأكل كثيرًا، فأسلم، وكان يأكل، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: (إن المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - ضافه ضيف، وهو كافر، فأمر رسول الله - ﷺ - بشاة، فحلبت، فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله - ﷺ - بشاة فشرب حلابها، ثم أخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله - ﷺ -: (المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء).
وفي رواية: (المؤمن يأكل في وعاء واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند أبي مسعود، وتكلمنا عليه هنالك.
-٢١٣٣ -
الحديث الخامس والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، اللهم ارزقني إن شئت، ليعزم
[ ٧ / ٢٣٩ ]
المسألة، فإنه لا مكره له).
وفي رواية: (لا يقولن أحدكم: (٧١/ أ) اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم المسألة، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له).
وفي رواية: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما يشاء لا مكره له).
وفي رواية: (إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)].
* في هذا الحديث من الفقه: تعليم السائل لربه كيف يسأل، وأن الله سبحانه لما عظم كرمه، وعزز فضله، لم يكن ينال ذلك بمقتضى مبلغ عقول البشر، فعلمهم سبحانه كيف يسألون فضله بألسنة الطلب؛ ومن ذلك ما علمهم إياه على لسان رسوله - ﷺ -، ومنه ما ادخره ليعلمه عباده في الآخرة؛ فكان من ذلك الذي علمهم إياه على لسان رسوله - ﷺ - أن يعزم العبد المسألة، ويجزمها، ويقطع بها، ولا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، فإن قوله: إن شئت في سؤاله يدل على ضعف السائل وتردده من حيث إنه نظر عند طلبه إلى ما كان منه من السوء، ولو قد نظر عند طلبه إلى جود ربه سبحانه، وأوسع الطلب، وأعظم
[ ٧ / ٢٤٠ ]
السؤال، لكان ذلك مما يناسب كرم الرب ﷻ، إذ ليس عطاء الله سبحانه على مقدار سائله؛ ولكنه بحسب جود المعطي.
وليعزم في سؤاله؛ فإن كرم الله متسع لذلك وأمثاله، ومتى علقه بالمشيئة استبدل بذلك منه، على أنه لم يعرف الله حق معرفته، ويدل على ما قلناه قوله: فإنه لا مكره له؛ لأنه لو لم يشأ لم يشرع الدعاء، ولم يندب الخلق إلى الطلب، فلما شرع الدعاء، وندب إليه، واستدعى (٧١/ ب) من الخلق أن يمدوا أيديهم إلى قضاء، وعلمنا أنه قد شاء الإجابة.
واعلم أنه شرع ذلك قبل أن يسأله السائلون عن غير إكراه، إذ الخلق كلهم دون أن يتعرضوا لنيل شيء من فضله إلا عن خضوع وسؤال وطلب.
ويدل على ما قلنا قوله: (وليعظم الرغبة) أي: لا يقتصر، فإن أحد ملوك هذه الدنيا لو قد تعرض له سائل فتوصل إلى لقائه فلما واجهه قال له: سلني، فلما سأله، فلسًا من نحاس لاستهجن ذلك وخاطبته العقول بألسنة الأحوال، يا هذا: تسأل من هذا الملك الواجد، وقد قال لك: اطلب مني، ودعاك إلى سؤاله، هذا المقدار اللطيف؛ لقد أفصحت بمسألتك هذا عن تبخيل هذا الملك أو اختلال عقلك.
فجميع الدنيا، وأضعافها، وما يعطيه الله في الجنة لعبده على سعتها، وكثرة العطاء، وإذا قيس الكثير منه إلى ما يجود به ذلك إلى الملك من أهل الدنيا من الفلس النحاس، كان الفلس في حال ذلك الملك مؤثرًا، وفي جوده معتبرًا، وجميع الدنيا، وسائر عطايا الجنة غير مؤثر فيما عند الله ﷿ ولا في عطائه.
[ ٧ / ٢٤١ ]
-٢١٣٤ -
الحديث السادس والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء).
وفي رواية لمسلم: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن في الناس الضعيف والسقيم وذا الحاجة).
وفي رواية: بدل (السقيم): (الكبير).
وفي رواية: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير، والصغير والمريض، وإذا صلى أحدكم فليصل كيف شاء).
وفي رواية: (إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة، فإن فيهم الكبير، وفيهم الصغير، وإذا قام وحده فليطل (٧٢/ أ) صلاته ما شاء)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند أبي مسعود البدري، وتكلمنا عليه هنالك.
[ ٧ / ٢٤٢ ]
-٢١٣٥ -
الحديث السابع والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل يا رسول الله: إن كانت لكافية! قال: فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها).
وفي رواية لمسلم: (ناركم التي يوقد ابن آدم، جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بسبعة وستين جزءًا كلها مثل حرها)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن هذه النار التي جعلت تذكرة بالنار الكبرى إنما نقصت من تلك النار تسعة وستين جزءًا لينتفع بها الآدميون مع تخوفهم منها، وملابستهم لها، فزيادة الإضعاف في النار الكبرى دليل على أنها ليست للانتفاع بها؛ بل للعذاب والانتقام، وهذا إنما هونت للانتفاع بها.
-٢١٣٦ -
الحديث الثامن والتسعون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
[ ٧ / ٢٤٣ ]
بالسواك).
وفي رواية: (لولا أن أشق على أمتي، أو قال: على الناس، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
وفي رواية: (لولا أن اشق على المؤمنين).
وفي رواية: (على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن السواك غير واجب، لقوله: (لولا)، ولو كان واجبًا لأمرتهم به شق أو لم يشق.
* وفيه دليل على أن ظاهر الأمر الوجوب؛ لأنه قال: (لأمرتهم)، ولولا أن أمره يكون واجبًا لم تكن في هذا القول فائدة.
* وقد تكلمنا عن السواك في مسند حذيفة ﵁.
-٢١٣٧ -
الحديث التاسع والتسعون (٧٢/ ب) بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره).
[ ٧ / ٢٤٤ ]
وفي رواية لمسلم: (حفت) مكان حجبت)].
* معنى حجبت: سترت، أو الشيء لا يوصل إليه إلا بعد كشف ما ستر به.
* وقوله: (حفت): المعنى: أحيط ذلك بها، ولا وصول إلى الشيء إلا بعد مجاوزة ما حفت به، والأغلب في المقرب إلى الجنة أنه مكروه عند النفس، وفيما يقرب إلى النار أنه مشتهى على أن تفسيره قد تقدم.
-٢١٣٨ -
الحديث الثلثمائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض؛ ولكن الغنى غنى النفس)].
* في هذا الحديث من الفقه؛ أن الغنى المعروف بالألف واللام؛ لا يكون العرض؛ لأن ذلك إنما يكون داعية إلى فقر، من حيث إنه من ملك أعراضًا كثيرة من أجناس مختلفة، اضطر في حفظها ورعايتها إلى مؤن وكلف يزيده فقرًا، وإن كانت قد تعينه في حالة، فإنها تفقره في حالات.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
* فأما الغنى الحقيقي الذي لا فقر معه؛ فإنه غنى النفس بربها ﷾؛ لأن النفس هاهنا معرفة بالألف واللام لا يشار بها إلى النفس التي لا تحتاج إلى غير ربها، ومن استغنى بربه افتقر إليه كل شيء؛ فمتى استغنت نفس بربها ﷿ عن جميع خلقه؛ فذاك هو الغنى على الحقيقة لا وجود شيء يوجب زيادة فقر.
-٢١٣٩ -
الحديث الأول بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).
وفي رواية: (على عاتقيه)].
* هذا نهي استحباب، فإنه إذا ارتدى تفاضل ثوبه كان أستر له، وأحسن في هيئته، لئلا يكون بين يدي ربه عاريًا، وذلك لغير الفقير على نحو الشكاية (٧٣/ أ) فقد ترك الأقصد والأحسن، وأما الذي لا يجد فلا يؤمر بذلك لموضع فقره.
[ ٧ / ٢٤٦ ]
-٢١٤٠ -
الحديث الثاني بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله).
وفي رواية: (يقول الله ﷿ (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها، فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة).
وفي رواية لمسلم: (إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا).
وفي رواية: (من هم بحسنة فلم يعملها كتب له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئ فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت).
وفي رواية: (قال الله ﷿: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم تعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بمثلها).
وقال رسول الله - ﷺ -: (قالت الملائكة: يا رب! ذاك عبدك يريد أن يعمل
[ ٧ / ٢٤٧ ]
سيئة- وهو أبصر به- فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة. إنما تركها من جراي).
وفي رواية: (إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة، وإن عملها كتبت له بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها (٧٣/ ب) لم أكتبها عليه، وإن عملها، كتبت سيئة واحدة)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عباس، وأوضحنا الكلام عليه هنالك، ونشير إليه هاهنا، فأقول: إن فضل الله ﷾ لما كان فائقًا مقدار أماني الخلق بلغ من ذلك إلى أن بدل السيئة حسنة، إذا عملت السيئة فتاب عاملها منها انقلبت بعينها حسنة.
ثم إن ذلك سرى إلى أنه متى هم الإنسان بسيئة فلم تتم هذه الهمة؛ بل تركها بأن هم به، أجرى الله سبحانه ذلك له في ديوان فضله، فإنما مقام الفعل الحسن، فكتب ذلك حسنة.
* ومعنى قوله: (حسنة) فإن حسنة صفة لموصوف محذوف، ومعناه: كتب له فعله حسنة.
* وقوله - ﷺ -: (إلى سبعمائة ضعف) فإنها إذا انتقلت الهمة عن العزم إلى
[ ٧ / ٢٤٨ ]
الفعل ظهر نورها، وامتد على حسب مستندها من الإخلاص، ومعتمدها من الإيمان؛ فامتدت في التضعيف بمقتضى ذلك، فكانت ما بين العشرة إلى السبعمائة، وهذا النطق فلا يدل على أنه لا يضاعف أكثر من سبعمائة؛ إلى هذا هو الحد الموعود به وفق ما أنزل الله تعالى في كتابه، ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾.
ثم المضاعفة من بعد ذلك كما قال سبحانه: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾، وإنما يتمثل هذا في التصوير بأنه إذا أخرج الرجل من ماله درهمًا عن طيب نفس منه متوجهًا به مواضع الاستحقاق في شدة الفاقة، أو نطق بكلمة حق في مقام يقل قائلو الحق فيه، أو ذكر الله بين الغافلين، أو قاتل عن الفارين، أو فعل فعلًا حميدًا في موطن حميد في إخلاص عن الشوائب؛ وملاحظة الخلق، فإن الله ﷾ يحسن بفاعله المرة الواحدة منه ما بين العشر إلى السبعمائة، كأنه فعل ذلك سبعمائة مرة بعينه. (٧٤/ أ).
-٢١٤١ -
الحديث الثالث بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).
وفي رواية: (ما نهيتكم فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما
[ ٧ / ٢٤٩ ]
استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلكم، واختلافهم على أنبيائهم).
وفي رواية: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم ) وذكر نحوه.
وفي رواية: (خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: (أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: كل عام يا رسول الله؟، فسكت حتى قالها ثلاثًا، قال رسول الله - ﷺ -: (لو قلت: نعم، لو جبت، ولما استطعتم! ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الإحسان يتناول هجران المنهي عنه ومباعدته، فهو أبلغ من الترك، فإنه يتناول الترك وزيادة.
* وقوله: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) يعني: أنه لا عذر في مفارقته شيء من المنهي عنه، كالعدل في ترك بعض المأمور به عند عدم الاستطاعة مثل ما لو وجد من الماء ما يكفي بعض أعضائه للطهارة، فالواجب عليه استعماله، وتيمم للباقي لقوله: (فأتوا منه ما استطعتم)، وباقي الحديث
[ ٧ / ٢٥٠ ]
تقدم تفسيره فيما قبل.
-٢١٤٢ -
الحديث الرابع بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: (لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم (٧٤/ ب) أكن قدرته له؛ ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل).
وفي رواية: (لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر وقد قدرته له، فيستخرج به من البخيل).
وفي رواية لمسلم: (إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج).
وفي رواية: (نهى عن النذر، وقال: إنه لا يرد من القدر، إنما يستخرج به من البخيل).
وفي رواية: (لا تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل)].
[ ٧ / ٢٥١ ]
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن عمر، وتكلمنا عليه هنالك.
-٢١٤٣ -
الحديث الخامس بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة؛ فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأتي، فقيل له: أما صدقتك على سارق؛ فلعله أن يستعفف عن سرقته، وأما الزانية، فلعلها تستعف عن زناها، وأما الغني: فلعله يعتبر فينفق مما آتاه الله)].
* هذا الحديث يدل على أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان يثاب على نيته، ويدل على أن العظة بالأفعال بلغ مبلغ العظة بالأقوال ويزيد، فإن هذه الموعظة مثلها يزجر ويردع.
[ ٧ / ٢٥٢ ]
* وفيه أيضًا دليل على توفيق هذا المتصدق وحسن أدبه، فإنه لما تصدق يريد وجه الله فوقعت صدقته (٧٥/ أ) على سارق وزانية وغني، وتحدث الناس بذلك، كان أول ما جرى على لسانه حمد الله تعالى، على سارق وزانية وغني.
* وأما حمده في هذه المواطن فلا أراه إلا أنه قد كان من العلماء بالله الذين يحسنون التفويض إلى الله سبحانه، ويريضون بما قدر، فلذلك ما كشف الله له عن عواقب الأمور الثلاثة، عن كثب واتم بأن أتي؛ فقيل له: أما السارق، فلعله أن يستعف عن سرقته؛ فذلك كالتعريف له وجه الحكمة في وضع صدقته على السارق؛ فيجتمع في صدقتك عليه بين أن يحفظه به من أن يأخذ مال غيره، ويحفظ بصدقتك مال غيره أن يأخذه، ويحفظ به جوارحه وأطرافه من حدود الله تعالى، ويعرفه أن في عباد الله تعالى من يتصدق، ليلًا سرًا على من لا يعرفه، فيكون بمظنة أن لا يشكره عليه، ولا يدري من أي يد وصل إليه الشيء، ولا يرى وجهه ويعرفه، فيثنى عليه فيكون ذلك داعية إلى عظة نافعة للآخذ، وصدقة عليه بما يغنيه عن أن يسرق مال غيره، وصدقة على صاحب الشيء الذي كان يعرضه السرق لولا استغناء السارق بالصدقة عنه، فتنوعت أنواعًا، وتوجهت وجوهًا؛ حيث كان الإخلاص مراده، وتفويضه إلى الله تعالى في ظاهر الحال، وحمده لله سبحانه على ذلك.
* وهكذا الزانية؛ فإنه لما تصدق عليها أعفها عن مواقعة الحرام التي لم تكن تواقع الفاحشة فيه إلا بأجر يأتيها معها، فإن الزنا لا يتصور إلا من اثنين، فكان ذلك بالغًا في الفضيلة لإعفاف الزانية والزاني بها، فوق ما في السارق وبمقدار تفاوت ما بين الحدين، ويعلم الله ﷿ السارق والزانية على ما كان من
[ ٧ / ٢٥٣ ]
عتوهما، فإن الله ﷿ لم يخرجهما عن الإسلام الذي يصح به الصدقة على أهله، وأن رأفة الله ﷾ غير مقتضبة عنهما بدليل ما في الجواب، من قوله: (أما الزانية فلعلها تستعف عن (٧٥/ ب) زناها) فإن ذلك إشارة إلى أن الصدقة قد اغنتها فعفت نفسها، ورجوعها.
* وأما الغني فإنه لما تصدق عليه أخجله وعرضه للاقتداء، فكانت محسوبة للمتصدق بحسنة مضاعفة له بحسب الأجر بعمله؛ لاسيما وقد عمله كيف سلك في الصدق بالإخلاص في السر على من لا يعرف، فصار متصدقًا معلما، فكان ذلك من بركة إخلاصه.
-٢١٤٤ -
الحديث السادس بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذي الدواب، التي تقع في النار، تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها).
وفي رواية: (إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش؛ وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن وتغلبنه فيقتحمن فيها. قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار، فتغلبوني، وتقتحمون فيها)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - سمى أعمال النار نارًا؛ لأنها
[ ٧ / ٢٥٤ ]
تؤدي إليها، فهو كقوله ﷿: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾ فهو - ﷺ - بشرعه ووصاياه يمسك بالحجز عن التهافت في أعمال النار المؤدية إلى النار، والآدميون يتهافتون عليها تهافت الفراش على النار اتباعًا لطباعهم التي تؤدي من ذلك إلى ما يتلفها، فلا يعتبر منها الذي قد قارن الوقوع؛ بمن بين يديه ممن أهلكه تهافته؛ لأن ذلك كله من أحوال الإحساس دون العقول.
-٢١٤٥ -
الحديث السابع بعد الثلثمائة:
[(٧٦/ أ) عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل رحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى) وقال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، ما كنا نقول
[ ٧ / ٢٥٥ ]
إلا المدية)].
* هذا الحديث أصل في التوصل إلى كشف الغامض من الحكومات بطرق ذلك.
* وفيه أيضًا؛ جواز أن يفهم الله ﷿ الولد ما لم يفهمه الوالد.
* وفيه أيضًا: جواز أن يغير الحكم إذا انكشف وقوعه خطأ، غير موافق للحق، إذا كان ما لا يقبل الاجتهاد، فأما قضاء داود ﵇ للكبرى ولا أراه إلا أنه رأى علو السن مظنة الاتعاظ والبعد من قول الزور، فقضى لها به مع كونه قد كانت يدها منه على ما يعلق داود ﵇ في الحكومة.
