- ٢٢٣٨ -
(٢/أ) الحديث الخامس والسبعون:
[عن ابن سيرين، قال: (كنا عند أبي هريرة، وعليه ثوبان ممشقان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني، وإني لأخر ما بين منبر رسول الله - ﷺ - إلى حجرة عائشة مغشيا علي، فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي، ويرى اني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع)]
في هذا الحديث جواز لبس الرجل الكتان الممشق، وهو المصبوغ بالمشق، وهو المغرة.
وفيه جواز امتخاط الرجل في ثوبه.
وفيه استحباب أن يذكر عند نعمة تجدد له الشدة التي انتقل عنها إلى تلك النعمة، فيتضاعف وقع النعمة عنده، ويتضاعف شكره لله عليها.
- ٢٢٣٩ -
الحديث السادس والسبعون:
[أخرجه البخاري تعليقا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: (وكلني رسول الله - ﷺ - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو الطعام، فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إني محتاج،
[ ٨ / ٥ ]
وعلي عيال، وبي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي - ﷺ -: (يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟) قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك وسيعود).
فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله (٢/ب) عليه وسلم، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -، قال: دعني، فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله - ﷺ -: (يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك؟) قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالا فرحمته، فخليت سبيله. فقال: (أما إنه قد كذبك وسيعود).
فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ - ـ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود، ثم تعود، فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله ألا هو الحي﴾ فختم الآية، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - ﷺ -: (ما فعل أسيرك البارحة؟) قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: (ما هي؟) قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولن يقربك شيطان حتى تصبح، وكان
[ ٨ / ٦ ]
أحرص شيء على الخير - فقال النبي - ﷺ -: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟) قال لا. قال: (ذاك شيطان)].
في هذا الحديث من الفقه جواز أن يرتب من يحفظ زكاة رمضان إلى أن يفرق.
وفيه إثبات (٣/أ) وجود الجن، وأنهم يتصورون في الصور الكثيرة.
وفيه أن المؤمن قد يخدع بذكر الضعف والفقر؛ لأن أبا هريرة انخدع بذكر الفقر.
وفيه أيضا أن السارق إذا ظفر به، فقال: إني لا أعود، جاز تركه، لأن أبا هريرة تركه، وذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -.
وفيه أيضا أن آية الكرسي دافعة للشيطان عن قارئها؛ لأن رسول الله - ﷺ - صدق الجني في ذلك على كونه شهد بأنه كاذب في غير ذلك.
وفيه أيضا دليل على أنه إذا قال الرجل المبطل كلمة الحق؛ فإنها تقبل منه، ولا ترد من أجل أنه قالها.
- ٢٢٤٠ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: (قسم رسول الله - ﷺ - يوما بين أصحابه تمرا، فأعطى كل إنسان سبع تمرات، وأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة، فلم يكن فيهن تمرة أعجب إلي منها، شدت في مضاغي).
وفي رواية: (تضيفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون
[ ٨ / ٧ ]
الليل أثلاثا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، وسمعته يقول: (قسم رسول الله - ﷺ - بين أصحابه تمرا فأصابني سبع تمرات إحداهن حشفة).
وفي رواية: (قسم النبي - ﷺ - بيننا تمرا؛ فأصابني خمس، أربع تمرات، وحشفة، ثم رأيت الحشفة أشدهن لضرسي)].
في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - كان يساوي بين أصحابه في القسمة حتى في التمر فيعده عددا، وأما أن تكون تمرة أكبر من تمرة، فإن هذا مما يعفى عنه في القسمة (٣/ب)؛ لأنه لا يحسن اعتباره.
وفيه أيضا من الفقه أن الشيء إذا كان قليلا فالسنة فيه أن يوزع على مثل ما فعل رسول الله - ﷺ - في هذا التمر؛ لتبيين كل واحد من القوم أيضا؛ إذ ليس بالغا بواحد منهم مبلغ الكفاية فكان ربما يوسوس له الشيطان أن غيره قد وصل إليه أكثر مما وصل إليه هو.
وفيه أيضا أن القليل النزر قد يسد من المؤمن مسدا.
وفيه أن جوع أبي هريرة كان قد اشتد حتى حمله على مضغ الحشفة فلذلك طال زمان مضغه لها حتى قال: شدت في مضاغي.
والحشف: أردأ التمر. والمضاغ: الطعام يمضغ.
[ ٨ / ٨ ]
-٢٢٤١ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنه قد ولي علاجه).
وفي رواية: (فإنه ولي حره وعلاجه)].
وفي الحديث من الفقه أنه يكفي في مناولة الرجل عبده أو خادمه أو تناوله اللقمة واللقمتين، وليس عليه أن يساويه في ذلك بنفسه إلا أنه إن أجلسه معه كان أفضل، وقد سبق شرح هذا الحديث.
- ٢٢٤٢ -
الحديث التاسع والسبعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار) فقال أبو هريرة: ما ظلم، بأبي وأمي، آووه ونصروه، وكلمة أخرى)].
[ ٨ / ٩ ]
(٤/أ) قد سبق ذكر وبيان فضيلتهم في مسند ابن عباس وفي مسند أنس ﵄.
- ٢٢٤٣ -
الحديث الثمانون:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -: (أن داود النبي كان لا يأكل إلا من عمل يده)].
هذا الحديث يدل على فضيلة العمل باليد، وأنها متقدمة على غيرها من المحاسن.
وقد سبق شرح هذا فيما تقدم.
- ٢٢٤٤ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - (عرض على قوم اليمين فأسروا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين، أيهم يحلف؟)].
يسهم: بمعنى يقرع؛ وإنما يفعل هذا في حق الذين تساوت درجاتهم في
[ ٨ / ١٠ ]
أسباب الاستحقاق مثل أن يكون الشيء في يدي اثنين كل واحد منهما يدعيه ويريد أن يحلف ويستحقه.
- ٢٢٤٥ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز خلفه خضراء)].
هذا الحديث قد تقدم تفسيره في مسند أبي بن كعب.
- ٢٢٤٦ -
الحديث الثالث والثمانون:
[عن أبي هريرة: (ما من أصحاب النبي - ﷺ - أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا اكتب)].
[ ٨ / ١١ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن الكاتب من أصحاب رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين حفظه بقلبه وبين ضبطه بخطه، والراوي إذا سمع من غير كتابه فإنه يعتمد على ما يحفظ بقلبه خاصة فيكون ضبطه من وجه واحد، وأما الكاتب فإنه يضبط من وجهين.
- ٢٢٤٧ -
(٤/ب) الحديث الرابع والثمانون:
[عن أبي هريرة، قال: أتينا رسول الله - ﷺ - وهو بخيبر بعدما افتتحوها، فقلت: يا رسول الله، أسهم لي، فقال بعض بني سعد بن العاص: لا تسهم له يا رسول الله، فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل. فقال ابن سعيد بن العاص: واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن، ينعى علي قتل رجل مسلم، أكرمه الله على يدي، ولم يهني على يديه، قال: فلا أدري أسهم له أو لم يسهم له).
وفي رواية: (بعث رسول الله - ﷺ - أبان على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي - ﷺ - بخيبر معدما افتتحها، وإن حزم خيلهم الليف، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لا تقسم لهم، فقال: أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأن. فقال النبي - ﷺ -: (يا أبان اجلس، فلم يقسم لهم).
[ ٨ / ١٢ ]
زاد أبو مسعود، فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل، قال أبان لأبي هريرة: وا عجبا لك وبر تدلى من قدوم ضأن، ينعى علي امرأ أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده)].
في هذا الحديث جواز التماس الرجل أن يسهم له من الغنيمة إذا قدم قبل القسمة؛ وإن لم يشهد الواقعة.
وفيه أيضا جواز أن ينته الرجل على المعنى الذي هيج قول المشير بإنفاق العطاء؛ لأن أبا هريرة قال في الرجل الذي أشار بمنعه: هذا قاتل ابن قوقل، وقوقل: اسم (٥/أ) لثعلبة الأنصاري، كان يقول للخايف: قوقل حيث شئت فإنك آمن.
وقوله: (لوبر تدلى من رأس ضأن)، أي تعلق في انحطاطه.
وقوله: (من قدوم ضأن) القدوم: ما تقدم من الشاة، وهو رأسها، وإنما أراد احتقاره وأنه لا قدر له، فشبهه بالوبر الذي يتدلى من رأس الضأن في قلة المنفعة والمبالاة، هكذا فسره العلماء.
وقال بعضهم: قدوم ضأن اسم موضع جبل أو ثنية. قال الخطابي: وبر: دويبة يقال: إنه أشبه السنور.
وقوله: (وأنت بهذا)، أي بهذا الكلام، فاختصر وحذف.
[ ٨ / ١٣ ]
وقوله: (ينعى علي) أي يعيب علي.
وقد تضمن هذا الحديث أن الصحابة قد كان يجري بينهم كلمات يثيرها الطباع، ونحن مأمورون بالسكون عما شجر بينهم ﵃.
- ٢٢٤٨ -
الحديث الخامس والثمانون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم) فقال أصحابه: وأنت؟ قال: (نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)].
قد روى هذا الحديث سويد بن سعيد عن عمرو بن يحيى بإسناد صحيح فقال فيه: كنت أرعاها بالقراريط. وقال سويد: كل شاة بقيراط.
قال إبراهيم الحربي: القراريط: موضع، ولم يرد بذلك القراريط من الفضة.
- ٢٢٤٩ -
الحديث السادس والثمانون:
[عن أبي هريرة، قال: (ابتعت النبي - ﷺ - وخرج لحاجته، وكان لا يلتفت،
[ ٨ / ١٤ ]
فدنوت منه فقال: (ابغني حجارا استنفض بها (٥/ب) أو نحوه، ولا تأتني بعظم ولا روث) فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه، وأعرضت عنه، فلما قضى اتبعه بهن)].
قوله: (ابغني) أي ابغ لي، يقال بغيتك كذا، وبغيت لك أي طلبته لك، قال ﷿: ﴿يبغونكم الفتنة﴾.
وقوله: (أستنفض بها) أي أزيل بها عني الأذى، والإشارة إلى الاستجمار.
- ٢٢٥٠ -
الحديث السابع والثمانون:
[أخرجه تعليقا عن أبي هريرة قال: (كيف أنتم إذا لم تجتنبوا دينارا ولا درهما؟ فقيل: وكيف نرى ذلك كائنا؟. قال: أي والذي نفسي بيده، عن قول الصادق المصدوق، قالوا: عم ذلك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله، فيشد الله قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم)].
قوله في هذا الحديث: تنتهك ذمة الله؛ أي يستباح ما لا يحل.
وفيه دليل على أن المسلمين إذا انتهكوا ذمة الله ﷾ وفقدوا
[ ٨ / ١٥ ]
الشروط التي شرطها رسول الله - ﷺ - لأهل الذمة: إما بهضم لحقوقهم أو فسحة لهم في التطاول إلى ما لم يتجه الشرع، كان عقوبة ذلك تقوية قلوب أهل الذمة حتى يمنعوا الجزية التي ضربها الله في رقابهم ذلا وصغارا.
وهذا الحديث سيأتي بيانه في إفراد مسلم من هذا المسند في الحديث الحادي والتسعين إن شاء الله تعالى.
- ٢٢٥١ -
الحديث الثامن والثمانون:
[أخرجه البخاري تعليقا بمثل حديث قبله عن جابر قال: (كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم عيد، خالف الطريق)].
(٦/أ) قد اختلف العلماء في سبب ذلك، فقال قوم: ليمر على قوم ما رأوه فتدركهم بركته، وقيل: إن الملائكة تقف يوم العيد على أفواه السكك فأراد أن يمر بملإ غير الملإ الآخر، وقيل: التسليم على من لم يسلم عليه، وقيل غير ذلك؛ ولأنه كان إذا انصرف إلى المصلى أعلن بالتكبير ذاهبا وغاديا فأراد - ﷺ - أن يكون تعليمه للناس وتذكيره إياهم بتكبير الله ﷿ في الطريقين.
- ٢٢٥٢ -
الحديث التاسع والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (إذا وقع الذباب في شراب
[ ٨ / ١٦ ]
أحدكم فليغمسه ولينزعه فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء)].
قد سبق بيان هذا الحديث، وذكرنا أنه يدل على التداوي.
- ٢٢٥٣ -
الحديث التسعون:
[عن أبي هريرة أن نبي الله - ﷺ - قال: (إذا قضى الله الأمر من السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزغ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال: الحق وهو العلي الكبير؛ فيسمعها مسترق السمع، هكذا، بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، حتى يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء).
وفي رواية: فزع (بالعين)].
[ ٨ / ١٧ ]
هذا الحديث يدل (٦/ب) على تعظيم أمر الوحي حيث شبه الاستماع له بالاستماع بالسلسلة على الصفوان؛ لأن كلام الله ﷿ لا يشبهه شيء.
والصفوان: الحجر الأملس. فإذا خرت السلسلة عليها أزعجت القلوب بالرعب. والخضعان: الخضوع والتطامن.
وقد دل الحديث على أن كلام الله قول يسمع.
وقولهم: (قال الحق) أي كل ما يقوله حق. وأما استراق الشياطين فقد سبق شرحه في مسند ابن عباس وإنما يتبهرج قول الكاهن على من لا يعتبر بعض قوله ببعض فيتبين له الحق من الباطل.
- ٢٢٥٤ -
الحديث الحادي والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: أشهد أني سمعت رسول الله - ﷺ - قال: (من صلى في ثوب؛ فليخالف بين طرفيه)].
إنما أمر بهذا لأن المخالفة بين الطرفين أستر للعورة.
[ ٨ / ١٨ ]
- ٢٢٥٥ -
الحديث الثاني والتسعون:
[أخرجه البخاري تعليقا عن أبي هريرة قال: (من صور صورة، ومن تحلم، ومن استمع يعقب، حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه، صب في أذنية الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب، وكلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)].
وهذا قد مضى في مسند ابن عباس وشرح هنالك.
- ٢٢٥٦ -
الحديث الثالث والتسعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - (أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك)].
هذا الحديث بعض حديث المعراج (٧/أ) وقد تكلمنا عليه في مسند مالك ابن صعصعة.
[ ٨ / ١٩ ]
(أفراد مسلم من مسند أبي هريرة)
- ٢٢٥٧ -
الحديث الأول:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا استيقظ أحدكم فيلفرغ على يده ثلاث مرات قبل أن يدخل يده في إنائه فإنه لا يدري فيم باتت يده؟).
وفي رواية: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده؟).
واختلف الرواة في قوله: (حتى يغسلها ثلاثا) فروى قوم: (ثلاثا) وروى قوم: (حتى يغسلها) ولم يقولوا: (ثلاثا).
ورواه البرقاني: (إذا كان أحدكم نائما فاستيقظ فأراد الوضوء فلا يضع يده في الإناء حتى يصب على يده؛ فإنه لا يدري أين باتت يده؟).
وفي رواية: (إذا استيقظ أحدكم فلا يغمس يده في طهوره حتى يفرغ عليها فيغسلها؛ فإنه لا يدري فيما باتت يده)].
هذا الحديث يقول بوجوب ما تضمنه غسل اليد أحمد بن حنبل ﵁، ويراه غيره أدبا واستحبابا.
[ ٨ / ٢٠ ]
- ٢٢٥٨ -
الحديث الثاني:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة، حتى إذا أردكه الكرى عرس، وقال لبلال: (اكلأ لنا الليل)، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله - ﷺ - وبلال وأحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، (٧/ب) فكان رسول الله - ﷺ - أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله - ﷺ - فقال: (أين بلال؟) فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: (اقتادوا). فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله - ﷺ -، وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما فرغوا الصلاة قال: (من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾). وكان ابن شهاب يقرؤها للذكرى.
وفي رواية: (عرسنا مع نبي الله - ﷺ -، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي - ﷺ -: (ليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حصرنا فيه الشيطان)، ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين).
وقال بعض الرواة: (ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغداة)].
[ ٨ / ٢١ ]
قوله: (اكلأ لنا الليل) أي: احفظه وراعه.
وقد سبق هذا الحديث وشرحه في مسند عمران بن حصين وأنس بن مالك، إلا أنا نشير إليه ها هنا فنقول: إنه إنما لم يصل رسول الله - ﷺ - في المكان الذي استيقظوا من النوم فيه فيما أرى من أجل أنه موطن ظهر في فلح الشيطان في ظاهر الحال، فأمر رسول الله - ﷺ - باقتياد الرواحل من تلك البقعة خطوات، ثم صلى مشيرا بذلك إلى أنه - ﷺ - فارق الموضع التي فاتت منه الصلاة عن وقتها إلى بقعة أخرى، ليكون كل من جرى (٨/أ) عليه شدوة أو غفلة في موطن غضب على نفسه أن ساكنها وعن البقعة التي شده فيها أن يسكنها وعلى أن الشيطان لم يظفر بشيء، فإن الله ﷿ جعل ذلك قدوة وأسوة لكل مصل يفوته الشيطان مثل ذلك بنوم أو سهو.
فكان ما شرعه الله ﷿ من قضاء الفوائت التي ينام عنها المسلم أو ينساها غير ناقصة ولا هضمية؛ فأرغم الشيطان بذلك أبدا إلى يوم القيامة في كل مصل، فأراد الشيطان أن يربح أو يفرح بتلك النومة فانقلبت عليه خزيا مستمرا إلى يوم القيامة.
- ٢٢٥٩ -
الحديث الثالث:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم)].
[ ٨ / ٢٢ ]
وقد سبق الكلام في هذا الحديث في مسند عمر بن الخطاب، وفي مسند ابن عمر، وفي مسند أبي أيوب ﵃ أجمعين. إلا أن نشير إليها ها هنا بعدما تقدم ذكره فنقول: إن رسول الله - ﷺ - إنما نهى عن أكل الثوم نهيا أشار به إلى كل طالب مجالسته بأن يتنزه عن كل ريح خبيثة؛ لكنه - ﷺ - أسر إلى الجلساء بهذا القول إلى أنكم إذا أحببتم هذه الشجرة لأجل ريحها؛ فطنتم لكل ما يكون في معناها من عرق الإنسان وأبخرة مغابنه لكن ذلك في أصل الخلقة فلا يذكر فيكون كالمجاهرة بالتصريح في عيب الجليس؛ ولكنه ذكر له النهي عما يأكله اختيارا، فكان هذا (٨/ب) الكلام منه - ﷺ - يفصح عن إكرامه جلسائه، حتى أن هذا القول يشهد له - ﷺ - أنه هو الكريم لا يشقى به جليسه.
- ٢٢٦٠ -
الحديث الرابع:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالثمر).
وفي رواية: (حتى يبدو صلاحها)].
[ ٨ / ٢٣ ]
هذا الحديث قد تقدم في مسانيد جماعة وتكلم عليها.
- ٢٢٦١ -
الحديث الخامس:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتوها، فالتمسوها في العشر الغوابر). وقال حرملة: (فنسيتها)].
قد تقدم في الكلام في ليلة القدر في مسند أبي ذر، وفي مسند ابن عباس، وفي مسند ابن عمر، وفي مسند عبادة، وفي مسند أبي بن كعب، وقد ذكرنا اختصاصها بالعشر.
وقوله في هذا الحديث: (ثم أيقظني بعض أهلي) يدل على أن رؤيته لها - ﷺ - كانت مناما، إلا أن منامه - ﷺ - ومنام الأنبياء ﵈ وحي ويقظة، وليس هذا مما يدل على امتناع في اليقظة لكل مسلم.
- ٢٢٦٢ -
الحديث السادس: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تنتبذوا في الدباء، ولا في
[ ٨ / ٢٤ ]
المزفت) ثم يقول أبو هريرة: (واجتنبوا الحناتم).
وفي رواية: (أنه نهى عن المزفت والحنتم والنقير). قال: قيل لأبي هريرة: ما الحنتم؟ قال: (الجرار الخضر).
وفي رواية: (أنه نهى عن المزفت والحنتم والنقير). قال: قيل لأبي هريرة: ما الحنتم؟ قال: (الجرار الخضر).
وفي رواية: (أنه قال لوفد عبد القيس (٩/أ): (أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير والمزادة المجبوبة، ولكن اشرب في سقايك وأوكه)].
المجبوبة: المقطوعة.
سبق شرح هذا الحديث في مسند ابن عباس وغيره.
- ٢٢٦٣ -
الحديث السابع:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - وهو في مجلس عظيم من المسلمين -: (أحدثكم بخير دور الأنصار؟) قالوا: نعم يا رسول الله، قال رسول الله - ﷺ -: (بنوا عبد الأشهل). قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: (ثم بنوا النجار). قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: (ثم بنوا الحارث بن الخزرج). قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: (ثم بنوا ساعدة). قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: (ثك في كل دور الأنصار خير).
[ ٨ / ٢٥ ]
فقام سعد بن عبادة مغضبا، فقال: أنحن آخر الأربع؟ - حين سمى رسول الله - ﷺ - دارهم - فأراد كلام رسول الله - ﷺ - فقال له رجل من قومه: اجلس ألا ترضى أن سمى رسول لله - ﷺ - داركم في الأربع الدور التي سمى؟ فمن ترك فلم يسم أكثر ممن سمي، فانتهى سعد بن عبادة عن كلام رسول الله)].
هذا الحديث قد تقدم في مسند سهل بن سعد.
- ٢٢٦٤ -
الحديث الثامن:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير)].
الذي أراه في هذا الحديث أن هؤلاء القوم كانت قلوبهم على مثل قلوب الطير رقة لخلق الله ورحمة لعباده، وشفقة على المسلمين، فترى الواحد منهم يرفق بالطفل أكثر من أم ذلك (٩/ب) الطفل بالطفل، ويشفق على الغلام أكثر من إشفاق الغلام على نفسه، وهذا على الكهل والشيخ، ثم شرف قلبه
[ ٨ / ٢٦ ]
لرحمة الحيوان، وحتى يتحرج من قطع الشجر عينا، حتى إنه لا تؤاتيه نفسه ولا يصلب قلبه على فعل شيء من ذلك.
ويجوز أن يكون المراد به أنهم على مثل قلوب الطير من أنها لا تحتجز ولا تدخر؛ بل تغدوا خماصا وتروح بطانا.
ويجوز أن تكون قلوبهم على قلوب الطير خوفا من الله في كل شيء حتى إنهم إن أطاعوا خافوا، وإن عصوا وعصى غيرهم خافوا لشدة محاذرتهم على أحوالهم مع ربهم ﷾.
- ٢٢٦٥ -
الحديث التاسع:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثلها قط. قال: فرفعه الله تعالى لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا دخل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، أقرب الناس شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام).
[ ٨ / ٢٧ ]
وفي رواية: (لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس (١٠/أ) فطفقت أخرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)].
قد سبق هذا الحديث في مواضع، وقد بينا أن الله تعالى رفع له بيت المقدس، وهو بمكة، فوصفه لقريش حتى عرفهم منه من قد كان شاهده، وإنما فعل الله سبحانه ذلك تقوية له وتثبتا لأمره وإتماما لما أراده الله به.
وفي أن الصادق الأمين إذا قال القول، وهو صادق فيه عند الله، فاعترض له في ذلك الامتحان له ما لا ينكشف للخلق فاشتد كرب الصادق لذلك وحزبه وعظم عليه من حيث إنه يخاف باختلاف الأمر فيه أن يجحدوا حقه ويكذبوا صدقه، فبلغ ذلك منه المبلغ النائي لقلبه ريثما يفرجه الله عنه ويدركه بصونه فيه بإظهار الحق وإقامة البرهان على صدقه؛ فإن ذلك غير قادح في مقامه عند ربه لقول رسول الله - ﷺ -: (فكربت كربة ما كربت مثلها قط)، وكان - ﷺ - عالما أن الله يعلم صدقه فيما قاله.
- ٢٢٦٦ -
الحديث العاشر:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (عذبت امرأة في هرة، ربطتها
[ ٨ / ٢٨ ]
لم تطعمها، ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض). ومنهم من قال: (من حشرات الأرض).
وفي رواية: (دخلت امرأة النار من جراء هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها، ترمرم من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا)].
ترمرم: تأكل، ويقال البقر ترمرم من كل الشجر. وخشاش الأرض: هوامها.
وقد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر (١٠/ب) مشروحا.
- ٢٢٧٦ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب، والكوكب).
وفي رواية: (ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله تعالى الغيث فيقولون الكوكب كذا وكذا)].
[ ٨ / ٢٩ ]
هذا الحديث قد تقدم في مسند زيد بن خالد مشروحا، إلا أنا نشير إليه ها هنا فنقول: بعد ما تقدم من قولنا فيه، أن هذا النطق يحذر من أن ينسب إلى الكوكب فعل في شيء أصلا سوى أنها مصابيح وزينة ورجوم للشياطين؛ وليهتدى بها في البر والبحر.
وفيه أيضا ما يدل على أن قول المعتقدين إن لها تأثيرا يقضي بالكفر بنطق الماضي؛ لأنه - ﷺ - أخبر عن ربه تعالى قال: (أصبح فريق من الناس كافرين) يعني يصبحون كفارا؛ إذا أسندوا شيئا من نعمي إلى الكواكب.
وفيه أيضا تنبيه على أن الآدمي بلغ من إغضاب ربه، وإسخاط خالقه سبحانه إلى المبلغ الذي لايقوم له السموات والأرض؛ لأنه ﷾ ينزل الغيث على عباده رحمة لهم، ونظرا في أحوالهم؛ ليستدلوا بذلك على إحسانه سبحانه، ويشكروا فضله، ويعتبروا رحمته، فلا يكونون من شكل النعمة بحيث يستحق ولا يقفوا على المقام الدون على ألا يشكروا؛ بل تخرجهم تلك النعمة بعينها إلى أن يسندوها إلى غير الله وينحوها افتراء منهم إلى سواه سبحانه (١١/أ)، فذلك معنى قوله: (أصبح فريق منهم بها كافرين) وهذا الضمير في قوله: (بها) عائد إلى النعمة.
- ٢٢٦٨ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (سيحان وجيحان، والفرات،
[ ٨ / ٣٠ ]
والنيل، كل من أنهار الجنة)].
هذه الأنهار منبعها من عند الله ﷿، ومطلعها من علمه وقدرته، وهي من الجنة.
وقد سبق شرح هذا في مسند مالك بن صعصعة في النيل والفرات.
والكلام في سيحان وجيحان كالكلام فيهما، إلا أن الإنسان إذا نظر إلى مادة هذه الأنهار فأنكر أنه ليس عند مطلع كل نهر منها ما يستمد منه ذلك النهر، بل إنها تخرج من عيون مخروقة في الصعيد الذي هو ضد الماء ثم تستمر دفعا وصبا في الأودية ليلا ونهارا، أيقن أنها ما يوجده الله ﷿ حالا فحالا بقدرة تمنع الأعوار فيما يحتاج إليه. كما أنه يعدم الله سبحانه فضلاتها عن أن تملأ ما يصب فيه.
فهذه آيات بادية ظاهرة فيكون معنى أنها من الجنة أي إنها من جنس العطاء الذي لا يفرغ، فذلك فيما أرى معنى قوله - ﷺ -: (من الجنة) ولا ينفذ.
- ٢٢٦٩ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما
[ ٨ / ٣١ ]
سمع)].
قد سبق هذا في مسند ابن مسعود. نشير إليه ها هنا فنقول: إنه من حدث بكل ما سمع، فإنه يخرج بذلك عن أن يكون من أهل الانتقاد أو التمييز؛ بل يكون حاكيا ما يسمعه على نحو الطيب، وإنما ينبغي للإنسان أن يحدث ببعض ما سمع بعد انتقاده وتمميزه (١١/ب)، وذكر النافع منه والصالح وخبر الصادق دون غيره.
- ٢٢٧٠ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الذهب بالذهب وزنا بوزن، مثلا بمثل، والفضة بالفضة، وزنا بوزن، مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا).
وفي رواية: (الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما).
وفي رواية: (التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه)].
الألوان: الأجناس.
قد سبق هذا الحديث في مسند عمر بن الخطاب، وشرحنا علة تحريم الربا
[ ٨ / ٣٢ ]
هنالك شرحا نرجو أن يكون لم يسبق إليه، وهذا الحديث مذكور في مسند عبادة بن الصامت قد تقدم.
- ٢٢٧١ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أيما امرأة أصابت بخورا؛ فلا تشهد معنا العشاء الآخرة).
وفي رواية: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا)].
في هذا الحديث كراهية الطيب للنساء اللاتي يشهدن الجماعة، فإذا خالفت امرأة وتطيبت فلا تشهد الجماعة حتى يذهب ريح الطيب. وهذا لأنه يوجب الالتفات إليها ويثير الشهوة ويشعر بممرها المطرق عن مثلها والأعمى بما ينبه على نفسها بريحها.
