واسمه عبد الله بن عثمان.
أخرج له في الصحيحين ثمانية عشر حديثا.
المتفق عليه منها ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بواحد.
- ١ -
الحديث الأول: (مما اتفق البخاري ومسلم عليه):
[عن عبد الله بن عمر بن العاص أن أبا بكر قال لرسول الله - ﷺ - علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)].
[ ١ / ٤٩ ]
في هذا الحديث من الفقه:
* أن الدعاء في الصلاة جائز؛ لقول أبي بكر ﵁: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؛ ولم ينكر عليه.
* وفيه أيضا أنه لا يدعى في الصلاة إلا بما ورد في الأخبار، لأن أبا بكر ﵁ لم يستجز أن يدعو في الصلاة إلا بما يتلقنه من رسول الله ﷺ، فأما غير الصلاة فيدعو فيها بما يشاء.
* وفيه من الفقه أيضا أن الدعاء على الإطلاق ينبغي أن (٤/ ب) يتوخى به النطق المأثور عن رسول الله - ﷺ -، وأن لا تواجه عظمة الرب سبحانه إلا بالآداب النبوية المؤيدة بالعصمة.
* وفيه أيضا من الفقه أنه قال: (قل اللهم) وهذا الاسم، هو الاسم الأعظم من حيث إنه الأشهر والأظهر، ولذلك يقال: السواد الأعظم، أي الأشهر والأظهر، ولهذا الاسم خصائص منها لحوق هذه الميم في النداء به، وليس في الأسماء كلها ما تلحقه هذه الميم في النداء غيره.
* وفي العربية أنه عوض من حرف النداء، إلا أنه قد جاء في الشعر الجمع بينها وبين حرف النداء للضرورة. ومن خصائصه أيضا لحوق ياء القسم به، وأنه المراد بقوله ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أي هذا الاسم هو قولنا (الله نور السموات والأرض)، فله يتراحم المتراحمون، وبخوفه يكف الظالمون، ويهدد المسرفون، ويأمل الخلف المتصدقون.
وقوله: (إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا) فيه من الفقه:
* أن رسول الله - ﷺ - أصل له هذا الحديث تأصيلا عاما شاملا لكل دعاء، وبيان
[ ١ / ٥٠ ]
ذلك أن الطلب من الله ﷾ يناسبه ويلائمة الافتقار إليه، والحاجة والمسكنة، كما يباينه وينافيه الإدلال والتغاني في الركون إلى نوع عبادة أو طاعة؛ فإذا اعترف الطالب لله ﷿ بأنه قد أتى ما مقتضاه الفقر والحاجة إلى فضله وعفوه، استهدف لعطائه ونزول شابيب رحمته.
وقال له: قل (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم).
يعني - ﷺ -: أنك إذا تطهرت من ظلم نفسك، وغفر لك ورحمك، كانت هذه مقدمات بين يدي طلبك، فحسن حينئذ منك الطلب، ولم يصادف العطاء حاجزا من ظلم يمنع نيل العهد الذي ذكره سبحانه في قوله (٥/ أ): ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ ولا ذنب لم يمح بعد فيكون الاشتغال بمحوه عند المؤمن أهم من الطلب لغيره، فكأنه - ﷺ - يقول له: فإذا دعوت بهذا الدعاء انتحت الحواجز بينك وبين العطاء، فاطلب حينئذ ما شئت، وادع بما أردت.
* ثم فيه أيضا أنه قال: (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا) فجاء بذكر الظلم على نطق النكرة، ولم يعرفه بالألف واللام، فكان ينصرف إلى الظلم الذي هو الشرك، فلما أسند المغفرة إلى الله ﷿ قال: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) فجمعها بالألف واللام فقال: (الذنوب) والمراد بها الذنوب المعروفة المشهورة. ثم قوله: (فاغفر لي مغفرة من عندك) المعنى أنها لا تكون بسبب من عندي فتفنى وتنقضي؛ لأنه كل ما يكون مطلعه من فان فإنه يفنى ويضمحل، إنما المراد أن تكون المغفرة من الله الباقي فتبقى. ثم قال بعد ذلك (وارحمني) إذ الغفر في وضع اللغة: الستر والتغطية، فقد يغطى الشيء ولا تعقبه الرحمة، وقد يستر الأمر ولا يمحوه الصفح. فلما قال: فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، كان طلبا لمحو السيئة وتطييب أثرها.
[ ١ / ٥١ ]
* ثم قال: (إنك أنت الغفور الرحيم) فقوله (إنك) الكاف في خطاب الله تعالى والتاء أيضا في أماكن إسناد النعم إليه: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، فلما جاء إلى ذكر الغضب قال: (غير المغضوب عليهم) وإلى الضلالة قال: (ولا الضالين). وقال: (إنك) بالكاف ثم ألحقها بقوله: (أنت)، وهو عماد عند الكوفيين.