فأما ما فهمه سليمان ﵇ من أن تخويفهما بما ذكره لهما من أنه ولدها؛ فليس بولدها إذا شق، فإن المقصود الذي أملته يفوتها بهلاكه، فرأت أن تبقيته للأخرى من أجل أنه لم يحصل لها في شقه شيء، وهذا فإنما قاله سليمان ﵇ ليستخرج به الغامض من عقول النسوان، وإلا فلم يكن ﵇ ليستجز أن يقتل نفسًا زاكية لم يجز منها ما تستحق به القتل من أجل أمر أشكل في دعوى بين امرأتين، قصارى ما فيه أن التي ليس هو ابنها تكفله، ولما خوفهما من ذلك بما ظنتاه مفعولًا فانكشف الأمر، وصار هذا أصلًا في كل حكومة غامضة؛ لتوصل الإمام ومتولي المظالم من جانبه إلى
[ ٧ / ٢٥٦ ]
كشف ملتبس شفافة يفهمه الله تعالى إياها في كل واقعة (٧٦/ ب) تقع في مثل هذا، فيكشف الله به الحق؛ فإن كان قد تقدم حكم حاكم على ظاهر الأمر على غير الحقيقة؛ فإن ذلك لا يمنع من كشف الحق وإماطة أذى الباطل.
-٢١٤٦ -
الحديث الثامن بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (قال الله ﷿: أنفق ينفق عليك) ولم يزد.
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، وقال: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع).
وفي رواية: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض أو الغيض، يرفع ويخفض).
وفي رواية عن أبي هريرة يبلغ به النبي - ﷺ - قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، وقال يمين الله ملأى، سحاء، لا يغيضها شيء الليل والنهار).
[ ٧ / ٢٥٧ ]
وفي رواية قال: (إن الله قال لي: أنفق أنفق عليك). وقال رسول الله - ﷺ -: (يمين الله ملأى لا يغيضهما، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟، فإنه لم يغض ما في يده، قال: وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض والغيض يرفع ويخفض)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن يد الله بالخير ملأى، لا يغيضها الإنفاق، فذكر رسول الله - ﷺ - هذا لئلا يتوهم متوهم أن كثرة عطاء الله وإنعامه يؤثر، فيقصر به المنة على مقدار مبلغ سؤاله.
* ومعنى سحاء: دائمة الليل والنهار (٧٧/ أ) فلا تعقب عطاياه للفقراء أبدًا، بل عطاء جامع بين التتابع والموالاة الليل والنهار، وجميع هذا مفسر لقوله في أول الحديث: (أنفق أنفق عليك)، فيا أهل الإنفاق، لا تظنوا أن ما أعطيتم كان من شيء يقبل النقص، فيمسك أحدكم عن إنفاقه، فإنه بقدر ما ينفق ينفق عليه لا أن يوكئ، فحينئذ يوكئ عليه؛ لأنه جنس مسيل العطاء من باب خرجه فانحبس من باب دخله، ولو لم يمسكه هاهنا لما أمسك عليه من هناك، وإنما أمسك عنه الفضل من حيث إنه منع الإنفاق، وأن الله سبحانه بحبه للإنفاق،
[ ٧ / ٢٥٨ ]
يبعث الفضل إلى من ينفقه لا إلى من يمسكه.
* وقوله: (بيده الميزان)، قد مضى تفسيره في مسند أبي موسى رحمة الله عليه.
-٢١٤٧ -
الحديث التاسع بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).
وفي رواية: (من غيره من المساجد إلا المسجد الحرام).
وفي رواية عن أبي هريرة؛ يبلغ به النبي - ﷺ - قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام).
وفي رواية عن أبي هريرة: (صلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام؛ فإن رسول الله - ﷺ - آخر الأنبياء، وإن مسجده آخر المساجد).
قال أبو سلمة، وأبو عبد الله الأغر: لم نشك أن أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول الله - ﷺ -)].
[ ٧ / ٢٥٩ ]
* فمعنى ذلك أن تسبيب أبا هريرة عن ذلك الحديث حتى إذا توفي أبو هريرة تذاكرنا ذلك، وتلاومنا ألا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك حتى يسنده إلى رسول الله - ﷺ - إن كان سمعه منه، فبينا نحن (٧٧/ ب) على ذلك جالسنا عبد الله بن إبراهيم أن ذكرنا ذلك الحديث، والذي فرطنا فيه من نص أبي هريرة ﵁، فقال لنا عبد الله بن إبراهيم: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: (فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد).
وفي رواية يحيى بن سعيد؛ سألت أبا صالح: هل سمعت أبا هريرة يذكر فضل الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، ولكن أخبرني عبد الله بن إبراهيم بن بارط: أنه سمع أبا هريرة يقول: إن رسول الله - ﷺ - قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة، أو كألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا أن يكون المسجد الحرام).
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر، وتكلمنا عليه هنالك.
-٢١٤٨ -
الحديث العاشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل ﵇، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض).
[ ٧ / ٢٦٠ ]
وفي رواية: (إن الله إذا أحب عبدًا دعى جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، قال: فيحبه جبريل ﵇، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعى جبريل ﵇، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا، فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض).
وفي رواية عن سهيل بن أبي صالح، قال: كنا بعرفة، فمر عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه، فقلت لأبي: يا أبي (٧٨/ أ) إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز. قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس، قال: بأبيك: إني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - ﷺ -، ثم ذكر نحوه)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله ﷾ إذا أحب عبدًا أعلم كل مرضي عنه عنده سبحانه بحبه إياه؛ لئلا يتعرض واحد منهم ببغض من يحبه الله، فيبدأ ﷻ بإعلام جبريل ليكون جبريل موافقًا فيه محبة الله ﷿، وليعلم أهل السماء ليكونوا عابدين لله بمحبة ذلك الإنسان متقربين إليه بحبه.
[ ٧ / ٢٦١ ]
* وقوله: (ثم يوضع له القبول في الأرض): يعني، أنه يقبله أهل الحق الذين يقبلون أمر الله سبحانه، وإنما يحب أولياء الله من يحب الله.
* فأما من يبغض الحق من أهل الأرض ويشنأ الإسلام والدين؛ فإنه يريد لكل ولي لله محبوب عند الله مقتًا وبغضًا، وإذا أبغض عبدًا أعلم جبريل بأنه يبغضه لئلا يختلج في قلب جبريل لذلك حب المبغض، فيكون مخالفًا لله ﷿.
وهكذا الملائكة، وكذلك أهل السماء، ويكونون عابدين لله ﷿ ببغض ذلك الإنسان، متقربين إليه ﷾ بشنآنه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض من أهل الخير وأهل الصلاح، فلا يحبه منهم من يعلم حاله.
* فأما إن كان في حالة التباس وتمويه يخفى على كثير من الناس، فأحبه رجل على ظن منه أنه من أهل الخير، ولم يعلم بخبث باطنه، فذلك مما يشكر الله عليه ذلك المحب، إذ كان قد أنار له حبه؛ حبه لله سبحانه.
ولمن ظن أنه من أهل ولاية الله سبحانه، يضاعف الله على ذلك المحبوب النقمة من أجل تغريره المسلمين في تشبهه بمن ليس منه، وإنما يعتبر ذلك بالشرع المشروع، والحق الموضوع؛ فإنه إذا كان عاملًا بالشرع كله في سره وعلنه فأحبه (٧٨/ ب) المؤمنون على ذلك، أثنوا ولو كان في باطنه كافرًا، كما أنه لو خالف الشرع ولم يعمل به، فأبغضه المؤمنون على ذلك، فإنهم يثابون على بغضه، ولا ينجح له هو باطن ولو كان صالحًا.
[ ٧ / ٢٦٢ ]
-٢١٤٩ -
الحديث الحادي عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم -وهو أعلم بهم -: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك. قال: فيقول: كيف لو رأوني؟! قال: يقولون: ولو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا.
قال: فيقول: فما يسألون؟ قال: فيقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، يقول: فكيف لو رأوها؟! قال: فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة.
قال: فمم يتعوذون؟ قال: فيقولون: يتعوذون من النار. قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: يقولون: والله لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد منه مخافة. قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم).
وفي رواية لمسلم: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا
[ ٧ / ٢٦٣ ]
عرجوا وصعدوا إلى السماء. قال: فيسألهم الله ﷿- وهو أعلم-: من أين جئتم؟ (٧٩/ أ) فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك.
قال: فماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا يا رب. قال: وكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيروني؟ قالوا: من نارك يا رب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: وكيف لو رأوا ناري؟، قالوا: يستغفرونك.
قال: فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. قال: فيقولون: ربنا، فيهم فلان، عبد خطاء. إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)].
* في هذا الحديث من الفقه: أشد الحرص، وأكمل البعث، وأعظم الندب إلى كثرة ذكر الله ﷾، ولاسيما إذا كان ذكرًا يتعلمه الجاهل ويستيقظ به الغافل، ويزداد به العالم. ألا تراه - ﷺ - كيف قال: (يطوفون يلتمسون حلق الذكر)، فإن الذكر بالاجتماع له معنى بليغ في إصابة رضي الله ﷿، فإن موسى ﵇ قال: ﴿واجعل لي وزيرًا من أهلي﴾ .. إلى أن قال: ﴿كي نسبحك كثيرًا (٣٣) ونذكرك كثيرًا﴾ أي: إني أسبحك وأذكرك
[ ٧ / ٢٦٤ ]
في الاجتماع معه أكثر من ذكري من الانفراد عنه.
* وقوله: (يطوفون يلتمسون أهل الذكر) أي: يطوفون لذلك لا لغيره، وأنهم خلقوا لهذا التطواف؛ فلذلك قال فيهم: (فضل عن كتاب الناس) أي لا يشغلهم عن هذا التطواف غيره.
* وقوله: (فضلًا عن كتاب الناس) أي: أنهم غير الذين يكتبون الذكر وغيره، ويرفعونه.
وهؤلاء إنما هم حملة الذكر وسامعوه فقط؛ فكأنهم لا يكتبون إلا الذكر ولا يسمعون إلا إياه، ولا يحملون غيره، فهم على معنى المبشرين (٧٩/ ب) وإذا وجدوا قوة ليذكروا الله بها ثم وأسلموا أي نادى بعضهم بعضًا، فقد يجتمع على الحلقة التي تكون فيها الذكر الجم الغفير من الملائكة.
* و(هلم) كلمة تستعمل للواحد والجميع. قال ﷿: ﴿والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾، وفيها لغة أخرى: إلحاق ضمير التثنية والجمع بها.
* وقوله: (هلموا إلى حاجتكم) أي: هذا الذي كنتم تطلبونه، فإن ظفرتم به؛ لأنه كان حاجة الملائكة أن يتقربوا بحمل الأذكار.
* وقوله: (فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا) يعني - ﷺ -: أنهم يجعلون أجنحتهم وقاية ما بين رءوس الذاكرين وبين السماء؛ حتى لا يتطلع عليهم من ذكرهم ذلك شيطان يكدر من نياتهم ما صفا ذلك الذكر.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
* وقوله: (فيسألهم ربهم) هذه الفاء للتعقيب، بلا مهملة، أي: يسألهم سبحانه عقيب استماعهم ذلك الذكر، وحملة؛ ليشعروا منه أن ذلك احتفال من الله ﷿ بما تنقله الملائكة إليه منه فلا يؤخر السؤال عنه.
* وقوله: (وهو أعلم) يعني: أنه يكيف الله سبحانه بعلمه من ذلك لما هو فوق علم الملائكة نطقًا كما سمعه ﷾ من الذاكرين إذ قالوه، فقالوا: (يسبحونك، ويكبرونك). وهذا الكلام نطق يشتمل على معان جمة، وكل كلمة من هذه الكلمات تدل على معنى له أسلوب، فيقول: (هل رأوني؟) هذا سؤال تقرير؛ لأنه ﷻ يقول للملائكة مع علمه سبحانه أنهم يقولون: (لا يا ربنا ما رأوك). فدليل الحال: أنهم سبحوا وكبروا وحمدوا ومجدوا قبل أن يروا، فكيف لو رأوا.
* وفي هذا الحديث دليل على جواز رؤية الله ﷿ لقوله: (لو رأوني)، وقول الملائكة: (كانوا يكونون لك أشد عبادة)، فإنهم استدلوا بهذا الثناء (٨٠/ أ) الطويل العريض قبل الرؤية على زيادة ومضاعفة بعدها.
* قوله: (ثم يقول: فما يسألونني؟) فيقولون: يسألونك الجنة، فإنه نظر في بغيتهم، فقالت الملائكة: يسألونك الجنة، يعنون: أنها منتهى رغبة كل مؤمن. فيقول الله: وهل رأوها؟ وهذا سؤال تقرير أيضًا. فيقول: فكيف لو رأوها) على معنى ما شرحنا في الكلام الأول.
فيقول: (ومم يتعوذون) فذكر التعوذ هاهنا أبلغ من أن يقال: مم يهربون، أو مم يفزعون، أو يخافون، أو غير ذلك؛ لأن لفظ التعوذ مشتق من العوذ وهو العظم، فهو إشارة إلى أن تعوذ المؤمن بالله سبحانه من النار على معنى عوذ
[ ٧ / ٢٦٦ ]
العظم بالمخ الذي في باطنه، فلا يكاد تصل إليه آفة؛ فالله ﷿ يعيذ المؤمن بأن يكفيه من جميع نواحيه من كل آفة ومكروه، فإذا قالت الملائكة: (من النار)، قال سبحانه: (وهل رأوها؟) سؤال تقرير أيضًا.
وقوله سبحانه: (أشهدكم أني قد غفرت لهم) يستدل منه على أنه ﷻ إذا غفر لهم أدخلهم الجنة.
والغفر: الستر؛ والعرب تزيد فيه تاء فتقول: اغتفرت لك، أي سحبت ذيل إحساني على إساءتك.
* وقوله: (فيقول ملك: فيهم فلان، يقول: هم القوم لا يشقى جليسهم)، يعني: أن هذا الجليس الذي جاء لحاجة لما رآهم جلس معهم فلم يكن عزمته الأولى لذلك، ولكنه وافقهم في الجلوس، فبورك له في الجلوس حين لم يعرض عنهم، فكان له من مجالستهم أنه لحقته بركتهم، فأخبرنا النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يشقي جليسهم)؛ ليرغب كل مؤمن في مجالسة أهل الذكر، فإن لم يكن من الذاكرين، ولا يعجز أحد في أن يجالس أهل ذكر الله، وإن بلغ به الأمر إلى أن لا يفهم ما يقولونه، ويؤمل أن يقول الله تعالى فيه: هم (٨٠/ ب) الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.
ثم إن فاته الفهم في أول شيء فسيناله فيما بعد إن شاء الله تعالى.
* قوله: (الملك فيهم فلان جاء لحاجة): فإنه يدل على أن الملائكة لا تكتم الله حديثًا، وأنه مما يدل على أمانة الملائكة فيما يخبرون به ربهم سبحانه، فكيف لا يؤدي الأمانة من يعلم أن السائل له يعلم الأمر المسئول عنه قبل وقوعه، وإنما أثار سؤال ذلك منه؛ ليكون مما يجيبه الله به عنه مبشرًا كل من أوى إلى
[ ٧ / ٢٦٧ ]
أهل الذكر، أو مر بهم؛ أو جاء لحاجة فجلس إليهم، فإن عرض جاه الذاكرين يشمله، وكفتهم تظله.
* فأما قوله ﷿: (هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم)، فإن معناه؛ أن ينعم بهم من جالسهم؛ لأنه لو قد قام ذلك الذي جلس إليهم لحاجة، ولم يغفر له معهم حتى رآهم في القيامة وقد فازوا، انقطع به هو لكان يرى أن مجالستهم لم تفده، فغار الله سبحانه لأهل ذكره من ألا تشمل بركتهم من جالسهم لحظة واحدة في عمره غير مباين لهم في عقائدهم فيه، فكان ذلك معتقًا رقبته، فكيف بمن تطول مجالسته إياهم!
-٢١٥٠ -
الحديث الثاني عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر).
وفي رواية: (الولد لصاحب الفراش)].
* قوله: (للفراش): معناه لصاحب الفراش.
وهذا لأن الزاني لا فراش له، والعاهر (الزاني).
* قوله: (وللعاهر الحجر) أي لا حظ له في نسب الولد؛ كما يقال: لفلان
[ ٧ / ٢٦٨ ]
التراب، أي: لا شيء له.
-٢١٥١ -
الحديث الثالث عشر (٨١/ أ) بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة قال: (قضى النبي - ﷺ - إذا تشاجروا في الطريق بسبعة أذرع).
وفي رواية: (إذا اختلفت الطريق جعل عرضه سبع أذرع).
وفي رواية للبرقاني: (إذا اختلف الناس في الطريق فاجعلوه على سبع أذرع)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن القدر إذا تشاجروا في الطريق براحلته، والناس من جانبي الطريق، فقدرت الطريق بسبع؛ لأنها غاية ما يحتاج إليه المارون في الأكثر والأغلب، فإن كانت الطريق أوسع من ذلك، فلا يضيق على الناس أحد ببناء ظانًا أن وضعها على سبع أذرع أمر مقدر لا يزاد، وإنما ذلك الطريق يستحدث فيتشاح الجيران في مقدارها فيرجعون إلى ما قدره الشرع فيها.
فأما الطريق الأعظم التي قد يلتقي فيها البعيران بحملهما، والثلاث والأكثر، فإنها لا تجوز أن تضيق عن ذلك الحال.
[ ٧ / ٢٦٩ ]
-٢١٥٢ -
الحديث الرابع عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل، فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).
وفي رواية عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يعقد الشيطان على قافية أحدكم ثلاث عقد إذا نام، لكل عقدة يضرب: عليك ليل طويل، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة قافية الرأس ومؤخره)].
* قال أبو عبيد: فكأن معنى الحديث، أن على قفا أحدكم ثلاث عقد للشيطان أن ثلاث أعداده بتسليطه (٨١/ ب) من الآدمي على ما لا يختص بنوم دون يقظة، ولا يقظة دون نوم، ولا صباح دون مساء، ولا مساء دون صباح، ولا إقامة دون سفر، ولا سفر دون إقامة؛ بل في سائر أحوال الآدمي له مكائد، وحال الآدمي معه على حال معترك القتال.