- ٢٢٧٢ -
الحديث السادس عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)].
[ ٨ / ٣٣ ]
إنما لم يجز صلاة بعد الإقامة غير المكتوبة لتحتم المكتوبة. المتحتم: متعين الفعل فلا يقدم عليه غيره.
وقد سبق شرح هذا الحديث فيما تقدم.
- ٢٢٧٣ -
الحديث السابع عشر:
(١٢/أ) [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)].
في هذا الحديث ما يدل على أن المتحابين بجلال الله أي في جلاله، والباء ها هنا بمعنى في، فحروف الصفات تنوب بعضها عن بعض.
يظلهم الله في ظله: وذلك أن المتحابين استظلوا في الدنيا بظل الله، وكانوا حزبا وعصبة مستظلين بظله، فهو الذي كان في الدنيا حائلا بينهم وبين حرور الشهوات، وسموم الآفات، واستمر لهم ذلك الظل، وانتقل من المعنى إلى الصورة؛ فأظلهم يوم لا ظل إلا ظله في عرصة القيامة، ثم يستمر الظل عليهم أبدا من غير تقلص بحال إن شاء الله تعالى.
[ ٨ / ٣٤ ]
- ٢٢٧٤ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله).
وفي رواية: (أن أبا هريرة قال لمروان: أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت؟! فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الطعام حتى يستوفى. فخطب مروان، فنهى عن بيعه. قال سليمان بن يسار: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس)].
الصكاك: رقاع كانت تكتب لهم بأرزاقهم من الطعام فكانوا يبيعون ما في الصكاك قبل استيفائه؛ فلذلك نهى أبو هريرة.
والحديث قد تقدم في مسند ابن عباس وابن عمر والكلام عليه هنالك.
- ٢٢٧٥ -
الحديث التاسع عشر:
[عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة. فقال له ناتل أهل الشام: أيها الشيخ: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله (١٢/ب) عليه وسلم. فقال: نعم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن أول
[ ٨ / ٣٥ ]
الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت؛ ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن تنفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار)].
في هذا الحديث من الفقه أن هؤلاء الثلاثة فيما أرى: لم تكن أفعالهم إلا ليقال عنهم. فأما لو كانت أفعالهم لأجل الله تعالى؛ ثم عقب ذلك أن يقال جريء وعالم وجواد فسرهم ذلك لم تكن إيثارهم لهذا المدح مما يحل عقدة عزمهم الأول، ولم يكن هذا التوبيخ متناولا لهم؛ لأنه إذا تعلم العالم العلم لله ثم سره أن يقال إنه عالم لم يتناوله هذا الذم، وكذلك المنفق والمجاهد إذا قيل بعد خلوص نيتهما جواد وجريء لم يضرهما إذا لم يكن مبنى قصدهما لذلك.
[ ٨ / ٣٦ ]
والذي أرى لكل مجاهد ومعلم (١٣/أ) للخير ومنفق في سبيل الله ﷿ أن يجتهد في إخفاء ذلك ليسلم أو في إظهاره ليقتدى به؛ فإن عرض له في إحدى الطريقين عارض نزغ من الشيطان أتبعه بالاستغفار والإنابة، والله الموفق لكل مؤمن. والدليل على ما ذهبنا إليه من معنى هذا الحديث الدعاء في نطق الحديث: (ولكنك تعلمت ليقال) فأتى باللام المستغرقة للجزاء عن الفعل، وهو قوله: (ولكنك فعلت ليقال) وهذا لا يدخل فيه من فعل شيئا لله فقيل فيه؛ فسره أن قيل.
ويدل على أنه لم يكن في فعله إرادة الله سبحانه بشيء ما ولا مخالطة بحال؛ لأن اللام قد أخبر به عما احتوت إرادته عليه في فعله، ولم يكن في ذلك شيء لله، فلذلك ما كان جزاه الحق أنه لم يكن له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يكن في عمله شيء لها.
- ٢٢٧٦ -
الحديث العشرون:
[عن أبي هريرة: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: رأى جبريل. وعن ابن مسعود، قال: (رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح)].
هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود.
[ ٨ / ٣٧ ]
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (كافل اليتيم، له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى)].
هذا الحديث قد تقدم في مسند سهل بن سعد وتكلمنا عليه هنالك.
وقوله: (له أو لغيره) يعني بقوله له: إذا كان له ولد وقد ماتت أمه فخلفها عليه في لزامها له وحنوها وصبرها على تحرمه واحتمال تعنته.
وقوله: لغيره: معناه أن يكون أيضا راحما لليتيم على (١٣/ب) الإطلاق.
- ٢٢٧٨ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (سمعتم بمدينة، جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: (لا تقوم الساعة
[ ٨ / ٣٨ ]
حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله فيسقط أحد جانبيها).
قال ثور بن يزيد: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر. (ثم يقول الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلوها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركوا كل شيء ويرجعون)].
إن هذا الحديث يشير إلى أمر له وقت ينتظر فيه، وقوله - ﷺ - حق لا بد من كونه كما أخبر.
وفيه من الآيات أن القتال كان يكون بالسلاح على قول الشهادة بالتوحيد؛ فصار القتال بها ثابتا غني عن السلاح، فلما افتتح بها كان ذلك أقوى دليل على صحتها.
وفيه أيضا إشارة من رسول الله - ﷺ - إلى كل مجاهد في سبيل الله أن لا يستبعد أن يفتح الله الحصون، ويهدم المعاقل، بقول: لا إله إلا الله، والله أكبر.
وقوله: (من بني إسحاق) يجوز أن يكونوا من أهل المدن، أسلموا من أهل الكتاب.
[ ٨ / ٣٩ ]
- ٢٢٧٩ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله - ﷺ - يوما، ثم انصرف فقال: (يا فلان: ألا تحسن صلاتك؟ ألا تنظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي (١٤/أ) كما أبصر من بين يدي)].
هذا الحديث قد تقدم، وسبق الكلام عليه.
- ٢٢٨٠ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بمثل معنى حديث قبله، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن) قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: (أما نقصان العقف، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان
[ ٨ / ٤٠ ]
الدين)].
هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر.
وفيه أيضا من الفقه إشارة إلى أن من كانت حاله حال أهل النار، فإنه فيه دواء من ذلك بالاستغفار وإكثار الصدقة بقوله - ﷺ - لهن: (تصدقن وأكثرن الاستغفار).
- ٢٢٨١ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها).
وفي رواية: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)].
في هذا الحديث من الفقه أن يوم الجمعة أفضل الأيام، وهو واسطة الأسبوع، فمن أحد جانبيه الخميس، ووراءه يومان إلى الاثنين، ومن الجانب (١٤/ب) الآخر الاثنين، ووراءه يومان، وفيه خلق آدم.
وقد تقدم ذكرنا لذلك، وذلك أن المخلوقات من الأرض والجبال والشجر والمكروه والنور والحيوان بعدد الستة الأيام، وكانت الجمعة التي خلق فيها
[ ٨ / ٤١ ]
ساكن الدار.
وإن هذه الأشياء خلقت لأجله كما قد تقدم ذكره.
وفيه أن آدم أدخل الجنة يوم الجمعة، فأرى أن ذلك يرثه عنه ذريته ومحقق هذه الوراثة في المسلمين منهم؛ فإنهم في كل جمعة يجتمعون لذكر الله سعيا إليه، وتركا للبيع والتجارة فيه، فيثيبهم الله ﷿ عن ذلك بأن يجعل دخولهم الجنة في ذلك يعينه جزاء إعراضهم عن الدنيا وإقبالهم إلى الآخرة فيه، وكما تركوا البيع والتجارة الدنيوية فيه، أورثهم الله فيه تجارة لن تبور.
فأما خروج آدم من الجنة في يوم الجمعة فإنه يستشف من هذا أهل الفطن أنه خرج منها خروج عائد إليها، وسكن في الدنيا سكون راحل عنها.
فالجنة دار آدم على الحقيقة؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وكذلك لم يقل سبحانه اخرج من الجنة ولكن نسب خروجه منها إلى إبليس، فقال ﷿: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ وإخراج إبليس غير مستقر لأنه إخراج غير ملل ﴿وقال فاخرج منها فإنك
[ ٨ / ٤٢ ]
رجيم﴾ وكان ذلك الخروج الذي لا يعقبه دخول.
فأما قيام الساعة يوم الجمعة فإنه يوم الدين، وفيه دولة اليقين، فيوم القيامة (١٥/أ) ترتفع رايات المسلمين وتنفذ أقوال الصالحين، ويتناوؤن من الكافرين، فكان قيام الساعة في يوم الجمعة جزاء من الله سبحانه لعباد المؤمنين بثوابهم عن الجمعة).
- ٢٢٨٢ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)].
وقد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر، وتكلمنا عليه هنالك.
- ٢٢٨٣ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي جل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن
[ ٨ / ٤٣ ]
قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)].
في هذا الحديث ما يدل على أن من المؤمنين القوي والضعيف؛ فإن في كل خير؛ إلا أن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وذلك لأن المؤمن القوي ينفع نفسه وينفع غيره؛ وربما تعدت منفعته إلى أهله وقومه وإمة دهره.
والمؤمن الضعيف قد يقتصر بنفعه على نفسه، وأخاف على ضعفه أيضا أن يضعف على حفظ نفسه؛ ولأن المؤمن القوي يعرضه أن يكسر حزب الشيطان بقوله إذا قال، وبفعله إذا فعل.
والمؤمن الضعيف أخاف عليه في مواطن يضعف فيها؛ فيكون كاسرا لحزب الحق، (١٥/ب) والقوة في الإيمان أن يعمل المؤمن بعزائم الشرع في مواطنها، وأن لا يجبن على الأخذ برخص الشرع في مواطنها، وأن لا يترك المسلمين من يده حفاظا لدينهم، ومهتما بهم، ذكرهم وأنثاهم، عالمهم وجاهلهم، مهتما بتدبير العامة، عالما بأسرار الخاصة، إن كان ذا أمر، وإلا قال لكل ذي لب إنه يصلح أن يكون ذا إمرة.
وأما المؤمن الضعيف فعلى ضد ذلك قانعا بأن يسلم بنفسه.
فأما قوله: (ولا تعجز) فإنه لا يحسن بالمؤمن أن يعجز؛ وقد بقي في الأمر مطلع لاحتيال.
وقوله: (إذا أصابك شيء) يعين إذا احتلت ولم تفد فقد أعذرت ولا يترك
[ ٨ / ٤٤ ]
الاحتياط؛ لأن تارك الاحتياط لا يربح إلا الحسرة.
وفيه ما يدل على أنه يستحب للإنسان أن لا يكثر من قول: (لو) فإنها تفتح عمل الشيطان، ولكن ليتعض منها بذكر (قدر الله ﷿ ومشيئته)، ونعم العوض ذلك.
- ٢٢٨٤ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم)].
قد سبق هذا الحديث في مسند أبي قتادة وتكلمنا عليه، ونشير إليه ها هنا فنقول: إن رفع المصلي بصره إلى السماء سوء أدب منه فإنه ممثلا نفسه قائما بين يدي خالقه وليس من الأدب عند الوقوف بين يدي الملك برفع البصر إلى السماء.
قال الله ﷿ واصفا أدب نبيه - ﷺ - ليلة الإسراء بقوله سبحانه: ﴿ما زاغ البصر﴾ أي: ما التفت يمينا وشمالا (١٦/أ) ﴿وما طغى﴾ أي: ما زاد في الارتفاع. فإذا رفع طرفه إلى السماء في الصلاة فإن ذلك طغيان من طرفه.
وكذلك قال - ﷺ -: (لينتهين أقوام أو لخطفن أبصارهم). فأما كون عقوبتهم
[ ٨ / ٤٥ ]
أن تخطف أبصارهم؛ فإنه من نحو قول جبريل ﵇: (لو تقدمت أنملة لاحترقت).
- ٢٢٨٥ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - أدرك شيخا يمشي بن ابنيه، يتوكأ عليهما؛ فقال النبي - ﷺ -: (ما شأن هذا؟) قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر، فقال النبي - ﷺ -: (اركب أيها الشيخ؛ فإن الله غني عنك وعن نذرك)].
قد سبق في مسند أنس وتكلمنا عليه.
- ٢٢٨٦ -
الحديث الثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل، طيب الريح).
وفي رواية: (من عرض عليه طيب)].
في هذا الحديث من الفقه أن الريحان من أقوات الروح، وليس ذا قذر
[ ٨ / ٤٦ ]
فيرده الكريم مثله؛ لأنه إنما يرده لو رده لكراهية الإثابة عليه. أولا بأطيب الريح. والمؤمن يثيره عن الخلتين فلذلك نهى رسول الله - ﷺ - عن رده.
- ٢٢٨٧ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الشغار).
زاد ابن نمير: (والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوج ابنتي؛ أو زوجني أختك وأزوجك أختي)].
قد تقدم هذا الحديث في مسانيد جماعة وتقدم الكلام عليه.
- ٢٢٨٨ -
(١٦/ب) الحديث الثاني والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)].
وهذا قد تقدم في مواضع إلا أنه قد قيل: إن بيع الحصاة هو أنه كان المتبايعان إذا رمى أحدهما من يده حصاة كان ذلك علامة لتمام البيع، فنهى
[ ٨ / ٤٧ ]
عن هذا؛ وأبدلهم الشرع منه الإيجاب والقبول.
- ٢٢٨٩ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم).
وفي رواية: (إذا دعي أحدكم فليجب؛ فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم)].
في هذا الحديث من الفقه أنه إذا دعي الإنسان وهو صائم صوما واجبا فليقل: إني صائم. وأما إن كان صائما نفلا فقد جاء في حديث آخر: أنه يفطر، ويقضي يوما مكانه، إلا أنه في قوله: (فليقل إني صائم)، دليل على جواز إظهار العبادة، وفي ذلك تنوير الاقتداء به في ذلك، وليعلم أخوه المسلم أنه ما كان امتناعه إلا لأجل صومه لا لأنه تحرج من أن يأكل طعامه، أو لأنه عازم في أمره على غير الجميل، فلذلك امتنع لأن من عادة العرب ذلك في أنهم إذا أضمروا لأحد شرا لم يأكلوا من طعامه، فلذلك ارتاع إبراهيم من امتناع ضيفه.
وقوله: (فليصل) أي فليدع.
[ ٨ / ٤٨ ]
- ٢٢٩٠ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى يبعث ريحا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته).
وقال بعض الرواة: (مثقال ذرة)].
هذا المذكور في الحديث (١٧/أ) يتوقع كونه، وهو من علامات الساعة ولا بد من كون ما أخبر به رسول الله - ﷺ - فيجب الإيمان بكونه.
وفيه أيضا دليل على أن الله ﷾ يرفق بالمؤمنين عند قبض أرواحهم، لقوله - ﷺ -: (فيبعث ريحا ) الحديث.
- ٢٢٩١ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شهدا على النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر
[ ٨ / ٤٩ ]
على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
وفي رواية: (لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة).
وفي رواية: (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة)].
في هذا الحديث من الفقه أشياء منها:
أن قوله: (لا يقعد قوم) فإن قوما ها هنا نكرة؛ والنكرة شائعة في جنسها، فكأنه - ﷺ - يقول: أي قوم قعدوا (١٧/ب) يذكرون الله، كان لهم ما ذكر كله؛ فلم يشترط - ﷺ - ها هنا في (قوم) هنا قوما علماء، أو قوما لا ذنوب لهم؛ أو قوما فقهاء؛ ولا زهادا ولا ذوي مقامات.
وقوله: (يذكرون الله) فالذكر ها هنا ينصرف إلى الحمد لله والثناء عليه، فهذا هو الوجه الأظهر، ولا يبعد أن يكون منه أنه إذا قعد قوم فذكروا الله فيما يذكرون أنهم يباينون بذلك قوما يقعدون فلا يذكرون الله.
ثم قال - ﷺ -: (إلا حفتهم الملائكة) ومعنى حفتهم الملائكة أي ضايقتهم
[ ٨ / ٥٠ ]
الملائكة من قوله ﷿: ﴿حافين من حول العرش﴾ فكأن الملائكة قربت منهم قربا لم تترك بينهم وبينهم فرجة تتسع للشيطان.
(وغشيتهم الرحمة): في لغة العرب لا تستعمل إلا في شيء يشمل المغشي من جميع أجزائه وجوانبه، والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة لهم يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدمه إن شاء الله.
وأما قوله: (ونزلت عليهم السكينة) والسكينة: فعليه من السكون، يقتضي المبالغة، وذلك أن أهل ذكر الله على عقيب غشيان الرحمة لهم في ذكرهم لربهم، تنزل عليهم السكينة من الله، فلا ينزعجون لمخيف من دنيا؛ لعلمهم أنه لا يكون إلا تحت قدرة مذكورهم؛ فسكنوا واطمأنت نفوسهم بموعود الآخرة، استدلالا على حصوله بتوفيق ربهم بأن جعل ذكره شعارهم وشغلهم.
وقوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) فإن قوله - ﷺ - (١٨/أ) وذكرهم الله فيمن عنده يقتضي أن يكون ذكر الله لهم في الأنبياء وكرام الملائكة بأن يذكرهم ﷻ، ويجوز أن يكون معناه وذكرهم الله أي أثبتهم الله فيمن عنده؛ كما يقول الإنسان لأخيه اذكرني في كتابك.
وأما التنفيس: فإنه إنما ينصرف في العادة إلى الجزء اليسير من حل عقد فكان ثواب التنفيس عن المؤمن تنفيس كربة عنه يوم القيامة. فأما التيسير على المعسر؛ فإنه أبلغ من التنفيس؛ ولذلك كان ثوابه في الدنيا والآخرة.
وأما ستر المسلم فيجوز أن يكون إذا رآه على ذنب يستره أو يكون يستره بما
[ ٨ / ٥١ ]
يحمله على أن لا يهتك ستر نفسه: مثل أن يكون محتاجا إلى النكاح فيتوصل في تزويجه أو إلى الكسب فيقم له وجه بضاعة فيتجر بها.
وقوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) فإن هذا الإجمال لا يسغ تفصيله الطروس إلا أن منه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي أن لا يجبن عن إنفاذ قول إيمانا بأن الله في عونه.
ومنه أن رسول الله - ﷺ - لم يقل إن الله في عون العبد لحالة خاصة؛ بل ما دام العبد في عون أخيه؛ فإن الله في عون ذلك العبد المعين على الإطلاق.
وقد فسرت ألفاظ هذا الحديث في مواضع سابقة.
- ٢٢٩٢ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال النبي - ﷺ -: (العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته).
كذا فيما رأيناه في (١٨/ب) نسخ كتاب مسلم، وأخرجه البرقاني: (يقول الله: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئا منهما عذبته)].
[ ٨ / ٥٢ ]
قال الخطابي: معنى هذا الحديث أن الكبرياء والعظمة صفتان لله ﷿ اختص بهما لا يشركه فيهما أحد، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل، وإنما ضرت الرداء والإزار مثلا، يقول: - والله أعلم - كما لا يشرك الإنسان في ردائه وإزاره أحد فلا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق.
وأقول: إن متن الحديث قوله: (العز إزاره، والكبرياء رداؤه) وهذا العز معرفة، يعني أنه العز الذي لا ينبغي لغيره.
فأما العز فإن المؤمن إذا اعتز بالله كان في الحسن على نحو الخضوع لهيبة الله، وليس الاعتزاز بالله منازعة له سبحانه في العز، بل إيمان بأن العزة له، وثقة بأنه يعز حزبه، وينصر عباده، قال الله ﷿: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾.
وأما قوله: (والكبرياء رداؤه) فإن ذلك مما ينبغي لكل أحد أن يخرج الكبرياء من جميع أجزائه؛ لأن العبودية منافية للكبرياء؛ بل يخضع العبد لربه ويذل لسيده.
- ٢٢٩٣ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي - ﷺ -: (ينادي مناد: إن لكم
[ ٨ / ٥٣ ]
أن تصحوا ولا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا، وذلك قوله ﷿: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أو ورثتموها (١٩/أ) بما كنتم تعملون﴾.
وفي رواية: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا يبتلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)].
يبأس وتبأس: لغتان، والمعنى لا يرى البؤس، وهو شدة الحاجة.
وقوله: (تبتئسوا) المبتئس: الحزين، وهذا مما ينادى به أهل الجنة إذ أدخلوها؛ ليزيد طيب قلوبهم ويعظم بالنعيم والخلود سرورهم، جعلنا الله وإياكم منهم.
وذلك أن الصحة إنما آفتها السقم، والحياة والشباب إنما آفتهما الموت والهرم، والنعيم إنما آفته البؤس.
فهي التي كانت تخاف على هذه الأحوال فتنغصها على أهلها إما بحدوثها عليها، وإما بتخويف وقوعها، فلما كانت أول بشراهم في الجنة أن كل ضد كان لنعمة من هذه النعم قد آمنوا وقوعه، كان تناولهم كل لذة على تمام كمالها آمنين من كل مخوف فيها؛ إذ لولا أن يقال ذلك في كل نعمة من هذه النعم لم تصلح أن يكون من نعيم الجنة.
[ ٨ / ٥٤ ]
- ٢٢٩٤ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن عبيد الله بن أبي رافع قال: (استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة يوم الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة، في الركعة الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾. قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب ﵇ يقرأ بهما في الكوفة، فقال أبو هريرة: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بهما في الجمعة.
وفي رواية: فقرأ (سورة الجمعة) في السجدة الأولى، وفي الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾].
في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله (١٩/ب) - ﷺ - إنما قرأ بهاتين السورتين لما في سورة الجمعة من ذكر الجمعة، ولما في سورة المنافقين من ذمهم وتخلفهم عن الجمعة، وعن غيرها من الفرائض تحذيرا من مثل حالهم، والله أعلم.
وقال بعض العلماء: إنما سن في يوم الجمعة أن تقرأ سورة الجمعة في صلاتها؛ لأن فيها امتحان اليهود، واعتبار دعواهم، وتبيين كذبهم بتمني الموت؛ وأما سورة المنافقين فلما فيها من ذكر المنافقين والإعلان بالعناء وتبكيت من زعم أنه إذا لم ينفق على رسول الله - ﷺ - انفض أصحابه من حوله
[ ٨ / ٥٥ ]
لقوله سبحانه: ﴿ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ وامتحان من ادعى العزة وتبكيته وكيده بقوله سبحانه: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾.
- ٢٢٩٥ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك)].
وقد سبق الكلام على فضيلة الإنفاق على الأهل، وأنها مقدمة على الإنفاق في غيرها من جهات الخير في مسند سعد بن أبي وقاص، وفي مسند أبي مسعود الأنصاري، وإنما فضل الإنفاق على الأهل؛ لأن ذلك واجب بخلاف غيره من النوافل، ونشير إليه هنا بزيادة: وإنما فضلت النفقة على الأهل بعدها على الواقع في قلوب الناس؛ فإن المنفق درهما في رقبة أو على مسكين يرى بعين المتطوع المتنفل، ويرى أنه أنفق ما أنفق بفضله، والذي ينفق على (٢٠/أ) أهله إنما أنفق ما كان واجبا عليه وبعيدا عن الحمد عليه، والأعمال إنما تتقرب إلى الله بقدر ما تبعد من الدنيا وتبعد من الله بقدر ما تقرب من الدنيا.
[ ٨ / ٥٦ ]
- ٢٢٩٦ -
الحديث الأربعون:
[عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد سأل الأعمش، قال: (لما كان يوم غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (افعلوا)، فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: (نعم)، قال: فدعا بنطع، فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير.
قال: فدعا رسول الله - ﷺ - بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعيتكم)، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلى ملؤوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله - ﷺ -: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة).
وفي رواية: (كنا مع النبي - ﷺ - في مسير، فقال: فنفدت أزواد القوم، حتى هم بنحر بعض جمالهم. قال: فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها؟ قال: ففعل، قال: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواة (٢٠/ب).
[ ٨ / ٥٧ ]
قلنا: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: يمصونه ويشربون عله الماء، قال: فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزودتهم، قال: فقال عند ذلك: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)].
في هذا الحديث من الفقه أن نحر الظهر عند اشتداد الضرورة جائز، لإذن رسول الله - ﷺ - في ذلك.
وفيه أيضا أن العدول عن ذلك لما فعله رسول الله - ﷺ - من جميع الأزواد والدعاء عليها أفضل.
وفيه جواز أن يشير على الإمام ذو الرأي والكلمة المسموعة من أصحابه كإشارة عمر على رسول الله - ﷺ -.
وفيه أيضا دليل على جواز الرجوع إلى قول الصاحب عن معاينة الأولى والأجدر، وترك العزم الأول.
وفيه أيضا من الفقه جمع رسول الله - ﷺ - بقية أزواد القوم ليدعوا فيها بالبركة التي لا تخفى منها مكانها ولم ينكر لهم سؤال أطعمه.
وفيه أيضا دليل واضح على صحة نبوته - ﷺ -، فإنه قد دل هذا الحديث على أنه ملئ من ذلك القدر الطفيف كل مزادة في العسكر، وفصلت فضله حتى قال رسول الله - ﷺ -: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله).
وفيه أيضا دليل على أنه يستحب تجديد الشهادة عند تجديد كل نعمة أو ظهور آية؛ فإن رسول الله - ﷺ - لم يكن على شك من أنه لا إله إلا الله وأنه رسول الله؛ لأنه شهد بالوحدانية ولنفسه بالرسالة عند تجدد هذه النعمة.
[ ٨ / ٥٨ ]
* (٢١/أ) وفيه أيضا أن كل من لقي الله غير شاك في الكلمة لم يحجب عن الجنة.
- ٢٢٩٧ -
الحديث الواحد والأربعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس).
وفي رواية: (أن شجرة كانت تؤذي الناس، فجاء رجل فقطعها، فدخل الجنة).
وفي رواية: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة).
وفي رواية قال: (بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له)].
* هذا الحديث قد سبق في المتفق عليه من هذا المسند، وتكلم عليه هناك.
* وقوله: (يتقلب في الجنة) يعني يذهب منها حيث شاء؛ كما يقال: يقلب المسافر في الأرض.
* وفيه أيضا أن الشجرة إذا كانت تؤذي عموم الناس في طرقهم؛ فإنها تقطع
[ ٨ / ٥٩ ]
وإن كانت ملكا لواحد منهم من غير إذنه، إلا أن هذا يبني على أن الشجرة تكون قد أحدثت بعد الطريق المسلوك فيها لأنه لم يذكر في هذا الحديث أنها كانت غير مملوكة، بل أطلق فأدخل في الإطلاق ما يملكه الآدميون وما لا يملكونه.
- ٢٢٩٨ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)].
* هذه الكلمات قد فسرناها في مسند سمرة بن جندب وأوضحنا الكلام عليها هناك، وفي مواضع قد تقدمت.
* ومعنى الحديث: لو كان له ذلك الفقه في سبيل الله كان التسبيح أكبر ثوابا؛ إذ لا يعادل (٢١/ب) ذكر الله شيء، إلا أني أشير ها هنا مع أنه ما تقدم ذكره إلى التنبيه على حسن هذا الترتيب في النطق بهذا التسبيح فأقول: إن قوله - ﷺ - (سبحان الله) مبتدئا بها على سائر الكلمات لأنها تنزيه الله سبحانه، فكانت مستحقة للتقديم لأن الثناء إنما يترتب على أس التنزيه نفي لكل ما لا يجوز، فلما انتفت النقائض، وكل ما لا تجوز عليه سبحانه، كان ذلك على نحو إخراج الكفر من القلوب، ثم إيداعها الإيمان بقوله سبحانه: ﴿فمن يكفر بالطاغوت
[ ٨ / ٦٠ ]
ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾، وليكون العاقبة للحق فلما قال العبد: سبحان الله أتبعها حينئذ بالحمد لله.
* وفي قول القائل: (الحمد لله) ثناء ممزوج بشكر ومدح من محسن إليه بنعم منها توفيقه لذلك التنزيه المتقدم على هذا الحمد.
* فإذا قال العبد بعد سبحان الله: (الحمد لله، ولا إله إلا الله)، كان قوله لها بعد نفي النقائص عن الذات وبعد الحمد نفيا للشركاء والأنداد والآلهة، ثم أتبعها بقوله: (الله أكبر) والله أكبر بعد ذكر لا إله إلا الله في أحسن مواقعها؛ لأنها تشتمل على أن يكون سبحانه أكبر من أن يكون معه إله غيره، وأكبر من أن يحمد سواه وأكبر من أن لا ينزه؛ وكأنها خاتمة النظام.
- ٢٢٩٩ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)].