* وفيه فائدة فوق قولنا: (إنك أنت الغفور الرحيم) لأن المعنى بقوله: إنك أنت الغفور الرحيم، أنه تعيين لهذا المعنى، أنه ليس لغيرك، فكأنه قال: لا غفور ولا رحيم على الحقيقة غيرك.
- ٢ -
الحديث الثاني: من المتفق على إخراجه:
[رواه أنس بن مالك، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: (٥/ ب- الصحيفة اليسرى من المخطوطة) نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟].
في هذا الحديث من الفقه:
* إثبات الصحبة لأبي بكر ﵁ في حال شهد رسول الله - ﷺ - بأنه ليس لهما ثالث إلا الله.
* وفيه أيضا أن أبا بكر ﵁ لما أقلقه الحذر على رسول الله - ﷺ - قال: (لو
[ ١ / ٥٢ ]
أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا) فلم يكن جواب النبي ﷺ راجعا إلى الاعتضاد بمخلوق ولا الاستغناء ببشر؛ ولكن قال له: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فرده من التعلق بالأسباب المخلوقة إلى خالق الأسباب.#
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا ما يدل على فضيلة أبي بكر ﵁، فإنه لم يقل له إن الله تعالى ثالثنا في هذه الحالة خاصة ولا في الغار خاصة؛ ولكن قال له: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) أبدا.
* وفيه أيضا أن الهرب من المخوف مشروع، ولا يكون ذلك نقصا في إيمان المؤمن، وعلى هذا يحمل هرب موسى ﵇ من العصا حين انقلبت حية، وتوليه منها هاربا، وليس كما يقول بعض الناس إن ذلك من البشرية، ولكن موسى ﵇ لم ير أن يترك الشرع في ذلك المقام بين يدي الله ﷿ فهرب من المخوف شرعا.
والدليل على ذلك أنه لما قال له سبحانه: ﴿خذها ولا تخف﴾ انقلب الشرع في حقه حينئذ إلى أن لا تخاف منها. ولذلك جاء في الحديث أنه أدخل يده في فيها، فتواري رسول الله - ﷺ - وأبي بكر ﵁ في الغار دليل على أن الهرب من المخوف مشروع، وأن فعله - ﷺ - سنة وشريعة.
* وفيه أيضا (٦/ أ) تذكير بنعمة الله ﷿ لأنه بقي بما يشاء إذ جعل في ذلك الوقت السد بين نبيه - ﷺ - وصاحبه نعال المشركين بتشبيث أقدامهم فقال له: (لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا) فجعل السد الحائل منع أحدهم أن ينظر إلى قدمه.
وذكر ابن جرير في هذا الحديث أن قوله: (لوأن أحدهم نظر إلى قدميه
[ ١ / ٥٣ ]
أبصرنا) قال: فيه إباحة قول الرجل: (لو كان كذا لكن كذا) إن لم يرد به أن يكون قطعا شاء الله ذلك أو لم يشأ.
كقولهم: لو أمطرت السماء لأعشبت الأرض.
ويؤكد قول ابن جرير: قوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾، وقوله: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾.
- ٣ -
الحديث الثالث: (حديث الرحل):
(عن البراء بن عازب قال: جاء أبو بكر ﵁ إلى أبي في منزلة فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي، فقال أبي: احمله، فحملته.
وخرج أبي معه ينتقد ثمنه فقال له أبي: يا أبا بكر! كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله ﷺ؟
قال: نعم؛ أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق
[ ١ / ٥٤ ]
فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا، ينام فيه رسول الله - ﷺ - في ظلها. ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله! وأنا أنفضلك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام؟
قال: لرجل من أهل المدينة.
فقلت: أفي غنمك لبن؟
قال: نعم.
قلت: أفتحلب لي؟
قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى.
قال: (فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض)، فحلب لي في فعب معه (٦/ ب) كثبة من لبن.
قال: ومعي إداوة أرتوي فيها للنبي - ﷺ - ليشرب منها ويتوضأ.
قال: فأتيت النبي - ﷺ - فكرهت أن أوقظه من نومه؛ فوقفت حتى استيقظ. (وفي رواية: فوافقته حين استيقظ). فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله.
فقلت: يا رسول الله: اشرب اللبن. فشرب حتى رضيت.
ثم قال لي: (ألم يأن للرحيل؟).
قلت: بلى.
قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، ونحن في جلد من الأرض.
فقلت: يا رسول الله، أتينا .. فقال ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، فدعا عليه رسول الله - ﷺ -، فارتطمت فرسه إلى بطنها- أرى-.
[ ١ / ٥٥ ]
فقال: إني علمت أنكما دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أراد عنكما الطلب.
فدعا رسول الله - ﷺ - الله فنجا.
فرجع لا يلقى أحدا إلا أن يقول: قد كفيتم ما ههنا .. ولا يلقى أحدا إلى رده، ووفى لنا.