[ ٧ / ٢٧٠ ]
وأن الله ﷾ أرسل محمدًا - ﷺ - هاديًا لخلق لمصالحهم، ومنبهًا على مكائد شيطانهم، وكان من ذلك أن الإنسان عند نومه إذا أوى إلى مضجعه، وعقد الشيطان على رقبته ثلاث عقد، ثم فسرها النبي - ﷺ - وبينها، وأنه يأتي بها الآدمي على جهة التنصح، وأنه يوهمه بطول الليل عليه ليسرق منه الزمان الذي يهب فيه لتهجده؛ فإنه لو جاء مجاهرًا بالمكر وآمرًا بترك التهجد لم يكن يقبل منه؛ لأنه كان يبدو له في صورة لا تخفى عليه أنه شيطان لدفعه عن الخير بالكلية، ولكنه لما جاءه يذكر يذكر بطول الليل عليه ونصحه من جهة الرفق ببدنه بقوله: (عليك ليل طويل) ليحظى منه إما بتفويته الأصل التهجد، أو قريبًا من الفجر؛ ليدخله فيه في وقت ضيق فيفوته التدبير بقراءته وأذكار صلواته الذي يتمكن منه في سعة الوقت عليه، فكان عقده على القافية، وهي ما فسره أبو عبيد أن قافية الرأس مؤخره، أي: فيأتيه من ورائه.
وإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، وذلك أن ذكر الله ﷿ يبعده، فتنحل عقدة من عقده، وهي قربه منه، ثم إذا توضأ وتمضمض ويستنشر فغسل لموضع حبو منه على خياشيمه، ثم أزال الحدث عنه انحلت العقدة الثانية، فتوجه بعضده إلى العبادة، فإذا صلى انحلت العقد كلها.
* وهذا فإنما يفعله -قاتله الله -مع أهل قيام الليل وذوي التهجد، فكيف بالغافلين!
* فأما قوله: (فأصبح نشيطًا طيب النفس)، فإن المتهجد إذا قام من جوف الليل فيما بعد (٨٢/ أ) نصف الليل إلى الصلاة، وكان وضوؤه وتكبيره
[ ٧ / ٢٧١ ]
وركوعه وسجوده وجلوسه مدنيا طعامه عن معدته، وحاطبًا غداءه إلى قعر معدته التي بها هضمه، ثم يتبعها بعد ذلك نومة خفيفة يتمم هضمه، فيصبح نشيطًا طيب النفس، كما قال - ﷺ -، وإن لم يفعل ذلك كان طعامه يقف بحاله في رأس معدته حيث الهضم أسوأ ما كان قبيح خبيث النفس كسلان.
-٢١٥٣ -
الحديث الخامس عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفله).
وفي رواية: (انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).
وفي رواية: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - ذكر هذا مداويًا به القلوب، فعلمها كيف تصنع، ووصف لها الدواء، فقال: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق)، يعني: فثار له، أو خاف على نفسه نوع اعتراض أو تسخط، فليتدارك ذلك بأن ينظر إلى من دونه ممن قد فضله الله
[ ٧ / ٢٧٢ ]
عليه؛ فإنه إذا قال لنفسه: إن هذا الذي كنت قد رأيت له عليك فضلًا حتى أثر فيك، فإن ما فضلت به على غيرك مما إن قيس كان الذي فيك هو الذي نعمته من غيرك، فتطمئن نفسه، ويزول عنه العارض الخبيث، ويدل عليه قوله: (فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).
-٢١٥٤ -
الحديث السادس عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (لو كان عندي (٨٢/ ب) مثل أحد ذهبًا لسرني ألا يمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين).
وفي رواية: (لو كان عندي أحد ذهبًا، لأحببت ألا يأتي ثلاث وعندي منه دينار، ليس شيئًا أرصده على دين علي، أجد من يقبله).
وفي رواية: (ما يسرني أن لي أحدًا ذهبًا تأتي علي ثالثة، وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي)].
* قد سبق الكلام في تعظيم أمر الدين، في مسند أبي قتادة، وهذا الحديث
[ ٧ / ٢٧٣ ]
يدل على تفخيم أمر الدين، وهذا لأنه يشغل الذمة ويرتبها، وحقوق المخلوقين مبنية على التضييق؛ فينبغي للإنسان أن يحذر من الدين مهما استطاع.
-٢١٥٥ -
الحديث السابع عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة يأثر عن النبي - ﷺ - قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانًا، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك).
وفي رواية: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا).
وفي رواية: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا).
وفي رواية: (ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا).
وفي رواية: (ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانًا).
[ ٧ / ٢٧٤ ]
وفي رواية: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا إخوانًا كما أمركم الله ﷿).
وفي رواية: (لا تهاجروا، ولا تدابروا، ولا تحسسوا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا).
وفي رواية: (ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا، وكونوا عباد الله إخوانًا).
وفي رواية: (ولا تحاسدوا، ولا تناجشوا، (٨٣/ أ)، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه).
وفي رواية: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)، وأشار بأصابعه إلى صدره.
وفي رواية لمسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)].
[ ٧ / ٢٧٥ ]
* قد سبق شرح هذا الحديث في مسند أنس بن مالك، وذكرنا هنالك التجسس والظن.
وسبق بيان المنع من خطبة الرجل على خطبة أخيه، وبينا أن ذلك فيما قد تم وسكن كل منهما إلى صاحبه، فأما إذا كانت المرأة تعرض أن تخطب، ولم يسكن وليها إلى شخص جاز لآخر خطبتها، ونحو هذا بقوله: (ولا يبع أحدكم على بيع أخيه)، وقد تقدم شرحه، وسبق تفسير النجش وهو: أن يزيد في السلعة، وليس براغب فيها.
* وقوله: (المسلم أخو المسلم)، قد فسرناه في مسند ابن عمر ﵁.
* وقوله: (التقوى هاهنا)، أي المتقي هو المخلص في فعل التقوى، وليس بالذي يترك لأجل الناس، أو يفعل لأجل الناس.
* وقوله: (كل المسلم على المسلم حرام)، قد فسرناه في مسند ابن عباس وغيره.
* وقوله: (لا ينظر إلى صوركم)، حث على الاعتماد على النية وحسن القصد، وتحذير من الركون إلى صورة العمل.
* فأما قوله: (بحسب المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، ففيه تحذير، وأي تحذير من ذلك؛ لأن الله تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه، ثم أحسن تقويم
[ ٧ / ٢٧٦ ]
خلقه، وسخر ما في الأرض جميعًا (٨٣/ ب) كله لأجله وأسجد له الملائكة جميعهم، ثم إنه سبحانه سماه مسلمًا، ومؤمنًا، وعبدًا، أو هو يرضه بأن يكون بالأمة من الأمم، وأن يعلم أنه بلغ من قدره إلى أن الله ﷿ جعل الرسول إليه منه، محمد - ﷺ -، فمن حقر مسلمًا من المسلمين فقد حقر ما عظمه الله، وكافيه ذلك حزنًا، وإن من احتقار المسلم المسلم ألا يسلم عليه إذا مر به، ولا يرد السلام عليه إذا بدأه هو به، وأن يراه دون أن يدخله الله الجنة أو يبعده من النار.
* فأما ما ينقمه العالم على الجاهل، والعدل على الفاسق فليس ذلك احتقارًا لعين المسلم، ولا لذاته، وإنما كراهية للجهل والفسق اللذين اتصف بهما، فمتى فارق الجاهل جهله، وباين الفاسق فسقه، كان ذلك معيار صدق الذي أبدى الشنان لأجل الله تعالى، بعوده ومراجعته إلى الاحتفال به والرفع لقدره.
-٢١٥٦ -
الحديث الثامن عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله، قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه).
وفي رواية: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)].
[ ٧ / ٢٧٧ ]
* في هذا الحديث: تشديد الحفظ للجار، والمصافي أصل وضع اسم الجار في لغة العرب هو الملتجئ والمستجير، وقد يكون المصافى والقريب المنزل، فإذا كان المستجير إنما قصد ولجأ إلى مسلم، ليكون دافعًا عنه البوائق عن غيره، فأي شيء أقبح من أن تأتيه البوائق من الشخص الذي استجار به لدفع البوائق؛ فلهذا كرر رسول الله - ﷺ - النهي ثلاثا إنه: لا يؤمن.
قال أبو عبيد: وبوائقه: غوائله وشره.
-٢١٥٧ -
(٨٤/ أ) الحديث التاسع عشر بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله ﷿: (إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره عبدي لقائي كرهت لقاءه).
وفي رواية: (من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله؛ كره الله لقاءه)].
* هذا الحديث تقدم في مسند أبي موسى، وفي مسند عبادة بن الصامت،
[ ٧ / ٢٧٨ ]
وفي مسند أنس بن مالك، وقد شرحناه وأوسعنا الكلام في شرحه، وسيأتي مشروحًا في مسند عائشة، وشرحه هنالك.
-٢١٥٨ -
الحديث العشرون بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (نعم المنيحة للقحة منحة، الشاة الصفي تغدو بإناء، وتروح بإناء).
وفي رواية عن أبي هريرة يبلغ به، قال: (ألا رجل يمنح، أهل بيت ناقة تغدو بعشاء وتروح بعشاء، إن أجرها لعظيم).
وفي رواية: (من منح منحة غدت بصدقة وراحت بصدقة؛ صبوحها وغبوقها).
وفي رواية للبرقاني أن النبي - ﷺ - نهى أن يساوم الرجل على سوم أخيه، ونهى أن يتلقى الجلب، ونهى أن تسأل المرأة طلاق أختها، ونهى أن يمنع الماء مخافة أن يرعى الكلأ، ونهى أن يبيع حاضر لباد، ومن منح منيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة؛ صبوحها أو غبوقها -زاد بعض رواته فيه -ونهى عن التصرية والنجش)].
[ ٧ / ٢٧٩ ]
* في هذا الحديث من الفقه: أن المنيحة، وهي: الناقة أو البقرة أو الشاة منحها الرجل أخاه لينتفع بلبنها خاصة.
* وقوله: (تغدو بإناء) أي تأتي بالرزق صباحًا وعشيًا، وإنما ذكر هذا؛ لئلا يحقر الإنسان المنيحة.
* والشاة الصفي: الكثيرة اللبن، والصبوح: الشرب وقت الغداة من اللبن (٨٤/ ب) والغبوق: شرب العشي وقد سبق تفسير باقي الحديث في مواضع.
-٢١٥٩ -
الحديث الحادي والعشرون بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة قال: (أمر رسول الله - ﷺ - بصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد؛ وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي - ﷺ -: (ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ - فهي عليه صدقة ومثلها معها).
قال البخاري، وقال ابن إسحاق: (هي علي ومثلها معها).
وفي رواية لمسلم: (بعث رسول الله - ﷺ - عمر ﵁ على الصدقة،
[ ٧ / ٢٨٠ ]
فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس عم رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما ينتقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد حبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها، ثم قال: يا عم، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه)].
* الصدقة المذكورة في هذا الحديث تنصرف إلى التطوع؛ لأنه قال: أمر رسول الله - ﷺ - بصدقة ولم يعرفها بالألف واللام، وكانت تنصرف إلى المفروض.
* وفيه أيضًا: أنه إذا جرت صورة فعل بين جماعة اتفقوا في تلك الصورة، فإنه لا ينبغي أن يحمل الأمر منهم كلهم على محمل واحد، فإن هذا الحديث يدل على أن منع ابن جميل وخالد والعباس ﵃ كانت صورة امتناعهم صورة واحدة، فلم يحمل رسول الله - ﷺ - ذلك منهم محمل واحد؛ بل فصل فقال: (ما ينتقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه (٨٥/ أ) الله ورسوله من فضله عليه، ثم اعتذر لخالد: أنكم تظلمون يعني أنكم لصقتم صورة حاله لصورة حال ابن جميل، وأنتم تعرفون أنه قد وقف في سبيل الله درعه وأعتده، فكيف يظن أنه يمنع، وهو واجد في شيء يديه رسول الله - ﷺ -.
* وقوله في العباس: (فهي علي ومثلها معها) المراد من ذلك: أن رسول الله - ﷺ -
[ ٧ / ٢٨١ ]
حكم في مال عمه.
ومن روى: (فهي علي ومثلها معها) أي: إنما أؤدي ما التمس من العباس مضعفًا.
* وفائدة هذا الحديث: أن الصورة إذا تشابهت تعين أن نفرق معانيها، ويحمل كل منها ما يليق بحال صاحب الصورة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين﴾.
* وقوله: (عم الرجل صنو أبيه)، الصنو: المثل.
-٢١٦٠ -
الحديث الثاني والعشرون بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (نحن الآخرون السابقون)، وقال: (لا يبول أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه).
وفي رواية: (لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه)].
* الماء الدائم: هو الذي لا يجري، وقد ذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إذا كان الماء قلتين فصاعدًا ولم يتغير بوقوع النجاسة فيه فإنه لا ينجس، وقال أبو حنيفة بنجاسته.
[ ٧ / ٢٨٢ ]
وأما إذا كان دون القلتين، فقد ذهب مالك وأحمد في رواية أنه لا ينجس إلا بالتغيير.
فأما الذي أراه أنا في هذا الحديث: فإن الرجل إذا ورد على ماء قليل واقف، فبال فيه، ثم اغتسل منه فإنه بغير شك قد خالط الماء الذي اغتسل به أجزاء من بوله، فلو قد كان جاريًا لكانت الجرية قد ذهبت (٨٥/ ب) بالنجاسة.
وعقب فأما إذا كان واقفًا، فإن النجاسة لم تندفع، وهو الذي يدل عليه نطق هذا الحديث، وحديث القلتين لم يخرجاه في صحيحيهما.
-٢١٦١ -
الحديث الثالث والعشرون بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه يهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا عبد الله؛ هذا يهودي خلفي فاقتله إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود)].
[ ٧ / ٢٨٣ ]
* الغرقد: شجر له شوك، وقد ذكرناه في مسند علي ﵇.
وقد تقدم شرح هذا الحديث في هذا المسند وغيره.
-٢١٦٢ -
الحديث الرابع والعشرون بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لا أجده، قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر!، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات.
وفي رواية: (قيل للنبي - ﷺ - ما يعدل الجهاد في سبيل الله، قال: (لا تستطيعونه) قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: لا تستطيعونه)، قال في الثالثة: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله ﷾ لم يجعل الجهاد في
[ ٧ / ٢٨٤ ]
سبيله (٨٦/ أ) عملًا يعدله؛ لأنه لو كانت الأعمال التي تسن في مواقيت لا يقوم غيرها فيها مقامها لكان ذلك يحل بأرض كثير.
مثاله: أنه لو دعي الناس إلى النفير، وخيف على بيضة الإسلام، وتعين الجهاد في كل مطيق له، فذهب بعض المطيقين له إلى بعض المساجد، فصام تطوعًا، وصلى وسرد الصيام، وجد في التعبد، فهل يخفى على من له أدنى عقل وأبرز حس أن تلك الصلاة في ذلك الوقت ليست مع ترك الجهاد في وقت إقبال العدو وهجومه على ديار المسلمين واقعة موقعها؛ بل ربما خرجت حينئذ مخرج المعاصي.
فعلى هذا نقول: الجهاد إذا تعين لا يعدله غيره؛ كالحج إذا وجب، وصوم رمضان لمن حضر، والصلاة إذا دخل وقتها.
* فأما التفاضل بين العبادات فإنما يتوجه فيها إذا حصل المقصود من قيام فروضها، وعاد فعلها تطوعًا ونفلًا، فحينئذ يقال: إيما أفضل نفل كذا، وفعل كذا، أو نفل كذا ولم يسألوا رسول الله - ﷺ - عن نافلة الجهاد، وهل يعدلها غيرها أو لا؟ وإنما سألوه عن الجهاد بالألف واللام الذي لا ينصرف إلا إلى المأمور به.
* وأما الذي يعدله فقال: لا أجده، وكان من الحكمة في أن رسول الله - ﷺ - لم يبين لهم كيفية سؤالهم في ذلك الوقت؛ لأنه كان وقتًا كل الجهاد فيه فرض متعين له، لم يقم فيه للمسلمين ديوان أجناد يقومون بفرض الكفاية فيه عن جمهورهم، وإنما كان شاملا للكل، فلم يكن حينئذ يعدله شيء، فلم يزد رسول الله - ﷺ - على قوله: (لا أجد)، يعني - ﷺ -: لا أجد شيئًا من الأعمال يعدله.
[ ٧ / ٢٨٥ ]
* وقوله للرجل: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا (٨٦/ ب) تفتر)، فيه إشارة إلى فضل المجاهدين عن المصلين ما قدر المصلي على صلاته، ولا المتعبد على عبادته، ولأنهم بجهادهم يدفعون عن دار الإسلام.
* وقول أبي هريرة: (إن فرس المجاهد ليستن في طوله)، المعنى: إذا كانت فرسه تتحرك لنفسها في طولها من غير تحريك المجاهد لها، فتكتب له بذلك حسنات، وما له في ذلك فعل، فكيف بما له فيه فعل من تحريكها والإسراع بها، والجهاد عليها؟
والمراد: أن هذا العمل يحتسب فيه بما ليس من فعل العامل، وليس غيره من الأعمال كذلك، فلذلك فضل.
-٢١٦٣ -
الحديث الخامس والعشرون بعد الثلثمائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله).
وفي رواية: (والذي نفسي بيده، ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم)].
[ ٧ / ٢٨٦ ]
* هذا الحديث يتضمن فضيلة المتأخرين من أمته.
وقد سبق شرح هذا ومعناه، وبينا أنه إنما يؤثر أن يراه ليسأله عن مشكلات تعرض.
* وأرى في هذا: أنه من تمنى رؤيته - ﷺ - بعد موته - ﷺ - في المنام، وكان متعرضًا لذلك، فإنه يتناوله هذا النطق إن شاء الله.
إلا أني أري التعرض لرؤيته - ﷺ - ولقائه له في المنام أن يحرص على ألا ينام إلا طاهرًا، ذاكرًا لله ﷾، فإنه قمين أن يراه.
ومن أكبر ما يستعين به المؤمن على النوم ظاهرًا ألا يكون أكله فوق الحاجة.
وقال الحميدي (٨٧/ أ): تأولوا هذا الحديث على أنه نعي يهديه إليهم، وعرفهم ما يحدث لهم بعده من تمني لقائه عند فقدهم ما كانوا يشاهدون من بركاته - ﷺ -.
أفراد البخاري
-٢١٦٤ -
الحديث الأول:
[عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة)].
[ ٧ / ٢٨٧ ]
* قد سبق الكلام في الرؤيا في مسند عبادة بن الصامت، وفي مسند ابن عمر، وفي مسند أنس بن مالك.