* في هذا الحديث من الفقه (٢٢/أ) أن رسول الله - ﷺ - قدم القسم على ما يريد الإخبار به؛ احتفالا منه بذلك؛ وليمهد في كل قلب سامع يحقق ما يريد
[ ٨ / ٦١ ]
أن يخبر به، وذلك أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ثم أتبع هذا بأن قال: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا) يعني - ﷺ - أن الله ﷾ قضى بين المؤمنين بالأخوة؛ فكل مؤمن أخو كل مؤمن، وإنما يتميز أخو الرجل من النسب بالميراث؛ الذي كثيرا ما يكون سبب العداوة؛ كما أن المؤمن مع المؤمن قد غرس الله في كل قلب منهما مقتضى الوداد.
* إيمان المؤمن بالله يستدعي أنسه بالمؤمن؛ لأنه رفيقه في طريق قليلة السالك ومعينه في ماقط كثير الخصوم، وأمينه على أسراره التي لا يطلع عليها إلا المؤمنون.
* فهو يجد منه ضالة، ويكفي منه عونا، ويصادق منه مسلاة وعوضا عن فوائت. فالتحابب في المؤمنين يكثر سوادهم القليل وينعش جرمهم الضئيل.
* ثم قال - ﷺ -: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟: أفشوا السلام بينكم) فأرشد إلى ما يغرس الحب، وهو إفشاء السلام، وذلك لأنه - ﷺ - نبه بأيسر ما يأتي به العبد منها بذلك على ما فوقه.
- ٢٣٠٠ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا).
وفي رواية: (من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت
[ ٨ / ٦٢ ]
حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام)].
* هذا الحديث (٢٢/ب) يتضمن استعمال أدب الجمعة، ويدل على أن الغسل لها ليس بواجب، ويأمر بالاستماع للخطبة، ويحث على القرب من الخطيب، ويحرص على الإنصات.
* فأما مس الحصا؛ فإنه يحدث صوتا يلفت بعض الحاضرين عن سماع الخطبة؛ فكأن فاعل ذلك قد تكلم.
* وأما قوله: (غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام) فلأن الحسنة بعشر أمثالها؛ فكانت الأيام الثلاثة متممة للعشر.
- ٢٣٠١ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أبي هريرة، قال: جاء أناس من أصحاب النبي - ﷺ - إلى النبي - ﷺ - فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن نتكلم به، قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم. قال: (ذاك صريح الإيمان)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود وشرحناه هنالك وبينا أن
[ ٨ / ٦٣ ]
صريح الإيمان هو المانع من قبول وسوسة الشيطان. وتعاظم ذلك في نفوسهم هو الإيمان. وقد ذكرناه أيضا في خصال الإيمان وشعبه.
- ٢٣٠٢ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)].
* أما الطعن في النسب: فإنه من عظائم الذنوب؛ لأنه يوجب القذف، والقذف كبيرة.
* وأما النياحة فقد أوضحنا الكلام فيها في مسند عمر بن الخطاب وابن عمر ﵄، ومعنى تسمية رسول الله - ﷺ - الخصلتين كفرا (٢٣/أ) فإن الكفر في أصل اللغة: معناه التغطية، وأن الطاعن في نسب إنسان فإنه يريد تغطية الحق في نسبه، فهو يكفر من هذه الجهة؛ وكذلك النياحة فإنها من قبيل التشنيع على القدر وإظهار التسخط لما كان من حكم الله، مع إعراض النائحة عن نعم الله تعالى البواقي، وعما يجب له ﷾ من الصبر تسليما لحكمته وحسن نظره لعبده؛ فتكون النياحة كفرا من هذا الوجه.
[ ٨ / ٦٤ ]
- ٢٣٠٣ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟) قلنا: نعم، قال: (فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)].
* هذا الحديث قد سبق في هذا المسند، فهو بعد السبعين والمائتين من المتفق عليه، وقد فسرناه هنالك، وأشير إليه ها هنا فأقول: إن قوله - ﷺ -: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟) فلا أراه ذكر الثلاث إلا أنه أقل الجمع فيعني أنه كلما زاد قراءة الآيات من المصلي في صلاته كان له بعددهن من الثواب.
* فأما قوله: (أن يجد فيه) فالضمير فيه عائد إلى البيت. والمعنى في ذلك: أن مظنة القراءة والتطويل فيها إنما يكون في البيوت ومما يصلي فيه الإنسان لنفسه دون الجماعات؛ فإن تلك لا يستحب فيها التطويل كهذه.
[ ٨ / ٦٥ ]
- ٢٣٠٤ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (المدينة حرم (٢٣/ب) فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل).
زاد في حديث سفيان عن الأعمش: (وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم؛ فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف).
وفي رواية: (ومن وإلى غير مواليه بغير إذنه).
وفي رواية: (من تولى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)].
* أما فضيلة المدينة وكونها حرما، وذكر من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فقد سبق شرح ذلك كله، فذكرناه في مسند سعد بن أبي وقاص، وفي مسند عبد الله بن زيد الأنصاري، وفي مسند سهل بن حنيف، وأشير إليه ها هنا فأقول: إنما غلظ إثم المحدث بالمدينة من حيث إنه يعتدي على رسول الله - ﷺ - بمرأى منه، ويحدث في شريعته بحضرته المقدسة؛ فإن من يعصي ملكا من
[ ٨ / ٦٦ ]
ملوك الدنيا يعينه أهون من أن يحضر معصيته في مجلسه أو بحضرته، وقد قيل: إن الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة.
* وقوله: (ذمة المسلمين واحدة) قد سبق بيانه، وكذلك قد شرحنا قوله: (من تولى قوما بغير إذن مواليه) وبينا أن المراد المنع من ذلك لأن مواليه لا يأذنون أن يتولى غيرهم.
- ٢٣٠٥ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: أتت فاطمة بنت النبي - ﷺ - تسأله خادما؟ فقال لها: (قولي اللهم رب السموات السبع ).
(٢٤/أ) وفي رواية سهيل بن أبي صالح، قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، خالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وغننا من الفقر). وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -.
[ ٨ / ٦٧ ]
وفي رواية: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا أخذنا مضطجعنا أن نقول وذكر مثله، إلا أنه قال: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها).
وفي رواية: أن فاطمة ﵂ أتت النبي - ﷺ - تسأله خادما وشكت العمل، فقال: (ما ألفيتيه عندنا) وقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ تسبحين ثلاثا وثلاثين، وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك)].
* أما ما يرجع من هذا الحديث إلى فاطمة ﵍ وذكر الخادم، فقد سبق شرحه في مسند علي ﵁.
* وأما ما يرجع إلى القول عند النوم، ففيه من الفقه: أنه ذكر السموات بلفظ الجمع، وذكر الأرض بلفظ التوحيد، ثم جمع ذلك كله بقوله: (رب العرش العظيم) فإن العرش محيط بالأشياء كلها، فهن في جنبه كحلقة ملقاة في أرض فلاة، فدعى - ﷺ - بالتفصيل والإجمال.
* وقوله: (ربنا) (٢٤/ب) أي رب الخلق. وقوله: (رب كل شيء) إجمال يشمل على الصور والمعاني وسائر الموجودات، ثم ذكر مصنوعاته فقال: (فالق الحب والنوى) فإنه إذا نظر ناظر بعين فهمه إلى فلق الحبة والنواة عن سنبلة ونخلة رأى كلا منهما ينغلق عن كمام فيها ودائع من جنس ما أنشئنا منه، فعلم أن فاعل ذلك لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم ذكر إنزاله الكتب
[ ٨ / ٦٨ ]
فقال: (منزل التوراة والإنجيل والفرقان) فهذه هي الكتب المتأخر نزولها، التي أفضى إليها أمر ما كان نزل قبلها، على أنها تصدق كل ما نزل بين يديها.
* وقوله: (فليس قبلك شيء) فالمعنى أنت الأول ولا قبل لك، (وأنت الآخر) ولا بعد ذلك أي شيء بعدك، ويجمع هذا أي جمع قوله ﷿: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾.
* وقوله: (اقض عنا الدين) فيه دليل على استحباب سؤال ذلك، وسؤال الغني من غير كراهية لذلك.
- ٢٣٠٦ -
الحديث الخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلتي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)].
* هذا الحديث يدل على فضيلة السجود، ومما يزيد المؤمن رغبة فيه أنه يحزن به الشيطان ويسوؤه.
* وفيه أنه يكمد إبليس من حيث إنه الذي كان سبب بعده وطرده هو الامتناع عن السجود؛ فلما وفق الله لذلك المسلمين عند ذكر كل سجود كان أنكأ لقلبه؛ لأنه تجديد لمصابه، فهو كنكأ للجرح.
[ ٨ / ٦٩ ]
* (٢٥/أ) وفيه: أن السجود من الملائكة كان لله ﷿ من أجل آدم ومعنى قوله سبحانه: ﴿لآدم﴾ أي من أجل آدم، والدليل عليه قوله ﷿: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾.
* وفيهم حملة العرش، ومن تتباعد المسافة بين مقامات عباداتهم، فلم يكن سجودهم إلا لله سبحانه، وهذه اللام: لام من أجل، وهذا مما ذكره الشيخ محمد بن يحيى ﵀.
- ٢٣٠٧ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)].
* في هذا الحديث ما يدل على تشديد التحريم لنيل الصحابة بسب أو قذع أو أذى؛ ولقد أتى في هذا النطق ما يخبر أن درجاتهم لا تبلغ تقليل، وأن أحدهم لا يقال له قليل؛ حتى إن أحدنا لو أنفق مثل الأرض ذهبا لما بلغ من جنس
[ ٨ / ٧٠ ]
الإنفاق ما يكون مقداره مدا واحدا من الصحابة أنفقه أحدهم ولا نصف ذلك المد، وهذا إنما ضربه رسول الله - ﷺ - مثلا في النفقات فيقاس عليه: الصلوات والصيام والحج والجهاد وسائر العبادات؛ فإنها في معناه.
* وأما قوله - ﷺ -: (لو أن أحدكم) بكاف الخطاب للحاضر المواجه؛ فإنه خطاب في هذه الصورة لأبي هريرة، فينصرف التحذير منه - ﷺ - لسائر الصحابه؛ ممن رآه - ﷺ - من أن يسب أفاضل الصحابة الذي تخصصوا بصحابته وكثرة (٢٥/ب) ملازمته، والهجرة معه، والقدم في الإسلام، هذا يكون أشد في النهي عن ذكر الصحابة إلا بالخير لمن جاء بعدهم، لأنه إذا كان من شمله اسم الصحابة ولحقته بركتها وحظي بهذا الاسم الكريم لا يبلغ عمله لو أنفق مثل أحد مد أحد القدماء من الصحابة والفضلاء ولا نصف المد، فكيف لمن جاء بعدهم!.
* وفيه أيضا إشارة إلى أن الله تعالى أطلع رسوله على الغيب من أن قوما يجيئون في آخر الزمان وينتقصون أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃، فكان تحذيره كافة أصحابه من ذلك في ضمن قوله: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا) ولم يذكر أنه لو أن أحدكم سب واحدا منهم لم يكفر عنه ذلك كذا وكذا؛ بل رفع طبقة أصحابه من أن تجوز سب أصحابه عنهم؛ ولكن أشار إلى أن لحقا مرتبتهم وبلوغ شأنهم في الفضل ممتنع يستحيل؛ لأن أحدكم غاية أمره أن ينفق مثل أحد ذهبا في سبيل الله، ولو أنفقه لما أدرك به مدا لواحد من الصحابة القدماء ولا نصيفه، فإنا كان هذا حال من يريد أن يبلغ إلى مراتبهم، فما الظن لمن يذهب إلى تنقصهم أن يسبهم مما جاء بعدهم.
[ ٨ / ٧١ ]
- ٢٣٠٨ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على استحباب الدعاء في السجود.
* وفيه ما يدل على أن قرب العبد من ربه، إنما هو عند انتهائه (٢٦/أ) في التواضع إلى غاية وسعه؛ فإن حالة سجود العبد هي غاية ما يناله وسعه من الخضوع بين يدي ربه.
- ٢٣٠٩ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في سجوده: (اللهم اغفر لي ذنبي كله: دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره)].
* كان النبي - ﷺ - يستغفر ربه ﷻ بهذا الاستغفار، فإن صح أنه كان قبل نزول سورة الفتح؛ فإن الله استجاب له فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإن كان بعدها فإن استغفاره شكر لربه ﷿، واستجابة لرحمته وفضله.
* وقوله: (دقه وجله) فإن دق الذنوب يصلح أن يستغفر منه؛ كما يستغفر من
[ ٨ / ٧٢ ]
الجل.
* وقوله: (وأوله وآخره) هذا طلب لمحو أثر الذنب كله، وأما ذنوب البشر فإنها تعظم لمواجهة الخالق وحده بها، وأما ذنوب العلانية فكشهادة المسلمين بها فاستغفر رسول الله - ﷺ - من الكل، ويجوز أن يكون استغفاره هذا لأمته.
- ٢٣١٠ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من نفاق)].
* في هذا الحديث من الفقه الحث على الجهاد أو تمنيه؛ لمن لم يمكنه النهوض إليه، فإن لم ينهض فهو على شعبة من النفاق؛ فإن النفاق ضد الصدق، والصدق في أعداء الله تجريد حربهم سرا وجهرا، فشأن المؤمن أن يكون محاربا (٢٦/ب) لأعداء الله إن استطاع ذلك معلنا به، وإلا كان ناويا وعازما عليه؛ فإذا ضرب عن ذلك في جهره، ثم أضرب عنه في سره؛ فإنه على شعبة من النفاق؛ إذ الشعبة قد تؤدي إلى الوادي.
- ٢٣١١ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أبي هريرة يرفعه مرة قال: (تعرض الأعمال في كل يوم خميس
[ ٨ / ٧٣ ]
واثنين، فيغفر الله ﷿ لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحان).
وفي رواية: (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين ) وذكر نحوه.
وفي أخرى: (اتركوا هذين - أو اركوا هذين - حتى يفيئا).
وفي رواية: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلى رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا).
وفي رواية: (إلا المتهجرين). وحكى أبو مسعود: (تفتح أبواب السماء كل اثنين وخميس)].
* سبق النهي عن هجر المسلم أخاه ما قد سبق في مسند أبي أيوب، وفي مسند ابن عمر، وفي مسند أنس ﵃.
* والشحناء: العداوة، ومعنى (اركوا هذين حتى يفيئا) أي أخروهما حتى يرجعا عن التقاطع، وإنما يؤخر غفران ما بينهما لأجل أن أمرهما لم ينفصل بعد بينهما، وفي هذا تحذير من العداوة واللجاج.
وإنما جعل هذان اليومان كالفصلين في الأسبوع، يتقدم كل يوم منهما
[ ٨ / ٧٤ ]
يومان، ويتأخر عنه يومان، وتكون الجمعة منفردة بنفسها.
* وفيه تنبيه على أن رسول الله - ﷺ - (٢٧/أ) أعلم أمته بأن الله يستعرض صحائف الخلق في كل أسبوع مرتين، فيمحو السيئة، ويغفر الهفوة، ويعفو عن الزلة، إلا حالة المتشاحنين؛ فإنه لو غفر أحدهما كان ذلك طيا لحق مشاحنه، فلما كان الأمر بينها واقفا من جهتهما معا وقف الأمر في قضيتهما على ما يفضي إليه حالهما، وكان هذا شديدا في تحذير المؤمن من المشاحنة، وهي أن يطيع كل من المسلمين شحناه في الآخرة، ويتبع حقده ودخله ووتره.
* فأما موجباتها فكثيرة، فمنها ما يكون من حسد يبلغ بصاحبه إلى بغض المحسود ومشاحنته، وأكثر ما يعرض هذا في الأقرب نسبا أو حالا أو دارا أو ولاية فالأقرب.
* وقد يكون الشحناء عن الكبر؛ فإني رأيت أكثر ما يثير الشر بين المسلمين الكبر؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ يعني حل لطباعه أن تمتد إلى ما تقصر عنه مقاديرهم.
ولقد كتبت إلى الإمام المقتفي ﵁ مرة، وأنا في المخزن، فقلت له: إني أخاف أن أكون قد أحللت نفسي منك بمنزلة لم تحلني أنت بها، فاقطع أنا بمقتضى ظني قطعا زائدا، وإذا أقمت أنت أمري على ما أنزلتني فيه من ظنك، كان ذلك المقام متأخرا عن المقام الذي طمعت فيه، فيثبت ذلك فيما بيننا في الأحوال والأقوال، فتعود مسألة خلاف تثير جدلا لا تنطق به الألسن ولا تحتوي عليه الطروس، ولكن تشهد به الأحوال، وتفصح عنه الاتفاقات،
[ ٨ / ٧٥ ]
فقد رأيت أن أتداوى من هذا الداء أنني لا أشير إلى مرتبة إلا وأقمت نفسي دونها، ولا أنجذب بطبعي (٢٧/ب) إلى درجة إلا أنزلت نفسي إلى الانحطاط عنها.
فالكبر أصل فساد ما عليه الناس، فإن من يتكبر لا يقنع بأن يتكبر هو على الناس نفسه، حتى يعمل على ذلك غيره، فيلوم أهل التواضع فعلهم إياه، من حيث إنهم يظهرون شعارا السنة التي تكسر بدعته، ويحبون منها ما أماته من جهله.
والكبر فهو غمط الناس وبطر الحق، هذا هو حده، فليس منه أن يكون الرجل جميل الثوب، طيب الريح، طويل السمت، كريم الجلساء، وإن من جمال ثوب الإنسان طهارته في نفسه، وحله في جنسه، وكونه وفقا للسنة في هيئته، وليس من جماله أن يبالغ في ترقيعه، ولا أن يجعله يسحب من ورائه.
* ومن الشحناء: البغي، والبغي يتنوع، وأظهره وأشده الذي يفضي بصاحبه إلى قتال أهل الحقن كما قال ﷾: ﴿فإن بغت إحداهما﴾ الآية. وقد ذكرنا فيما تقدم من ذلك ما فيه وضوح بحمد الله سبحانه.
* ومن البغي أيضا أن يبغي الرجل على أخيه، ويرى أن أخاه هو الباغي، وهذا فيه خلاص له من دائه هذا بأن يحكم في علته أمر الشرع، فإن حكم الشرع لصاحبه انقادا، وله قنع.
[ ٨ / ٧٦ ]
* وقد بينا أن الشحناء نتيجة الكبر وفرعه، وأن الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، ويحتاج إلى بيان هذين الحدين اللذين يحتوي الكبر عليهما لينتهى عنهما؛ فنحيت الشيء من أصله ويحسم مادته من بابه.
* فأما بطر الحق؛ فالذي أراه فيه أنه ينبغي للمحق أن يكون في حقه حذرا من أن يتجاوز بنفسه في رؤيته أنه محق، فيبطر بذلك الحق (٢٨/أ) بطرا يظهر عليه في الناس، ويكون على نحو الذنب الذي لا يتوب منه صاحبه؛ لأنه يرى أنه قد استطال بواجب شمخ على الناس بحق، فهذه من آفات المحقين.
فينبغي أن يكونوا على نحو من أن يثقل في الميزان انكسارا لمذنبين عند بطرهم هم لحقهم فيسف ويحف بحقهم ببطرهم فيه، ويثقل انكسار المذنبين، ويرزن بتواضعهم فيه.
وهذا فإنما يكون السالم منه من وفقه الله في حقه؛ لأن يكون متمنيا أن يبلغ إليه كل مسلم لم يلحق درجته، وأن يرحم من قصرت به قدرته عن لحاقه، وأن هذا من آفات هذا البطر أن يعرض المقصود عمن قصده ولا سيما إذا كان قصده في الدين أو يشرع في تنفير خلق الله عن أبواب الله أو يشدد عليه حكم الله، إذا سأله عنه بغير ما أمر الله به إلى غير ذلك من آفات بطر الحق.
* فأما غمط الناس؛ فقد روي ذلك بالطاء والصاد، والمعنيان متقاربان، وكلاهما يعود إلى احتقار الناس، والتطاول عليهم، فدل هذا الحديث الذي نحن في تفسيره أن الله تعالى يغفر في كل اثنين وخميس للعباد إلا للمتشاحنين، والمتشاحنان أن يكون كل منهما ذا شحناء فلا يتناول هذا النطق أن يكون رجل يخاف شر رجل ولا يأمن السوء من جهته، وذلك الآخر غير
[ ٨ / ٧٧ ]
خائف منه، كما يخاف الآخر؛ فإن ذلك الخائف لا يزول استحاشة مما يخافه إلا بوجود أمنة منه؛ فلا يكون الخائف أحد المتشاحنين.
وكذلك رجل هجر رجل في بدعة ابتدعها في الدين، وهجره لأجل الله تعالى، ولئلا يراه المسلمون زائرا له، (٢٨/ب) ومقاربا سبيله، فيعتقدون صحة ما عليه المبتدع؛ فاستمر على هجرانه ذلك لأجل هذه الحال؛ بعد أن نصحه فلم ينتصح، واجتهد في إصلاحه فلم ينصلح؛ فهجره، فليس ذلك بمشاحن؛ إلا أنه ينبغي له أن يكون راحما له في الباطن، وداعيا له بأن يرحمه الله، ويرده إلى الحقن كما روي عن أحمد ﵁ من الدعاء في ذلك بما قدمناه.
* وليس من التشاحن الرجلان يكون بينهما الحكومة أو العرض أو المعاملة فيبغي أحدهما على الآخر كما قال سبحانه: ﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾.
إلا أن هذا في الخلطاء من المؤمنين لا ينبغي أن يبلغ بهم إلى التقاطع والتهاجر؛ بل أحبهما إلى الله أرفقهما بصاحبه، وأيسرهما لأخيه، وأصبرهما على رفيقه لقوله: (يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
* فأما المتشاحنان الذي ينصرف إليهما إرجاء الغفران؛ فإنهما قد يكونا متحاسدين أو متكبرين أو باغيين أو متقاطعين أو متنافسين أو متماثلين أو متقاربين؛ فليحذر المؤمن من هذه الحالة، وليغفرها لأخيه خائفا أن يفوته
[ ٨ / ٧٨ ]
شحناء أخيه ود ومحبة الله لهن وليبادر الفيئة منها؛ فإن من استبدل من محبة الله ومغفرته شحناء أخيه لممن يشمله قول الله ﷿: ﴿بئس للظالمين بدلا﴾.
- ٢٣١٢ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (عليك السمع والطاعة، (٢٩/أ) في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك)].
* قد سبق شرح هذا المعنى في مواضع كثيرة فيما تقدم.
- ٢٣١٣ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة. فقال: (أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرك)].
[ ٨ / ٧٩ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن من كلمات الله التامات قوله للشيء: كن، إذا أراد تكوينه؛ فإذا استعان الإنسان بما عنه تنشأ المكونات كان ذلك حسما لمطالع ما يخافه من المؤذي.
* وفي هذا الحديث جواز أن يقول الرجل: لو كان كذا؛ لكان كذا.
- ٢٣١٤ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي أيوب، وتكلمنا عليه.
[ ٨ / ٨٠ ]
- ٢٣١٥ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)].
* هذا الحديث يشتمل على دعاء شامل، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله - ﷺ -.
* فأما قوله: (أصلح لي ديني) فإنه بدأ بالأهم، وهو الدين (٢٩/ب)، ثم وصفه بأنه عصمة الأمر في الدنيا من الهلكة، وفي الآخرة من النار.
* ثم ذكر بعد ذلك الدنيا فقال: (وأصلح لي دنياي) والدنيا صفة لموصوف محذوف، والمحذوف هو الحياة، فإذا قلت الدنيا؛ فمعناه الحياة الدنيا؛ فلما أضافها - ﷺ - فقال: (دنياي) أضاف الصفة إليه - ﷺ -.
* ثم ذكر العذر في سؤاله إصلاحها؛ بأن قال: (التي فيها معاشي) يعني التي أعيش فيها لأعبدك، ومن المعاش الكسب والسعي في الأرض لاستجلاب الرزق وذلك قد يكون عبادة لله ﷿، ثم عقب ذلك بأن قال: (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي) فرتب - ﷺ - الآخرة بعد الدنيا من
[ ٨ / ٨١ ]
حيث إنها بعدها زمانا ووقتا، ثم ذكرها - ﷺ - ليكون ذكره لها إيمانا بها وإقرارا بالمعاد إليها، ثم طلب - ﷺ - ليكون ذكره بعد ذلك كله، أن يجعل الله ﷾ الحياة زيادة له في كل خير؛ لأن الحياة إنما يقصد بها المؤمنون أن يزدادوا من الخير عند ربهم ﷻ.
* ثم قال: (واجعل الموت راحة لي من كل شر) فأراد - ﷺ - أن يجعل الموت راحة له من كل شر، لا من عبادة الله سبحانه وخدمته، فإن العبادة خير.
- ٢٣١٦ -
الحديث الستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي، إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا)].
* قد سبق قبل هذا الحديث بقريب ذكر هذا الحديث وأحلنا فيه (٣٠/أ) على ما شرحناه في مسند سعد بن أبي وقاص وغيره فيما يتعلق بالمدينة.
- ٢٣١٧ -
الحديث الحادي والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يمينك على ما يصدقك به صاحبك).
[ ٨ / ٨٢ ]
وفي رواية: (على ما يصدقك عليه صاحبك).
وفي رواية: (اليمين على نية المستحلف)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الحالف إذا حلف على شيء وتأول في ذلك تأويلا يخرج منه عند نفسه من يمينه لم يبر ولا يكون صادقا إلا أن يكون مظلوما أو مقهورا.
فأما إن تأول في يمينه، كرجل قال: والله (بالرفع)، وكان مستحلفه لا يعرف العربية، ولا يعلم أن من شرط القسم أن يكون مجرورا؛ فإذا حلف على هذا الوصف لمن قد ظلمه على اليمين من جورة السلاطين؛ فإن ذلك يضع عنه الحرج في مثل هذه الصورة، فإن كان ظالما فإنه يحنث ويكون كاذبا عند الله.
وكذلك لو مر عليه رجل قد هرب من ظالم فرآه ثم سأله الظالم عنه، قال: والله ما رأيته، يريد ما ضربت رئته، والظالم يظن أنه يريد ما رأيته، فإنه لا بأس بمثل هذا في هذه الصورة.
- ٢٣١٨ -
الحديث الثاني والستون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - كان على جبل حراء، فتحرك فقال النبي - ﷺ -: (اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق، أو شهيد)، وعليه النبي - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص.
[ ٨ / ٨٣ ]
وكذا رواية مسلم، لم يذكر عليا وزاد سعدا، وكذا أخرجه البرقاني.
وقد أخرجه البرقاني من رواية معاوية بن أبي صالح: أن النبي - ﷺ - (٣٠/ب) كان على حراء ومعه أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵃ أجمعين، فتحول الجبل فقال - ﷺ -: (اسكن حراء فليس عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، فسكن الجبل).
وفي رواية: (كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعلي وعثمان وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله - ﷺ -: (اهدأ فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند سهل بن سعد، وفي مسند أنس، وذكرنا ما بلغنا أن أبا الحسين بن سمعون رأى في ذلك أن اهتزاز الجبل طربا بهم أو عجزا عن حملهم إلا أن الذي أرى فيه مع استحساني ما ذكره ابن سمعون ﵁ أنه إشارة من النبي - ﷺ - إلى شهادة لأبي بكر بالصديقية وللباقين بالشهادة، فمن قتل منهم فهو شهيد، ومن مات منهم فإنه لم يمت إلا متمنيا لأن يستشهد في سبيل الله.
* وفيه أيضا: أن الصديق أفضل من الشهيد؛ لأنه قدمه عليه، وجعله مرتبة
[ ٨ / ٨٤ ]
بين النبوة والشهادة.
- ٢٣١٩ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أبي هريرة، أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: (نعم).
وفي رواية أن سعد بن عبادة الأنصاري، قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد (٣١/أ) مع امرأته رجلا أيقتله؟ قال رسول الله - ﷺ -: (لا). قال سعد: بلى، والذي أكرمك بالحق، فقال رسول الله - ﷺ -: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم).
وفي رواية قال سعد: يا رسول الله، لو وجدت مع أهلي رجلا، لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله - ﷺ -: (نعم). قال: كلا والذي بعثك بالحق؛ إن كنت لأعالجه بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله - ﷺ -: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم أنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني).
كذا في كتاب مسلم: (لأعالجه).
وفي رواية البرقاني: (لمعالجه)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود وغيره، وبينا فيه أن قوله - ﷺ -: (والله أغير مني) فإن الله ﷿ على كونه أشد غيرة من خلقه فإنه هكذا
[ ٨ / ٨٥ ]
شرع لئلا ينفسح متتابع إلى ما لم يشرعه الله ﷿ مسميا ذلك غيرة.