-٢١٦٥ -
الحديث الثاني:
[عن أبي هريرة: (أن رسول الله - ﷺ - قضى فيمن زنا لم يحصن بنفي عام، وإقامة الحد عليه)].
* قد سبق هذا في مسند عبادة.
-٢١٦٦ -
الحديث الثالث:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا).
[ ٧ / ٢٨٨ ]
وفي رواية: (والذي نفسي بيده)].
* قد سبق الكلام على هذا في مسند أنس بن مالك.
-٢١٦٧ -
الحديث الرابع:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول).
وفي رواية: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).
وفي رواية: (أفضل الصدقة ما ترك غني، واليد العليا خير من اليد السفلى (٨٧/ ب) وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني، وأما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني؟ فقالوا: يا أبا هريرة: سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة)].
[ ٧ / ٢٨٩ ]
* قد سبق تفسير هذا الحديث في مسند ابن عمر، وقد ذكرنا هنالك المراد باليد العليا.
-٢١٦٨ -
الحديث الخامس:
[عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله - ﷺ -، إني رجل شاب، وأخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء؟ كأنه يستأذنه في الاختصاء. قال: فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك. فقال النبي - ﷺ -: (يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - لما سأله أبو هريرة عن عجزه عن النكاح لعدم الطول، أمسك عنه - ﷺ - مرة، ثم مرة، ثم مرة، كل واحدة منهن كافية في الانزجار عن أن يراجع رسول الله - ﷺ - في ذلك بالإشارة إلى الاختصاء؛ إذ ليس الفقر مما يمنع النكاح، فإن الله تعالى يقول: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله).
* ولا يحل لفقير يجد في نفسه شهوة النكاح أن يفزع من ذلك إلى الاختصاء، ولا أن يردد ذكر ذلك على قلبه، فلما كرر أبو هريرة ذلك قال
[ ٧ / ٢٩٠ ]
رسول الله - ﷺ - في الثالثة ما لا أراه إلا مجرد إنكار في توعد، وهو قوله: جف القلم بما هو كائن، من أنه من كتب شقيًا فقد كتب، ومن كتب سعيدًا فقد كتب، فاختص على ذلك أو ذر.
(٨٨/ أ) وهذا نطق يفصح بالوعيد والتهديد؛ ليكون ذلك زجرًا له ولغيره من بعده، وليس إذنًا في الاختصاء.
-٢١٦٩ -
الحديث السادس:
[عن أبي هريرة، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (والله، إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)].
[ ٧ / ٢٩١ ]
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يقضي نهمته من استغفار ربه، والتوبة إليه.
* وأما ذكر السبعين فلأنه أكثر ما ينتهي إليه العدد في عرف العرب، وكان هذا منه - ﷺ - مع أنه قد باعده الله من الذنوب، وحفظه في سره وجهره، وقوله وفعله، إنما كان يفعله شارعًا ومعلمًا؛ لئلا يرى أحد بعده - ﷺ - أنه مستغن عن الاستغفار وموالاته.
* وقد مضى هذا في غير موضع من الكتاب مع ما قد مضى.
-٢١٧٠ -
الحديث السابع:
[عن أبي هريرة، قال: قام النبي - ﷺ - في الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم رسول الله - ﷺ -، قال: (لقد تحجرت واسعًا) يريد رحمة الله].
* في هذا الحديث ما يدل على قلة فقه الأعرابي، وأنه لم يكن من أهل المعرفة بالله سبحانه؛ فإن الله سبحانه يقول: (ورحمتي وسعت كل شيء) وإنما
[ ٧ / ٢٩٢ ]
قال الأعرابي ذلك، أو يقول مثله من يرى أن معاصي الخلق وإن كثرت تبلغ إلى أن تعالت حكم الله وكريم صفحه وعفوه.
وقول النبي - ﷺ -: (لقد تحجرت واسعًا)، (٨٨/ ب) أي: تحجرت تحجرًا واسعًا على فضل الله سبحانه وجوده، وقلت ما ليس لك قوله، وسألت ما لا يحسن سؤاله، فإن السيول الدوافع قد تكف، والبحور الزواخر قد تغيض، والغيوث الهوامع قد تقلع، وفضل الله ﷿ وجوده على خلقه لا يكف، ولا يغيض، ولا يقلع أبدًا.
-٢١٧١ -
الحديث الثامن:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله)].
[ ٧ / ٢٩٣ ]
-٢١٧٢ -
الحديث التاسع:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)].
* سبق هذا الحديث في مواضع، وشرحنا مذهبنا في الصفات وإمرارها على ما جاءت.
* وهذا الحديث دال على عظمة الله تعالى وجلاله، وأن الأرض ومن عليها من ملوك الدنيا وغيرهم، والسموات ومن فيها في قبضة الله تعالى.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
* وقوله: أين ملوك الأرض؟ فإن فيه تنبيهًا لمن اغتر من ملوك الدنيا بملكه الذي كان فيه صورة، إذا نظر في معناها يستوقف؛ لأن الملك من ملوك الدنيا في نفسه فقير إلى بنيانه، فقير إلى أعوانه، فقير إلى أرض تقله، فقير إلى سماء تظله، فقير إلى دوام صحته، فقير إلى أعضائه، فقير إلى مادة تدوم معها حياته، فقير إلى تناول مطعمه ومشربه، فقير إلى خروج أثقال غذاء يعييه، فقير إلى صاحبة ليسكن إليها، فقير إلى ولد يكون خلفًا منه بعد موته، حتى إنه ذو شعب في الفقر واسعة، وأصول له فيه معرفة، فهو بأن يسمى الفقير حقًا أولى من أن يسمى ملكًا، فكانت تسميته المجازية بذلك في مدة غرور الدنيا بين (٨٩/ أ) أهلها، حتى إذا ظهر الحق وبطل الغرور، وذهبت مدة استيلاء الحسنى في دار الدنيا بأن حشد عورات الدنيا، وإن ما كان تسمى به من يتسمى من ملوكها مجازًا كان كشفية الحقيقة.
* وذكر الله سبحانه لملوك الدنيا، فيه تنبيه على من دونهم في المنزلة فكان ذلك بالغًا في الموعظة والذكرى.
-٢١٧٣ -
الحديث العاشر:
[عن أبي هريرة، قال: أتي النبي - ﷺ - برجل قد شرب الخمر، قال: (اضربوه) قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله قال: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)].
[ ٧ / ٢٩٥ ]
* في هذا الحديث: أن أصل الحد؛ كان على هذا الوصف حيث كان الناس غير متتابعين في الخمر؛ فلما تهافتوا عليها، انتقل الحد إلى السياط، وقد مضى شرح ذلك.
* وأما قولهم للشارب: أخزاه الله، فإنه كما قال النبي - ﷺ -: إعانة للشيطان عليه، وقد كان حقيقًا أن يدعوا له بالتوبة، وأن يعينه الله على شيطانه، وأن يخزي شيطانه عن أعوانه.
-٢١٧٤ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي هريرة، قال: (كانوا -أهل الكتاب -يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: (لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا ) الآية].
* في هذا الحديث من الفقه (٨٩/ ب): أن ما كان يقوله أهل الكتاب حينئذ،
[ ٧ / ٢٩٦ ]
كانوا مسندين ما يرونه منه إلى التوراة، فلا يصدقون في أخبارهم؛ غير أنهم لأجل كونهم كانوا يسندونه إلى التوراة لا يكذبون كذبًا مطلقًا؛ من أجل أن الإطلاق يشمل قولهم، ويتناول ما يسندون إليه من التوراة، فلذلك نهى رسول الله - ﷺ - عن إطلاق تكذيبهم أيضًا، بل يقال لهم كما قال الله: ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم﴾) وهذا لأنا نؤمن بأنه أنزل إليكم كتاب، لكنهم بدلوا، فنحن نؤمن بما أنزل على موسى.
-٢١٧٥ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن عمر.
-٢١٧٦ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (الشمس والقمر يكوران يوم
[ ٧ / ٢٩٧ ]
القيامة].
* يكوران: يلقيان؛ وذلك لأنه ذهب الدار التي كانا خلقا لأجلها، فإنه لم يبق لأهل الأرض إليهما حاجة، وليعلم من أهل الجمع كل من كان عبدهما أو واحدًا منهما، فأكورا بمرأى منه أنه كان من الكافرين.
-٢١٧٧ -
الحديث الرابع عشر:
[أخرجه البخاري تعليقًا عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن (٩٠/ أ) يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا، فقال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بك، وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر، ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده،
[ ٧ / ٢٩٨ ]
فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، وأتى بألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك؛ فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، فقال: كنت بعثت إلي بشيء، قال: إني أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدًا)].
* في هذا الحديث: جواز الاستسلاف، وشغل الذمة بما يتخذه الرجل بضاعة يسعى فيها.
* وفيه أيضًا: جواز أن يقترض الفقير المال الكثير توكلًا على أن الله ﷾ يثمره (٩٠/ ب) في يده، ويسهل له سداد دينه من ربحه.
* وفيه أيضًا: جواز أن يقرض الرجل الرجل الفقير بغير كفيل ولا شاهد؛ اكتفًاء بشهادة الله ﷿، واتكالًا عليه، ولا يكون ذلك مفرطًا ولا مضيعًا.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
* وفيه أيضًا: جواز أن يقرض الرجل المال ثم يتجر فيه راكبًا البحر.
* وفيه أيضًا: جواز أن يلقي الرجل مالًا في الملتفة اتكالًا على الله سبحانه بعد أن يحسن تدبير إلقائه على نحو ما فعله هذا الرجل، من جعل المال في الخشبة مع سطر صحيفة معه.
* إلا أني أرى أن هذا الرجل لم يفعل ذلك إلا بعد أن اجتهد في أن يجد صحبة يبعث فيها المال على الأمر المعهود في مثله، فلم يجد، ورأى المال الذي سلفه إنما توكل على الله في إسلافه، ورضي بالله شاهدًا وكفيلًا، فلمح من الحال أن يقابل فعل صاحبه بمثله من أنه يرضى بالله حافظًا لهذا المال، ومؤديًا له إلى مستحقه، ومؤمنًا بأنه ﷾ الحافظ في لجة البحر، كما هو الحافظ في ظهر البر، ففعل ذلك قوي الرجاء، شديد الطمع في أن الله ﷾ يؤدي عنه إلى صاحبه إلا أنه مع ذلك استعمل الأحوط في إتيانه في الوقت الآخر بالألف الآخر، ولم يفعل ذلك شكًا في ربه سبحانه أنه يحفظ الودائع، وإنما خاف ألا يكون ما فعله من طرح المال في البحر من جنس ما فعل الآخر؛ لأن ذلك إنما أودع ذمة قابلة، فهذا فإنما وضع المال في مقام لا يوضع مثله فيه، وحمله على ذلك حرصه على أن يفي لصاحبه بما كان وعده به من الأجل المؤقت، وقد كان عليه أن يستثني في الأجل بمشيئة الله ﷿؛ لكن الله ﷾ لما رأى أن الحامل له على ذلك دينه وحرصه على ألا يخلف ميعادًا كانت التوثقة فيه الرضا بالله سبحانه كفيلًا، فسلم الله ﷾ المال؛ فأداه إلى صاحبه، فلا رأى لغير هذا (٩١/ أ) الرجل أن يفعل مثل هذا إلى الرجل، إلا أن يجتمع فيه شرائطه التي اجتمعت في هذا، على الحالة التي
[ ٧ / ٣٠٠ ]
جرت لهذا المقبوض، استثنى عند قوله إلى أجل يذكر بمشيئة الله، فلم يقدر له في ذلك الوقت مركب يحمل فيه المال، فتأخر إلى وقت إمكانه لكان أفضل له وأولى، أولو كان حين سده عن استطاعة فرجع إلى ما قدره الله ﷿ من عدم الاستطاعة، وصبر إلى حين الإمكان؛ لكان يسعه ذلك، إلا أن إيراد رسول الله - ﷺ - هذا الخبر علينا حكاية عمن تقدمنا ندب منه - ﷺ - لنا إلى ما في هذا الحديث من حسن التوكل، وإشعار بأن الله ﷾ وفي عمن اقترض عليه، ووفي سبحانه لمن رضي به توثقه من خصمه، وأنه ﷻ عبر وأجاز الخشبة في البحر موصلًا لها إلى مستحقها خارقًا للعادة في مثل ذلك.
*وفي الحديث أيضًا من الفقه: ما يدل على أمانة المقرض الذي وصلت إليه الألف في الخشبة؛ لأنه لما عرض عليه عزيمة الألف الآخر أبى أن يأخذها.
* وفيه أيضًا من الفقه: ما يدل على أنهما معًا كانا أهلًا لما فعله الله تعالى معهما بتوكلهما على الله ﷿.
وفي الحديث: زجج، أي: سوى موضع النقرة.
-٢١٧٨ -
الحديث الخامس عشر:
] عن أبي هريرة، قال: قام أعرابي، فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي - ﷺ -: (دعوه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء؛ أو ذنوبًا
[ ٧ / ٣٠١ ]
من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)
*هذا الحديث قد تقدم في مسند أنس.
*والسجل: الدلو الكبير.
-٢١٧٩ -
(٩١/ب) الحديث السادس عشر:
] عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالي قال: من عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته)].
[ ٧ / ٣٠٢ ]
*في هذا الحديث من الفقه: أن الله سبحانه قدم الإعذار إلى كل من عادى وليًا له، فإنه بنفس المعاداة للولي بإيذان الله له بأنه محاربه؛ فإنه أخذه على غرة، فإن ذلك بعد الإعذار بتقديم الإنذار.
*وولي الله ﷿ هو الذي يتبع شرع الله.
* ومعنى قوله: ﴿من عادى له وليًا﴾ أي: اتخذه عدوًا، ولا أرى المعنى إلا أنه عاداه من أجل ولايته الله، فإنه يشير إلى الحذر من إيذاء قلوب أولياء الله ﷿ على الإطلاق، إلا أنه إذا كانت الأحوال تقتضي نزاعًا بين وليين لله في محاكمة أو خصومة راجعة إلى استخراج حق أو كشف غامض، فإن هذا لا يتناول هذا القول، لكنه قد جرى بين أبي بكر وعمر خصومة، وبين العباس وعلي، وبين كثير من الصحابة ﵃ ما جرى، وكلهم كانوا أولياء الله ﷿، إلا أن هذا يتناول من عادى وليًا لله مع كونه يشير إلى التحذير من إيذاء ولي الله.
*وقوله: ﴿وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه﴾، فإنه يشير إلى ألا تقدم نافلة على فريضة، وإنما تسمى النافلة نافلة إذا قضيت الفريضة، وإلا فلا يتناولها اسم (٩٢/أ) نافلة، يدل على ما ذكرنا.
*وقوله: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته﴾، لأن التقرب بالنوافل يكون تلو أداء الفرائض، بدليل أنها ذكرت بعد ذكر الفرائض، يعني إذا أدام العبد التقرب بالنوافل أفضي ذلك إلى أن يحبه الله.
*ثم قال سبحانه: فإذا أحببته كنت سمعه، وهذا لا أراه إلا أنه علامة، وأنه لمن يكون الله قد أحبه أن يكون هو سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي
[ ٧ / ٣٠٣ ]
يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.
وتصوير ذلك أنه لا يسمع ما لم يأذن الشرع له في سماعه، ولا يبصر ما لم يأذن الشرع في إبصاره، ولا يمد يدًا إلى ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه، ولا يسعي برجل إلا فيما أذن الشرع له في السعي بها إليه، فهذا هو الأصل، إلا أنه قد يغلب على عبد ذكر الله حتى يعرف بذلك، فإذا خوطب بغيره لم يكد يسمع لهم، وكذلك في المبصرات والمتناولات والمسعى إليها، وتلك طبقة عالية نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
* وقوله: ﴿لئن سألني لأعطينه﴾، يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله سبحانه وتعالي لم يمتنع عن أن يسأل ربه حوائجه، ولا أن يستعيذ به مما يخافه، وقد كان الله ﷿ قادرًا على أن يعطيه قبل أن يسأل، وأن يعيذه قبل أن يستعيذه، ولكن ﷻ متعرف إلى عباده بإعطاء السائلين، وإعادة المستعيذين، فكان سؤال هذا العبد محببًا إلى ربه في عبادة منه له.
*وقوله: ﴿ما ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت عن نفس المؤمن﴾، فإن المعنى فيه على ما أراه: أن المؤمنين لا يكرهون (٩٢/ب) الموت إلا لنقلهم من الخدمة إلى النعمة، فيرون أنهم لم يقضوا نهمهم من عبادة الله ولا من خدمته سبحانه في أرضه، فإذا نقلوا إلى مقر الراحة وموطن الإباحة ومحل النعم، لم يكونوا إلى ذلك مشتاقين ولا عليه متهافتين.
*فأما من دون هؤلاء في المقام، فإنهم قد يكرهون الموت لخوفهم من بعض أعمالهم، ويحبون البقاء لتدارك الفائت وتلافي الفارط.
[ ٧ / ٣٠٤ ]
*ودون هؤلاء أيضًا: من يكره الموت؛ لأنه لم يقض بعد أشغاله، ولم يفرغ من استعداد جهازه للقاء ربه.
* وأما حكمة الله ﷿ في أن الموت لابد للمخلوق منه، فهي أنه ﷾ خلق هذه الأرض وما عليها، والسموات وما فيها، بعض ذلك لينفع بعضاَ، وجزء لمصلحة كل، وكل لمصلحة جزء في تدبيره متيقن على رفقة محدودة مقصورة، وأنه ﷾ خلق الأرض على مقدار علمه تتسمع لمقدار من الخلق يكون به، فلا ينزل نازل إلا بعد أن يرحل راحل، وكان في ذلك من حكمة الله سبحانه أن يقدر الأرض من بر وبحر، يعدل بذلك الهواء الذي يستنشقه ساكنوها من بين رطوبة البحر ويبس البر على مراح تركبت الآدمي، ثم خلق البحر مع خلجانه والأخام والأنهار والعيون ما يكون مناسبًا للاعتدال في الإضافة إلى يبس التراب؛ فكأنه بمقدار لا يحتمل أن يزاد فيه ولا ينقص منه.