- ٢٣٢٠ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (من حلف على يمين، فرأى خيرا منها، فليكفر عن يمينه، ولفعل الذي هو خير).
وفي رواية: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه).
وفي رواية: (أعتم رجل عند النبي - ﷺ -، ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، وأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا (٣١/ب) له فأكل، فأتى سول الله - ﷺ - فذكر له، فقال رسول الله - ﷺ -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند عدي بن حاتم، وفي مسند عبد الرحمن ابن سمرة، وفي مسند أبي موسى، وتكلمنا عليه.
[ ٨ / ٨٦ ]
- ٢٣٢١ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أبي هريرة أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى النبي - ﷺ -، فإذا أخذه رسول الله - ﷺ - قال: (اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)، قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك التمر.
وفي رواية: (كان يؤتى بأول الثمر فيقول: (اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة). ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان)].
* الوليد: الصبي الصغير، وجمعه ولدان، وإنما دعا عند وجود أول الشيء بالبركة فيه ليكثر، وإنما ناوله الصغير فيما رأى للمناسبة بينهما من أن هذا قريب العهد بالوجود وهذا أيضا؛ ولأن أنفس الصبيان تتوق إلى باكورة الشيء أكثر من غيرهم.
- ٢٣٢٢ -
الحديث السادس والستون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا (٣٢/أ) توضأ العبد المسلم -
[ ٨ / ٨٧ ]
أو المؤمن - فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند عثمان بن عفان ﵁، وأشير إليه فأقول: إنه اشترط وضوء العبد المسلم أو المؤمن فعلى هذا أنه إذا تقدم إسلامه أو إيمانه، كان وضؤه بالغا في الفضل ما ذكره - ﷺ -.
* وقوله - ﷺ -: (كل خطيئة نظر إليها بعينيه) فإنما ذكره بعضا من كل، وجزءا من جملة ليدل بذلك على الباقي؛ فإنه كما تخرج الخطايا التي نظر إليها بعينيه، وكذلك تخرج الخطايا التي نشقها بأنفه، والتي نطقها بفيه، وعلى هذا المعنى قصد المؤمن بهذا الحديث يكون وجوب المضمضة والاستنشاق أجلى من كونها سنة.
- ٢٣٢٣ -
الحديث السابع والستون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم).
[ ٨ / ٨٨ ]
قال بعض الرواة: لا أدري أهلكهم بالرفع أو أهلكهم بالنصب)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه ينبغي للإنسان لا يقنط من رحمة الله، ولا يرى أن ظل الجود يقلص عن شمول الخلق، فإذا قال: هلك الناس؛ فإنه قول منذر بيأسه (٣٢/ب) لهم من رحمة الله تعالى، فهو أهلكهم (برفع الكاف).
ومن رواه بالنصب فالمعنى أنه هو الذي أهلكهم بزعمه، فأما هم فلم يهلكوا، على أن أخلاق المؤمنين أن يكون المؤمن خائفا على نفسه، راجيا لغيره، بخلاف حال قائل هذا القول، بل لو أبغض معاصيهم وأحب لهم الخير؛ لكان ذلك أصلح لهم وله.
- ٢٣٢٤ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان إذا كان في سفر وأسحر، يقول: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار (].
* قوله: (سمع سامع) يجوز أن يكون إخبارا على معنى أن حمد الله في أحوال السفر وكلفه، وتوالي النصب، يتضاعف للحامد فيه أجر حمده، فيكون قوله: (سمع سامع بحمد الله) إخبارا، ويكون المراد بالسامع الواحد
[ ٨ / ٨٩ ]
من الخلق فما فوقه، فاقتصر على الأقل ودل على الأكثر.
* ويجوز أن يكون على معنى الدعاء على معنى قوله: (سمع الله لمن حمده)، فيكون المعنى أنه دعى الله أن يشغله بحمده، حتى يسمع ذلك منه ولو سامع من أنه حمد الله على حسن بلائه عليه في سفره، لأنه مقام ابتلاء واختبار واحتمال شق وضيق أخلاق وتنكر رفقة، ويقل في ذلك الأحوال الحمد، وازداد أن يكون حامدا لله حمدا يسمع منه، ويذكر عنه ولو لم يسمعه إلا سامع، والبلاء ها هنا النعمة.
* وأسحر: دخل في وقت السحر؛ فإن ذلك الوقت في الأكثر
* ويجوز أن يكون على معنى الدعاء على معنى قوله: (سمع الله لمن حمده)، فيكون المعنى أنه دعى الله أن يشغله بحمده، حتى يسمع ذلك منه ولو سامع من أنه حمد الله على حسن بلائه عليه في سفره، لأنه مقام ابتلاء واختبار واحتمال شق وضيق أخلاق وتنكر رفقة، ويقل في ذلك الأحوال الحمد، وازداد أن يكون حامدا لله حمدا يسمع منه، وذكر عنه ولو لم يسمعه إلا سامع، والبلاء ها هنا النعمة.
* وأسحر: دخل في وقت السحر؛ فإن ذلك الوقت في الأكثر وقت الرحيل من المنزل والتوجه إلى منزل آخر.
* وقوله: (ربنا صاحبنا) أي (٣٣/أ) احفظنا، ولم يقتصر على نفسه وإنما ذكره بلفظ الجمع، فأرادها صاحبني ومن معي أو من يتبعني إلى يوم القيامة.
* (وأفضل علينا): أي إذا أمسك المفضلون في الأسفار فضلهم، وضاقت أخلاقهم، وتنكرت رفقهم، فأفضل علينا أنت.
* ثم قال: (عائذا بالله من النار) وعائذا ها هنا منصوب على الحال، والمعنى أقول هذا عائذا، وأراد أن السفر قطعة من العذاب، فذكر بذلك ما يجب الاستعاذة منه، وهذا أشد العذاب، وهو النار.
- ٢٣٢٥ -
الحديث التاسع والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه
[ ٨ / ٩٠ ]
تماثيل أو تصاوير)].
* قد مضى هذا الحديث في مسند أبي طلحة وغيره من المسانيد، وتكلمنا عليه.
- ٢٣٢٦ -
الحديث السبعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر: أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - كرر ذكر إرغام الأنف ثلاثا لمن أدرك أبويه أحدهما فلم يدخل الجنة؛ لأنه قد وجد بوجودهما أو وجود أحدهما بابا مفتوحا إلى الجنة يدخل منه، وهو برهما، أو بر أحدهما؛ فإذا لم
[ ٨ / ٩١ ]
يفعل استحق دعاء رسول الله - ﷺ -؛ لأنه لو امتثل أمر الله في طاعتهما بعد الإيمان به لأحبط ذلك عنه حال السوء، وتضاعف له درجات الخير، فإذا بلغ من الخذلان إلى أنه لم يمتثل أمر ربه في طاعة والديه، ولم يعرف (٣٣/ب) لهما إحسانهما المتقدم من حقه، ولم يلحقه عليهما رأفة حين ضعفهما، يماثل بها رأفتهما عليه حين ضعفه، فقد فاتته ثلاث درجات، فكان قول الرسول - ﷺ - رغم أنفه ثلاث مرات كل واحدة منهن في جواب إخلاله بحال توجب عليه برهما؛ الأول: وصية الله إياه في الإحسان إليهما، والثانية: مكافأتهما في إحسانهما إليه، والثالثة: عدم رحمتهما مع الكبر.
- ٢٣٢٧ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: (لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق)].
* هذا طرف من حديث بريرة، وسيأتي شرحه في مسند عائشة ﵍.
- ٢٣٢٨ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى تزول الروم
[ ٨ / ٩٢ ]
بالأعماق - أو بدابق - فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم؟ فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث، لا يفتنون أبدا، فيفتحون قسطنطينية.
فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح (٣٤/أ) قد خلفكم في أهاليكم فيخرجون، ذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينا هم يعدون للقتال، يسوون صفوفهم، إذا أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته)].
* هذا الحديث يتضمن أمورا غيبية وعد بها النبي - ﷺ -، ولا بد من كونها وعد، والإيمان بذلك واجب؛ لأنه خبر صادق.
- ٢٣٢٩ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا).
[ ٨ / ٩٣ ]
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس. وقال: من غشنا فليس منا)].
* الغش ضد النصح، وإظهار ما ليس في الباطن.
* قال الخطابي: ومعنى قوله: (فليس منا): ليس على مسيرتنا ومذهبنا.
* وفي هذا الحديث: أن الإمام أو من استنابه الإمام إذا ارتاب أو شك أن بعض الناس له يد عادية في غض المسلمين أو اهتضام لحقوقهم، كان له أن يسأل في ذلك، وأن يبحث، وإن أدى سؤاله وبحثه أن يتصرف في مال المظنون به الغش من غير إذنه تصرفا يتوصل به إلى كشف الغش والغل من غير إضرار، (٣٤/ب) جاز له.
ألا ترى إلى غمس رسول الله - ﷺ - يده في طعام هذا الغاش من غير إذنه، حتى نالت البلل، وعلى هذا فإن رسول الله - ﷺ - قال له بعد ذلك: (من غشنا فليس منا) يعني (بمن) ها هنا أنه ليس من خاصتنا ونفوسنا؛ إذ ليس مجرد أن الغش مما يخرج به صاحبه عن الإسلام.
* وقد ينصرف هذا النطق على أن من غش كل المسلمين فليس من المسلمين، إلا أن قول النبي - ﷺ - هذا تحذير من جزء الغش وجملته.
[ ٨ / ٩٤ ]
- ٢٣٣٠ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟) قالوا: لا. قال: (فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟) قالوا: لا. قال: (فو الذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما).
قال: (فيلقى العبد فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع. فيقول: بلى. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.
ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.
ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول: أي رب، آمنت بك وبكتابك ورسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ههنا إذ، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا (٣٥/أ) الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي؛ فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، ذلك ليعذر من نفسه. وذلك
[ ٨ / ٩٥ ]
المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه)].
* قد سبق شرح قوله: (لترون ربكم).
* وفيه من الفقه: أن عدل الله ﷾ وإعذاره إلى عباده بلغ إلى أن يقول ﷻ للواحد من خلقه يا فل! يعني يا فلان باسمه، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل؟ فيعترف بذلك كله اعترافا لا يمكنه غيره؛ لأن أحوال هذه الأشياء كلها شاهدة عليه.
* وترتع: (بالتاء) أي: تنبسط فيما شئت، وتربع (بالباء) أي: تأخذ المرباع، والمرباع ما كان يأخذه الرئيس من الغنيمة، وترأس: أي تكون رئيسا، فإذا حمل هذا الشخص إلى النار كان حمله من جملة كرامات الإيمان في الدنيا؛ لأنه لو كان يتناول العفو من لم يؤمن بالله لكان ذلك مسويا بين الإيمان والكفر تعالى الله عن ذلك، فإذا أقر هذا الكافر على نفسه أنه لم يكن مؤمنا بالله ولا استدل شيء من هذه النعم التي أنعم بها عليه يوما من الدهر على حاله كان ذلك إيضاحا كافيا عند الخلائق، ثم يحمل إلى النار بعدل الله ﷾ وحقه.
وكذلك الآخر، ثم يجاء بعدهما بالمنافق، وهو الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر، فيقرره الله بنعمه، فلا يمكنه جحدها ثم يسأله عن الإيمان به، فيدعي على الله ما لم يكن، فلذلك يقول ﷿: ها هنا إذن؟ فيجوز أن يكون المعنى ها هنا أيضا أي: إنك قد بهت المخلوقين، ثم تعدى ذلك بك إلى أن بهت
[ ٨ / ٩٦ ]
ربك وتجاحده (٣٥/ب)، وأنت تراه وذلك لا ينفع، وهذا تأويل قوله: ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾ أي: إن فيهم من الجرأة والقحة بين يديه، والجهل به، أنه لا يعلم البواطن، حتى يحلفون أنهم مؤمنون، وهم على كفرهم.
* ويجوز أن يكون المعنى: إيمانك ها هنا إذن لا ينفعك، فيكون لا ينفعك محذوفا من قوله: إذن ثم يختم الله على لسانه، وتنطق جوارحه بشهادة قد علمها الله ﷿ قبل نطق الجوارح بها، وإنما يوضح الله بذلك للأنبياء والمرسلين والصالحين من عباده من شاهدي الموقف يوم القيامة عدله وجور عبده.
* وقوله: (وذلك الذي يسخط الله عليه) يعني أنه لم يكف المنافق أنه أسر الكفر في الدنيا، حتى أضاف إليه البهت والجحد في الموقف، ولذلك قال: فذلك الذي يسخط الله ﷾ عليه.
- ٢٣٣١ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)].
[ ٨ / ٩٧ ]
* قد تقدم ذكر فضيلة الأنصار ولزوم محبتهم في مسند أنس وغيره، وقد ذكر ذلك أيضا في شعب الإيمان.
- ٢٣٣٢ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة)].
* هذا الحديث يدل على فضيلة سورة البقرة، وتقديمها على غيرها، وإنها لكذلك؛ فإنها جمعت من أحكام الشرع ما لم تجمعه سورة في القرآن.
* وهي مشتملة على صفات المؤمنين، وصفات المنافقين، وشرح قصص بني إسرائيل، والزجر عن السحر والربا (٣٦/أ)، وذكر القبلة والصلاة والصوم والحج والعمرة والطلاق والعدد والديون والشروط والرهن والقصاص، وغير ذلك من الأحكام.
[ ٨ / ٩٨ ]
- ٢٣٣٣ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن أبي هريرة، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة والمرابنة)].
* قد سبق شرح هذا الحديث في مسانيد جماعة قد تقدمت.
- ٢٣٣٤ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه) قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، قال فدعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب ﵁ فأعطاه إياها، وقال: (إمش، ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك)، قال: فسار علي شيئا، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)].
[ ٨ / ٩٩ ]
* هذا الحديث مذكور في مسند سهل بن سعد، وأشير إليه ها هنا فأقول: إنما صرخ بما أراد استفسار رسول الله - ﷺ -، لا يلتفت إلى النبي - ﷺ -، فيكون مخالفا لأمره في قوله: (لا تلتفت)؛ ولأن المندوب إلى الشدائد إذا طول وكرر الاستفسار أشعر القول بذلك عن نوع من الجبن وإيثار لتأخير يولجه في الشديدة.
- ٢٣٣٥ -
الحديث التاسع والسبعون:
(٣٦/ب) [عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (من أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمنين من أمته إذا ذكر لهم عنه - ﷺ - ما كان من مقاماته ومواطن الحروب التي اشتدت، وضيق العيش الذي أصابه - ﷺ -، وغير ذلك، مما يود كل مؤمن أنه لو كان قد رآه ففاز بالنصر له في الحرب، والمواساة في الشدة، أو السؤال له عما يختلج في صدره من المسائل، أو التعلم منه، أو التبرك برؤيته، إلى غير ذلك، مما فاز به أصحابه دون غيرهم؛ فكل
[ ٨ / ١٠٠ ]
واحد من المؤمنين يود لو رآه، فلا يبقى له أهل ولا مال، فيؤثر رؤيته على ذلك لقوة إيمانه.
- ٢٣٣٦ -
الحديث الثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الجدب يسمى في لغة العرب السنة، وليس ذلك بألا يقع المطر بل أن يعدم النبات، وذلك أن المطر إذا وقع فإنه يحتمل ما يكون من بوادر أذاه لما يرجى من عموم نفعه في الإنبات، فإذا كان غير منبت انضم إلى أذاه الأول أذى ثان.
- ٢٣٣٧ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر)].
[ ٨ / ١٠١ ]
* (٣٧/أ) في هذا الحديث كراهية الجلوس على القبر، وذلك لأنه ينبغي للمسلم إذا رأى قبرا أن يتعظ به، وينزجر برؤيته.
فأما أن يتخذه موطنا لجلوسه أو لراحته، فإنه بخلاف ما وضع له، ويعني بذكر الجمرة أنها لو أحرقت ثوب هذا الرجل، وخصلت على جلده، فأحس بوقعها نفر أن يجلس عليها، وأن جلوسه على القبر لا يخلص إليه فيه ألم يحس به ويزعجه عن مقره ذلك؛ بل هو ألم معقول يكسبه عند الله مذمة وسوء حالة، فكانت الجمرة أهون من هذا.
- ٢٣٣٨ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطرق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل).
وفي حديث جرير: (وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا السير)].
* في هذا الحديث من الفقه: تعليم المسافر أن يسافر حين تنوير الأرض، وكثرة المرعى؛ فإنه يستحب له ألا يغذ السير على الظهر؛ ليكون لسيره ذلك بين قطع الأرض برفق، وبين إصابة الظهر من الكلأ. وإذا سافر في السنة يعني الجدب، فإنه يغد السير ليقطع الأرض المجدبة مغتنما بقاء ما في طهره من
[ ٨ / ١٠٢ ]
النقي، وهو الشحم، وقد عبروا بالنقي عن مخ العظام قبل أن يعطب ظهره في أرض جدبة ليس فيها تخلف على ظهره ما أفناه السير منه.
* وقوله: (إذا عرستم) أي: نزلتم في آخر الليل وذلك هو التعريس (٣٧/ب) فاجتنبوا الطرق، يعني الجواد لأنها يستلينها الدبيب، فيسعى فيها، فإذا وقع في الجادة مسافر كان معترضا لنهش الهوام التي تسعى في تلك الجواد.
- ٢٣٣٩ -
الحديث الثالث والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس).
وفي رواية: (الجرس مزامير الشيطان)].
* في هذا الحديث من الفقه: كراهية الجرس في الرفقة، وذلك فيما أرى أنه منذر بالسيارة في طرقها من يريد بها الأذى من لص أو أذى غارة أو محارب أو غير ذلك، ولأن العادة أن الأجراس لا تجعل إلا في الإبل، والإيل والبغال دون الخيل، فإذا سمع اللصوص صوت الأجراس، تيقنوا أن السالكين ليسوا
[ ٨ / ١٠٣ ]
على خيل فكان ذلك معرضا لاستضعافهم، ولو لم يكن الجرس كان لتجويز أن يكونوا فرسانا يبعد من الإقدام عليهم. فأما الكلب فإنه إنما يصحب في الأكثر الرعاء وبعض السيارة؛ فإذا دل عليهم بالنباح كان على نحو الجرس.
* وقوله: (الجرس مزامير الشيطان) أي إنه يسمعها اللصوص وأهل الفساد فيتسلطون على السيارة.
* فأما قول النبي - ﷺ -: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس) فالذي أراه فيها أنه من الأصخاب، وذلك أنه من سمع نهي رسول الله - ﷺ - عن تعليق الجرس واستصحاب الكلب الذين يشعران بضعف السائرين، فإنه يكون بمخالفته رسول الله صلى الله (٣٨/أ) عليه وسلم في نصحه، قد تعرض لأن لا تصحبه الملائكة الذين يصحبون في الطرق بالعون والسلامة، ويكون هؤلاء خارجين عن الكتبة.
وهذا النطق يدل على أن من امتثل وصايا رسول الله - ﷺ - في سفره؛ فإن الله يصحبه ملائكة يدافعون عنه الأذى، ويؤنسون وحشته، ويكثرون وحدته.
- ٢٣٤٠ -
الحديث الرابع والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)].
[ ٨ / ١٠٤ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن المسلم إنما يبدأ المسلم بالسلام إشعارا أنه في أمن منه.
* فأما الكافر وإنه إذا كان في ذمة منه، فقد سبق له منها ما سبق على شروط يحمل عليها يقتضى منه مثلما يقتضى له، فلا ينبغي أن يحدد له ما يجعله في أمر مجدد من غير اشتراط، ولأن البداية للكافر بالسلام مع كونه في ذمة نوع امتناع في استجلاب ود ممن هو بغيض إلى الله والى رسوله، فلذلك لم يجز.
* وأما اضطرارهم إلى أضيق الطرق؛ فإني لا أراه إلا غير مقصور على طرق السعي بالإقدام؛ بل في كل الطرق بمقتضى ما شورطوا عليه؛ ليكون ذلك دائم الإشعار لهم بالصغار، وأنهم عند المؤمن في مقام العداوة والبغضاء لكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله - ﷺ -، فيكون ذلك في طرق السعي بالأقدام وغيرها، كما يقول الرجل للرجل إياك تسلك بي (٣٨/ب) في طرق ضيقة من قول أو غيره.
- ٢٣٤١ -
الحديث الخامس والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).
وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه قال: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. والأرواح جنود
[ ٨ / ١٠٥ ]
مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)].
* أما قوله: (الناس معادن) فقد مضى في هذا المسند وفي غيره.
* وأما قوله: (الأرواح جنود مجندة) فالمعنى أنها جنود الله ﷿ مجندة في أرضه فتعين الروح منها بالروح، (فما تعارف منها) يعني بتلك المعرفة أن تكون المعرفة متقابلة من روحين لأن تعارف في معنى تفاعل، والغالب في هذا أن يكون بين اثنين، ويعني - ﷺ - بتعارف الروحين أنه يقع التعارف بشيء من الأشياء أو قسم من أقسام المعرفة، فذلك التعارف داعية للتآلف؛ لأنه يكون ذلك الشيء المعروف جامعا لما بين الروحين فيأتلفان فيه، كما أنه لو عرف هذا الروح شيئا فأنكره هذه الروح فإنهما يفترقان في ذلك، فمن كان عارفا بالله وقع له الائتلاف مع كل عارف بالله، ومن كان منكرا للحق وقع بينه الافتراق وبين كل عالم بالحق، ووقع بينه الاتفاق وبين كل منكر للحق، فعلى هذا يكون تآلف غير المؤمنين بالسبب الجامع بينهم في الكفر، وتناكر هؤلاء وهؤلاء مع هؤلاء لما ذكرناه.
- ٢٣٤٢ -
الحديث السادس والثمانون:
(٣٩/أ) [عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا قام أحدكم).
[ ٨ / ١٠٦ ]
وفي رواية: (قام من مجلسه؛ ثم رجع إليه، فهو أحق به)].
* هذا الحديث يدل على احترام المؤمن وإن مكانه قد تلبس لحرمة جلوسه فيه، فكان أحق به، فإذا قام ثم عاد كان أحق بمكانه الذي سبق اختياره له، وتوطيده إياه، وهذا يفهم منه أنه محمول على من قام من مجلسه ففهم الباقون أنه عائد إليه، فيكون في جلوس غيره في مجلسه إشارة إلى أنه قد كان متطلعا إلى مكانه، وقد استراح إلى قيامه فأخذ مكانه.
* والذي أرى في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - ذكره موقظا به فظن الإخوان للتنبيه إلى مراعاة حسن الآداب في الصحبة، ومجانبة كل ما يكلف وجوه الصفا بينهم حتى في هذا.
- ٢٣٤٣ -
الحديث السابع والثمانون:
[عن أبي هريرة، أن عمر بن الخطاب جاء إلى رسول الله - ﷺ -، وعنده نسوة قد رفعن أصواتهن على رسول الله - ﷺ -، فلما استأذن عمر ابتدرن الحجاب - ثم ذكر نحو حديث قبله فيه - فأذن له رسول الله - ﷺ -، يعني فدخل ورسول الله - ﷺ - يضحك، فقال عمر ﵁: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: (عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب) قال عمر ﵁: فأنت يا رسول الله أحق أن
[ ٨ / ١٠٧ ]
يهبن، ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن؛ أتهبنني ولا تهبن رسول الله - ﷺ - قلن: نعم، أنت أغلظ وأفظ من رسول الله - ﷺ -. قال رسول الله - ﷺ - (٣٩/ب): (والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط ساكنا فجا إلا سلك فجا غير فجك)].
* هذا الحديث قد تقدم هو وتفسيره في مسند سعد بن أبي وقاص، إلا أنا نشير في هذا المكان إليه، فنقول: إن رسول الله - ﷺ - أعلم عمر بما كان من مبادرة النسوة إلى الحجاب عند معرفتهن بإتيان عمر ﵁ واستئذانه، ولو يعلم رسول الله - ﷺ - عمر ﵁ لم يكن عنده من ذلك علم، فلا أرى إعلام رسول الله - ﷺ - عمر ﵁ إلا ليسر قلبه بأنه من صالحي المؤمنين؛ الذين وعد الله ورسوله - ﷺ - أنه هو ﷾ وليه وجبريل وصالح المؤمنين في حالة كانت أيضا من أمر النساء، فسر رسول الله - ﷺ - كيف كانت تلك الحالة موضحة لكلام الله ﷾ في ذلك.
* فأما قوله: (والذي نفسي بيده) إلى آخر الكلام، فإنه يدل على أنه - ﷺ - أخبر عمر ﵁ أن مقامه وهيبته زادت عن أن يثبت له الشيطان في درب أو طريق أو فلاة حتى قال فجا، والفج قد يتسع إلى القطر من الأرض، وكان من حماية الله لعمر ﵁ أنه إذا سلك فجا هرب الشيطان من ذلك الفج إلى فج غيره، حتى إنه إن كان في فج شرقي هرب الشيطان إلى فج
[ ٨ / ١٠٨ ]
غربي، أو كان في فج جنوبي أجفل الشيطان إلى فج شمالي وعلى ذلك.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا: تعين طلب العلم على النساء، حتى إذا لم يكن في أزواجهن من العلم ما يكتفين به وقصدن العالم وسألنه؛ فإن هذا الحديث لم يصرح فيه أن النساء اللواتي كن عند (٤٠/أ) النبي - ﷺ - أزواجا، بل قال: نسوة. نكرة.
* وفيه أيضا: أنهن راجعن رسول الله - ﷺ -، حتى ارتفعت أصواتهن عليه، وأنه لما دخل عمر ﵁ ابتدرن الحجاب، فضحك رسول الله - ﷺ -، وضحكه يدل على أنه لم يكن ذلك القول في سؤال بفقه ولا ما يجلب مغيظة، بل قد كان في حالة مباثة لرسول الله - ﷺ - من مسائل النسوان الفقهية التي لا يسأل عنها العالم إلا في خلوة.
* وفيه أيضا: أن سؤال المرأة عن أمر دينها واجب عليها، وإذا لم تصل إلى معرفته إلا بأن تسعى إلى العالم وجب عليها ذلك، إذا حضرت عند العالم فلا يخلون بها من غير امرأة أخرى تكون ذات محرم أو يكلمها في السوق أو في المسجد أو نحوه بحيث لا تتطرق الريبة.
وهذا فعلى ما ذكرنا منه، وأنه لا ينبغي أن يصل الأمر فيه إلى أن يفعله كثير من الجهال حتى تقول المرأة للرجل الذي هو غير ذي محرم منها: إني أواخيك، أو يقول الرجل للمرأة الأجنبية مثل ذلك؛ فلا يحل لرجل مسلم أن يخلو بامرأة غير ذات محرم منه.
[ ٨ / ١٠٩ ]
- ٢٣٤٤ -
الحديث الثامن والثمانون:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا).
وفي رواية: (إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا).
وفي رواية: (فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت)].
* قد سبق في المتفق عليه (٤٠/ب) من حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - كان يصلي بعد الجمعة ركعتين.
* قال الترمذي: وبحديث ابن عمر يقول الشافعي وأحمد ﵄. وقال إسحاق: إن صلى بعد الجمعة في المسجد صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين.
* قال الأثرم: الوجه في هذه الأحاديث أن الكل جائز، وهو الذي أراه.
[ ٨ / ١١٠ ]
- ٢٣٤٥ -
الحديث التاسع والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية، فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة، فله كذا وكذا لحسنة، لدون الثانية).
وفي رواية: (من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك).
زاد بعض الرواة أنه قال: (في أول ضربة سبعين)].
* قد ذكرنا في مسند سعد بن أبي وقاص أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الوزغ، وذكرنا ذلك في مسند ابن مسعود، وإنما أزاد الأجر على قدر قوة القلب في قتل الوزغ، فإذا ضعف القلب تردد الضارب بين جبن وخور فاحتاج إلى ضربة ثانية وثالثة، وذلك أن الوزغ من ذوات السموم، وقد عده الأطباء فيما يؤذي أو يقتل نهشته.
[ ٨ / ١١١ ]
- ٢٣٤٦ -
الحديث التسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)].
* (٤١/أ) في هذا الحديث من الفقه: أن جزاء الولد للوالد بقدر استحقاقه غير متصور. لما سبق من شرحنا هذا المعنى فيما تقدم، وإنما صور النبي - ﷺ - صورة نادرة الوقوع، وهي أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه، ليدل على غزارة فضل الوالدين، على أنه اشتراه عتق من غير أن يعتقه.
- ٢٣٤٧ -
الحديث الحادي والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم) شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه)].
* في هذا الحديث: إنذار رسول الله - ﷺ - بمنع البلاد الحقوق المضروبة عليها
[ ٨ / ١١٢ ]
عصيانا. وقد ذكر أن هذا قد كان، ثم إن الله تدارك رفعه.
* وقد سبق هذا الحديث في الحديث السابع والثمانين من إفراد البخاري من هذا المسند، وقد دل هذا الحديث على أن الخراج في العراق قفيز ودرهم، وقد عين الفقهاء القفيز: ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، وهذه المقادير المضروبة كلها حقوق لبيت المال في الأرضين.
والمدي: مكيال لأهل الشام، يقال: إنه يسع خمسة عشر مكوكا.
والأردب: مكيال أهل مصر، يقال: إنه يسع أربعة وعشرين صاعا.
- ٢٣٤٨ -
الحديث الثاني والتسعون:
(٤١/ب) [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تبلغ المساكن إهاب أو يهاب).
قال زهير: قلت لسهيل: وكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلا)].
* في هذا الحديث ما يدل على صدق رسول الله - ﷺ -؛ لأنه أشار إلى اتساع المدينة وكثرة أبنيتها وكذلك كان، فإنها بلغت مساكنها الموضع الذي ذكره رسول الله - ﷺ -.
[ ٨ / ١١٣ ]
- ٢٣٤٩ -
الحديث الثالث والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه، والله الميسر.
- ٢٣٥٠ -
الحديث الرابع والتسعون:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (من أخذ شبرا من الأرض طوقه إلى سبع أرضين)].
* قد تقدم هذا الحديث في مسند سعيد بن زيد.
[ ٨ / ١١٤ ]
- ٢٣٥١ -
الحديث الخامس والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئان وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - قد بين ما يرضى الله لعبده وما يكرهه منه (٤٢/أ)، فبدأ بالمرضيات فجعل أولها: عبادة الله ﷿، ثم أتبع ذلك بتوحيده وأن لا يشرك به، ثم عقب ذلك بالاعتصام بحبل الله، وهو اجتماع كلمة المسلمين على إمامهم، وألا يتفرقوا عنه.
* وبين ﷾ ما يكرهه: وهو قيل وقال، ثم أعقبها بكثرة السؤال فيجوز أن يكون سؤال الناس ما في أيديهم، ويجوز أن يكون السؤال عما لا يعني إلا أنه كره من ذلك الكثرة. فأما سؤال المضطر بقدر الحاجة فهو جائز، وكذلك السؤال عما يعني فإنه متعين.
[ ٨ / ١١٥ ]
* فأما إضاعة المال فإنه مكروه، وإنما يتحقق في صورة هي أن يبذل المال فيما لا يكسب أجرا في الآخرة، ولا حمدا في الدنيا، فذلك التبذير، إلا أن كسب الحمد إذا كان لا للاقتداء ولا لمجرد الإيمان، بل لمجرد حب المدح، فإني لا أرى المال فيه إلا ضائعا.
* فأما قوله - ﷺ -: (يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله ولا تتفرقوا) فإن هذه الثلاث المرضيات: كل منها عظيم؛ لأن حبل الله هو الخلافة - كما قدمنا - فإنها تجمع كلمة المسلمين، وتأتلف ذات بينهم، فلما ضم ذلك إلى عبادة الله وألا يشرك به في جملة القسم الذي يرضاه لعباده، استدللنا بذلك على عظيم شأن الاعتصام بحبل الله.
* وكذلك لما ذكر المكروهات، بدأ يقيل وقال، أما (قيل): فإنه قد تحيل الناطق فيه على قائل غير مسمى، وأما (قال): فإن الناطق يحيل فيه على ناطق مسمى، وقد (٤٢/ب) تكون اللفظتان، وهما (قيل) و(قال) على معنى واحد، وهو كثرة القول من غير تمييز، والرواية عن كل ما حدق، والحكاية لكل من يسمع، وأن يقنع الإنسان من الأعمال بالأقوال.
* وأما كثرة السؤال؛ فإنه قد مضى شرحه، كذلك إضاعة المال إلا أن منه أن يهمل الإنسان خدمة فرسه، والقيام على بعيره وشأنه، وتعليم عبده وأمته وغير ذلك.
[ ٨ / ١١٦ ]
- ٢٣٥٢ -
الحديث السادس والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما تعدون الشهيد فيكم؟) قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: (إن شهداء أمتي إذن لقليل) قالوا: فمن هو يا رسول الله؟ قال: (من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد). قال ابن مقسم: أشهد على أبيك في الحديث أنه قال: (والغريق شهيد)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند عبادة بن الصامت، وتقدم الكلام عليه.
- ٢٣٥٣ -
الحديث السابع والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا).
[ ٨ / ١١٧ ]
وفي رواية: (يوشك إن طالت بك مدة، أن ترى قوما في (٤٣/أ) أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - وعد بأن هذين الصنفين يكونان في أمته، يأتون بعده، فلذلك قال: (لم أرهما) ثم ميز وصف هؤلاء من هؤلاء، فقال: (قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس).
* وإذا كان رسول الله - ﷺ - قد ذكر أن هذا من وصف أهل النار؛ إذا كان ضربا للناس بالسياط؛ فكيف في ضربهم بالعصي، التي على مثال أعمدة الفساطيط والسيوف، فإنا لله، لكن هذا إنما ينصرف إلى ضرب في باطل ومتابعة الهوى، ولا يتناول هذا الضرب في الحدود ولا في التعزير الشرعي.
* وقوله: (ونساء كاسيات عاريات) يعني به اللواتي يتبوقن في تخفيف
[ ٨ / ١١٨ ]
القمص حتى تتبارين أيتهن أخف ثوبا، حتى إنهن لا يرين الرفيع منه إلا يصف البشرة، فهن الكاسيات العاريات.
* وقوله: (مميلات) يعني أنهن يملن فتنة الناس إليهن ويملن هن إليهم.
* وقوله: (رؤوسهن كأسنمة البخت) يعني أن شعورهن غير مفروقة، لأن الفرق للعرب، ولعلهن يصلن بشعورهن شعورا قد قطعت من رؤوس أخر؛ فتعظم لذلك رؤوسهن.
- ٢٣٥٤ -
الحديث الثامن والتسعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة)].
* هذا الحديث (٤٢/ب) قد تقدم في مسند ابن عباس، وفي مسند أنس بن مالك، وفي مسند كعب بن مالك، وقد تكلمنا عليه.
- ٢٣٥٥ -
الحديث التاسع والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يجتمعان في النار اجتماعا
[ ٨ / ١١٩ ]
يضر أحدهما الآخر). قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (مؤمن قتل كافرا ثم سدد).
وفي رواية: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمن إذا قتل كافرا في سبيل الله، ولأجل الله؛ فإن الله ﷾ أكرم من أن يجمع بينه وبين من قتله فيه في دار واحدة، وقد علم سبحانه أنه إنما عاداه لأجله ﷻ، فلو قد رآه معه في دار الخزي لكان، وإن لم ينطق الكافر بلسانه؛ فإنه حاله كانت تقول: ما الذي قتل به في الخزي، وكلانا في دار الهوان، وقد كنت قتلتني في الله.
* وقوله: (اجتماعا يضر أحدهما الآخر) كذا روي في الحديث، ولعله ينظر أحدهما الآخر؛ فإن كان للمؤمن خطيئته أوجبت له دخول النار بعد ذلك المقام؛ فإنه يكون في مكان لا ينظر إليه الكافر، لئلا يشمت به، ولو حملناه على ما روي كان الضرر أن يشمت به ويعيره ويفسره.
* قوله: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا) فإن كان ولا بد من دخول القاتل النار، كان في مكان لا يراه الكفار، إلا أن هذا الحديث مما يدل على أن المؤمن لا ينبغي له أن يجبن عن قتل الكافر (٤٤/أ) لأن الله سبحانه قال: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون﴾ وتنبيها بذلك أن قتل المؤمن الكافر متقدم على أن يقتل الكافر المؤمن.
[ ٨ / ١٢٠ ]
- ٢٣٥٦ -
الحديث المائة:
[عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض في الركعة الثانية، استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت)].
* هذا الحديث يدل على أن رسول الله - ﷺ - كان يشتغل في الركعة الأولى بالاستفتاح، فأما الثانية فإنه لما لم يكن فيها استفتاح؛ كان يستفتح بالحمد.
- ٢٣٥٧ -
الحديث الأول بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر)].
* قد سبق الكلام في ذم المسألة في مسند الزبير، وفي مسند ابن عمر. وهذا الحديث وارد فيمن سأن وهو غني، فإن الذي يناله جمر كما قال ﷿: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾.
[ ٨ / ١٢١ ]
- ٢٣٥٨ -
الحديث الثاني بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله - ﷺ - يكره الشكال من الخيل)].
* قال سفيان: والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى، أو يده اليمنى، أو رجله اليسرى.
* قال أبو عبيد: الشكال أن يكون ثلث قوائم من الفرس محجلة، وواحدة مطلقة، أخذ من الشكال الذي تشكل به الخيل.
* والذي أراه أن رسول الله - ﷺ - لم يكره شيئا من خلقة الله ﷿، ولعله كان يؤثر غير هذه (٤٤/ب) الصفة، فظن أنه كان يكرهها، ولا أراه إلا أن الحافر إذا كان تسور عن قائمة سوداء تسور فإنه أصلب على مصالة الأجسام القوية، وإذا كان الفرس محجل الأربع أو الثلث وهو الذي فيه الشكال، فإن حوافره أو الأكثر منهن بيض في قوائم بيض، فيكون الحافر رخوا، فلا يثبت على مصالة الأجسام الصلبة.
وهذا هو مذكور معروف في صفات الخيل، فإذا أراد رسول الله - ﷺ - بإيثاره من الخيل ما كان صلب الحافر؛ ليكون اختياره - ﷺ - أكرم الاختيار، كما أن القنا وهو اعوجاج الأنف، والفطس: وهو انقعاصه مكروهان في صفات
[ ٨ / ١٢٢ ]
الخيل؛ لأن العوج في الأنف بالإحديداب أو الانقعاص يطول مسافة مجرى النفس في حالة الجري، غير متمكن القلب من نيل الهواء كل التمكن، فيقصر بمقتضى ذلك.
وكذلك فإنه إذا قصر شعر سيب الفرس أو قل أو شعر أعرافهن كره ذلك في صفات الخيل؛ لأنه يدل على ضعف أعضائها، التي هي ربط مفاصلها عند حركات الجري، وإذا زاد ذلك دل على عرر جوهر العصب، وكما أن ظهور الحجبتين، وهما رأس الوركين، يستحب في الصفات؛ لأنه يدل على طول رجل الفرس، وطول رجل كل عاد معين له في الجري.
وكما احديداب الضلوع يستحب في صفات الخيل؛ لأن ذلك يدل على سعة المحزم، فتكون رئة الفرس عند انتشاقها الهواء إذا كانت في مكان يضيق عنها انبهرت، وإذا كان المكان واسعا تمكنت من استيفاء الهواء، ولذلك إذا كانت الأرساغ قصارا عراضا استحب ذلك؛ لأنه كلما قصر (٤٥/أ) الرسغ وعرض اشتد، وهو حامل الفرس، وحامل ما يحمله الفرس.
وكذلك إذا كان المبسح عاليا صحيحا شديدا استحب ذلك في صفات الخيل؛ لأنه يدل على قوة خرزة الظهر التي يتحمل بها الفرس.
وكذلك إذا عرض المتنن وهو من خرزة الصلب ما بين أواخر الضلوع على كفل الفرس، فإنه يستحب في صفات الخيل جدا، وذلك أنه يدل على قوة خرزة الصلب وعرضها في أحرج ما كانت من الأمكنة إلى العرض فيه.
وكذلك إذا احتد المنكب وبرز الصدر استحب ذلك في الفرس؛ لأنه يدل
[ ٨ / ١٢٣ ]
على أن القلب في مكان واسع مع كون مؤخر العضدين يحفظ من المحزم ما يخاف انبهاره.
وكذلك يستحب طول العنق وقصر الظهر في صفات الخيل. فأما طول العنق فليسهل الجري؛ لأن الفرس كالقفان فإذا عظم عنقه حدب باقيه. وأما قصر ظهره فليكون معينا في الجري أيضا، وليكون أشد وأقوى، إلى غير ذلك من صفات الخيل.
فلا أرى أن رسول الله - ﷺ - لم يؤثر الشكال في الخيل إلا على ما ذكرته، ولأن الشكال أيضا لا يكره أن لو كانت القوائم الأربع بيضاء كما يكره لو أن بعضها بيض وبعضها سود؛ فإن ما ذكرناه فيما تقدم يدل على أن الأرض تأكل من الحافر الأبيض ما لا تأكل من الحافر الأسود؛ فيكون الاختلاف في قوامها معرضا للعثار لأجل الاختلاف.
- ٢٣٥٩ -
الحديث الثالث بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم أو ليلة؛ فإذا هو بأبي بكر (٤٥/ب) وعمر، فقال: (ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟) قالا: الجوع يا رسول الله، قال: (وأنا، والذي نفسي بيده؛ لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا). فقاموا معه فأتى رجل من الأنصار، فإذا هو ليس في
[ ٨ / ١٢٤ ]
بيته، فلما رأته المرأة، قالت: مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله - ﷺ -: (أين فلان؟) قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله - ﷺ - وصاحبيه ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله - ﷺ -: (إياك والحلوب) فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر ﵄: (والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)].
* في هذا الحديث من الفقه: وجوب السعي إذا اشتدت الضرورة؛ فإن رسول الله - ﷺ - لما اشتدت ضرورته نهض ساعيا في سدها، ووافق ذلك من نهوض أبي بكر وعمر ﵄ لمثله ما وافق.
* وفيه أيضا: دليل على جواز دخول بيت الصديق من المؤمنين على مثل هذه الحالة، وإن كان غير حاضر.
وفيه أيضا: استحباب مبادرة الضيف بما حضر، وإن كان الضيف كريم القدر، ألا ترى إلى الأنصاري كيف بادر بعذق كان عنده (٤٦/أ) متقادم
[ ٨ / ١٢٥ ]
العهد، حتى اجتمع فيه الرطب والتمر والبسر، وضيفه رسول الله - ﷺ - والصديق والفاروق ﵄.
* وفيه أيضا: جواز أن يمنع صاحب المنزل من ذبح حلوبه، وهي ذات الدر واللبن إذا كانت الضرورة يسدها لبنها فحسب، لقول رسول الله - ﷺ -: (إياك والحلوب).
* وفيه أيضا: دليل على أن مثل هذا النعمة التي تعقب الله بها تلك الشدة مما يسأل الله تعالى عن شكره لزوال الشدة بهذه المواهبة مع سوق الثواب إلى المؤمن فينفعه الله به، وينفع بهذه الآداب كل من سمعها إلى يوم سمعها إلى يوم القيامة؛ فكانت هذه من النعيم الذي يسأل الله ﷿ عنه.
* وفيه أيضا: دليل على أن كل نعيم يأتي بعد شدة؛ فإنه يعظم وقعه ومبلغه ومبلغ من الطيب مكانه فيتعين الزيادة في شكر الله ﷿ عليه يحتسب زيادته في جنسه، ولذلك قال - ﷺ -: (لتسألن عن هذا النعيم) يعني وجود النعيم على أثر تلك الضرورة.
- ٢٣٦٠ -
الحديث الرابع بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تقيء الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في
[ ٨ / ١٢٦ ]
هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا)].
* في هذا الحديث يدل على أن الأرض قبل (٤٦/ب) طيها تقيء أفلاض كبدها، أي تخرج الكنوز المدفونة فيها، والفلذ: القطعة من كبد البعير، وذلك ليرى كل من عصى الله في شيء ذلك الشيء مشاهدا بعينه، ولا يصلح له يومئذ؛ ولا يغني عنه نقيرا، فيقول القائل: في هذا قتلت، ويقول السارق: في هذا قطعت يدي، وذلك كالندب على النفس بهذا القول.
* وقوله: (فلا يأخذون منه شيئا) يزيد أنه لا ينفع حينئذ؛ وقد رأوا عاقبة أخذه كيف كانت.
- ٢٣٦١ -
الحديث الخامس بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الفواحش قد تغلظ في صورة معينة؛ كما أن
[ ٨ / ١٢٧ ]
الزنا من كل أحد قبيح، ولكنه من الشيخ الذي قد ضعفت قوته وعدمت أو كادت شهوته، أقبح. والكذب من كل أحد قبيح، إلا أنه من الملك الذي لا يخاف إذا صدق ولا يبالي بأحد إذا هو صدع بالحق، أقبح.
وكذلك الكبر من كل أحد قبيح، إلا أنه من العائل، أي: الفقير الذي ليس من أحواله ما يناسب الكبر، أقبح، فكانت هذه المعاصي في حق هؤلاء أغلظ منها في حق غيرهم، لهذه المعاني التي بيناها؛ فلذلك قال - ﷺ -: (لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم).
- ٢٣٦٢ -
الحديث السادس بعد المائة:
(٤٧/أ) [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أيها الناس، إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)].
[ ٨ / ١٢٨ ]
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الطيب هو الذي يطيبه الشرع؛ لأكله بالإباحة والحل، وإن كان ليس طيبا في الطعم، فإذا أنفق العبد نفقة طيبة، كانت هي التي تزكو وتثمر، وإذا أنفق نفقة لم يطبها الشرع؛ فإنها إن كانت من عصب فهي على ملك صاحبها، فتصدق الغاصب بها لم يؤجر عليه؛ بل يكون آثما بالتصرف فيها.
* وأما ذكر: (الأشعث الأغبر) فالمراد به من يحج أو يغزو أو يسافر فيما دون ذلك، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، فإنه لا يجبره شعثه وغباره من إثم مطعمه ومشربه، فيرفع يديه فيقول: يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك، أي: كيف يستجاب له، ومتى يستجاب له، والقوة التي مد بها يديه نشأت عن مخالفة وعصيان.
- ٢٣٦٣ -
الحديث السابع بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل (٤٧/ب) ذلك، لأطأن رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي، وهم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه. قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله - ﷺ -: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا). قال: فأنزل الله ﷿ - لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى (٦) أن رآه استغنى (٧) إن إلى ربك الرجعى (٨)
[ ٨ / ١٢٩ ]
أرأيت الذي ينهى (٩) عبدا إذا صلى (١٠) أرأيت إن كان على الهدى (١١) أو أمر بالتقوى (١٢) أرأيت إن كذب وتولى (١٣) ألم يعلم بأن الله يرى (١٤) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (١٥) ناصية كاذبة خاطئة (١٦) فليدع ناديه (١٧) سندع الزبانية (١٨) كلا لا تطعه﴾ قال: وأمره بما أمره به)].
* في هذا الحديث ما يدل على آية كاملة لرسول الله - ﷺ -، وأن الله ﷾ حماه من كيد الكفار بما ذكر، مما أراه الله إياه من خنادق النار وأجنحة الملائكة.
* وقوله: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا) مما يشد قلوب المؤمنين، وأن الله ﷾ أخر ذلك عن الكافر إلى يوم بدر نقلا إلى أيدي المؤمنين ليسلمه الله سبحانه للمؤمنين ليواف قتله يوم بدر، فنزلت فيه هذه الآيات.
* وقوله: (هل يعفر وجهه) أي: يلصقه بالتراب، ويقال للتراب: العفر.
- ٢٣٦٤ -
الحديث الثامن بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (٤٨/أ): (ضرس الكافر - أو
[ ٨ / ١٣٠ ]
ناب الكافر - مثل أحد، وغلظ جلده: مسيرة ثلاث)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الله تعالى يعظم جثة الكافر، وبقدر ما يعظم جثته يعظم عذابه، كما أن المؤمن يعظم جثته فيعظم نعيمه ولذته، وذلك لأنه ليس جزء من الأجزاء، إلا وهو يقبل الماء على حدة، فكلما انبسط جلده وجسمه، كان العذاب في كل شيء من ذلك بحسبه فلا يقي جزء عن جزء، ولا يمنع من ألم جزء، وكذلك في النعيم.
- ٢٣٦٥ -
الحديث التاسع بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من تطهر في بيته، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود وشرحناه هنالك.
[ ٨ / ١٣١ ]
- ٢٣٦٦ -
الحديث العاشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - لعمه عند الموت: (قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة)، فأبى، فأنزل الله ﷿: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ﴾ الآية.
وفي رواية: أنه قال لعمه: (قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة)، قال: لولا أن تعيرني قريش. يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله ﷿: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾].
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يكون إلا ما يريده الله ﷿، فإن (٤٨/ب) النبي - ﷺ - حرص على إيمان عمه، فلما لم يرد الله ذلك لم يكن.
* وغلط أبو طالب في موضعين عجيبين، أحدهما قوله: (لولا أن تعيرني قريش)، فترك الحق خوفا أن يعير، ثم قال: (لأقررت بها عينك)، فأراد أن يقولها - لو قالها - لأجل رسول الله - ﷺ -، لا لأنها عنده حق، فلذلك لم يوفق.
[ ٨ / ١٣٢ ]
- ٢٣٦٧ -
الحديث الحادي عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود، وفي مسند ابن عمر، وسبق الكلام عليه.
- ٢٣٦٨ -
الحديث الثاني عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن (لا إله إلا الله) هي العاصمة للدم في الدنيا لك من قالها، فإذا قالها القادم على الآخرة رجاء أن تكون عاصمة له من عذاب الآخرة، كما كانت عاصمة من عذاب الدنيا؛ ولأن تكون آخر كلمة يقولها في الدنيا.
* وفي الفقه: أنه لو قد بهت الإنسان عند الموت أو شده عن قول: (لا إله إلا الله) حتى لقنه ملقن فقالها، كتبت له كما لو قالها من غير تلقين.
[ ٨ / ١٣٣ ]
- ٢٣٦٩ -
الحديث الثالث عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد فقال: (يا عائشة، ناوليني الثوب)، فقالت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك)].
* في هذا الحديث ما يتضمن مخالفة اليهود في اجتنابهم (٤٩/أ) الحائض على كل حال، فبين - ﷺ - أنه إنما تجتنب من الحائض مكان الحيض لموضع النجاسة فحسب.
- ٢٣٧٠ -
الحديث الرابع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قرأ في ركعتي الفجر: (﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾)].
* قد سبق الكلام في فضيلة السورتين، وسبب تفضيلهما: ما اشتملتا عليه من نفي الأنداد وإثبات التوحيد.
[ ٨ / ١٣٤ ]
- ٢٣٧١ -
الحديث الخامس عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: خرج إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: (أقرأ عليكم ثلث القرآن)؟ فقرأ: ﴿قل هو الله أحد (١) الله الصمد﴾، حتى ختمها.
وفي رواية: قال: (احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن)، فحشد من حشد، ثم خرج إلينا رسول الله - ﷺ - فقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾، هم دخل، فقال بعضنا البعض: إني أرى هذا خبر جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله، ثم خرج نبي الله فقال: (إني قلت: سأقرأ ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن)].
* قد سبق شرح هذا في مسند أبي الدرداء، وبين كيفية كونها ثلث القرآن.
[ ٨ / ١٣٥ ]
- ٢٣٧٢ -
الحديث السادس عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)].
* في هذا الحديث: النهي عن الاستغفار للمشركين، وقد دلت عليه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ما كان للنب والذين (٤٩/ب) آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾. فأما زيارة القبر فإنها عظة وتذكرة.
- ٢٣٧٣ -
الحديث السابع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أصبح منكم اليوم صائما؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: (فمن تبع اليوم منكم جنازة؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: (فمن أطعم اليوم منكم مسكينا؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: (فمن عاد منكم اليوم مريضا؟) قال أبو بكر ﵁: أنا. قال رسول الله - ﷺ -: (ما اجتمعن
[ ٨ / ١٣٦ ]
في امرئ، إلا دخل الجنة»].
في هذا الحديث ما يدل على أن خصال الخير إذا اجتمعت زاد وقعها، وعظم مكانها، فإن العبد إذا وفقه الله تعالى في يوم من عمره، فما زاد بأن يكون صائما لله ﷿، فيمد الله تعالى بسره في الامتناع عن الطعام والشراب لأجله، ثم انضم إلى ذلك أن يقوم بفرض عن المسلمين كلهم في اتباع جنازة مسلم، فيواري سوءة أخيه، ويكون شافعا إلى ربه فيه وواضعا عن المسلمين بذلك فرضا كانوا يأثمون كلهم لو تركوه .
ثم وفق لأن يضم إلى ذلك أن يطعم مسكينا عاجزا عن إطعام نفسه؛ فيُرفده من قوته وكده، وهو لا يرجو أن يقابله على ذلك.
ثم يضيف إلى ذلك أن يعود مريضا، فيجبر قلب أخيه في مرضه، ويتعهد بذلك خبره، ويتفقد حاله بلقائه، فإن هذه الأشياء إذا اجتمعت في شخص واحد دخل الجنة، وهذه الخصال اجتمعت لأبي بكر ﵁ في يوم واحد (٥٠/أ).
غير أن الحديث لم يعلق دخول الجنة على اشتراط اجتماعهن في يوم واحد، فلا يبعد أن يتناول ذلك اجتماعهن في العمر لا في اليوم، فإن فضل الله واسعٌ، إلا أن لاجتماعهن في اليوم الواحد زيادة فضل، ولذلك خصَّ باجتماعهن أبو بكر ﵁ .
.
.
.
.
.
. -
- - .
. .
..
[ ٨ / ١٣٧ ]
- ٢٣٧٤ -
الحديث الثامن عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله - ﷺ -، أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنه)].
* الشفق: النصف، والجفنة: جفنة الطعام، شبه القمر فيما بعد العشرين بشق الجفنة، وقيل: أراد به ليلة سبع وعشرين.
- ٢٣٧٥ -
الحديث التاسع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: كنت عند النبي - ﷺ -، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - ﷺ -: (أنظرت إليها؟) قال: لا. قال: (فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئا).
وفي رواية: (أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي - ﷺ -: (هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا)، قال: قد نظرت إليها. قال: (على كم تزوجتها؟) قال: على أربع أواق. فقال له النبي - ﷺ -: (إلى أربع أواق؟، كأنما تنحتون من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه)،
[ ٨ / ١٣٨ ]
قال فبعث بعثا إلى بني عبس، فبعث ذلك الرجل فيهم].
* في هذا الحديث من الفقه: أن النصح لكل مسلم متعين، ومن ذلك (٥٠/ب) أن يرشد المسلم المسلم إلى ما يأمن معه الندم، لقول رسول الله - ﷺ -: (أنظرت إليها؟) فلما قال: لا، قال: (انظر إليها).
* وفيه: أن المسلم إذا علم في زوجة ليزوجها رجل مسلمن أو مبيع يشتريه، أو معامل يعامله، ما لو علمه المتزوج أو المبتاع لم يفعل، وجب عليه أن يطلعه على ذلك ويعرفه إياه.
وكذلك إن كان قد يكون فيه ذلك الشيء وقد لا يكون فيه، إلا أنه قد يكون فيه غالبا، ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: (فإن في أعين الأنصار شيئا)، وهذا يدل على أنه لم يتيقن ذلك الشيء في جميع الأشخاص ولكن أراد الغالب، وكذلك في المبيع وغيره.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن السنة أن ينظر الرجل إلى الزوجة قبل عقد النكاح.
* وفيه أيضا من الفقه: استحباب تخفيف الصداق، لقوله: (كأنما تنحتون من عرض هذا الجبل) أي من جانبه، إلا أن هذا كما قال الله ﷿: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.
[ ٨ / ١٣٩ ]
* وفيه أيضا: دليل على أن ذلك يتم ويمضي، وإن كان المستحب غيره؛ لأن رسول الله - ﷺ - مضاه وأقره.
* وقوله: (ما عندنا ما نعطيك) يدل على أن رسول الله - ﷺ - كان ولي كل ذي دين حتى يقضيه إذا قدر على قضائه.
- ٢٣٧٦ -
الحديث العشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة)].
* في هذا (٥١/أ) الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - لما سئل أن يدعو لم يفعل، وأراه لو سئل أن يدعو لهم بالهداية لما امتنع.
* وإن بقاء المشركين من رحمة الله للمؤمنين؛ ليتخذ منهم شهداء بأيديهم، وليستمر بقاء الجهاد في سبيل الله لاستمرار بقائهم.
* وقوله: (لم أبعث لعانا)، أي: لم أبعث لأهلك الخلق، لأن اللعنة إذا وقعت منه - ﷺ - أهلكت.
- ٢٣٧٧ -
الحديث الحادي والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - إذ سمع وجبة، فقال النبي - ﷺ -:
[ ٨ / ١٤٠ ]
(تدرون ما هذا؟) قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: (هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار الآن، حين انتهى إلى قعرها).