ولما كان من حكمته سبحانه دوام ذلك كذلك، وكان الماء إذا كان عذبًا فطال مكثه في مقر أنتن وعفن، جعل ماء البحر ملحًا أجاجًا؛ لما ذكر من ذلك، فإنه لو كان عذبًا فأنتن بطول المكث فمرت عليه الرياح أكسبتها نتنًا وعفنًا إذا استنشقه الآدميون والحيوانات، وأهلكهم ذلك، وليس من الأغذية للحيوانات ما لا نملكه (٩٣/أ) يمكنه أن يصبر زمانين إلا الهواء، فعدل الله الهواء وأصحه للاستنشاق، خلقه له من الآدمي والحيوان الذي ينتفع الآدمي به بتعديل ما بين البر والبحر عذبًا فأنتن، لم يتصور في هذه الدنيا حياة حيوان.
ولما كانت جبلة الآدميين لا تستسيغ إلا الماء العذب الذي جعل به ﷾ حياة كل حي؛ جعل ﷻ من الأرض عيونًا، تقذف الماء
[ ٧ / ٣٠٥ ]
العذب، ومن الجبال شعابًا وأودية تحفظ الثلوج؛ ليذوب في وقت السيول والعبوب، لتستمر جرية المياه العذبة الذي تفتأ به أرواحهم، وكانت رقعة هذه الأرض ليس بها شبر واحد-فيما أرى-فاضلًا لا يحتاج إليه؛ لأنها ما بين أنهار تجرى في أماكن لتصل بأماكن أخر، وجبال هي أوتاد الأرض تحفظها من التقطع، وتكن جمدها وثلوجها.
فصارت الأرض رقعة على سعتها محاسبة مقدرة لا تتسع إلا لأهلها، فكان من حكمة الله سبحانه أن يذرأ من خلقه من علم كثرتهم في هذه الدار، فلم يكن يمكن أن يتركها قوم ويجئ بهذا المقدار إلا بعد رحيل آخرين، وكان في ذلك أيضًا من الحكمة أن يكون للخلق أول وآخر، فيعتبر الآخر بالأول، ويتعظ الخالف بالسالف، وليستكمل عدة المرسلين، فيكون كل رسول في وقته إلى أمة زمانه، فصارت من هذا حال موضحة لكل عاقل ألا يطمع في طول البقاء في هذه الدار؛ لأنها دار بلغة بين يديها من ينتظر ورود سكانها عليه، ووراءها من يتوقع قدوم رحيل القاطنينن فيها، فكيف يطمع في البقاء فيها عاقل.
*وأما قوله: ﴿ما ترددت في شيء﴾، قيل فيه أوجه (٩٣/ب) إنه ترديد الله ﷿ الملائكة إلى عبده وتواريهم له عند قبض روحه؛ احتفالًا به وتعظيمًا، كما رد الله الملائكة إلى إبراهيم وموسي ونبينا - ﷺ -.
-٢١٨٠ -
الحديث السابع عشر:] عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من قال أنا خير من يونس بن متى
[ ٧ / ٣٠٦ ]
فقد كذب) [
*قد سبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود ﵁.
*وقوله: (أنا) فإنما يعني به النبي - ﷺ - نفسه؛ إذ ليس في المسلمين من يفضل نفسه على يونس بن متى، ويدل عليه قوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى).
-٢١٨١ -
الحديث الثامن عشر:] عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مثل المؤمن كمثل خامة الزرع، من حيث أتتها الريح تفيئها، فإذا اعتدلت تلقى البلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء).
وفي رواية: (مثل المؤمن مثل الزرع، لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز، لا تهتز حتى تستحصد)، ومنهم من قال: بغته [.
[ ٧ / ٣٠٧ ]
* هذا الحديث قد سبق في مسند كعب بن مالك، وفسر هنالك.
-٢١٨٢ -
الحديث التاسع عشر:
] عن أبي هريرة، قال: (بينما النبي - ﷺ - في مجلس يحدث القوم، إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله - ﷺ - يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه. قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله (٩٤/أ) قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا
[ ٧ / ٣٠٨ ]
وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن أمارة الساعة تضييع الأمانة، ومن الأمانة، بل من أكبر الأمانة: إسناد الأمر إلى أهله، وتضييع ذلك تضييع للأمانة.
*وقد تقدم ذلك كله في مسند أبي بكر الصديق ﵁
-٢١٨٣ -
الحديث العشرون:] عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) [.
*معنى هذا الحديث قد تقدم في غير موضع، وبالغنا في الكلام.
-٢١٨٤ -
الحديث الحادي والعشرون:] عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من
[ ٧ / ٣٠٩ ]
أبى، قيل: ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) [.
*قوله: (من أبى) دخول الجنة، وذلك إنما هو أن يأبى الطاعة، فمن أبى الطاعة يأبى دخول الجنة، وذلك أن قول رسول الله - ﷺ -:أبى، يعني: أن دخول الجنة في الآخرة من طريق إليها، فالدنيا هي عند أهل العقل والنظر الصحيح جنة تنقل إلى جنة، فإن الطريق إلى الجنة في الآخرة إنما هي عبادة الله في الدنيا، بأنواع العبادات التي هي كلها حقائق الأمن وعروش الطمأنينة، كالصدق والبر؛ اللذين يكسبان المودة والصلة التي تؤكد الألفة، والأمكنة التي يقع بها عن الخلق الطمأنينة، وإتيان المعروف الذي تسكن إليه كل نفس، وهذا من الذي يستشير السر من كل ذي لب.
والعفو عن المذنب وحقه (٩٤/ب) الجاد، وإكرام الضيف، والصدق في القول، والوفاء بالعهد، وحفظ الأخ بالغيب، ومجانبة الهجر من الكلام، والطهارة والنظافة، واستعمال مكارم الأخلاق من الجود والشجاعة والعفة، وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي تفوقها على كثرتها كلها أداء فرائض الله سبحانه التي بها يشرف العبد في عبادة ربه، وانقطاعه عن الخلق إليه، وإخلاص الإيمان له في الصوم والحج، ومعاداة أعداء الله سبحانه، وبذل النفس له، واستسهال الموت في سبيله، فإن ذلك مما كله، إذا نظر بعين الحقيقة
[ ٧ / ٣١٠ ]
رأى أنه رياض جنات، تنقل إلى بحبوحة الجنة، فمن أبى ذلك فقد أبى الجنة العاجلة والجنة الآجلة.
*فأما العبادات: فإنها للمؤمنين بثوابها، والناظرين إلى أنها في زمان مهلة، ودار رحلة، في موسم متجر يتجر، وذمته مع اليقين بسرعة الانتقال عنه، فإن كلا منها إذا نظره المؤمن بهذه العين، رأى أنه في مثل الجنة، إذا كان إنفاقه حياته في التزود للجنة، كما أن أحد تجار الدنيا إذا ورد في بعض أسفاره على معدن يرى نفاسته في أرضه إذا حمله فتزود من ذلك المعدن ما يأمل نفاقه في بلده إذا عاد إليه.
فإنه كلما ازداد في الاستكثار من التزود من ذلك المتاع لأمله في ربحه عند العودة إلى مقره، فإنه يستلذ ذلك التعب، ويستطيب ذلك النصب؛ فالصلوات رياض جنات، وأي جنات للراكعين فيها، وعند تلاوتهم كلام ربهم قيامًا بين يديه، قد شرع لهم قطع كلام الخلق، وألا يلتفتوا بصورهم عن معبودهم، إشارة بذلك ألا يلتفتوا بصور باطنهم عن مناجاته أيضًا خالا هي.
* أما أماني أهل الجنة، وهي الخلوة عن الخلق بالرب سبحانه، واستمتاع كلامه ومناجاته بأذكاره (٩٥/أ) والتذلل بين يديه، والخضوع له في طهارة ونظافة أثواب.
*وأما الصوم، فانه لأهله من حيث إيمان بالله في الباطن، وصبر عما تؤثره النفس من المطعم والمشرب والنكاح غيبًا بين العبد وبين ربه، فإن المؤمن إذا رأي نفسه في ذلك سره وأفرط حتى يكون من تلذذه به أنه يجد لذة عند تزايد المشقة؛ فكأنه في جنة تنقل إلى جنة.
*وأما الحج، فإن المؤمن إذا نهض قاصدًا إلى بيت ربه، الذي جعله مجتمع
[ ٧ / ٣١١ ]
أذكار الأنبياء، وملتقى الأولياء، وإنه يهجر في قصده أهله ووطنه، ويركب من الأخطار في طريقة ما إذا نظر المؤمن إلى أن كل شيء إذا تأمله فرآه خارجًا عن الأغراض، بعيدًا عن شهوات النفوس، فيمحض فيه الإيمان ويخلص فيه القصد ليستلذ به المؤمن التذاذًا لا يجده في كل عمل مشوب بمشاركة المنافع الدنيوية فوجد جنة من لذته في إخلاصه لربه من حجه وقصده مجالًا هي عند من ذاقها من المؤمنين على نحو رياض الجنة، فيجد الإنسان لذتها في وقتها، ثم إنه بعد انقضائها عنه كلما ذكرها يلتذ بها فكلما كانت مكابدتها أشق، كان ذكره لها بعد انقضائها ألذ.
*وأما الجهاد فإن من المؤمنين من لو لم يشرع الله سبحانه الجهاد؛ الذي يبرهن على الإيمان بمقر آخر، والتصديق برب تبذل له النفوس، ويهون في عبادته قطع الرؤوس، فيعادي المؤمن فيه، ويقاتل لأجله، ويحارب من جرائه حالًا يفضح الشبه لأحوال فيها نداء بلا إله إلا الله محمد رسول الله لكان من المؤمنين من ربما مات كمدًا، فانقضت نفسه حسرة، كيف لا يجد ما يظهر فيه دلائل تعلقه بالآخرة وهو لكن الله سبحانه من على عباده أن شرع لهم الجهاد، فرأى المؤمنون منا من الله (٩٥/ب) لهم، فوزًا عجله له عليهم، فلذلك رياض جنة.
فهذا معنى قول رسول الله - ﷺ -:ومن أبى الطاعة فقد أبى الجنة، يعني - ﷺ -:الآجلة الموجودة المعدة الموعودة، وقد بينا خصال الطاعات والعبادات المؤدية إلى الجنة المذكورة قد يسلك قاصدوه في الأفعال المذكورة سلوكًا يتبدلهم كالتذاذهم بالجنة؛ فكأنه من أبى الطاعة فقد فاتته الجنة الآجلة الحقيقية والعاجلة جميعًا.
[ ٧ / ٣١٢ ]
-٢١٨٥ -
الحديث الثاني والعشرون:
] عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - (كان يتحدث-وعنده رجل من البادية- أن رجلًا أستأذن ربه في الزرع؟ فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فأنهم أصحاب زرع، فأما نحن: فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله - ﷺ -)].
*في هذا الحديث من الفقه: ما يدل على أن الجنة في إخراج الحسرات من القلوب ونيل المشتهيات، وإن لطف الله ﷿ يبلغ بعباده وانبساطهم في كرمه يصل إلى أن يعودوا على مثل اللاعبين لغير حاجة؛ فإن هذا الرجل طلب أن يزرع في الجنة على مثل ما كان يزرع في الدنيا للحاجة إليه مع صبر فانتظار لإدراكه وحصاده ونفسه فيه فبلغ من ذلك ما أراد به نفسه، بحيث يكمل له ما أراد من تضاعف الريع وحسن الزرع يقوى الانتظار والتوقع الذي كان لا يشتهي، ألا ترى إلى قوله ﵇: فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده (٩٦/أ).
[ ٧ / ٣١٣ ]
وقول الله ﷿: ﴿دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، فإن الذي أراه فيه كالتعليم له أن لا يشبع، والمراد: لا يقنع من الفضل، ولا يقتصر في الطلب، وليس كما سبق إلى الأوهام أنه على معنى الزجر له عن الطلب.
*وأما قول الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيًا وأنصاريًا، فإنه عني بذلك أن أهل الزرع قد كانوا يعانونه في الدنيا هم الذين يعرفون منه ما ينعم به عليهم، وأما أهل البوادي فإنهم ليسوا أهل زرع.
*وهذا يدل على أنهم أهل كل عمل يبلغون فيما يبلغون الجنة إلى غاية من أمانيهم، حتى ما كانوا يكابدون فيه من هذه الدنيا أن يرده في الآخرة عفوًا صفوًا بغير مكابدة.
-٢١٨٦ -
الحديث الثالث والعشرون:
] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك) [.
[ ٧ / ٣١٤ ]
*في هذا الحديث من الفقه: جواز استكثار الغني من الغني بنية الإنفاق.
*وفيه أيضًا: أنه إذا رأى المؤمن فضل الله ﷾ نازلًا عليه، فلا يقطع تناوله ما دام نازلًا ويكون ناويًا بذلك أنه لا يشبع من رحمة الله كما قال أيوب، فإن الله سبحانه لا يحب من عبده أن يرد عليه فضله.
* وأما قوله ﷻ: ألم أكن أغنيتك؟ فإنه فيما أرى إنما قيل له؛ ليقول أيوب ما قاله، فيهتدي به في غير ذلك.
-٢١٨٧ -
الحديث الرابع والعشرون:
] عن أبي هريرة عن النبي قال: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، (٩٦/أ) ويقرؤه قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده) [.
*في هذا الحديث من الفقه: جواز الإسراع بالقراءة لأجل الحفظ والدراسة، وهذا ينبغي أن يكون في وقت، ويكون التدبر في وقت آخر.
*وإن تدبر القرآن مما ندب الله ﷾ إليه وحض عليه، قال ﷿: ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾.
[ ٧ / ٣١٥ ]
فالعلم يكون عن التدبر، والحفظ يكون للدراسة، فقدم العلم الذي هو ثمرة التدبر.
*فأما كون داود لا يأكل إلا من عمل يده، فإنه من أطيب الكسب وأحلاه عند الرجل، فلأن العامل بيده ينفع نفسه وينفع غيره، ويقوم من صنعته بفرض كفاية لأن يبيعها للناس، ولا سيما لمثل داود ﵇ مع كونه جل صنعة في الأرض، فكان أكله من كسب يده أنفي للكبر عنه، وأبعد للتهمة فيه.
-٢١٨٨ -
الحديث الخامس والعشرون:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من يرد الله به خيرًا يصب منه) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن إصابة الله عبده بمصائب هذه الدنيا دالة على خير، إلا أن الخير هاهنا نكرة، وليس معرفًا بالألف واللام، فإن المصائب في هذه الدنيا تكون خيرًا من جملة الخير، كما أن العافية تكون خيرًا من الخير أيضًا، إلا أنه لا يستدل بالمصيبة على سيئة للإنسان في دينه إذا أثارت من المصاب بها صبرًا وتسليمًا ورضًا وفهمًا، فإن أثارت غير ذلك كانت عليه عقوبة، كما أن العافية إذا أثارت شكرًا كانت نعمة، وإذا أثارت بطرًا كانت آفة. *وقوله: (يصب منه)، بمعنى يصيبه، أي: لا يستأصله، وإنما تمسه
[ ٧ / ٣١٦ ]
بالإصابة على معنى التذكير والاتعاظ فيكون من يفقه الحديث (٩٧/أ) أن الذين استأصلهم الله بالقوارع من نعمائه ليسوا ممن تناوله هذا الحديث.
-٢١٨٩ -
الحديث السادس والعشرون:
] عن أبي هريرة، قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث، فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا-لرجلين من قريش-سماهما- فأحرقوهم بالنار، ثم قال رسول الله - ﷺ - حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما) [.
*في هذا الحديث من الفقه: النهي عن الإحراق بالنار.
*وفيه أيضًا: أن القول إذا سبق بأمر، ثم تجدد لرائيه بعد ما هو أمثل منه، ترك القول الأول، ورجع إلى الأصلح.
-٢١٩٠ -
الحديث السابع والعشرون:
] عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) [.
[ ٧ / ٣١٧ ]
*قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند ابن مسعود، وفي مسند أنس بن مالك، وقد بينا أنه تضمن الندب إلى التداوي.
*وفيه أيضًا: أنه ليس داء من الأدواء إلا وقد أنزل الله له شفاء من الأشفية، فيكون هذا محرضًا على تطلب الأدوية للأمراض، وقد سبق في هذا ما قد استوفي في بيانه.
-٢١٩١ -
الحديث الثامن والعشرون:
] عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يعطي ولا يمنع أحدًا إلا بأمر من الله ﷿، وأنه لم يكن يعطي من يعطي، ولا يمنع من يمنع لأمر راجع إليه ﷺ (٩٧/ب)
* وفيه من الفقه: التنبيه لكل قاسم بعده أن يكون على مثل حاله - ﷺ -، ولا يمنع من منع لشنآن، ولا يعطي من يعطي لقربه منه، ولا لهوى يطيعه فيه، ولكنه يفعل ما يفعله من ذلك على حسب ما شرعه الله ﷿.
[ ٧ / ٣١٨ ]
-٢١٩٢ -
الحديث التاسع والعشرون:
] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (من أخذ من أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريدها إتلافها أتلفه الله) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن المقترض إذا اقترض بنية الأداء؛ فإن الله ﷾ يؤدي ذلك. وإنما يقترض بنية الأداء إذا اقتصر في الاقتراض على مقدار حاجته، ولدفع ضرورته؛ فإن أخذ أموال الناس ليتلفها عليهم، غارًا لهم في ذمته بما ليس فيها، أتلفه الله، وهذا الإتلاف إن انصرف إلى المال فإنه يكون متسلفًا إلى إتلاف متلف المال، وإن كان منصرفًا إلى الرجل، فإنه يكون إتلافًا له لا يقف به على تلف الدنيا بل ينضم إليه تلف الآخرة.
-٢١٩٣ -
الحديث الثلاثون:
] عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: (أول من يدعى يوم القيامة: آدم ﵇، فتراءي ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم؟ فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يارب، كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين، فقالوا: يا رسول الله، إذا
[ ٧ / ٣١٩ ]
أخذ منا كل مائة تسعة وتسعون، فماذا يبقي منا؟ قال: (إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن الأمم الذين كانوا قبلنا على كثرة عددهم لم يكن فيهم من المؤمنين إلا قليل، حتى إنهم قد كانوا (٩٨/أ) يكون منهم في الألف الضالين: واحد منهم مهتد، وعلى هذا فإنه قد سبق فيما ذكرناه من قبل من فساد أهل الأرض على اتساع أقطارها وتباعد نواحيها يجوز أن يذكر ها هنا، إلا أنه قد تقدم ذكره.