زاد في رواية: (فسمعتم وجبتها)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله ﷿ أسمع رسوله - ﷺ -، ومن حضر معه من أصحابه وجبة: وقوع هذا الحجر في النار، ليجري على لسانا رسوله - ﷺ - ذكر مقدار عمق جهنم، وأنها مسيرة سبعين سنة للحجر الذي يهوي به في هذا الهبوط على سرعة تشابه سرعة النجم، والله تعالى يرحمنا بإعاذتنا من هذه النار.
- ٢٣٧٨ -
الحديث الثاني والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ليأتين على الناس زمان، لا يدري القاتل في أي شيء قتل؟، ولا يدري (٥١/ب) المقتول في أي شيء قتل؟).
وفي رواية محمد بن فضيل: فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: (الهرج، القاتل والمقتول في النار)].
[ ٨ / ١٤١ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن هذا القاتل والمقتول يكونان في زمان ليس فيه إمام يعرف به الحق من الباطل. وقد تقدم هذا المعنى ما يكفي في مواضع كثيرة.
- ٢٣٧٩ -
الحديث الثالث والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا قام أحدكم من الليل، فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين)].
* قد سبق أن ابتداء العمل يحتاج إلى تدريج للدخول فيه، فأمر بتخفيف الركعتين في الأول؛ ليكون توطيدا للدخول وتدريجا للنفس.
- ٢٣٨٠ -
الحديث الرابع والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة: كفارات لما بينهن).
وفي رواية: (ما لم تغش الكبائر).
وفي رواية: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
[ ٨ / ١٤٢ ]
رمضان: مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر)].
* لما كانت الصلوات الخمس، كالأعلام بين الأوقات، والجمعة كالعلم في الأسبوع، ورمضان في السنة، أثر كل وقت من هذه الأوقات المكرمة فنسخ الظلمة التي توجد فيما يليه من الأوقات من تأثير الذنوب.
فأما الكبائر فإنها تفتقر إلى قصد من الإنسان لمحوها، فهي كعين النجاسة التي تفتقر إلى الخبث، وصغائر الذنوب كالشيء الذي يزول من غير احتياج إلى خبث.
- ٢٣٨١ -
(٥٢/أ) الحديث الخامس والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: (أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذا القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك؛ بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)].
* المدرجة: الطريق، وجمعها مدارج.
[ ٨ / ١٤٣ ]
* وقد دل هذا الحديث على فضيلة زيارة الإخوان في الله ﷿، وإنما فضلت لأنها تجمع تطيب قلب الأخ بقصده، ولا تخلو من ذكر الله وحمده، ويذكر كل منهما الآخر ويقويه، وديمومة كل منهما ببقاء من يعينه على سلوك طريق الآخرة، ويحثه عليها ويؤنسه في وحدة سفره.
- ٢٣٨٢ -
الحديث السادس والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -: (إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟، قال: أما علمت أن عبدي فلانا فرض فلم تعده؟، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟، يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، (٥٢/ب) أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله تعالى لطيف بعباده، وألان لهم القول ألانة تجاوزت حد مقاديرهم لطفا منه، فلطف سبحانه بالمريض والعائد بأن
[ ٨ / ١٤٤ ]
جعل العيادة له ﷻ، من حيث إنها من أجله، وفيه، وفي سبيله.
* وقوله: (أما لو عدته لوجدتني عنده) فاشعر كل عائد لمريض أنه ﷻ عند ذلك المريض، فهو سبحانه أول عواده لئلا يستنكف بعد سماع هذا الحديث مسلم عن عيادة مسلم، فهو ﷻ يعود عبده بعوائده الجميلة الحسنة.
* وكذلك إذا استطعم مسلم مسلما فلم يطعمه، وهو قادر على إطعامه من غير إخلال بواجب؛ فإن الله تعالى هو المستطعم له، إرادة منه ﷾ أن يعرفه أنه يستطعمه، بلسان أجوف يقبل الإطعام، فإذا لم يطعمه كان الرد منه لربه فيما خلقه.
* وكذلك المستسقي إذا استسقى أخاه، فلم يسقه، فإن الله ﷾ هو الذي استسقاه على لسان عبده.
* وقوله: (لو سقيته وجدت ذلك عندي) أي وجدت ثواب ذلك عندي والجزاء عليه.
- ٢٣٨٣ -
الحديث السابع والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (كان زكريا نجارا)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الآدمي خلق مهيئا لكل صناعة، فإن أقدر
[ ٨ / ١٤٥ ]
لئن يعلم علم كل صناعة، فناهيك به، وإلا فلا أقل من أن يعلم علم صناعة (٥٣/أ) واحدة مما هيئت خلقته لها.
والنجارة من جملة الصناعات التي يقوم بها مصالح الدهماء، وهي صناعة صالحة، وكانت هذه الصناعة لا تمنع زكريا من أشغال النبوة وتعليم الخلق، فحصل بها من الكسب ما يستغني به، ليظهر أثر قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عيه أجرا﴾.
- ٢٣٨٤ -
الحديث الثامن والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة من يقول له: تمن تمن، فيتمنى ويتمنى فيقول له: هل تمنيت؟، فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن مسعود، وأوضحنا الكلام عليه.
[ ٨ / ١٤٦ ]
- ٢٣٨٥ -
الحديث التاسع والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (أقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصف في الصلاة من حسن الصلاة)].
* قد سبق في تسوية الصفوف في مسند أبي موسى، وفي مسند النعمان بن بشير، وفي مسند أبي مسعود الأنصاري، وفي مسند أنس بن مالك.
- ٢٣٨٦ -
الحديث الثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرك ما يقول، فليضطجع)].
* قد تقدم هذا الحديث في مسند أنس بن مالك (٥٣/ب)، وتكلمنا عليه هنالك.
[ ٨ / ١٤٧ ]
- ٢٣٨٧ -
الحديث الحادي والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها، فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله، فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هي لكم)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه إذا أقام المسلمون في قرية مما فتح الله عليهم، فإن سهم المقيمين بها من المسلمين في تلك القرية؛ لئلا يحتاج الإمام في نقل أرزاقهم من قرية أخرى إلى مؤونة، وفي نقل ما في تلك القرية إلى آخرين في قرية أخرى إلى مؤونة؛ وليكون ذلك داعية إلى استمرار مقامهم فيها؛ لحفظها وحراستها من كرات العدو.
* وقوله: (وأيما قرية عصت الله ورسوله) يعني أنها تعود فيئا، والفيء على الإطلاق لله خمسه وللرسول، وهذا الخمس هو الذي ينصرف إلى رسول الله - ﷺ - فيقسمه أسهم، سهم له - ﷺ - يصرفه في الكراع والسلاح، وسهم في صلبية بن هاشم، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وأربعة أخماس لمن شهد الواقعة.
[ ٨ / ١٤٨ ]
- ٢٣٨٨ -
الحديث الثاني والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: (خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء (٥٤/أ)، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيه الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من النهار، مما بين العصر إلى الليل)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله تعالى خلق التربة؛ التي كونها أرضا يوم السبت، ثم رتب المخلوقات شيئا بعد شيء إلى أن خلق آدم، فذكر ابن جرير الطبري أن خلق هذه الأشياء، إنما كان بين يدي آدم احتفالا بأمره، وإظهار الملائكة تقديم ترتيب مسكنه، ومسكن ذريته، بأن جعل كل شيء منها في يوم.
* قال يحيى بن محمد ﵀: فلما خلق التربة في يوم، وهي المهاد، ثم خلق الجبال وهي التي تمسك التربة، وتتمم مصالحها على ما تقدم ذكره في مواضع، ثم لما تم السكن ممهدا، وكان الأدمي أجوف لا يستغنى عن درور الرزق له، كان في اليوم الثالث خلق الأشجار التي تشتمل على أنواع النبات
[ ٨ / ١٤٩ ]
من الحبوب والثمار والرياش والأدوية وغير ذلك، ثم لما اجتمعت هذه الأشياء، وصارت للأدمي في حاجة منه إلى تناول مما خلق له، وتعب في تحصيله، وهرب مما يتصور الأرمى منه فيه، جرى القدر بذلك يوم الثلاثاء حين كمل المسكن والقوت؛ فكان تناول الآدمي ذلك عن تعب، وقوته إياه عن تقصير.
فكان هذا مكروها له فقضى يوم الثلاثاء، فلما كان الأمر في تجنب المكروه، وتوخي المحبوب، وتحصيل المطلب ازورار عن المطالب كله مما يناسب النور الذي يهتدي الإنسان إلى (٥٤/ب) ما يهتدي من ذلك، وبعدمه يضل عما يضل.
فمن ذلك قضى الله ﷿ النور يوم الأربعاء، ثم لما كان الآدمي غير مستغن من الدواب عما تحمله، ويأكل منه، بث الله ﷾ من الدواب في يوم الخميس، لكن لما كانت الدواب مجانسة الآدمي في الحياة، كانت بث الدواب بعد خلق المكروه والنور لتكون الدواب ملهمة تجنب المكروه، وتوخي المطلوب بلو الآدمي في ذلك.
ثم جعلها بين حامل للآدمي ومحمول له، وطعام له، دواء وسم وغير ذلك، لكن جعل بث ذلك له بعد أن قدم خلق المكروه وخلق النور، الذي يهتدي به لتجنب المكروه، فلما كملت هذه الأشياء في ستة أيام، كما قال ﷿، واستتب أمر الدار مستدعية بلسان حالها قدوم الساكن حين تهيئه
[ ٨ / ١٥٠ ]
الأسباب، والفراغ من الرزق والمركب والرياش، وتبيين ما يكره وما يطلب، كان خلق ساكن الدار أبي البشر في يوم الجمعة عند آخر النهار في وقت يساريه إلى أن الملائكة وجميع ما بث من الدواب انتظروا قدومه، وطال توقعهم لمجيئه جملة النهار إلى أن خلقه الله ﷾ عن آخر يومه، فذلك من شأن حكمة الله تعالى، وإظهار محل خليفته، وشرفه - ﷺ -.
- ٢٣٨٩ -
الحديث الثالث والثلاثون بعد المائة:
[عن عبد الله بن قارظ، أنه وجد أبا هريرة يتوضأ في المسجد، فقال له: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، لأني سمعت رسول (٥٥/أ) الله - ﷺ - يقول: (توضئوا مما مست النار)].
* الأثوار: جمع ثور، والثور: القطعة من الأقط، والأقط: شيء يعمل من اللبن ويجفف.
* وهذا الحديث قد سبق وبينا أنه منسوخ بأن النبي - ﷺ - أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ.
[ ٨ / ١٥١ ]
- ٢٣٩٠ -
الحديث الرابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ليهلن بن مريم بفج الروحاء، حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما)].
* هذا الحديث يتضمن ذكر وعد بأمر لا بد من كونه، فيجب الإيمان بوقوع ما ذكر رسول الله - ﷺ - أنه واقع، وقد دل الحديث على أن عيسى بن مريم يحج ويكون في زمنه ظهور الدين وإقامة الحج.
- ٢٣٩١ -
الحديث الخامس والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (بينا رجل بفلاه من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعب ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمساحته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق (٥٥/ب) بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه).
[ ٨ / ١٥٢ ]
في رواية: (وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن كل قطرة تنزل من السماء؛ فإنما تنزل بأمر من الله ﷾ في وقت معلوم وبقدر عنده ﷻ، فليس من ذلك شيء بكون سدى ولا هملا ولا يقع شيء منه إلا في المكان الذي يعين من السماء.
* وأما سماع الرجل للصوت: (اسق حديقة فلان) فإنه كان وقت سماعه لهذا النطق يعرف أن الغيث يقع ناحية من الحديقة، ثم يسيل إليها لقوله: (اسق حديقة فلان) وإنما يكون السقي عن ماء يسيل فجمع له بين أن يروي حديقته من ماء السماء وبين ألا يبل له ثوبا ولا يفسد عليه طريقا.
* وقوله: (ما تصنع في هذه الحديقة) أي: ما تصنع في حاصلها، فأخبره بحسن تدبيره في حاصل تلك الحديقة بأنه يأكل منه ثلثه، ويتصدق في سبيل الله بثلثه، ثم يرد في عمارتها وحفظ أصلها ثلثه، فلما أحسن تدبير النعمة عنده، تولى الله ﷾ تدبير سوق الماء إلى حديقته.
ولم يذكر رسول الله - ﷺ - هذا الحديث إلا منبها لأمته على الاقتداء بهذا الرجل؛ في أن يكون لكل من ينفق في سبيل الله من حاصل فرع على نحو الثلث، كما رخص في ذلك لسعد بن أبي وقاص في الوصية، وقد تقدم ذكر المعنى في مسنده.
[ ٨ / ١٥٣ ]
* والحرة: أرض ذات حجارة سود والشراج: مسايل الماء في الأرض المرتفعة إلى السهل.
- ٢٣٩٢ -
الحديث السادس والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)].
* إنما كانت المساجد أحب البقاع إلى الله ﷿ لذكر الله فيها، فإنها تكون أمانا لغيرها.
وأما الأسواق فإن الغالب عليها القول الخالي عن ذكر الله: أدخل النطق في الأسواق وأجير أقطيتها، والغالب عليها بعد السلامة من الأيمان الفاجرة، ووصف السلع بما ليس فيها من الصفات الباطلة، وخداع، وختل، وخلابة، وغش، وربا، واطراح لما شرعه الله من الإيجاب والقبول وغير ذلك.
- ٢٣٩٣ -
الحديث السابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها
[ ٨ / ١٥٤ ]
بفاتحة الكتاب فهي خداج) يقولها ثلاثا.
وفي حديث سفيان: (فهي خداج)، ثلاثا، (غير تمام)، فقيل لأبي هريرة: إني أكون وراء الإمام؟، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل).
وفي حديث مالك وابن جريج: (فنصفها لي، ونصفها لعبدي؛ فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾، قال: مجدني عبدي - وقال مرة: فوض إلي عبدي -، وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي (٥٦/أ) ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)].
* في هذا الحديث من الفقه: وجوب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة، وقد تقدم ذكر هذا.
[ ٨ / ١٥٥ ]
* والخداج: النقصان.
* وقوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾) فبدأ بالحمد ولم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم، وليست آية من فاتحة الكتاب، بل هي آية منها ومن كل سورة، فإنما لما كانت مذكورة في كل سورة لم تكن ها هنا داخلة في القسمة، إذ كل سورة لا بد فيها من بسم الله الرحمن الرحيم، فأرى امتيازها على باقي الآيات بذلك، إلا أن ينقص فضيلتها.
* فأما قوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فإن القسمة التي قسم الله ﷾ يفهم منها أن الله ﷾ أنزل هذا الذكر مشاطرا عبده معناه ما بين حمده والثناء عليه، وتمجيده وعبادته، ومن عنده من استعانته وهدايته، وتجنبه الضلالة والغضب، وكانت هذه أربعة بإزار أربعة.
* وقوله: (ولعبدي ما سأل) أي: من الإعانة والهداية، وصرف غضب وضلال، ثم ذكر سبحانه صفة الهداية فقال: ﴿الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم﴾، فكمل سبحانه الوصف في سؤال المنعم به، ثم اختصر ذكر ﴿المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ اختصارا شاملا لأن ذلك لا يكون من الأدب تعديد موجباته.
* (٥٧/أ) فأما هذه السورة فإنها جامعة من العلوم أشياء لو قد كان مقدار كتابنا هذا كله في شرح معانيها لما استغرقها، بل قد كان الشيخ محمد بن يحيى ﵀ يقول في ذلك: ما إذا ما ذكر استدل به على صدق هذه الدعوى،
[ ٨ / ١٥٦ ]
وهو أنه قال: إن الباقي بسم الله الرحمن الرحيم فيها معنى لا إله إلا الله، وهي أصل، ومنها يستخرج جميع العلوم.
ثم قال: والباء متعلقة بفعل محذوف، يجوز أن يكون ذلك الفعل صيغته أبدأ باسم الله، ويجوز أن يكون مصدرا تقدير أبتدأ ببسم الله أو يكون بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، فيكون الخبر محذوفا، أو يكون بدأت بسم الله الرحمن الرحيم.
وهذا القول منه حكاية عن أقوال الناس، إلا أن هذا الضمير لو برز فذكر هنا المحذوف لتعين وجه واحد من هذه الوجوه وسقط باقيها، فلما حذف واستمر كمونه كان محتملا لكل وجه من هذه الوجوه.
ثم قال غيره: إن تقديم بسم الله الرحيم الرحيم من أجل أنه تفرد الله به فلا يسمى به غيره، فهم اسم علم لا يسمى به غير الله، فضمن من المعاني ما قد تقدم ذكره، إلا أنه لما كان الرحمن صفة تبعت الاسم، ولما كانت هذه الصفة - أعني - الرحمن صفة لا يوسف بها غيره قدمت على الرحيم الذي قد يتسمى به غيره.
فأما الحمد فكان من كلام الشيخ محمد بن يحيى ﵀ أنه كان في قوله الحمد لله هذه اللام، لام الملك، ولام الولاية، فالمعنى الحمد لله ملكا، والحمد لله ولاية، ولا يحمد غيره إلا بأمره.
ثم قال: لما ذكر ها هنا بهذا الاسم العلم الذي لا يسمى به غيره (٥٧/ب)، ثبت عند السامعين لذكر اسمه ﷻ الذي لا يتسمى به سواه، لكنه ﷾ اتصف بزيادة اتصاف فقال: ﴿رب العالمين﴾،
[ ٨ / ١٥٧ ]
فصارت هذه صفة يمتاز بها سبحانه عن جميع العالمين؛ لأنه ربهم، فلما بلغ الامتياز بهذه الصفة إلى هذا المبلغ زاد ﷾ بأن قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ فاتصف بصفتين بلغتا بعد قوله: ﴿رب العالمين﴾، لما ما لم يبق له فيه مشارك، ثم إنه اتصف بعد ذلك بالصفة التي تممت كل مطلوب بأن قال: ﴿مالك يوم الدين﴾، فإن يوم الدين هو يوم المعاد الذي ينتهى الأمور إليه، وتعاد الحقوق فيه، ولا يملك الحساب في ذلك اليوم والمجازاة غيره، فتعين في الدنيا والآخرة التعين الذي لم يبق بعده احتمال، فلذلك خرج النطق من المعاينة إلى المشاهدة، فقال حينئذ بكاف الخطاب: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
فأما غيره فقد قال: إن هذا جواب قوله: إذا أضمرت قولوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وقولوا: إياك نعبد، ذكر هذا الرازي صاحب الأحكام، إلا أن الذي قال الشيخ أعلى فيما أرى.
ثم قال الشيخ: فمن هذه السورة يمكن أن نستخرج علوم الدنيا والآخرة كلها، وذلك أنه يقال في هذه السورة علم الحمد، وعلم الألوهية، وعلم الربوبية، وعلم العالمين، وعلم الرحمة، وعلم الملك، وعلم الدين، وعلم العبادة، وعلم الاستعانة، وعلم الهداية، وعلم الصراط، وعلم الاستقامة، وعلم النعمة، وعلم ما يجتنب من الغضب، وعلم ما يجتنب من الضلالة.
[ ٨ / ١٥٨ ]
- ٢٣٩٤ -
الحديث الثامن والثلاثون بعد المائة:
(٥٨/أ) [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) فقال: فكيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه محمول على ما إذا كان دون القلتين؛ فإنه يعود مستعملا باغتسال الجنب فيه، فحينئذ يحتاج أن نتناوله تناولا كما ذكره أبو هريرة، وإن كان كثيرا وهو واقف، فإن دوام الاغتسال فيه يوجب استقذاره؛ فلذلك وقع النهي.
- ٢٣٩٥ -
الحديث التاسع والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط)].
* قوله: (ألا أدلكم) هو تقدمة، قول ينبه الفهم، ويوقظ الفكر، ويستدعي
[ ٨ / ١٥٩ ]
حسن الاستماع.
* وقوله: (ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات) وهذا مما يجمع بين نفي وإثبات؛ وخفض ورفع، من محو الخطايا ورفع الدرجات.
* وأما (إسباغ الوضوء على المكاره) فيجوز أن يكون المراد بالمكاره إسباغ الوضوء في البرد، ويجوز أن يكون إسباغه مرغما بذلك معاطيس الشيطان وأعداء الله، ومشعرا في ذلك بإيمانه.
* وأما (كثرة الخطا إلى المساجد): فيجوز أن يكون ذلك بقصد المسجد من بعد، ويجوز أن يكون بكثرة التردد إلى المسجد.
* (٥٨/ب) وقوله: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) لأن انتظار الصلاة يجوز أن يكون وهو الأفضل، والأكمل أن يكون شوقا إليها؛ لأنها تخلص من مخاطبة الخلق وعذر في ترك أجوبتهم، وانقطاع إلى الخالق ﷾، ويجوز أن يكون الانتظار لها اهتماما بآدابها وخوفا من فوت فاضل وقتها، وهذا فإذا كان من ذي شغل كان داخلا في الموصوفين بقوله تعالى: ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾، وإن كان من متفرغ فإنه يدخل في قوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾.
* وقوله: (فذلك الرباط) يعني أن المواظبة على ذلك كالجهاد.
[ ٨ / ١٦٠ ]
- ٢٣٩٦ -
الحديث الأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الصديق من المؤمنين ينبغي له أن يكون حافظا للسانه عن أن يلعن شيئا من خلق الله لا يستحق: كالدابة، والبعير، وغير ذلك، فأما لعنة الكافرين؛ فإن هذا لا يخرج عنه الصديقون، فإذا لعنوا الكافرين كانوا لاعنين لا لعانين؛ لأن اللعان الذي يكثر منه اللعن فيتجاوز به الحد المشروع، واللاعن: هو الذي يلعن من لعنه الله ورسوله.
- ٢٣٩٧ -
الحديث الحادي والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا (٥٩/أ) تعطه). قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله). قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد). قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النار)].
[ ٨ / ١٦١ ]
في هذا الحديث دليل على جواز دفع الرجل عن ماله وقتاله دونه، وأنه إن قتل دون ماله فهو شهيد، وإن قتل فإن ذلك المقتول على التماس الباطل في النار، كما أخبر رسول الله - ﷺ -، إلا أن ذكره للنار ولم يذكر الخلود يدل على أن ذلك مما يوجب العقوبة بالنار لا الخلود.
- ٢٣٩٨ -
الحديث الثاني والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس)].
* قد مضى هذا الحديث في مسند ابن عمر وتكلمنا عليه هنالك.
- ٢٣٩٩ -
الحديث الثالث والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ -: (يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، ما سوى ذلك فهو ذاهب، وتاركه للناس)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان يقول: مالي مالي، لقلة تحريره نطقه
[ ٨ / ١٦٢ ]
لأنه ليس له من ماله على الحقيقة إلا ما قد فرغ منه، إما بأكل أو لبس أو إعطاء، فذلك الذي يحقق أنه له.
* فأما ما عدا ذلك؛ فيجوز أن يكون له ويجوز أن يكون لغيره، بأن يأخذه من يده.
* ويدل على ما قلنا قوله: (ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى) كله بلفظ الماضي، لكنه ذكر - ﷺ - (٥٩/ب) أن كل ما يأكله فأفناه، وما لبسه فقد أبلاه، فما جاء ذكر العطاء قال: (اقتنى)، ففرق بين هذا وذيلك؛ لأن هذا مما اقتناه، وليس قوله: أكل فأفنى، مما يدل على أنه لا ثواب له فيه، فإن المؤمن يثاب على ما يأكله بحسب النية فيه، وكذلك يثاب على ما يلبسه بحسب النية فيه، ولكن هذان نشاهد فيهما الفناء والبلى من حيث الصورة، وما أعطاه فقد اقتناه فصار قنية له وذخرا.
- ٢٤٠٠ -
الحديث الرابع والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألم تروا إلى الإنسان: إذا مات شخص بصره؟) قالوا: بلى، قال: (فذلك حين يتبع بصره نفسه)].
* هذا الحديث يدل على أن الروح تخرج من جسد العبد خروجا يراه بصره وقت موته، ويدل على أن الروح جسم؛ لأنها لو لم تكن جسما لم تر، وأن
[ ٨ / ١٦٣ ]
شخوص البصر بعد خروج الروح على إثرها نظر إليها.
- ٢٤٠١ -
الحديث الخامس والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)].
* في هذا الحديث من الفقه الحث على مبادرة الفتن بالأعمال، فإن من الفتن ما يعرض للقلوب فتصبح مؤمنة وتمسي كافرة في تلك الفتنة، فتثبط العامل عن عمله، أو بعمله ما يعمل على ارتياب وشك؛ فلا ينفعه عمله (٦٠/أ)، وهذه الفتن قد يكون فيها ما يعم الناس. وقد يكون فيها ما يخص، وأن منها الكلمة الخبيثة؛ التي يقذفها الشيطان على لسان ولي من أولياء الشيطان ليقولها، إما جادا أو هازلا، ليسمعها الضعيف القلب فيفتنن بها؛ الفتنة التي لا يخلص منها إلى يوم القيامة؛ لأن القلوب كثيرة التقلب من ربقة الحق، شديدة التطلع إلى منافذ الضلال، فإذا قذف في روعها شيء من المضللات وجد عندها داء قاتلا وشرا مستعدا، كالنار التي تقع في الخراق، فينبغي للإنسان أن يكون أشد خوفا وحذرا على دينه وإيمانه، متعاهدا له بالذكر
[ ٨ / ١٦٤ ]
ومدارسة القرآن وامتثال أمر القرآن بالنظر والتدبر والفكر المؤدي له إلى الحق صباح مساء؛ بل في كل وقت ونفس وساعة.
- ٢٤٠٢ -
الحديث السادس والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (اتقوا اللاعنين). قالوا: وما اللاعنان؟ قال: (الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم)].
* في هذا الحديث اشتداد كراهية التخلي في طريق الناس، لأن فاعل ذلك يعرض الناس لأن يلعنوا فاعل ذلك، من حيث إنه ينجس ثيابهم أو يقع عليه الذباب، ثم يقع على ثوب أحدهم في أمد لا يجف مثله فيه.
وكذلك إذا كان في الظل الذي يستريح إليه الناس ويؤذيهم، وسمى المكان لاعنا لأنه سبب للعن.
- ٢٤٠٣ -
الحديث السابع والأربعون بعد المائة:
(٦٠/ب) [عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من صلى علي
[ ٨ / ١٦٥ ]
واحدة، صلى الله عليه عشرا)].
* في هذا الحديث من فضل رسول الله - ﷺ - ما يشعر أن الواحد من أمته إذا صلى على نبيه مرة واحدة، لم يرض الله ﷿ أن يتولى الصلاة على ذلك العبد المصلي على نبيه، نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولكن هو ﷻ يصلي عليه.
ثم لا يرضى له ﷿ بأن يصلي عليه ﷻ صلاة واحدة، بإزاء صلاة واحدة؛ ولكن يصلي عليه عشر صلوات، إنه يعذبه بالنار بعد ذلك.
ولقد كنت يوما جالسا على سطح وأنا مستقبل القبلة، على هيئة التشهد أصلي على النبي - ﷺ -، وعيناي مغمضتان، فرأيت من وراء جفني كاتبا جالسا يكتب بمداد أسود في قرطاس أبيض، الصلاة على النبي - ﷺ -، فكلما قلت: اللهم صل على محمد - ﷺ -، رأيته كيف يرقم ما أقوله من الصلاة بذلك المداد الأسود في ذلك القرطاس الأبيض، أرى الحروف كيف تكتب: اللهم صل على محمد، فقلت لنفسي: افتح عينيك، وانظر إلى هذا الذي يكتب، ففتحت عيني، فرأيت عن يميني بياض ثوب وقد توارى، فرأيت بياض ثوبه كأشد ما يكون من الثياب البيض.
وكان ببغداد رجل يقال له: أبو علي بن مهدوية كاتب زمام في ديوان
[ ٨ / ١٦٦ ]
الخليفة، فشفع إلي نسيب لي في إيصال رقعة إلى الخليفة المقتفي لأمر الله ﵁ في إطلاق شيء من البرز لمسجد بناه أبو ذلك النسيب من مال الوقف (٦١/أ)، فوقع له الخليفة ﵁ بذلك.
فأرسلت بهذا التوقيع إلى ابن مهدوية ليوقع به على العادة، فوقع بالتوقيع على ظهر نسخة الرقعة، ولم يصل فيها على النبي - ﷺ -، فرددته إليه، وقلت له: صل على النبي - ﷺ -. قال الرسول: فأخذ القلم ليصلي على النبي - ﷺ -، ثم أدركته الشقاوة فلم يفعل، وقال للرسول: عد إلي في غد لأمر الكاتب الذي كتب هذا التوقيع أن يصلي على النبي فيه بخطه.