-٢١٩٤ -
الحديث الحادي والثلاثون:
] عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
وفي رواية: (والعمل به والجهل) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن الصائم مأمور بتنزيه صومه عن أن يجرحه
[ ٧ / ٣٢٠ ]
بشيء من فلتات لسانه، حتى إن شهادة تبلغ في إفساد الصوم إلى أن يقول رسول الله - ﷺ - (فليس لله حاجة):فإنه كلام يشير إلى مغاضبة عليه مع العلم بأن الله ﷿ لا حاجة به إلى صيام صائم، وإنما ذكر رسول الله - ﷺ - هذا إعلامًا لمن فعله أن الله سبحانه قد بلغ غضبه على شاهد الزور إلى ألا يراه معدودًا في الصائمين.
-٢١٩٥ -
الحديث الثاني والثلاثون:
] أخرجه تعليقًا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة).
وأخرجه بالإسناد: (يلقي إبراهيم أباه (آزر) يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يارب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين (٩٨/ب) ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فنظر، فإذا هو بذيح ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار) [.
[ ٧ / ٣٢١ ]
*في هذا الحديث من الدليل على عظم سخط الله سبحانه وشدة بأسه، وأن أمره واحد وسطوته تامة، حتى إن إبراهيم خليل الرحمن، الذي كان من مقامه ومنزلته: أن نبينا ﷺ مع كونه شافع الجمع يوم القيامة، علم أمته أن يصلوا عليه بالصلاة على إبراهيم، ثم مع ذلك فلم يترك له أبوه حتى قال: يارب أي خزي أخزى من أبي؟ فلم يجب إلى ما تعرض له من الطلب؛ بل مسخ ذيحًا، والذيح: ذكر الضباع.
فليعلم كل ذي لب أن الكفر بالله ﷿، والجهل به سبحانه لا يتطاول إليه طمع طامع، ولا يعمل فيه شفاعة شافع؛ وليكون أيضًا في ذلك أسوة لمن يرى بجهله أن أبا طالب وغيرهما من المشركين بالله أن ينفعهم من الإشراك بالله نسب؛ إذ الإ٦يمان بالله ﷿ أصل الأصول كلها الذي يترتب عليه اعتقاد صلة الأرحام ووشائج الأنساب، وغير ذلك.
فإذا عدم أصل الأصول الذي يوصل الأرحام بفرع ينتمي إليه لم يكن لذلك الفرع مادة من الحق تصله، ولا أس يبتني ذلك الفرع عليه، وهذا فهو مشير إلى ألا يواد المؤمن مشركًا ولا كافرًا، وإن كان ذا نسب منه بنوة، أو أخوة، أو رحم قريبة؛ إذ نسب إبراهيم من آزر أقرب في صلة الأنساب، ومع ذلك لم يعتد بذلك شيئًا.
*وفيه أيضًا تنبيه على أن ذا الرحم إذا كان فاسقًا، فإنه يتعين أن يشاه المؤمن وإن كان يشيه على مقدار فسقه، كما أنه يتعين أن يود الرجل الصالح بصلاحه وإن كان لا نسب بينه وبينه.
[ ٧ / ٣٢٢ ]
-٢١٩٦ -
الحديث الثالث والثلاثون:
(٩٩/أ)] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته).
وفي رواية: (أن يقول له: يرحمك الله).
*فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع، وإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان.
وفي رواية: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم).
وفي رواية: (التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاؤب أحدكم فليكتم إن استطاع) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن العطاس يستدعي حمد الله ﷾، والحمد على أثره مشروع، ولأنه دليل على ظهور القوة ونهوضها، وعلى دفع فضلات البدن، وأبخرة الرأس، حتى قال الراوي: لا يكون العطاس أول
[ ٧ / ٣٢٣ ]
مرض أبدًًا، إلا أن يكون زكمة.
ثم قال: إذا عرضت الزكمة أولًا فتورد بالعليل إلى التعطس سماه أو نحوها حتى تفتح مسام رأسه بالعطاس الزكمة.
*فأما التثاؤب فهو ضد هذه الحال؛ لأنه يدل على ضعف القوى، وإن ما كان يخرج من المسام بالعطاس لم تنهض القوى لدفع ذلك، فلذلك تمددت الأعضاء في التثاؤب، ولأنه أيضًا يوسع على الشيطان طريق ولوجه، فإنه على ما ذكر الشيخ محمد بن يحي ﵀: أنه يدخل الشيطان إلى باطن الآدمي من مجاري النفس؛ لأنه قال: هو جسم لطيف يناسب الجو، فإذا فتح التثاؤب فكي العبد، أوسع طريق دخوله، ويصدق ذلك ما ذكر في الحديث فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان.
*فأما حب الله العطاس؛ فلأنه تبين حمده (٩٩/ب) وكراهية التثاؤب؛ فإنه يفتح بابًا للشيطان.
-٢١٩٧ -
الحديث الرابع والثلاثون:
] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدًا إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة).
وفي رواية: (لن ينجي أحدًا منكم عمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا، واغدوا
[ ٧ / ٣٢٤ ]
وروحوا، وشيء من الدلجة، القصد، تبلغوا)].
*اليسر ضد العسر، ومعنى ذلك أن التيسير عند التعليم، وعند الإخبار، وحمل على اليسر على أسر محامله، وأحسن وجوهه، وهو الدين؛ إذ ذلك تأنيس للخلق، وتسهيل على العباد، فيكون قدر التأليف ولقاحًا لتكثير سواد المسلمين، وعلى ضده التعسير لما فيه من التنفير.
*وقوله: ﴿ولن يشاد هذا الدين﴾، أي يغلبه، يعني به من يتعمق متشددًا على نفسه وشارعًا بذلك للناس ما لم يشرعه الله؛ كالذين يواصلون الصيام المنهي عنه، ويتجوعون الجوع الذي يضعفون به قواهم، ويهجرون اللحم والنساء وغير ذلك مما أباحه الله لعباده من طيبات الرزق، فعني بقوله: لن يشاد الدين، أن الذي يشاد الدين يعود كالخصم له، فهو يريد أن يغلبه بنعمه، فأخبر أن الدين هو الغالب، وأن العاقبة له والمرجع إليه.
*وقوله: ﴿فسددوا﴾:التسديد: التصويب، مأخوذ من تسديد السهام إلى الأغراض، أي كونوا حراصًا على إصابة الحق ومتابعة الرسول، فإن لم تقدروا على ذلك فقاربوا ذلك، لأنه بدأ بالتسديد ثم أتبعه بالمقاربة، ثم أتبع ذلك بالبشرى (١٠٠/أ) لمن سدد وقارب.
*وقوله: ﴿واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾، فقد جعل - ﷺ -
[ ٧ / ٣٢٥ ]
الآخرة غاية، والأعمار طرقًا تسلك إلى الغاية، فكأنه قال: استعينوا على قطع هذا الطريق بالغدوة والروحة، إذ كل مسافر على المعهود إنما يقطع سفره بغدوة وروحة، فأراد ﷺ كونوا في سيركم إلى الآخرة بقطع الأعمار على المعهود من سير جماهير المسافرين، ثم قال - ﷺ -: (وشيء من الدلجة) وشيء نكرة، فأراد: ليكن في سيركم هذا شيء من الدلجة أحيانًا والدلجة: سير الليل، وذلك غير مؤقت بتوقيت الفرائض.
*وقوله: (القصد القصد):أي: عليكم بالقصد تبلغوا، محذوف النون في جواب الأمر.
-٢١٩٨ -
الحديث الخامس والثلاثون:
] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه) [.
*هذا الحديث قد سبق في المتفق عليه من مسند أنس، وقد شرحناه هنالك، إلا أن نشير إليه هاهنا؛ حرصًا على تكرير ذكر ثواب صلة الرحم، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه، يشير بهذا إلى أن صلة الرحم يكون من ثوابها بسط الرزق وتطويل العمر، لأنه أتي (بأو) التي تأتي للتخيير، يعني: أنه أي هذين اختار فهو حاصل له، وليس هذا مما يدل على أنه إذا كانت رغبته في أن الأجر أحدهما
[ ٧ / ٣٢٦ ]
يحصل له؛ بل المراد: أن أي هذين أثار رغبته في صلة الرحم، فإن الثواب على صلة الرحم.
*وفيه أيضًا: أن طول العمر إنما يسره (١٠٠/ب) عند من يسعه فيض الرزق، فلما ذكر ما يزيل التعين عن طول العمر وهو بسط الرزق، أفاد ذلك بأن من يطول عمره على صلته رحمه، فإنه يبسط له في رزقه مدة عمره ذلك الطويل، ليعلم أنه يحيا حياة طيبة ممزوجة بما تثيبها.
*ويجوز أن تكون (أو) هنا بمعنى (الواو)، فيكون: من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره.
-٢١٩٩ -
الحديث السادس والثلاثون:
] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (أعذر الله إلى أمريء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن العمر القصد الذي يتجاوز عن أم الشبيبة، ويسلم من توهين الهم، هو سن الكهول، مابين الأربعين والستين، فإذا أمهل الله عبده حتى جاوز زمن الصبي والحداثة، وسن الشبيبة، ودخل في الكهولة، فقد أعذر إليه؛ لأنه لا يبقى بعد هذا من العمر إلا مالا يؤثر فيه النقص، ويستولى عليه الضعف، فلا يكون تركه ما يترك عن قدرة عليه، بل
[ ٧ / ٣٢٧ ]
عن عجز عنه، ولا يأخذ ما يأخذ إلا إضرارًا به، والحديث الآخر: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين).
-٢٢٠٠ -
الحديث السابع والثلاثون:
] عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه) [.
*في هذا الحديث من الفقه: ما يدل على أن شفاعة النبي - ﷺ - يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد، التي يكون عنها فصل القضاء في ذلك (١٠١/أ) اليوم، فأسعد الناس بها أهل لا إله إلا الله، التي قد تقدم ذكرنا لها: أنها يقتضي أن يتبعها محمد رسول الله - ﷺ -، فإن فصل القضاء يومئذ يسعد به أهل لا إله إلا الله، ويشقى به الآخرون، فيكون هذا الحديث ميسرًا لذلك.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
-٢٢٠١ -
الحديث الثامن والثلاثون:
] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بعثت من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنًًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه) [.
*في هذا الحديث من الفقه: ما يدل على أن الله اختار نبينا - ﷺ -؛ لأنه كان يختار من أكرم الآباء، وكان في الجيد فالجيد من كل قرن حتى أكرم الله به العرب، ثم أكرم قريشًا من العرب، ثم أكرم بني هاشم.
-٢٢٠٢ -
الحديث التاسع والثلاثون:
] عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -، قال: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن الله سبحانه جعل عوض احتساب الصفي إذا قبض جنته سبحانه، وذلك أن الجنة دار الأصفياء، فإذا احتسب العبد
[ ٧ / ٣٢٩ ]
صفيه، عاضه الله ﷿ باحتسابه دار الأصفياء، فإن كان قد سبقه إليها، اجتمعا فيها فتحققت التسمية من حلول الصفيين بها، وإن كان ليس من أهلها أبدل من أهلها صفيًا يرضيه.
-٢٢٠٣ -
الحديث الأربعون:
] عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة، رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه ولم يعطه أجره) [.
*في (١٠١/ب) هذا الحديث من الفقه: أنه لما كان كل واحد من هؤلاء الثلاثة ليس في أحوالهم الخصم على الحقيقة إلا الله تعالى، أقدر الله كل فاعل لواحدة من هذه الخصال إنه سبحانه الخصم له.
*وبيان ذلك: أن الذي أعطي به ثم غدر، إنما أعطي عهده بالله ﷻ، فكان الموافق إليه قد رضي بالله كفيلًا معتمدًا على أنه إن وفي له، وإلا فالله سبحانه المقابل له والمتولي مكافأته، فلما غدر به انتقلت الخصومة من البشر إلى خالق البشر سبحانه.
[ ٧ / ٣٣٠ ]
*وأما الذي باع حرًا: فإن الله تعالى ضرب الرق على من كفر به سبحانه، فأباح بيع الآدمي وشراءه من أجل أن أصله كان قد أشرك به ﷻ، فإذا تعرض رجل من أبناء الناس إلى أن يبيع الحر الذي قد أعتق الله ربه رقبته أن يملكها سواه ﷻ، فباعه وأكل ثمنه، فإنه قد باع عبدًا لله سبحانه خالصًا، وقد ثبت في الشرع أنه من جني على عبد، فإن الخصم في تك الجناية سيده، فإذا باع حرًا كان لخصم سيده، وهو الله ﷿.
*وأما الأجير: فإنه لما استأجره المستأجر على أن يوفيه الأجر، فاستوفي منه العمل ولم يوفه الأجر، فإنه رضي بأمانة المستأجر، فإذا خان تولى الله جزاء الخيانة.
وذلك أن الأجير إذا وفي العمل كان إبقاؤه ذلك مشروطًا بأنه أعطى من نفسه كل ما يعلم الله ﷿ أنه قد بلغ فيه بذل وسعه، وكان الله ﷿ في غاية وسعه، فلما لم يوفه المستأجر، وهو صاحب العمل فإن الله ﷿ خصم الآخر من حيث إن ذلك أرضى الله ﷿ بما بلغ إليه من بذل وسعه بخلاف ما فعله الآخر من تعرضه لإسخاط ربه ﷾؛ لأنه ﷻ هو الحاكم في مثل هذا (١٠٢/أ) الحال وقد أدى الأجير ما عليه، فعدل الله ﷿ يقتضي استيفاء الحق من خصمه، فتنتقل الخصومة من الأجير إلى ربه ﷻ من ذلك الذي لوى من وفي له ومطل من أخيه دينه.
-٢٢٠٤ -
الحديث الحادي والأربعون:
] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي
[ ٧ / ٣٣١ ]
النار) [.
*قد سبق في مسند أبي ذر، شرح هذا المعنى، وقد ذكر الخطابي في هذا الحديث وجهين:
أحدهما: أن المعنى مادون الكعبين من قدم صاحبه ففي النار؛ عقوبة له على فعله.
والثاني: أن المعنى أن صنعه ذلك معدود من أفعال أهل النار.
-٢٢٠٥ -
الحديث الثاني والأربعون:
] عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - وعاءين، فأما أحدهما: فبثثته فيكم، وأما الآخر: فلو بثثته قطع هذا البلعوم) [.
*أما الذي بينه: فهو الأحاديث الشرعية المروية عنه.
*وأما الذي كتمه: فلا يجوز أن يكون من الشرعيات؛ لأن كتمانها لا يجوز، بل قد قيل: إنه مما يرجع إلى الفتن؛ كقتل عثمان والحسين رضي الله
[ ٧ / ٣٣٢ ]
عنهما وغير ذلك.
-٢٢٠٦ -
الحديث الثالث والأربعون:
] عن أبي هريرة، قال: يقول الناس أكثر أبو هريرة، فلقيت رجلًا فقلت: بم قرأ رسول الله - ﷺ - البارحة في العتمة، فقال: لا أدري، فقلت: لم تشهدها؟ قال: بلى، قلت: لكن أنا أدري. قرأ سورة كذا وكذا) [.
*في هذا الحديث ما يدل على شدة حفظ أبي هريرة، وكذلك كان ﵁ فإنه كان كثير المحاضرة، مجموع الهم في الحفظ، إلا أن في هذا الحديث أنه يستحب للإنسان أن يجعل ذهنه إلى ما يقرؤه إمامه (١٠٢/ب).
*وفيه: أنه من ذهل عما يقرأ أو ما تلاه في صلاته لم تبطل؛ لأنه لم يأمر ذلك الرجل بالإعادة، وإنما أبان للمصلي ذلك نفسه أن المعنى المراد بالصلاة من حضور قلبه لسماع ما يقرؤه الإمام على المأمومين في صلاتهم.
-٢٢٠٧ -
الحديث الرابع والأربعون:
] عن أبى هريرة، قال: إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله - ﷺ - لشبع بطني، حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا
[ ٧ / ٣٣٣ ]
يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي، كي ينقلب بي فيطعمني، وكأن خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كأن ينقلب بي فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء، فيشقها فنلعق ما فيها) [.
*في هذا الحديث ما يدل على أن أبا هريرة كان كثير الملازمة لرسول الله - ﷺ -، ولم يكن له أرب في الدنيا سوى التعلم من رسول الله - ﷺ -، وأنه كان يقيم على ذلك قانعًا بشبع بطنه.
*وفيه: جواز الشبع وأنه مباح.
*ويعني بقوله: (حين لا آكل الخمير) العجين المختمر، ومراده: أني كنت لا آكل من الطعام ولا ألبس من الثياب ما يجوز جني المكد في تحصيله إلى مفارقة رسول الله - ﷺ -.
*والذي وقع في الحديث: (ولا ألبس الحرير)، والصواب ولا ألبس الحبير، وهي ثياب معروفة.
*وفي الحديث دليل على جواز ملازمة الرجل بشيء من الذكر والقرآن لمقصد يقصده الإنسان سجلت به بفعاله، أو يدفع به ضرورة؛ لقول أبي
[ ٧ / ٣٣٤ ]
هريرة: (وكنت أستقرئ الرجل الآية هي معي، لينقلب بي فيطعمني)، ولم ينكره (١٠٣/أ) عليه منكر.
*وفيه: ما يدل على شرف جعفر بن أبي طالب وجوده (﵁)، وأنه كان من الأجواد في الله سبحانه، لقوله: (وكان خير الناس للمساكين جعفر)، وبالمساكين يتبين الجود لله وفي الله؛ لأنهم ليسوا أهل مكافأة بالإحسان، ولا هم في الغالب من أهل الثناء والمدح باللسان، فخير الناس لهم أخلصهم لله ﷾.
*ومما وصف به جود جعفر ﵁: كان ينفق في سبيل الله حتى يفرغ أوعيته، وأنه كان يستقصي تفريغها حتى يشق العكة التي لم يبق فيها ما يمكن إخراجه منها إلا أن تشق فيلعقون ما فيها.
-٢٢٠٨ -
الحديث الخامس والأربعون:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها ستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئس الفاطمة [(
[ ٧ / ٣٣٥ ]
*في حديث من الفقه: تنبيه - ﷺ - على عيوب الإمارة، وبين جهل الحريص عليها بأنه - ﷺ - قال: (نعم المرضعة، وبئست الفاطمة)؛ لأنه لا بد لكل مرضعة من فطام، فالإمارة تطيب أولًا، وتخبث ثانيًا.
*وقوله: (نعمت المرضعة) ليست بمدح لها على الإطلاق، لكنه كلام يبين ما بعده فيكون الحكم فيه لتمام الكلام.
*وفيه أيضًا وجه آخر وهو: الأشبه من أنه إذا كانت الإمارة مرضعة تستوجب أفواه الراضعين ما في ضروع أوعيتها، فلا تدخر ولا تحبس درهمًا عن المستحقين، فنعمت المرضعة إذا كانت فاطمة وقاطعة لدرها عن غير الرضع المحتاجين إلى ذلك، مؤثرة جعل ثديها على إرضاع المحتاجين (١٠٣/ب) إليه، فبئست الفاطمة.
-٢٢٠٩ -
الحديث السادس والأربعون:
] عن أبي هريرة، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: (سمع الله لمن حمده)، قلنا: (اللهم ربنا ولك الحمد)، وكان النبي - ﷺ - إذا ركع وإذا رفع رأسه يكبر، وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر) [.
[ ٧ / ٣٣٦ ]
*قد مضي الحديث في مواضع، منها مسند ابن عباس.
-٢٢١٠ -
الحديث السابع والأربعون:
] عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام [. (
*في هذا الحديث من الفقه: تحذير رسول الله - ﷺ - من زمان لا يبالي المكتسب فيه مما اكتسب وممن أن يجد زمانًا، وأيما يعرف ذلك الزمان بأن أهل الاكتساب فيه لا يبدون بمعرفة علم الاكتساب، فإن كانوا تجارًا لم يعبأوا بالتعلم لعلم عقود البيوع وعلم الربا والصرف، وبيع ما لم يقبض، وبيع المكيل بالمكيل نسًاء وغير ذلك.
*وإن كان عاملًا جابيًا لم يعبأ بتعلم أحكام الأموال والصدقات، وما يجب فيه الخراج والجزية، ومقادير الزكوات والحبوب والثمار، ومصارف ذلك.
* وعلى هذا، فإنه من لم يعلم علم كسب من وجوه المكاسب، فمتى دخل في عمل من أعمال الكسب على جهل منه تعلم ذلك الكسب لم يأمن أن يكون آكلًا للمال بالباطل.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
-٢٢١١ -
الحديث الثامن والأربعون:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - (١٠٤/أ): (من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو شيء منه، فليتحلله منه اليوم، من قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه) [.
*في هذا الحديث من الفقه: أن المظالم عظيم أمرها شديد شأنها؛ لأنها تعود ديونا لبشر ذوي نفوس أحضرت الشح باللوم، فليس يطمع طامع في أن يترك له حقوقها إلا وهو كالقابض بكفه على الماء.
*وفيه أيضًا: أنه إذا خلت الأكف في القيامة من الأغراض التي كانت يتعاطيها الناس في الدنيا، ويتظالمون فيها، انتقل جنس الأثمان إلى الحسنات، فأخذ منها ما يقوم به المظالم، فإن لم يكن للظالم حسنات وضع عليه من سيئات خصمه ما يقوم به أيضًا مظلمته؛ ليخف عن المظلوم، ويتضاعف الثقل على الظالم؛ عملًا بالحق، ووزنًا بالقسط، ويجرى من ذلك كله أن يستجد الرجل من أخيه في هذه الدنيا، على أن الغيبة ما لم تبلغ إلى من اغتيب، وقد ذكر الشيخ محمد بن يحي: أنه اتفق هو والشيخ أبو منصور الفقيه بزبيد في
[ ٧ / ٣٣٨ ]
هذه المسألة على أنه: يكفي فيها أن يستغفر المغتاب لمن كان اغتابه، فإن ذلك يجزئه قبل أن يبلغ إلى المقول فيه ذلك المقال فيه ما لم يضره، ثم أتبعه بما ينفعه، وهو الاستغفار له، فعلم ذلك ورجح.
فأما إذا بلغته فإنها لا تخرج من ذمة قائلها إلا أن يحلل منها من اغتيب بها.
-٢٢١٢ -
الحديث التاسع والأربعون:
] عن أبي هريرة، عن النبي قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مآخذ القرون شبرًا بشبر، ذراعًا بذراع، ﴿١٠٤/ب﴾ فقيل: يا رسول الله الفارس والروم؟ قال: من الناس إلا أولئك [. (
*في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمته مآخذ القرون الماضية، وهذا فإنه يتبع هذا في كل نوع من الأنواع.
وقد ذكر الشيخ أبو عبد الله؛ ابن بطة ﵀، في كتاب (الإبانة)، فقال: (من سنن من كان قبلنا ما قد حدث في وقتنا من فتاوى الكتاب، وإن ذلك من الأمور الفظيعة) أو كما قال، مما هذا معناه.
[ ٧ / ٣٣٩ ]
ورأيت بخط علي بن العقيل ﵀، أنه قال: لا أقول فتاوى الكتاب مما يفسق به فاعله، بل هو مما يكفر به فاعله؛ لأنه إنما يفتى الكتاب من كتب الخراج الموضوعة على قوانين الفرس التي هي من الأمور التي بعث الله محمدًا - ﷺ - بنسخها ومحوها، وهؤلاء الكتاب فإن أفتوا بتلك القوانين التي نسخها الإسلام فإنما قد ردوا ما كان أزاله الإسلام فإنما قد ردوا ما كان أزاله الإسلام على وجه المسارقة. أو كما قال.
*ولقد جري لي في هذه المسألة ما طال القول فيه، إلا أن منه أني أتيت بفتيا قد صدرت بما قد تقدم ذكره، وهو: ما يقول السادة الكتاب أحسن الله توفيقهم في ناحية ضرب عليها مقاطعة، والناحية كانت بين شركاء منهم وزير الوقت علي بن طراد، والباقون من أولاد السهام، ولما توفي علي بن طراد، قال أولاده: إن هذه المقاطعة مما نحلة الإمام ﵀ لأبينا خاصة، فنحن نقوم بها له، ونستوفي من الشركاء مبلغ الخراج بكماله لنا، وقال الشركاء: بل هذه المقاطعة ضربت على هذه الناحية، ونحن فيها شركاء، ولا ميزة لأحد منا، فماذا يكون الحكم بينهم؟ أفتونا مأجورين!
وقد أفتى فيها المعروف بابن عبدان النصراني-لعنه الله- وقد أفتى معه فيها (١٠٥/أ) ابن مهدويه بعدم خلط لا حاصل له سواهما قاله الأول.
فلما أتيت بهذه الفتيا وجدتها ضالة كنت أنشدها، فبادرت وكتبت في الفتيا أن استفتاء الكتاب هذا حرام، وإعطاء إباحته كفر، ولا يحل أن يفتي في دين الله إلا علماء الشرع.
وفيه بحمد الله جواب لكل مسألة من هذه وغيرها.
*فالجواب فيها أن المرجوع في ذلك إلى الإمام، فإن خفف الخراج عن
[ ٧ / ٣٤٠ ]
شخص لحال يخصه فهو له دون الشركاء، وإن كان لحال يخص الناحية فهو لجميع الشركاء، أو نحو هذا، ثم سلمت الفتيا إلى الشخص الذي سلمها إلي، فلما رأى ما كتبته فيها ارتاد وجهه، ثم قال: أفسدتها علي، ثم أخذها وذهب عني فندمت على تسليمها إليه، وسمته أعاد بها فلم ينهيا ذلك، فكتبت إلى الإمام المقتفي لأمر الله ﵁ شرح له ما جرى، وأذكر له ما في ذلك على الإسلام من الدخيلة، وما ذكر العلماء فيه من الخوف.
فأجابني: بأن تضع فتيا وتأخذ فيها خطوط العلماء؛ لتنظر الإجماع، فوضعت فتيا، وأخذت خطوط الفقهاء من المذاهب الموجودة بما اتفقوا على تحريم ذلك والاشتداد في إثمه، وأنه مما لا يسع التجاوز عنه حتى كان من فتيا أبي عبد الله محمد بن يحيى ﵀ أنه قال: إني لا أقول: إن هذه المسائل الاجتهادية التي يختص بعلمها العلماء دون غيرهم بل هي من الضروريات التي من شك في أنه لا تحل في أن يفتى في دار الإسلام بدين غير الإسلام، فإنه كافر.
ثم إني عرضت الفتيا على الإمام المقتفي ﵁ فأعادها علي، وكان من أمره في ذلك ما أعان الله على تتمة لانتقالي إلى ديوان الزمام فلا أعل خلاف (١٠٥/ب) حينئذ إلى وقتنا هذا يستفتى الكتاب فأعلمت فأما الكاتب إذا كان فقيهًا مسلمًا، وأفتى بالإسلام وبما يوجبه شرعه فأحسن بذلك وأكرم إذا كان مسندًا له إلى أحد المذاهب المعدودة.
فأما أن يفتي بما لم يشرع الله سبحانه شيئًا منه، ولا ذهب إليه أحد من الفقهاء الأعلام مسندًا ذلك إلى فتاوى الكتاب، ذلك هو الحرام المحض الباطل
[ ٧ / ٣٤١ ]
الصرف، ثم إن الله سبحانه نقل من ذلك إلى وزارة المقتفي ﵁ وأزال ذلك من ديوان الخلافة المعظمة بعد أن كان يكتب النصارى واليهود في الفتاوى، وبالله التوفيق وكنا على كذا.
فالله ﷾ المحمود على ذلك حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وهو المسئول أن يكمل محو هذه البدعة، واستئصال ما كان قد حدث من هذه السنة، فإن الفتيا إنما يرجع فيها إلى ما أنزل الله على رسوله؛ ولذلك قوم معروفون بالفتيا فيه عن مذاهب استقرت، وأمور انتهى إليها، فهم يفتون في كل حادثة وواقعة، وليس بحمد الله في الفقه، إعواز عن أجوبة مسائل الخراج، بل هو كل في الفقه محرر مقرر، حتى إن الفقهاء اختلفوا في أجوز القسام، وأتين المساح، فقال قوم: إنها على المزارع، وقال قوم: على بيت المال، وقال قوم: بل غلتها، ومنهم من فريق بين الأجور والأتين على ما هو مذكور في كتب الأحكام السلطانية، والله تعالى يقول: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، وفي الأخرى: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾.
ويدل على ما ذهبنا إليه في تفسير الحديث: أنه ذكر فارس والروم، فنهى عن اعتماد ما كانوا عليه.
[ ٧ / ٣٤٢ ]
*ومن (١٠٦/أ) ذلك تسبيل الأبنية، واتخاذ التيجان، وغير ذلك، وأن منه ما يراه ملوك العجم من إباحة قتل إنسان على سرقة بيضة، أو صلب رجل على تناول شيء زهيد من تمرة، تعاظمًا لذلك وتهويلًا، مع إنسان؛ فإن الواجب، حرمة يد المسلم وحرمة نفسه أعظم عند الله مما جنى فيه، والحق هو أن يعمل في السارق ما أوجبه الله شرعًا؛ وكذلك الناهب والسالب، فأما هذا الصنع من بطش الجبارين، قال الله ﷿ فيهم: ﴿وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾. فهو من السنن الخبيثة إلى غير ذلك.
-٢٢١٣ -
الحديث الخمسون:
[عن أبي هريرة، قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي - ﷺ - شاة فيها سم، فقال: (اجمعوا إلي من كان هاهنا من اليهود، فجمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ قالوا: نعم، فقال لهم النبي - ﷺ -: من أبوكم؟ قالوا: فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان، قالوا: صدقت، قال: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا، كما عرفت في أبينا، فقال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، قال رسول الله - ﷺ -: اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا، قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا، قالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا فنستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك)].
[ ٧ / ٣٤٣ ]
* في هذا الحديث من الفقه: حسن التوصل في تقرير الجاني بلسانه؛ لأن رسول الله - ﷺ - جعل ما سألهم عنه، فكذبوه فيه، فرد عليهم كذبهم منه، فاعترفوا بصدقة - ﷺ - (١٠٦/ب) في تكذيبهم، ثم سأل عن العذاب إلى أن قررهم بأنهم وضعوا له السم في الشاة.
* وفيه أيضًا: أنه أخذ عليهم القول باعترافهم أنهم في النار، ثم ادعوا الخروج منها.
* وأما قولهم: (تخلقونا فيها)، فإنه ثبت عليهم ما اعترفوا به، ولم يثبت ما ادعوه علينا؛ فلذلك قال - ﷺ -: (اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا) وهاهنا نبين حسن النظر في نطق رسول الله - ﷺ -، وأخذه عليهم بمجامع طرق القول، وعنادهم غيرة بعد غيرة.
* وقولهم: إنا وضعنا لك السم؛ حتى إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًا لم يضرك، فهو يبين ما سولته لهم أنفسهم؛ لأنهم كتب عليهم إثم الشروع في قتل نبي، وبذل جهدهم فيه، ومع ذلك فكفاه الله كيدهم، فهذا من سوء ما تسوله الأنفس الخبيثة ويقذفه الشيطان في قلوب بني آدم، ولو كانوا اهتدوا أن ينظروا في أمره - ﷺ -؛ فإنه كان أوضح من أن يخفى على العمي الصم من كل من خلق للنار، كما قال ﷿: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
* وقد سبق ذكر المرأة التي تولت إلقاء السم في طعامه، في مسند أنس بن مالك.
-٢٢١٤ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ -، قال: (حرم ما بين لابتي المدينة على لساني). قال: وأتى النبي - ﷺ - بني حارثة، وقال: (أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم) ثم التفت، فقال: (بل أنتم فيه)].
* قد سبق ذكر تحريم المدينة في مسند سعد وغيره.
-٢٢١٥ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من احتبس فرسًا (١٠٧/أ) في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا بالله، وتصديقًا بوعده، فإن شبعه، وريه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة) يعنى الحسنات].
[ ٧ / ٣٤٥ ]
* هذا الحديث قد سبق في هذا المسند وغيره.
-٢٢١٦ -
الحديث الثالث والخمسون:
أخرجه تعليقًا عن أبي هريرة، يعني قوله: (إن أخًا لكم لا يقول الرفث) أخرجه بالإسناد عن أبي هريرة: أنه قال في قصصه يذكر النبي - ﷺ -: (إن أخًا لكم لا يقول الرفث) - يعني بذلك- ابن رواحة، قال:
وفينا رسول الله - ﷺ - يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى، فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالكافرين المضاجع)]
* في هذا الحديث دليل على أن الشعر إذا خلص من الرفث كان فاضلًا، إن كان في معنى فاضل؛ كالثناء على الله سبحانه، وعلى رسوله، ومدح الإسلام، ونحوه، أو مباحًا إن كان في معنى مباح.
* وقوله: (إن أخًا لكم) يشير إلى الشعراء، فيما أراه.
[ ٧ / ٣٤٦ ]
-٢٢١٧ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (يقول الله ﷿: يشتمني ابن آدم، وما ينبغي أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له. أما شتمه إياي: فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذبيه: فقوله: ليس يعيدني كما بدأني).
وفي رواية: (قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولو يكن له ذلك، فأما تكذبيه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد (١٠٧/ب) الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد).
وفي رواية: (كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان بدأته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عباس، وشرحناه هنالك.
[ ٧ / ٣٤٧ ]
-٢٢١٨ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أبي هريرة، قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبينهم النخل، قال: (لا)، يكفونا العمل، ويشركونا في الثمرة)، قالوا: سمعنا وأطعنا].
وفي رواية: (قالت الأنصار للنبي - ﷺ -: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، وقالوا: تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة، فقالوا: سمعنا وأطعنا)].
* هذا جرى لما قدم المهاجرون المدينة، فإنهم قدموا فقراء، فمنحهم الأنصار من أموالهم الكثير، فلما فتحت خيبر أعادوا منائحهم عليهم، على ما بينا في مسند أنس.
-٢٢١٩ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألا تعجبون: كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟! يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد
[ ٧ / ٣٤٨ ]
- ﷺ -)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله سبحانه صرف عن رسول الله - ﷺ - شر قريش وعن اسمه - ﷺ -، فكانوا يقصدون بشتمهم مذممًا، واسم رسول الله - ﷺ - محمد، وإنما أراد الله سبحانه تنزيه اسمه من أن يعلق به أذى مشرك، على أن إثم المشركين وأوزارهم على ما هي عليه من الثقل، فيضاعف الحوب في سوء القصد، وإنما (١٠٨/أ) نزه الله نبيه فقط.
* وكذلك فإن أهل طرابلس، ونحوها من أقاصي الشام كانوا قد استولى عليهم الرفض وسب الصحابة، على ما بلغني، وكانوا يفحشون القول في الصحابة، فيقولون: أبو بأر، يريدون أبا بكر ﵁، فأحدث الله في لسانهم لثغة إذ أخرجوا الهمزة مخرج الكاف، وسلم الصديق ﵁ من شتمهم، ويكمل أوزارهم سوء قصدهم.
-٢٢٢٠ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده)].
[ ٧ / ٣٤٩ ]
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أنس بن مالك ﵁، وشرحناه.
-٢٢٢١ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار)].
* هذا الحديث قد تقدم آنًفا في هذا المسند، واستوفينا شرحه، وأجبنا عن الإعراض عليه.
-٢٢٢٢ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: (يقال لأهل الجنة: خلود لا موت، ولأهل النار: يا أهل النار، خلود لا موت)].
*هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر ﵁ وشرحناه.
[ ٧ / ٣٥٠ ]
-٢٢٢٣ -
الحديث الستون:
[عن أبي هريرة، قال النبي - ﷺ -: (لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار، لو أساء ليزداد شكرًا، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة؛ ليكون عليه حسرة)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المنعم عليه إذا بولغ في الإحسان إليه، فإن من تمام الإحسان أن يشعر قدر السوء الذي خلص منه؛ ليكون عليه الإحسان من جهتين، ويشمله الطول من طرفين: نار وقاه الله البشر وغمسه في الخير، كما أن الكافر إذا اشتد به الانتقام، أري مقام الفوز الذي فاته؛ ليتضاعف حسرة من طرفين أيضًا: أحدهما: ما هو فيه، والآخر: توالي خسرانه على ما فاته من الخير ليكون همه من كلا جانبيه.