فعاد الرسول إلي فأخبرني بذلك فقلت: إنا إن هذا جيد حيث ينتهي الكتاب فيما بعد أن يخلو بالصلاة على النبي - ﷺ - في مثل هذا، ثم إني أرسلت به إليه من الغد على يد ذلك الشخص، فعاد إلي وقال لي: إنه قال: إن هذا لم تجر به عادة، وامتنع من إثبات الصلاة إلى النبي - ﷺ - في الرقعة، فكتبت إلي المقتفي ﵁ كتابا، أبلغت فيه، وقلت له: إن هذا ديوانك إنما هو على الحقيقة ديوان رسول الله - ﷺ -، فإذا لم يصل إلى رسول الله - ﷺ - في ديوانه، فأين يصلى عليه؟ وهذه الصلاة على رسول الله - ﷺ - فهي حق لرسول الله - ﷺ -، وإني لأخشى بجدال أن تهضم حقوق رسول الله - ﷺ - في وقت تكون أنت النائب عنه في استيفائها، ثم سألت أن يوقع توقيعا بأنه لا يكتب من ديوانه ومخزنه (٦١/ب) كتابا، وإن كان على ظهر رقعة حتى يصلي
[ ٨ / ١٦٧ ]
فيه على النبي - ﷺ -، فوقع بذلك، فأرسلت بالتوقيع على يد ذلك الإنسان الذي أرسلت به أولا، وهو حاجب كان في الديوان، يقال له ابن الظهيري فعرضه على الوزير ابن جهير حتى يتقدم بموجبه، فقال: سمعا وطاعة، ثم إن التوقيعات بعد ذلك جاءت إلى عندي بالمخزن، وكنت حينئذ بالمخزن، وليس فيها الصلاة على النبي - ﷺ -.
وكان ذلك الوزير قد مرض مرضة لا أحسبها إلا قبل أن يجري هذا، فحضرت لعيادته، فرأيته في شدة، فالتفت إلي وقال لي: كالمسلي لنفسه عن الحياة: هب أني قد قمت من مرضتي هذه، ثم عشت عشرين سنة ثم وقعت وقعتي هذه لأموت، أليس هذه كانت تكون كتلك. فاحسب أن هذه تلك وما الذي آسى عليه يفوتني أكل كذا وكذا من الغنم.
فقلت له: فاقلب هذه المسألة إن عافاك الله من مرضتك هذه، فعمرت عشرين سنة أن تجعل هذه العشرين سنة لله ﷿، ومتى نازعتك نفسك إلى الدنيا فقل لها أنا مت منذ عشرين سنة. فقال لي: أفعل وهاك يدي على ذلك. فقلت له: انظر إني عنيت بذكري الزهد في الدنيا، وأنك تلبس القميص الأزرق، وتجلس في زاوية لهؤلاء الدبرة العجزة. فقال: وإلا فماذا؟ فقلت: لا بل تكون على ما أنت عليه من إعانة الخلافة ناظرا لمصالح المسلمين
[ ٨ / ١٦٨ ]
وسادا ثغور الحق (٦٢/أ) فقال لي: هذا لا يصلح لي. فقلت له: بلى مما نعني، فقمت عنه ولم يقع بيننا اتفاق، ثم إني عدت إليه فرأيت حاله قد اشتدت. فقلت له: هيه ماذا تقول؟ فقال لي: وافقتك على ما ترى.
فكان من قدر الله ﷿ أنه أبراه من تلك المرضة، وتكاملت عافيته، وعاد إلى منصبه، فحضرت عنده في الديوان مقتضيا تنفيذ أمره بذلك التوقيع في الصلاة على النبي - ﷺ -، فكان من قوله لي: على ضعف فيه: إن هذا كاتب الزمام قد أرسل إلي وقال: إن هذا فلانا، يعنيني، لا يعرف العوائد، وأنها قد استمرت في هذا الموضع بألا نصلي على النبي - ﷺ - في ظهور الرقاع، ثم قال: أما لو كتب رجل كتابا فبدأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم لم يصل على النبي - ﷺ - في آخره وجب عليه قطع يده.
فأما على ظهور الرقاع فلا يبدأ في أولها ببسم الله الرحمن الرحيم، فلا يصلى على النبي - ﷺ - في آخرها. قال: إن هذا الديوان قد كان فيه أبوك وجدك وعمك والخلفاء كلهم، ولم يجر الحال إلا على هذا حتى قد جاء فلان، يعنيني بغرض، وذكر كلمة نال من عرضي بها، وإن الناس كانوا على ضلال فعجبت من نسبته لي إلى العرض، وقلت في نفسي: أتراني لو قدرت صحة قوله كنت ذا عرض لنفسي أو لإقامة حرمة رسول الله - ﷺ - ولأمثلي ولأمثله في هذا إلا كما حكي عن نظام الملك أن رجلا جاءه فقال له: إني رأيت رسول الله - ﷺ - (٦٢/ب) في المنام، وهو يقول لي: اذهب إلى نظام الملك فقل له يزوج بناتك. فقال له: وكم هن؟ قال: ثلاث. قال: كم يكفيهن؟. قال: ثلاثمائة، فأعطاه، فلما ذهب قيل للنظام ﵀: إن كان هذا قد كذب. قال: وما علي أنا؟ فعلت بمقتضى حكايته لمنامه، فإن كذب
[ ٨ / ١٦٩ ]
فالخصومة بينه وبين من كذب عليه. ثم قلت أنا للوزير: هيه وما قلت أنت؟ قال: أنا أصلي على النبي - ﷺ - على التوقيعات إذا جاءت إلي بخطي، ثم لم يفعل ذلك، ولا وفى بما استقر بيني وبينه، فكتبت إلى الخليفة ﵁ ما حكيت له فيه ما قالوه عني، وأبطلت ما ذكروه، بأن قلت: أما ما قاله هذا من أنه إذا كتب رجل بسم الله الرحمن الرحيم في رقعة ثم لم يصل على النبي - ﷺ -؛ فيها؛ فإنه يجب عليه قطع يده، فقد أبطل في هذا؛ لأنه لا يجب في ذلك قطع اليد.
فأما قوله: إن في ظهور الرقاع، فإنه لا يصلي فيها على النبي - ﷺ -، فإنه شده أو ذهل عن الواجب، فإن ديوانكم قد كان أكثر كتابه نصارى، وعادتهم أنهم كانوا إذا كتبوا عن نفوسهم لم يصلوا على النبي - ﷺ -، وإذا كتبوا عنا كتابا صلوا فيه على النبي - ﷺ -.
قلت له: فإذا كتبوا عنك ولم يصلوا ظن أن ذلك الكتاب عنهم لا عنك، ثم هذا النزاع فيما ذهب أنه لا يجب ذلك، أيختلف المسلمون أنه الفاعل هذا ثوابا، ثم قدر أن ذلك قد استمر فأحيا هذه السنة فضيلة خبأها الله لك، فكتب إلسي (٦٣/أ) ﵁ عما صنعته: قد ذكروا انك لا تعرف العوائد، وحيث جرى لي هذا حديثا فلا بد من الصلاة على النبي - ﷺ -، فكنت بالمخزن لا أمكن أن تكتب رقعة وإن كانت على ظهر حتى يصلي فيها على النبي - ﷺ -.
فأما في ديوان الزمام فلج ذلك المسكين، واستمر على ترك الصلاة على النبي - ﷺ -، وضعف ذلك الوزير، وذهب الأيام حتى إنني كنت ليلة في دار
[ ٨ / ١٧٠ ]
أحمد بن محمد المعروف بالجويزي، وكان عندنا أستاذ الدار ابن رئيس الرؤساء وكنا جلوسا، فحضر عند أستاذ الدار من قال له: قد حضر عندك صاحب الديوان، يعني ابن مهدوية الخصم في المسألة، فقام إليه فكتبت بكرة إلى الخليقة أعلمه أنني كنت في دار فلان ومعنا فلان فأتاه آت فقال: قد حضر فلان فقام ولا أعلم أني كتبت قبل ذلك قط مثل ذلك إليه ولا أعلم أني الآن ماذا أردت بذلك، لكن الله ﷾ جعله سببا لإعلامي بما قدره في ذلك الإنسان.
فوقع الخليفة ﵁ جواب ذلك التوقيع من يومه، أما ابن المهدوية الفاعل الصانع ويرب عليه ثم قال: قد تقدم بعزله، وكان عزله مطويا فلم يعلم أحد بعد وزير الوقت قبلي فيما أظن، ثم إني أعلمت به أحمد بن محمد، وأعلم به أستاذ الدار رفيقنا.
فقالا جميعا: إن الرجل ما عنده خبر من هذا، ثم بان الحديث في غد ذلك اليوم، أنه عزل، وكان الوزير قد دافع عن عزله، ثم إنه لينظر كأنه واحد، فبدل (٦٣/ب) شيئا كبيرا حتى قيل إنه كان مبلغه ألف وخمسمائة دينار، وإنه صحح النصف وعرض مشدودا مختوما عليه في فرطه فأصبحت أنا وليس عندي في ذلك شيء سوى أن الله تعالى أوقع في نفسي أن أكتب وأعرض نفسي للموضع مع كوني ليس عندي ما أبذله، فكتب إلى الخليفة رقعة أعرض نفسي فخرج جوابها في يومها بما مضمونه تقوية الطمع فكتبت بعد ذلك جوابه وقلت له: إنني لا بدل عندي، فكان جواب الثانية التوقيع لي
[ ٨ / ١٧١ ]
بما يدل على أنه سيرتبني في ذلك.
وحضر عندي حاجب الوزير أبي القاسم علي بن صدقة ﵀ وقال لي: قد أمر بترتيبك في ديوان الزمام مكان الذي خاصمته، وذهب عني حينئذ ذكر هذه المسألة، ثم قال لي: قد رسم أن يعلم به في هذه الليلة، وكان الوزير قد ركب من الديوان إلى داره فركبت إليه فوفقت وقت أذان المغرب، فقام المؤذن فأذن وكان رجلا صالحا يعرف بعمر بن ظفر المقدي، ثم قام وتقدم فصليت أنا والوزير وراءه، فقرأ فاتحة الكتاب ثم أتبعها بهذه الآية: ﴿ولق سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (١٧١) إنهم لهم المنصورون (١٧٢) وإن جندنا لهم الغالبون﴾ فسررت بذلك تفاؤلا بهذه الآية، وذهب عني ذكر المسألة.
فلما كان بعد أيام، وأنا قائم في الصلاة أخطر في قلبي أن تلك الآية، إنما ذكرت في جواب منازعتي الذي كان في هذا المنصب على معنى الصلاة على رسول الله - ﷺ -، وإن صرف ذلك وترتيبي مكانه نصر لرسول (٦٤/أ) الله - ﷺ -، وتلك الآية إنما كانت في ذلك، فبلغني بعد ذلك أن الخليفة ﵁ رد عليهم الذهب بختمه، وكان مبلغه سبعمائة ونيفا نقدا مع ضمان الباقي نسبة، ورتبني مكانه بغير بدل، ثم إن الله سبحانه نقلني من ذلك الموضع إلى الوزارة فحضر عندي بعض الناس وقال لي: إن هذا ديوان الزمام يسمى وادي الأفاعي، فقلت له: لا تخف علي فإن أمري أنا قرره رسول الله - ﷺ -، فكان كما ذكرت بحمد الله، ثم تابع الله نعمه، ووالاها وأسبغها وأصفاها، وكان ذلك من فضله ﷾ ونصره ﷻ لرسوله - ﷺ - ببركة نصري للصلاة عليه - ﷺ -.
[ ٨ / ١٧٢ ]
- ٢٤٠٤ -
الحديث الثامن والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أنس وتكلمنا عليه.
- ٢٤٠٥ -
الحديث التاسع والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رجلا قال للنبي - ﷺ -: إن أبي مات ولم يوص، أفينفعه أن أتصدق عنه؟. قال: (نعم)].
* هذا الحديث قد تقدم وتكلمنا في ذلك وبينا أن كل فعل من الخير كالصدقة والقراءة يصل ثوابه (٦٤/ب) إلى الميت.
[ ٨ / ١٧٣ ]
- ٢٤٠٦ -
الحديث الخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)].
* هذا الحديث ضرب مثل وإن كنت قد سمعت بعض العلماء يقول: إن الله تعالى يبعث أصناف الحيوان، ثم يقتص لكل جنس من جنسه، ثم يصير الكل إلى التراب.
- ٢٤٠٧ -
الحديث الحادي والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)].
* هذا الحديث يدل على أن الصدقة لا تنقص من المال، والمراد بذلك أنها لا تنقص منه من حيث المعنى، أن الله يبارك في ذلك المال الذي تصدق به بما ينفع منه، ويوفر وجوهه في الخرج أضعاف تلك الدقة، وقد يكون ذلك صدقة،
[ ٨ / ١٧٤ ]
فإنه حدثني والدي ﵀ قال: قفلت من الحج، فلما وصت إلى فيد وزنت ما كان في خرقتي، وكان مبلغه ثلاث دنانير ودانقين، أو قال: ودانقا، ثم قال: إني أنفقت من ذلك منذ كنت بغيد إلى أن جئت العراق، ثم وزنته فكان مثل ما وزنته بفيد من غير أن ينقص.
وأما أنا فحصل لي مرة مقدار من الحنطة، فأخرجت منها فيما (٦٥/أ) أظن قريبا من ربعها أو ثلثها، ثم كلت الباقي فلم ينقص شيئا فيما أظن، فأما من حيث المعاني؛ فإن ذلك فيما لا أحصيه كثرة.
* وقوله: (وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) فإن العفو عز في وقته، وبعد ذلك، فما زاد به أحد إلا عزا، وإذا وسوس الشيطان للمسلم بأن هذا يخرجه الناس مخرج الذل؛ فتلك خديعة منه، فكلام رسول الله - ﷺ - دواء لذلك الداء.
* وأما قوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) فقوله: (الله) يعني ألا يكون تواضعه لأهل الدنيا، ثم يتكبر على أهل الدين، ولكن يتواضع لله فيرفعه الله تعالى ﷻ.
- ٢٤٠٨ -
الحديث الثاني والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم
[ ٨ / ١٧٥ ]
يعتد المظلوم)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن البادئ بالسباب، هو الذي أثار ذلك الشر، فكان عليه إثمه وإثم من أجابه أو اقتدى به فيهن إلا أن يعتدي المظلوم اعتداء يخرجه عن الحق، فعليه من ذلك مقدار اعتدائه.
- ٢٤٠٩ -
الحديث الثالث والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (أتدرون ما الغيبة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن حد الغيبة: الصدق في وصف من يغتاب انتهازا للفرصة.
* (٦٥/ب) الغيبة من الشخص ليؤكل لحمه وذلك معنى قوله ﷿: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ ومعنى ذلك أن الغائب قد وضع عرضه عند الحاضر بمنزلة الميتة ليس دونه من يدافع عنه، ولا يناضل دونه، فإذا رضي الإنسان لنفسه أن يغتاب فقد قام مقام أكل الميتة التي ليس
[ ٨ / ١٧٦ ]
فيه حراك يدفع عن نفسها، فمعنى الآية: يا أيها العرب، ويا أهل النخوة، من كان منكم يرضى أن يأكل لحم الميتة، فإن عرض الغائب في معنى الميتة.
* ولقد أجاد القائل:
وأكبر نفسي عن جزاء بغيبة وكل اغتياب جهد من ماله جهد
فوضع الغيبة أن يصدق المغتاب فيمن اغتابه.
فأما إذا كذب عليه فذلك البهت الذي ذكر في الحديث، فإذا كان الصدق في ذلك هو أكل لحم المسلم ميتة، فما ظنك بالبهتان والكذب في الإثم والشر؟!.
- ٢٤١٠ -
الحديث الرابع والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -: (من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)].
* قد سبق الكلام في هذا المعنى في مسند أبي مسعود وفي مسند جرير.
[ ٨ / ١٧٧ ]
وأشير إليه فأقول: إن قوله - ﷺ -: (من دعا إلى هدى) فإن هدى هنا نكرة، يعني هدى من الهدى، فإن ذلك الداعي يكون له أجر دعائه، وأجر دعاء كل داع (٦٦/أ) يدعو إلى الله إلى ذلك الهدى بعده، ولا أرى أن رسول الله - ﷺ - أتى بذكر هدى نكرة إلا إشارة منه إلى أن هدى الله ﷿ كبير واسع، فيكون منه ما لم يكن قد ذكر إلى أنه يستنبط من الأذكار المروية، ويعرف من آثار الله في عباده، ودلائله في صنائعه، والفوائد من كتابه والأسرار في كلام رسوله - ﷺ - فيكون ذلك الهدى الذي يدعو إليه العبد له أجرهن وأجر كل من يدعو به.
* وأما الضلالة: فإن من يدعو إليها بكلمة خبيثة أو عقد إشكال أو نابضة شك أو طليعة حيرة؛ فإنه عليه إثمها وإثم كل من يضل بها إلى يوم القيامة، ليؤخذ منه ما يؤخذ، ثم يبقى له بقية، وينهض به إلى الخير والسلامة.
- ٢٤١١ -
الحديث الخامس والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (أتدورن من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من
[ ٨ / ١٧٨ ]
حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)].
* هذا الحديث قد سبق بيان أمثاله، فإن النبي - ﷺ - سأل أصحابه عن المفلس؟ فأخبروه بالصورة المعروفة في الدنيا، فأخبرهم (٦٦/ب) بالمعنى الموجود من الإفلاس في الآخرة.
* وهذا الحديث يقتضي أن القصاص يأتي على جميع الحسنات، حتى لا يبقى منها شيء، فينبغي لمن عليه مظالم أن يستكثر من الحسنات.
- ٢٤١٢ -
الحديث السادس والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء! هلم إلى الرخاء! والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد منهم أحدا رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تخرج المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد)].
* قد تقدم شرح هذا الحديث في مسند سعد وغيره.
[ ٨ / ١٧٩ ]
- ٢٤١٣ -
الحديث السابع والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة)].
* قد تقدم شرح هذا الحديث في مسند سهل بن سعد وغيره.
- ٢٤١٤ -
الحديث الثامن والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الدنيا سجن المؤمن، من حيث إن الإسلام حابس (٦/أ) له بمنعه من كل شيء لا يبيحه له الإسلام، والإيمان قيده في ذلك الحبس، يحول بينه وبين الحركة فيما لا يطابق إيمانه عن أمر من أمر ربه، فإذا خرج المؤمن من هذا الحبس إلى دار الإباحة كان في صورة من انتقل من السجن إلى السعة، وهي جنة الكافر، ومن حيث إنه لا يرد عن شهواته فيها
[ ٨ / ١٨٠ ]
شرع، ولا يقيده إيمان، ولا يرعه ذكر أخرى، فينتقل من السعة إلى الضيق، ذلك معنى الحديث.
- ٢٤١٥ -
الحديث التاسع والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله - ﷺ -: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فأتوا رسول الله - ﷺ -، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. قال رسول الله - ﷺ -: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير)، فلما قرأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله ﷿ في إثرها: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ (٦٧/ب) فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله ﷿: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاحذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: (نعم) ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال: (نعم) ﴿ربنا ولا
[ ٨ / ١٨١ ]
تحملنا ما لا طاقة لها به﴾ قال: (نعم) ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾، قال: (نعم)].
* وقد سبق هذا الحديث وفسرنا هاتين الآيتين، إلا أن في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - علمهم الأدب بأن يقولوا عند تكليف الرب سبحانه: (سمعنا وأطعنا)، ونهاهم - ﷺ - عن غير ذلك فنزلت: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ فاعترفوا أن الله ﷾ رفع عنهم ثقل إصر لو حملهم لكان في ذلك عادلا؛ لكنه تفضل برفعه عنهم.
- ٢٤١٦ -
الحديث الستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (قال الله تارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)].
* في هذا الحديث من الفقه أبلغ التشديد في أمر الشرك؛ بأبلغ لطف في النطق، وذلك أن الله ﷾ حرم أن يشرك به، فإذا أشرك به أحد من عبيده تنزه سبحانه عن ذلك الشرك نطقا، كما تنزه عنه سبحانه حقيقة (٦٨/أ)، ثم إنه سبحانه لما كان جالب هذا الإشراك هو هذا العبد بجهله، مع
[ ٨ / ١٨٢ ]
كونه ملكا لله ﷿، تنزه الله عن ذلك بأن ترك العبد الذي جلب الشرك وما أثاره جهله.
وقوله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) ولأن الشريكين إنما يشتركان لكون قوة كل واحد منهما لا تنهض بانفرادها في مقاومة المقصود بما ينهض به مع مشاركة القوة الأخرى، والله ﷾ خالق القوى غير محتاج إلى شركة غيره، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك.
* وقوله (تركته وشركه) أي تركت المشرك لي والشرك أيضا.
* ومعنى الحديث أن كل عمل يشرك فيه بالله غيره؛ فإنه لا يقبل الله منه شيئا لقوله: (تركته وشركه).
- ٢٤١٧ -
الحديث الحادي والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: (سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون)، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - ذكر بانفراد هذا الجبل المفردين، وقد روي (بكسر الراء وفتحها)، فمن رواه بكسر الراء: فإن الذي
[ ٨ / ١٨٣ ]
أراه فيه أنهم أفردوا الله سبحانه بالطلب منه للخير والنصر، فهم الذين أفردوا الله بطلابهم لمقاصدهم، وأما بفتح الراء: فيجوز (٦٨/ب) أن يكون المراد الذين أفردهم الناس لعدم المثلية؛ فصاروا أفراد في زمانهم، ويجوز أن يكونوا الذين أفردهم الله ﷿ في كل زمان للقيام بسنته.
* وقوله: (سيروا) يجوز أن يكون المعنى أنه قال لهم وهم يسيرون: (سيروا) أي تلاحقوا لتسمعوا هذا، وذكرهم لسبق المفردين عند سيرهم هم، وقد فسرهم رسول الله - ﷺ - بقوله: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)، فيعني - ﷺ - أن السير والسبق إنما هو بالذكر، فهو سير بالهمة، فهو يشبه في قطع مفازات الأعمار بسعي الأقدام في قطع مفاوز الأرض.
- ٢٤١٨ -
الحديث الثاني والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال: (لئن كنت كما قلت، وكأنهم تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك)].
* في قوله: (تسفهم) قولان: أحدهما: تطعمهم من قولك سففت الدواء أسفه، فشبه ما يدخل عليهم من الإثم والنقص في أديانهم بما يدخل على من
[ ٨ / ١٨٤ ]
يتناول الرماد الحار من الألم والتنغيص.
والثاني: أن معنى (تسفهم) تسفي في وجوهم الملة، والملة والملل التراب الحار والرماد، ومعناه أنه مأخوذ من السبق، فإن من عادة العرب أن يقولوا للسابق: حثثت في وجه من سابقك التراب، أي إنك سبقته حتى جعلت ترابك (٦٩/أ) الذي أثرته في وجهه، فيعني - ﷺ - أنك لو كنت وصلت الواصلين منهم لكنت أحسنت، فكيف إذا وصلت القاطعين فإنك سبقت السبق البعيد حتى أسففتهم المل، يعني أنك على فضلك، فإن سوء قطيعتهم يكون ما تسفهم إياه، تنزل عن درجة التراب إلى الملل، وهو الرماد الذي لم يبق فيه منفعه إلى أنه حار ينال بجزء من العذاب.
- ٢٤١٩ -
الحديث الثالث والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)].
* قد سبق شرح هذا في مسند أنس، وهو يشير إلى أن في الأولياء: الأخفياء الذين لا يعرفون.
[ ٨ / ١٨٥ ]
* وفيه أن الطلب من الأبواب لمن تلجئه إلى ذلك ضرورته؛ لا ينقصه ذلك من مرتبة ولايته.
* وفيه أن العبد الصالح إذا انتهت حاله إلى درجة الولاية؛ فإن إيمانه يمنعه أن يستنكف عن أن يسأل من الأبواب.
* وفي قوله: (مدفوع بالأبواب) وجهان: أحدهما: أنه يدفع من باب إلى باب.
والثاني: أنه مدفوع أي ملجأ إلى تلك الحالة، أي فلم يسأل إلا وليس له مسكة يجوز له في الشرع أن يترك الطلب معها.
- ٢٤٢٠ -
الحديث الرابع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من خير معاش الناس لهم، رجل
[ ٨ / ١٨٦ ]
مسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة، أو فزعة، طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، لم من الناس إلا في خير).
وفي رواية: (في شعبة من هذه الشعاب)].
* هذا الحديث يدل على أن خير الكسب الجهاد؛ لأنه يكون فيه إرغام أعداء الله وإعزاز أوليائه، وعلى هذا القياس كل كسب يكون في فروض الكفايات؛ وتحمل بعض أعباء الخلق، كالزراعة والتجارة في جلب الأشياء النافعة لعموم الناس وغير ذلك، فإنها تكون من أطيب الكسب الذي يجبع فيه الكاسب بين الارتزاق ونفع الخلق.
* والهيعة: الصوت المفزع المخوف من عدو أو غيره.
* وقوله: (يبتغي القتل مظانه) أي في مظانه، ومظان الشيء: أماكنه التي يظن وجوده فيها، وشعفات الجبال: أعاليها، واليقين: الموت، والشبعة: واحدة الشعاب، وهي الطرق في الجبال.
[ ٨ / ١٨٧ ]
- ٢٤٢٢ -
الحديث السادس والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى، قال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله (٧٠/أ) - ﷺ - أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: (هل تسمع النداء بالصلاة؟) قال: نعم، قال: (فأجب)].
* هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم.
* وفي الحديث دليل على وجوب الجماعة، وقد سبق هذا الحديث وشرحه.
- ٢٤٢٣ -
الحديث السابع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم)].
* هذا الحديث يدل على أن المراد من العبد الذل وإظهار العبودية، وبذلك
[ ٨ / ١٨٨ ]
يبين عز الربوبية.
* وفيه من الفقه تقديم القسم قبل ذكره الحديث، توطئة لكمال التصديق.
* وقوله: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم) فما قال إلى الجنة؛ بل أطلق، والإطلاق ها هنا قد ينصرف إلى الإعلام، فيشير كل الإشارة لأهل العلم إلى أن الله ﷿ إنما خلق الخلق إيجادا لما كانت صفته القائمة به ﷾ يقتضيه من أنه غفور عفو صفوح متجاوز، لم يكن من إيجاد الخلق يذنبون فيغفر لهم، ويخطئون فيعفو عنهم، ويخالفون فيتجاوز لهم.
* ولا أرى قول الله ﷾ لملائكته: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ إلا أنهم لما عرفوا من صفات الله العفو، فقالوا: إن ذلك يقتضي إيجادك من يذنب فيغفر له ويخطئ فتعفو عنه، ثم قالوا: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ ولا تكون هذه الواو إلا واو حال أي: ونحن نسبح بحمدك، فما خاطبوه بخطاب (٧٠/ب) العلماء أجابهم ﷿ بقوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
- ٢٤٢٤ -
الحديث الثامن والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والحمار، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)].
[ ٨ / ١٨٩ ]
* قد سبق هذا الحديث في مسند أبي ذر ﵁.
- ٢٤٢٥ -
الحديث التاسع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند بريدة وتكلمنا عليه.
- ٢٤٢٦ -
الحديث السبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)].
[ ٨ / ١٩٠ ]
* قد ذكرنا ما يلزم المالك في حق المملوكين من الإحسان إليهم والرفق بهم في مسند أبي ذر ومسند أبي مسعود.
- ٢٤٢٧ -
الحديث الحادي والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (لا يفرك مؤمن مؤمنه، إن كره منها خلقا رضي آخر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن لا يخلو من خلق حسن، فإنه إذا كانت المرأة مؤمنة لم يطرد فيها ما يكرهه المؤمن، والمؤمنة يحملها الإيمان على استعمال خصال محمودة يحبها المؤمن فيحمل ما لا يحب لما يحب، (٧١/أ)، وإنما يكره المؤمن من المؤمنة الخلق الذي لا يرضاه، وفيها الخلق الذي يرضاه، وبعد أن يكون إيمانها موجودا فإنه يغتفر لذلك ما يكون منها.
* والفرك (بكسر الفاء): البغض.
- ٢٤٢٨ -
الحديث الثاني والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (لا تذهب الأيام والليالي حتى
[ ٨ / ١٩١ ]
يملك رجل من الموالي، يقال له الجهجاه)].
* هذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها رسول الله - ﷺ -، فالإيمان بكون ذلك واجب؛ لأنه خبر صادق.
- ٢٤٢٩ -
الحديث الثالث والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يهودي ولا نصراني - ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار)].
* في هذا الحديث من الفقه وجوب اتباعه - ﷺ -، ونسخ جميع الشرائع بشرعه، فمن كفر به؛ لم ينفعه إيمانه بغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجميعن.
- ٢٤٣٠ -
الحديث الرابع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - ﷺ - في
[ ٨ / ١٩٢ ]
القدر، فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (٤٨) إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾].
* في هذا الحديث من الفقه أن المشركين وأهل الفسق يتعلقون بالأقدار، طالبين بذلك النكول عن الأعمال، فيريدون (٧١/ب) بخوضهم في ذلك الفتنة، لا التماس الحق، وقد أنزل الله ﷿ في ذلك الكافي المقنع قي قوله ﷾: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾.
والقراء السبعة اتفقوا على نصب كل، وتقدير نصبه بفعل محذوف، معناه إنا خلقنا كل شيء، خلقناه بقدر، فيستنبط من هذا أن الله سبحانه خالق كل شيء من خير وشر، وأن الله ﷾ خلق ما خلقه بقدر سبق ومقدار لا يزيد عنه شيء من ذلك ولا ينقص.
* فأما من تعلق بقراءة شاذة، وهي رفع كل، فإنها قراءة ضعيفة؛ لأن معناها إنا كل شيء خلقناه فهو بقدر، وهذا لا يرتضى معناه، وهذه الآيات إنما نزلت دواء لسقم من يقبل الإصلاح دون من أعضل به داؤه، فصار من الهالكين.
- ٢٤٣١ -
الحديث الخامس والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿من يعمل سوءا بجز به﴾ بلغت من
[ ٨ / ١٩٣ ]
المسلمين مبلغا شديدا، قال رسول الله - ﷺ -: (قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - لما رأى جزع المسلمين من هذا النطق، وهو قوله: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ فسره - ﷺ -: بأن المؤمن يكفر الله عنه بما يصيبه في دنياه، حتى الشوكة يشاكها، فذاك ينبئ أنه لا يشاك المسلم شوكة فما فوقها إلا كانت حاطة عنه (٧٢/أ) خطيئة أو رافعة له درجة، فإذا كان جزاء العبد في دنياه بما سبق له من خطيئة كان ذلك تطهيرا له.
* وأما الأماني؛ فإنها كانت عن شدوه عن عدل الله سبحانه في مجازاة المسيء على إساءته حسب ما سبق به تنزيله، نذارة لعباده لئلا يتظالموا فيما بينهم ولا يتعدوا حدود ما أمرهم به، فإن كرمه ﷻ على سعته لا ينافيه نفاذ أمره في وعيده عدلا منه ﷾.
- ٢٤٣٢ -
الحديث السادس والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يشربن أحد منكم قائما، فمن نسي فليستقئ)].
[ ٨ / ١٩٤ ]
* قد سبق في مسند انس مثل هذا الحديث وسيأتي في مسند أبي سعيد الخدري مثله.
* وقد تقدم في مسند علي ﵁ أنه شرب قائما، وقال: (رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كما رأيتنوني فعلت).
* وكذلك الأكل متكئا يخالف الأصوب.
* فأما شرب الرسول - ﷺ - قائما، فأراد به شأن الرخصة لئلا يحرج الأمة، فإنه قد يعرض الإنسان العطش، وهو في الطريق يسير، ولا يتأتى له الجلوس، فيجوز له ذلك.
- ٢٤٣٣ -
الحديث السابع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم (٧٢/ب) ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم).
وفي رواية: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، وإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم)].
[ ٨ / ١٩٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه تشديد النهي عن الابتداع والتحذير من أهل البدع، والحض على الاتباع، وهو ينبه الإنسان ألا يكون في شيء من أمره إلا متبعا لمن يثق بسلامة ناحيته؛ وكونه ممن يصلح اتباعه على سبيل سنة وحال رواية.
- ٢٤٣٤ -
الحديث الثامن والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند أنس وأشير إليه فأقول: إن قوله: (أول شافع) يدل على أن الشفعاء يتبعونه، وأن أحدا لا يقبل شفاعته إلا بعد شفاعة نبينا - ﷺ -.
- ٢٤٣٥ -
الحديث التاسع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: (كنا قعودا حول رسول الله - ﷺ -، معنا أبو بكر
[ ٨ / ١٩٦ ]
وعمر في نفر، فقام رسول الله - ﷺ - بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع.
فخرجت أبتغي رسول الله - ﷺ -، حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابا؟ فلم أجد، فإذا (٧٣/أ) ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه، (والربيع: الجدول) قال: فاحتفزت، قدخلت على رسول الله - ﷺ -، فقال: (أبو هريرة؟) فقلت: نعم يا رسول الله، قال: (ما شأنك؟) قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فدخلت وهؤلاء الناس ورائي، فقال: (يا أبا هريرة) - وأعطاني نعليه - فقال: (اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء الحائط يشهد ألا إله إلا الله، مستيقنا بها قبله، فبشره بالجنة).
فكان أول من لقيت عمر ﵁، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله - ﷺ -، بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قبله بشرته بالجنة، فضرب عرب بين ثديي، فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فأجهشت بالبكاء وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما لك يا أيا هريرة؟) قلت: لقيت عمر فأخرته بالذي بعثني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، فقال: ارجع، قال رسول الله - ﷺ -: (يا عمر ما حملك على ما فعلت؟) قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من
[ ٨ / ١٩٧ ]
لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره (٧٣/ب) بالجنة؟ قال: (نعم). قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، فقال رسول الله - ﷺ -: (فخلهم)].
* في هذا الحديث من الفقه جواز أن يقوم سيد القوم فلا يتبعه أصحابه، إذا فهموا من قيامه أنه لأمر لا يقتضي المشاركة، ويدل على هذا أنهم جلسوا على انتظار عوده، فلما أبطأ عليهم بطأ خافوا معه عليه - ﷺ -، قاموا يطلبونه.
* وفيه أيضا جواز أن يحمل الشفيق إشفاقه على مصحوبه إلى أن يلج عليه في المكان الذي هو فيه من غير بابه؛ كما فعل أبو هريرة، وإنما يرخص في مثل هذا إذا جرى مثل تلك الحال من الخوف على رسوال لله - ﷺ - وإلا فلا تؤتى البيوت إلا من أبوابها.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - لما أخبره أبو هريرة بشدة إشفاق المسلمين عليه وحذرهم عرف - ﷺ - أن هذا من إمارة الإيمان، وأراد أن يسر قلوبهم بهذه البشرى، فقال له: اخرج وخذ نعلي، وإنما أعطاه نعليه لتكون أمارة على أنه هو الذي أرسله بتلك الرسالة.
* فأما تخصيص ذلك بالنعل، فلا أرى ألا أنه - ﷺ - قد كان في ذلك الانفراد مناجيا لله ﷿، وقد كان موسى عند دنوه للمناجاة أمر بخلع نعليه، فإن كان أراد أن الجمع بين خلع النعلين وبين جعلهما علامة لم يذكره أبو هريرة عنه
[ ٨ / ١٩٨ ]
فذاك، وإنما أمر موسى ﵇ بخلع النعلين لأنهما
- ٢٤٣٦ -
الحديث الثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقولك (الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة)].
[ ٨ / ١٩٩ ]
- ٢٤٣٧ -
الحديث الحادي والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله - ﷺ - ما أكره، فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره. فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة.
فقال رسول الله - ﷺ -: (اللهم اهد أم أبي هريرة) فخرجت مستبشرا بدعوة (٧٤/أ) نبي الله - ﷺ -، فلما جئت فصرت إلى الباب؛ فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
قال: فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وقال: (خيرا). قال: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (اللهم
[ ٨ / ٢٠٠ ]
حبب عبيدك هذا - يعني أبي هريرة - وأمه، إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني، إلا أحبني).
وقد ذكره البرقاني وأبي مسعود، وفيه: (والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) قلت: وما علمك بذلك يا أبا هريرة. قال: إن أمي كانت امرأة مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام فتأبى علي)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن أبا هريرة، كان من توفيقه أنه لما كانت أمه تسمعه ما يكره على إسلامه، لم يقابلها بمثله، ولكنه أتى الأمر من بابه، وطلب الفضل من أهله، ورأى أن يطلب لها الخير على لسان رسول الله - ﷺ -؛ ليكون قد بلغ ما أراده في بر والدته، فطلب لها (٧٤/ب) من رسول الله - ﷺ - ما جرى به قدر الله، لأن الله تعالى جعل إسلامها آية دالة على صدق رسول الله - ﷺ - ورسالته؛ ليعلم كل سامع هذا الحديث أن النار لا تطفئ بمثلها من النار، ولكن بالماء، ويستدفع السوء بالدعاء، وتطلب المستصعبات من القادر على الأشياء.
ألا ترى أنه لما طلب ذلك من رسول الله - ﷺ - فأجابه، كان إسلام أمه في وقته، فهدى الله أمه ببركته وتوفيقه لسؤال رسول الله - ﷺ - في ذلك، كما أنه وفقه لأن يطلب من رسول الله - ﷺ - طلبا يعم سائر أمة محمد - ﷺ - في كل من أحبه، فهذا يدل على أن أبا هريرة مع دعوة رسول الله - ﷺ - أن آية الإيمان حبه؛ فإذا رأيت أحدا من الناس لا يحب أبا هريرة بعد هذا الحديث فاتهمه.
[ ٨ / ٢٠١ ]
- ٢٤٣٨ -
الحديث الثاني والثمانون بعد المائة:
[عن ابن عمر، وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو يختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر، وفي مسند ابن عباس ﵄، وتكلمنا عليه، ونشير إليه ها هنا فنقول: إن فيه إشارة إلى تحذير من ترك الجمعة إهمالا لها مع اعتقاد وجوبها عليه؛ إلا أن فيه من التحذير لمن لا يعتقد (٧٥/أ) وجوب الجمعة، ما هو أشد مما هو لمن يتركها مع اعتقاد وجوبها، وهو كل من لا يصلي الجمعة معتقدا أنها لا تجب عليه من الرافضة بتأويل يعلقونه على مستحيل.
* وفيه: أن هذا الذنب في ترك الجمعة يتعلق به عقوبتان في الدنيا، مع عذاب الآخرة، وهما الختم على القلب، ثم غمور الغفلة.
* وقوله: (ليكونن) باللام والنون المؤكدين، دليل على قوة ذلك، وعلى أن كل تارك للجمعة، فإنه إذا اعتبر سره وجد فيه نوع عداوة للدين من حيث إنه
[ ٨ / ٢٠٢ ]
لا يستطيع أن يرى علن أمر الإسلام وظهور شعاره في عبادة الله والصلاة على رسول الله - ﷺ -، وقد أبى الله ﷾ إلا إظهار ذلك وليكره المشركين.
- ٢٤٣٩ -
الحديث الثالث والثمانون بعد المائة:
[عن أبي الشعشاء، قال: (كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الإنسان لا يجوز له الخروج من المسجد بعد الأذان، إلا أن يكون له عذر؛ فإن فعل لغير عذر فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -.
لأن هذا الحديث إشارة إلى ما تقدم في الحديث الذي قبله من أنه إذا خرج من المسجد بعد الأذان ولا عذر له في خروجه مع كونه متطهرا؛ لقد أشعر بأنه إنما كره صلاة الجماعة، فكانت معصية النبي - ﷺ -، ولا أري أن أحدا ممن ينتمي إلى (٧٥/ب) الإسلام، يعتمد هذا في الجماعة والجمعة في الحديث المتقدم إلا الرافضة.
[ ٨ / ٢٠٣ ]
- ٢٤٤٠ -
الحديث الرابع والثمانون بعد المائة:
[في فتح مكة، عند عبد الله بن رباح، قال: (وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا الطعام، فكان أبو هريرة ﵁ مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني، فقلت: نعم فدعوتهم. فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معاشر الأنصار؟ ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله - ﷺ - حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله - ﷺ - في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: (أبو هريرة) فقلت: لبيك رسول الله، فقال: لا يأتيني إلا الأنصاري). ومن الرواة من قال: فقال: (اهتف لي بالأنصار)، قال: فأطافوا به، ووبشت قريش من أوباشا لها وأتباعا. فقالوا: تقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. فقال رسول الله - ﷺ -: (ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟) ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى - ثم قال: (حتى توافوني بالصفا). قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم (٧٦/أ) يوجه إلينا شيئا، قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو
[ ٨ / ٢٠٤ ]
آمن). فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته.
قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله - ﷺ - حتى ينقضي الوحي - فلما قضى الوحي - قال رسول الله - ﷺ -: (يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: (قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا أليه يبكون ويقولون: والله! ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذرانكم).
قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله - ﷺ - حتى أقبل على الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جانب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله - ﷺ - قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل) فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يده، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء الله أن يدعو).
(٧٦/ب) وفي الحديث بهز نحوه، وزاد ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى: (احصدوهم حصدا)، وفيه قالو: قلنا: ذاك يا رسول الله. قال: (فما اسمى إذن، كلا إني عبد الله ورسوله).
[ ٨ / ٢٠٥ ]
وفي رواية: (وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة اليوم نوبتي، فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت يا أبا هريرة: لو حدثتنا عن رسول الله - ﷺ - حتى يدرك طعامنا؟ فقال: كنا مع رسول الله - ﷺ - يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي.
فقال: (يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار) فدعوتهم، فجعلوا يهولون، فقال: يا معشر الأنصار: هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم. قال: (انظروا إذا لقيتموهم غدا: أن تحصدوهم حصدا) وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: (موعدكم الصفا).
قال: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا وأناموه. قال: وصعد رسول الله - ﷺ - الصفا، وجاءت الأنصار فطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. قال رسول الله - ﷺ -: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن؟) فقال الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله - ﷺ -. قال: قلتم (٧٧/أ) (أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، إلا فما اسمي إذن؟ (ثلاث مرات) أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، قالوا: والله! ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله. قال: (فإن الله ورسوله يصدقانكم
[ ٨ / ٢٠٦ ]
ويعذرانكم)].
* قي هذا الحديث من الفقه: أن بركات الضيافة كانت سببا في ذكر الحديث.
* وفيه: أن العسكر يكون له مجنبتان، يجعل على كل من المجنبتين زعيم معروف بالنجدة والبأس، لأن الزبير وخالد بن الوليد، كانا مشهورين بشدة المطلع.
* وفيه أيضا من الفقه: تمييز الحسر من الدارعين لئلا يكون من الدارعين حاسر؛ فإنه لا ينتصف إن هو وصل إلى حيث يصلون، أو أن يضعفهم وقوفهم عليه، إن هو تأخر عنهم.
* وفي أيضا: أن الحسر يرتب لهم أمير، يكف ذا الشرة والحدث من أن يخف إلى إلقاء نفسه على وجه يخاف منه أن يعود بوهن على المسلمين.
وفيه أيضا من الفقه: أن زعيم الجيش لا ينكشف لعدو بمفرده، ولكن يكون في الكتيبة والجماعة منقطعا في المعسكر، كما ذكر رسول الله - ﷺ - كان في كتيبة.
* وقوله: (اهتف لي بالأنصار) أي: ادعهم دعاء ظاهرا مسمعا.
* وقوله: (فأطافوا برسول الله - ﷺ -) يدل على أن رسول الله - ﷺ - اختارهم في وقت الشدة للإطاحة بنواحيه؛ أمنا لهم عليه من حيث ثقتهم في الدين ومن حيث شجاعتهم وصدقهم النزال، وكفى هذا شرفا لهم.
* (٧٧/ب) ووبشت قريش: أي: جمعت من قبائل شتى.
[ ٨ / ٢٠٧ ]
* وفيه أيضا: أن هناك في مثل تلك الحالة مقنعة عن الإفصاح؛ فإن رسول الله - ﷺ - أشار لهم بيده على الأخرى، لما كنى به عن حبهم واستيصالهم.
* وفيه أيضا: دلالة على أنه وثق لهم بالنصر لقوله: (حتى توافوني بالصفا).
* وقوله: (أبيدت خضراء قريش) أي: أهلكت واستوصلت.
* وفيه: أن الحال إذا بلغت إلى استنزال واستعطاف من العدو يدل ذلك له مع أمن العاقبة، فإن أبا سفيان لما استعطف رسول الله - ﷺ -، قال: (من دخل دار أبا سفيان فهو آمن) أي: من دخلها وترك القتال.
* فأما تخصيص دار أبي سفيان بذلك؛ فقال ثابت البناني إنما قال هذا لأنه كان إذ أوذي بمكة دخل دار أبي سفيان فأمن، فكافأه على ذلك بهذا القول. والحسر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر.
* وقوله: (فإذا جاء الوحي لا يرفع أحد طرفه إليه) هذا من أدب الصحابة، وأنهم كانوا لا يرفع أحد منهم طرفه إليه وقت الوحي احتراما.
* وفيه من الفقه: إن الرجل قد يظن الظن غير الصالح ثم يفيء عن قريب لكون الأنصار قالوا: أما الرجل فأدركته رغبة في قومه.
* وفيه أيضا: أن الله تعالى تداركهم بما أوحى إلى رسوله - ﷺ - حتى أخبرهم بما كانوا نطقوا به، فاعترفوا ﵃ اعترافا فأمحى ما كان من هفوة، حتى قال رسول الله - ﷺ -: (المحيا محياكم، والممات مماتكم (٧٨/أ) فقالوا: ما قلنا إلا بالضن بالله وبرسوله. الضن. البخل والشح، يعنون: إنا ما قلنا ما
[ ٨ / ٢٠٨ ]
قلنا شكا في نبوتك، ولكن لما رأينا رفقك بعشيرتك وقومك، خفنا أن تؤثر المقام عندهم على المقام عندنا، فكان جوابه لهم: المحيا محياكم والممات مماتكم، فكان مقصودهم صالحا، إلا أن النطق الذي ذكروه لم يحترزوا فيه حق الاحتراز لقولهم: أخذه رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، وقد كان - ﷺ - لا يرأف إلا بالمؤمنين لقوله ﷿: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ فكيف كان يرأف بكافر.
* وقوله: (فإن الله ورسوله يصدقانكم) أي: في هذا المقصد، ويعذرانكم فيما كان من هذا النطق.
* وفيه أيضا: من الدليل على أن الرجل يستحب له أن يكون في يده شيء من السلاح، فإن رسول الله - ﷺ - قد استعان بالقوس حتى طعن بسيتها، وضرب عين الصنم، فأقامها مقام العصي، ونزه يده الشريفة عن أن يطعن الصنم بها، أو أن يمس بها صنما.
* وفيه أيضا: استحباب حمد الله تعالى، والثناء عليه على آثار النعم لكونه صعد إلى الصفا عند تمام الفتح حامدا لله ﷿.
* وأما البياذقة: فقيل: إنهم الرجالة.
* وقولهم: (فما أشرف لهم أحد) أي: ظهر لهم، إلا أناموه، أي: قتلوه.
[ ٨ / ٢٠٩ ]
- ٢٤٤١ -
الحديث الخامس والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات موتة جاهلية، ومن (٧٨/ب) قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل فقتله جاهلية، ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لدى عهده فليس مني ولست منه)].
* هذا الحديث قد سبق، إلا أنا نتكلم عليه فنقول: قوله: (من خرج من الطاعة) فإنه إن كان - ﷺ - عنى بقوله الطاعة، طاعة إمام المسلمين، فإنه بين عن ذلك: تعريفه الطاعة (بالألف واللام) التي للعهد، فيكون خروج الخارج عن الطاعة، هو خروجه عن طاعة الإمام، وإن كان ينصرف إلى طاعة رسول الله - ﷺ -؛ فإن من مهمها طاعة رسول الله - ﷺ - في طاعة إمام المسلمين إذ هو نائب عنه - ﷺ -، فيكون الخارج عن طاعة الإمام هو الخروج عن طاعة رسول الله - ﷺ -.
* وأما قوله: (وفارق الجماعة) فإنه يعني به جماعة المسلمين إذا اجتمعت على إمام وأعطته سفقة إيمانها عن كتاب الله وسنة رسوله ففارقهم واحدا
[ ٨ / ٢١٠ ]
وجمعهم في معنى واحد، فإنه يشملهم هذا الوعيد بمفارقة الجماعة التي قد عرفت بالألف واللام اللتين للعهد، وهي جماعة المسلمين.
* وقوله: (فمات) يعني إن أدركه الموت على حال فرقته للمسلمين فإنه يموت ميتة الجاهلية، والجاهلية هم الذين ماتوا كفارا، فحذر رسول (٧٩/أ) الله - ﷺ - كل من يموت من فرقته تلك من أن يموت ميتة جاهلية قد أخرجتها النخوة، وصرفتها الحمية الباطلة، عن أن يأتمر لأمير المؤمنين وإمام المسلمين النائب عن رسول رب العالمين.
* وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه من تاب ورجع إلى الجماعة وطاعة الإمام قبل أن يموت، خرج عن هذا الوعيد لأن الفاء من حروف العطف من غير مهلة.
* وقوله: (من قاتل تحت راية عمية) فإن هذا المقاتل تحت الراية يزيد في الشر على الذي خرج ولم يقاتل؛ فإن هذا لم يرض بخروجه حتى أضاف إليه أن يقاتل طائفة الحق تحت راية عمية، وقد فسر أحمد بن حنبل ﵁ هذا فقال، هو الأمر الأعمى الذي لا يستبان وجهه بالعصبية.
والذي يتحصل من قول أحمد ﵁ أنه إنما تكون الراية العمية إذا كانت ليست لإمام، ولا من جانب إمام، وإنما يناشب لها من يناشب تحاميا للأنساب والقبائل، أو هوى يغلب، أو ضلالة ينشرها في الناس التعصب وإنما
[ ٨ / ٢١١ ]
قال: فقتل، لأنه ذكر الراية والقتال، وذكر الكلام الأول ليس فيه قتال، فلذلك قال: فمات، ويعني بقوله: فقتلة جاهلية، أنه من قتله المسلمون من الجاهلية فإنه أعظم شرا ممن مات حتف أنفه من الجاهلية؛ لأن هذا قد حاد المسلمين حتى قتله الله بأيديهم، فكان هذا أغلظ حوبا.
* وقوله: (من خرج على أمتي) فإنه - ﷺ - إنما يعني به من خرج على أمته كلها لا يفرق بين (٧٩/ب) محق منها ومبطل، ولا يميز بين صالح منها وغوي، ولا يعتبر حال مؤمن من حال كافر، فإن هذا لا يكون خروجه لهوى في دين ولا لضلالة في مذهب، وإنما يكون شغله الباطل للدنيا خاصة، وقال رسول الله - ﷺ -: (ليس مني ولست منه)، فكرر رسول الله - ﷺ - نطق التبري مرتين، فإنه ليس مني وأنا لست منه، تأكيدا لتبرئه - ﷺ - منه، ونفيه عنه ليعرف بذلك.
- ٢٤٤٢ -
الحديث السادس والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم)، والله أعلم: أذكر الثالث أم لا؟ - قال: ثم يخلف قوم يحبون السمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا)].
* أما فضيلة من يليه من القرون - ﷺ - فلصحبته ورؤيته.
[ ٨ / ٢١٢ ]
* وأما قوله: (يشهدون ولا يستشهدون) فقد سبق في مسند عمران بن حصين.
* وقوله: (ثم يخلف قوم) فإنه (ثم) يقتضي العطف، ولكن مع المهلة فقد يتناول هذا النطق من يكون في القرن الثالث، وقد يتناول ما بعد ذلك.
* فأما قوله: (يحبون السمانة) فإن الذي أرى فيه أن السمانة مصدر لقولنا سمن يسمن، سمننا وسمانة، وذلك أنهم إذا كانوا من أهل حب الراحة التي تعقب آفات منها السمانة فقد أحبوها.
وذلك أن الراحة عند المؤمن في هذه الدار غير مأمونة لأنها ممر إلى غيرها، فهي إذا تعرض لها متعرض أفادته (٨٠/أ) الراحة الحقيقية.
وأن من نتائج حب الراحة رهل البدن وكثرة لحمه، إلا أنه يسمى كثرة اللحم عن الراحة سمنا، فأما كثرة اللحم عن الرياضة فقد يسمى بدنا، وذلك محمود في البدن، لأن يكون بقدر الله عن جودة الهضوم واستقامة المزاج.
وأما السمن عن الراحة فيكون عن قلة تحلل الفضول، واحتقان الأبخرة، فهو إلى قتل صاحبه قريب، ثم إنه في أعمال الخير معوق وفي مواضعة الأعداء مؤخر، وعن نفع الخواص نقضا للحوائج، وإنفاق القوى الفاضلة عليهم مثبط بخلاف البدن؛ فإنه في هذه الأحوال كلها معين كما جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - لما بدن وعلاه اللحم ولم يقل أنه سمن - ﷺ -.
[ ٨ / ٢١٣ ]
فأما باغي الراحة قبل دخول الجنة فهو كالكاتب على الماء، ولقد أجاد أبو تمام حين يقول للمعتصم:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها تنال إلا على جسر من التعب
- ٢٤٤٣ -
الحديث السابع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها)، قال حماد بن زيد: فذكر من ريح طيبها، وذكر المسك - قال: (ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل)، قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد - وذكر من نتنها، وذكر لعنا، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، قال فيقال: (٨٠/ب)
[ ٨ / ٢١٤ ]
انطلقوا به إلى آخر الأجل). قال أبو هريرة: فرد رسول الله - ﷺ - ريطة كانت عليه، على أنفه، هكذا)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن روح المؤمن جسم وليست عرضا.
* وفيه أيضا: أنه يصعد بها.
* وفيه دليل على أنها هي الشيء لعمر البدن، فإذا فارقته بالخرب.
* وقوله: (فذكر من ريح طيبها)، وذلك أبلغ من قوله من (طيب ريحها)، لأن النطق الأول أشمل.
* وقوله: (جاءت من قبل الأرض) وهو معنى يصعد بها، وأن الروح إذا صعد بها إلى الله، قال: انطلقوا بها إلى آخر الأجل، فذلك قوله ﷿: ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾، وهو يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل﴾.
* وأما الكافر فروحه نتنة وذكر لعنا، أراه بأن تقول الملائكة لروح المؤمن صلى الله عليك، وعلى جسد كنت تعمرينه.
* وفيه أيضا دليل على جواز الصلاة على كل مؤمن، لقول الملائكة صلى الله عليك، وعلى جسد كنت تعمرينه.
[ ٨ / ٢١٥ ]
* والريطة: كل ملاءة لم تكن لفقين، ومعنى (رد ريطة على أنفه) أي وقى أنفه من نتن ريح الكافر، وإنما فعل ذلك ليفقه السامع أنه أراد - ﷺ - خبث معنى الكافر ونتن أحواله، إذ لم يكن هنالك بين يديه حينئذ كافر يرد طرف ردائه على أنفه، ولكن قد كان الذكر حينئذ في النطق ذفر يحسه الروح الصافي كروح رسول الله - ﷺ - إذ لم يحس غير رسول الله - ﷺ - بالنتن إلا عند وجود صورة النتن.
- ٢٤٤٤ -
(٨١/أ) الحديث الثامن والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل).
وفي رواية: عن أبي هريرة، يرفعه، قال: (سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، شهر الله المحرم)].
* في هذا الحديث ما يدل على فضيلة شهر المحرم، من حيث إنه أول العام فيستقبله بالعبادة، فيرجى بذلك أن يكون مكفرا لباقي العام، كما ذكرنا في فضيلة الذكر في أول النهار.
[ ٨ / ٢١٦ ]
* فأما صلاة الليل فقد تقدم ذكر فضيلتها، وأنها أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وأشد وطأة، وأقوم قيلا.
* وأرى في هذا الحديث إشارة إلى أنه لما كان القتال محرما في المحرم، وكان انتهاز وقته للصوم فرصة من أجل أن أوقات إباحة القتال لا يقتضي أن يكون المؤمن فيها صائما لما يضعف الصوم أهله، وكان ذلك في المحرم؛ ولأن القتال ربما أدى إلى السباب، والصائم مأمون بترك السباب، ولذلك جاء في الحديث في الصائم: (فإن امرؤ قاتله فليقل: إني صائم).
- ٢٤٤٥ -
الحديث التاسع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أنه قال: (سجد رسول الله - ﷺ - في: ﴿إذا السماء انشقت﴾ و﴿اقرأ باسم ربك﴾].
* هذا الحديث قد تقدم (٨١/ب)، وبينا أنه حجة على من لا يرى في المفصل سجدة.
* * *
وهذا آخر مسند أبي هريرة ﵁
* * *
[ ٨ / ٢١٧ ]
صفحة فارغة
[ ٨ / ٢١٨ ]