-٢٢٢٤ -
الحديث الحادي والستون:
[عن مجاهد: أن أبا هريرة كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر،
[ ٧ / ٣٥١ ]
فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مربي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل.
ثم مربي أبو القاسم - ﷺ -، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: (يا أبا هر)، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق)، ومضى فاتبعته، فدخل، فاستأذنت، فأذن لي، فوجد لبنًا في قدح، فقال: (من أين هذا اللبن؟)، قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: (أبا هر)، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي). قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أنته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب (١٠٩/أ) منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟، كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة الرسول - ﷺ - بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: (يا أباهر). قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (خذ فأعطهم). قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، حتى انتهيت إلى النبي - ﷺ - وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال: (أبا هر). قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت). قلت: صدقت يا رسول الله، قال: (اقعد فاشرب) فقعدت فشربت، فقال: (اشرب)،
[ ٧ / ٣٥٢ ]
فشربت، فما زال يقول: (اشرب) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلًكا. قال: (فأرني) فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى، وشرب بالفضلة).
وفي رواية: (أصابني جهد شديد، فلقيت عمر بن الخطاب ﵁، فاستقرأته آية من كتاب الله، فدخل داره وفتحها علي، فمشيت غير معبد فخررت لوجهي من الجوع، فإذا رسول الله - ﷺ - قائم على رأسي، فقال: (يا أبا هر). قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، فأخذ بيدي، فأقامني، وعرف الذي بي، فانطلق بي إلى رحله، فأمر لي فعس من لبن فشربت منه، ثم قال: (عد يا أبا هر)، فعدت (١١٣/ب) فشربت، ثم قال: (عد) فعدت فشربت، حتى استوى بطني فصار كالقدح. قال: فلقيت عمر، فذكرت له الذي كان من أمري، وقلت له قولي: الله ذلك، من كان أحق منك يا عمر؟ والله لقد أستقرئك الآية، ولأنا أقرأ لها منك، قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحب إلى من أن يكون لي مثل حمر النعم)].
* في هذا الحديث من الفقه: الإخبار عن شدة عيش أصحاب رسول الله - ﷺ -، وحسن صبرهم.
* وفيه أيضًا: جواز الإخبار عن ذلك، على وجه شرح الحال؛ تسلية
[ ٧ / ٣٥٣ ]
للمؤمن الفقير، لا على وجه الشكاية من الأقدار.
* وفيه أيضًا: جواز لأن يجعل الرجل لمحادثته أخاه سببًا لاستتباعه لدفع ضرورة.
*وفيه أيضًا: استحباب سؤال الرجل عما يجده في بيت نفسه، إذا كان لا مادة لذلك الشيء من ماله يعلمها؛ فإن رسول الله - ﷺ - لما رأى اللبن سأل عنه، فيستدل أنه لم يكن له حلوبة في البيت؛ فلذلك سأل، فلما قيل له: أهداه لك فلان أو فلانة رضيه - ﷺ -، واستطابه.
* وفيه أيضًا: أن الإيثار من أشرف أخلاق المؤمنين؛ لأن النبي - ﷺ - رأى لبًنا في قدح، وعلم حال أبي هريرة، ثم قال: (ادع لي أهل الصفة).
* وفيه أيضًا: دليل على حسن الظن بالله ﷾: أنه يبارك في القليل من الزاد، فيعم الجمع الكبير.
* وفيه إشارة إلى أن الإمام، والعظيم في قومه، والمؤمن يستحب أن يكون له بيت للضيافة يقصده من لم بدع؛ فإن (١١٤/أ) أهل الصفة كانوا أضياف الإسلام، وأهل الصفة كما وصفهم لا يأوون إلى أهل ولا مال.
ولا يجوز أن ينسب إليهم الصوفي، ولكن الصفي، وأما الصوفي: فلا أراه منسوبًا إلا إلى لبس الصوف، وقد كان التخصص بلبس الصوف مكروًها عند جماعة من العلماء، منهم: سفيان بن سعيد الثوري.
ومعنى الصفة: أنها مجلس لا مال عليه، ولا حجاب دونه، وكانت هذه
[ ٧ / ٣٥٤ ]
صفة المسجد، يقصدها ضيوفه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا جاءته صدقة وفرها على أهلها من أهل الصفة أو غيرهم، وإذا جاءته هدية لم يتفرد بها كما تفرد الفقراء عنه بالصدقة؛ ولكنه كان يوفر عليهم ما هو لهم، ويشركهم فيما هو له.
* وفي الحديث دليل على أن الجوع قد يسحق المؤمن حتى تضيق نفسه؛ لقول أبي هريرة: فساءني ذلك، وقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! وإنما أراد الله تعالى بذلك أن يظهر أنه رسوله - ﷺ -.
* وفيه أيضًا دليل على أن السنة للشارب الجلوس.
* وفيه أيضًا دليل على أن صاحب البيت يكون آخر القوم شربًا، وكذلك خادمه.
* وفيه أيضًا دليل على أن من صور ضيافة الضيف: أن يدار عليهم في شرب اللبن، ولا يجعل بينهم فيشتركون، كما أن يستحب في غير هذه الصورة أن يجلس على القصعة من يتتبع القصعة لهم، فإذا شبعوا وخرجوا دخل غيرهم، كما قدمناه في مسند أنس.
* وفيه أيضًا من الفقه: جواز الري من اللبن؛ فإنه غذاء يجمع بين الطعام والشراب.
* وفيه: أن سؤر المؤمنين، وإن كانوا فقراء، فيه البركة، فلا ينبغي للمؤمن أن يستنكف منهم، ولا أن يترفع (١١٢/ب) عن شربه؛ فإن رسول الله - ﷺ - شرب من فضل أصحاب الصفة.
* وفيه أيضًا ظاهرة دالة على نبوة محمد - ﷺ -؛ إذ روى ذلك القدح جميع
[ ٧ / ٣٥٥ ]
أهل الصفة، وأبا هريرة، حتى تناول رسول الله - ﷺ - ما فضل عنهم
-٢٢٢٥ -
الحديث الثاني والستون:
[عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله - ﷺ - عشرة رهط سرية عينًا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل رامٍ.
وفي رواية شعيب: (من مائتي رجل، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا: تمر يثرب، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع- وفي رواية شعيب- إلى فدفد، فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فاعطونا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدًا، فقال عاصم بن ثابت: أما أنا، فلا أنزل على ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك - ﷺ -، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصًما- زاد في رواية شعيب - في سبعة، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدفنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيمهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة -يريد القتلى- فجرروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدفنة (١١٣/أ) حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو قاتل الحارث بن عامر يوم بدر،
[ ٧ / ٣٥٦ ]
فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى اجتمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يتحد بها فأعارته، فدرج بنت لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسة على فخده والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهها، فقال: تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قال: والله ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، فو الله لقد وجدته يومًا يأكل قطًفا من عنب في يده، وإنه لموثق في الحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لو أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، وقال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا.
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث، فكان خبيب هو من سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر النبي - ﷺ - أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت، حين حدثوا أنه قتل- أن يؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلًا من عظمائهم، فبعث الله تعالى لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا).
وفي رواية: (أن خبيبًا قتله ابن الحارث، واستجاب الله لعاصم بن ثابت
[ ٧ / ٣٥٧ ]
يوم أصيب، وأخبر النبي - ﷺ - أصحابه خبرهم يوم أصيبوا)].
* في هذا الحديث من الفقه: ما يظهر (١٠٩/ب) حكمة الله البالغة بأن يلهم رسوله - ﷺ - أن يبعث مثل هؤلاء الرهط فيكتب لهم الشهادة، ويعودوا قدوة لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، في امتناع عن امتنع عن النزول على حكم مشرك، وصبر من صبر لما غدر به الكفار، فكل هؤلاء قدوة بصورة حالة؛ ليكون الامتناع عن النزول على حكم مشرك رضي بتعجل الشهادة إلى يوم القيامة، أيضًا سائًغا غير مكروه ولا محظور اقتداء بعاصم بن ثابت؛ وليكون النزول على حكم المشركين رضى بعهدهم وأمانهم مباحًا اقتداء بخبيب بن عدي ﵁، وليبتلي الله عباده المؤمنين بمثل هذه الحادثة؛ ليميز الله من ثبت إيمانه عندها ممكن يضطرب قلبه، ويتبع وساوس الشيطان.
* وفي قوله: كيف يرسل هذا النبي - ﷺ - قومًا تكون هذه عاقبتهم؟ وإنما كان ذلك بحكم من الله سبحانه، منها: أن يكشف الله بهم المنافقين حول نبيه - ﷺ -، مع فوز من فاز بالشهادة مكتوبًا له أجر من اقتدى به في عمله.
* وفيه أيضًا من الفقه: ألا يجاز المشرك في ولد له، صغيرًا أو غير ذلك، وإن كانوا هم يحاربون المسلمين؛ لأن خبيبًا لم يؤد الطفل مع قدرته على أذاه.
[ ٧ / ٣٥٨ ]
* وفيه أيضًا: أن الركعتين من خبيب صارت سنة؛ لكل من قتل صبرًا من المسلمين.
* وفيه أيضًا: جواز ترك الإكثار من الصلاة، إذا خاف المصلي أن يظن المشركون أن صلاته تلك هرب من الموت، وتبعيد لوقته.
* وفيه أيضًا: ما يدل على صدق عزم خبيب، وحسن ثبات عقله، حين قال هذا الشعر في مثل تلك الحالة الشديدة على تقبل الموت، ومعاينة القتل بأيدي الأعداء.
* وأما إخبار النبي - ﷺ - أصحابه بما جرى للقوم قبل وصول الخبر، فإنه يدل على نبوته (١١٠/أ) - ﷺ -.
-٢٢٢٦ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فهو يقول: لو أوتيت مثل ما أوتى هذا لفعلت كما يفعل، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفقه في حقه، فيقول: إن أوتيت مثل ما أوتي لفعلت كما يفعل).
وفي حديث لشعبة: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له ) فذكره نحوه].
[ ٧ / ٣٥٩ ]
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن مسعود، وفي مسند ابن عمر ﵄، وتكلمنا عليه بما يكفي إن شاء الله.
-٢٢٢٧ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض).
وفي رواية: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعد سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبٍد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعت رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - دعا على عبد الدينار والدرهم والقطيفة، والخميصة، بأن يتعس، ومعنى هذا: أنه يكون عبد درهمه، أو درهم غيره، وكذلك عبد خميصته أو خميصة يرجوها من غيره، أو قطيفة أو غير ذلك.
[ ٧ / ٣٦٠ ]
* ومعنى تعس: عثر فسقط لوجهه، والخميصة: كساء مربع له أعلام. وانتكس: بمعنى حر لوجهه، وشيك: إصابة الشوك، أي فلا انتفش: أي فلا قدر على إخراج ما شيك به.
* وإنما يذم إذا كان لا يبالي (١١٠/ب) من أين اكتسب ذلك، فأما المؤمن فإنه شرفت نفسه فلم يرض أن يملكها إلا خالق الخلائق كلهم، فيكون عبدًا لله يملكه الله ما يشاء من خلقه وعباده.
* وفي حديث ما يدل على أن علامة هذا العبد الذي تملكه هذه الأشياء:
ألا يرضى إلا إذا أعطي، ولا يسخط إلا إذا منع وحرم، فمن وجد ذلك في نفسه فليحذر أن يكون ممكن يتناوله هذا الدعاء.
* وقوله: (طوبى لعبٍد آخذ بعنان فرسه)، يعني - ﷺ -: إنه واحد وليس له من يملك فرسه، فهو آخذ بعنانها، إذا نزل عنها فهو وحيد فريد غير مذكور ولا معدود ولا معروف، وإنما خرج لله ﷿ متطوعًا لجهاد أعداء الله.
* وقوله: (أشعث رأسه، مغبرة قدماه)، يعني: ليس له من يرجل رأسه، ولا له خفان.
* وقوله: (إن كان في الحراسة أو في الساقة)، المعنى: أين كان هذا الرجل لم ينقصه ذلك من ثوابه.
* قوله: (إن استأذن فلم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)، يعني: إنه غير
[ ٧ / ٣٦١ ]
معدود ولا محسوب؛ فلذلك قال - ﷺ -: (طوبى له).
-٢٢٢٨ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أبي هريرة، أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: (أوصني). قال: (لا تغضب) فردد مرارًا، قال: (لا تغضب)].
* من الجائز أن يكون النبي - ﷺ - علم من هذا الرجل كثرة الغضب، فخصه بهذه الوصية، وقد مدح رسول الله (الذي يملك نفسه عند الغضب، ذكرنا فيما تقدم من مسند ابن مسعود.
وقد سبق في مسند سليمان بن صرد ذكر دواء الغضب فيما رأيناه، وهو: التعوذ من الشيطان
-٢٢٢٩ -
الحديث السادس والستون:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين
[ ٧ / ٣٦٢ ]
(١١١/أ) - يعني إصبعين-)].
* قد تقدم في مسند أنس بن مالك، وقد تكلمنا عليه، ومعناه: أنه ليس بينه وبين الساعة شيء.
-٢٢٣٠ -
الحديث السابع والستون:
[عن أبي هريرة، قال: (كان النبي - ﷺ - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين).
وفي رواية: (وكان يعرض على النبي - ﷺ - القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند أنس، وتكلمنا عليه.
[ ٧ / ٣٦٣ ]
-٢٢٣١ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أبي هريرة، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن كسب الإماء)].
* قال الخطابي: (كانت لأهل مكة وأهل المدينة إماء، عليهن ضرائب، يخدمن الناس، تخبزن، وتستقين الماء، إلى غير ذلك من الصناعات ويؤدين الضرائب إلى ساداتهن، والإماء إذا دخلن تلك المداخل، وتبذلن ذلك التبذل، لم يرمن أن يكون منهن الفجور فأمر - ﷺ - بالنهي عن كسبهن).
وقد روى أبو داود من حديث رفاعة عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن كسب الأمة، إلا إذا عملت بيديها، وقال بأصابعه هكذا، نحو الخبز، والغسل، والنقش يعني: نفش الصرف.
-٢٢٣٢ -
الحديث التاسع والستون:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو
[ ٧ / ٣٦٤ ]
أهدي إلى كراع أو ذراع لقبلت)].
* هذا الحديث يتضمن الندب إلى إجابة الدعوة، ويدل على حسن أخلاق رسول الله - ﷺ - وتواضعه، ويندب إلى قبول الهدية.
* والكراع: كراع الشاة، وقد غلط قوم، فقالوا: (١١١/ب) أرادبه كراع الغنم، وهو موضع لأن الذراع يناسب الكراع، لا المكان
-٢٢٣٣ -
الحديث السبعون:
[عن أبي هريرة، كنتم خير أمة أخرجت للناس، قال: خير الناس للناس، يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وفي رواية عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) معناه: من أجل حبكم الخير لكل الناس، تريدون أن يدخل جميع الناس الجنة، وأن يسلموا ويعملوا الخير.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
* وقوله: (عجب الله من قوم يدخلون في السلاسل)، يعني أنه لو وكل الناس إلى نهضاتهم لأبطئوا جدًا، ولكنه سبحانه ويدخلهم الجنة في السلاسل، أي: يسلكهم طرق الجنة على كره منهم.
* وقوله: يقادون بالسلاسل، ونطق هذا الحديث يحتمل معنيين:
أحدهما: أن قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس، أي: إنكم خير أمة للناس أخرجت، أراد: بكم صلاح الناس وهداية الخلق، وجهادكم من جاهدتم من الناس ليهتدوا.
والآخر: أنهم خير أمة، أي: أفضل الأمم.
-٢٢٣٤ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أبي هريرة، قال: (رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده؛ كراهية أن يرى عورته)].
* في هذا الحديث: جواز أن يأتزر الرجل بالثوب الواحد، ويصلي فيه؛ لأن الرداء فوق الحاجة.
[ ٧ / ٣٦٦ ]
* وفيه: جواز أن يبلغ الثوب الكعبين.
* وفيه: جواز جمع المصلي ثوبه بيده في صلاته مخافة أن تنكشف عورته.
-٢٢٣٥ -
الحديث الثاني والسبعون:
(١١٢/أ) [عن أبي هريرة قال: ثلاث لم يبلغوا الحنث، ذكره البخاري، يعقب حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال للنساء: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كان لها حجابًا من النار)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أنس، وبسطت الكلام فيه.
-٢٢٣٦ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن أبي هريرة أنه قال: لما أقبل يريد الإسلام ومعه غلامه، ضل كل واحد منهما عن صاحبه، فأقبل بعد ذلك وأبو هريرة جالس مع النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: (يا أبا هريرة، هذا غلامك قد أتاك)، فقال: أما إني أشهدك أنه حر، قال: فهو حين يقول:
[ ٧ / ٣٦٧ ]
يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت
وفي رواية: (أن أبا هريرة قال: لما قدمت على النبي - ﷺ - قلت في الطريق:
يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت
قال: وأبق مني غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي - ﷺ - قال: يا أبا هريرة، هذا غلامك؟) فقلت: هو حر لوجه الله تعالى، فأعتقته).
وفي رواية: (لما أقبل أبو هريرة ومعه غلام، وهو يطلب الإسلام، فأضل أحدهما صاحبه)، يعني وذكره.
وقال: وأما إنى أشهدك أنه الله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن أبا هريرة قصد النبي - ﷺ - ليس معه غير غلامه.
* وفيه: أن من سر بشيء كان من شكر الله على المنعم أن يخرج لله ﷿.
* وفيه: أنه لا أثر للتعب إذا حصل المقصود، لقول أبي هريرة:
يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت
* وفيه: ابتدأ على حائط .
[ ٧ / ٣٦٨ ]
-٢٢٣٧ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (الرهن يركب بنفقته، ويشرب لبن الدر إذا كان مرهوًنا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)].
* * *
[ ٧ / ٣٦٩ ]