وفي رواية: أن سراقة قال: وهذه كنانتي، فخذ سهما منها، فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك.
فقال: (لا حاجة لي في إبلك).
فقدمنا المدينة ليلا، فتنازعوا؛ أيهم ينزل عليه؟!
فقال: (أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب؛ أكرمهم بذلك).
فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق. ينادون: يا محمد، يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله.
وفي رواية: جاء محمد، جاء رسول الله.
وفي رواية قال البراء: فدخلت مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها يقبل خدها .. وقال: كيف أنت يا بنية؟
وفي رواية البراء: قال أبو بكر لما خرج مع رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة: (مررنا براع، وقد عطش رسول الله - ﷺ - (٧/ ب)، قال أبو بكر الصديق: فأخذت قدحا فحلبت فيه لرسول الله - ﷺ - كثبة من لبن فأتيته بها فشرب حتى رضيت].
رواية البراء بن عازب- والبراء: آخر ليلة في الشهر، ويسمى البراء من ذلك، وعازب: هو المسافر عن وطنه، وأكثر ما يستعمل في الدعاء.
[ ١ / ٥٦ ]
وقوله: (ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي) فيه من الفقه:
* أنه قد يكلف الإنسان صديقه وصاحبه أن يحمل رحله ومتاعه.
* وفيه جواز استخدام الأطفال. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تبعث إلى المكاتب، فتؤتى منها بالصبيان فترسلهم في حوائجها.
وقوله: (وخرج أبي معه ينتقد ثمنه) فيه من الفقه:
* أن المؤمن يحمله إيمانه أن لا يأخذ في ثمن مبيع إلا ما يعرفه ويتحققه من النقود، لأنه لو أخذ في النقد ما لا يعرفه أو يتسامح هو بأخذه لكان بالضرورة يحتاج إلى أن يصرفه على مسلم آخر، وإذا لم يأخذ إلا الطيب لم يكن مضطرا أن يصرف على مسلم إلا الطيب.
ويجوز أن يكون معنى ينتقده يتعجله.
وأيضا فقد يخلط الرديء من المال في ماله فربما قال له الشيطان: (إن ذلك من مال أبي بكر فانتقده) ليزيل مثل هذا الشك.
وقوله: (فقال: كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال: نعم، أسرينا ليلتنا).
* ففي هذا الكلام من الفائدة: أن سريت وأسريت لغتان، فلما نطق عازب بإحداهما أجابه أبو بكر ﵁ باللغة الأخرى ليكون هذا الحديث مفيدا لتعليم هاتين اللغتين ما بلغ. وفي هذا من التنبيه للعالم من كل نوع من العلم إذا عرض له مثله أن يتوخى ما توخى أبو بكر الصديق ﵁.
* والسرى: هو السير ليلا. وقول الله ﷿: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ مع أن (٧/ ب) السرى لا يكون إلا بالليل؛ فيه تنبيه على أنه
[ ١ / ٥٧ ]
أسري به في بعض ليلة، لأنه لو قال: أسرى بعبده، ولم يقل ليلا، انصرف إلى الليل كله ويوضح هذا قوله: أسرينا ليلتنا يعني كلها.
ثم قال: (حتى إذا قام قائم الظهيرة)؛ وقائم الظهيرة: شدة الحر- (وخلا الطريق)؛ والطريق يذكر ويؤنث- ومثلها السبيل.
وقوله: (رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد):
* فقوله: رفعت لنا، أي نظرناها من بعيد، وكذا كل سائر في الأرض يرفع له الأشخاص كلما دنا منها.
وقوله: لم تأت عليه الشمس بعد، فهذا احتراز في النطق؛ لأنه صديق فلا يقول إلا ما يخرج عن الاحتمال، إذ لو قال لم تأت عليه الشمس وأمسك، لكان يفترض أن تقول: قد أتت الشمس أمس. وفي هذا من الفقه:
* أن الجلوس في الظل خير من الجلوس في الشمس إلا لمن يريد الدفء فيكون ذلك كقوله: ﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل﴾؛ وذلك أن الظل يستدعي الراحة والنوم، والنوم قد يكون في وقت عبادة لله ﷿ إذا أراد به العبد أن ترد قواه التي يعبد بها ربه ﷾، وليتعرض للرؤيا الصالحة التي هي بشرى من الله تعالى في النوم، ولقاء إخوانه المؤمنين.
وقوله: (فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا)، فيه من الفقه:
* أن المؤمن قد يسوي تحته ليعدل ما يماس جلده؛ لئلا يزعجه الحصى ويمنعه من النوم.
* وقوله (ثم بسطت عليه فروة)، وهذا يدل على أن تليين المضجع وتوثيره غير
[ ١ / ٥٨ ]
مكروه ولا قادح في فضيلة الراقد عليه.
وقوله: (نم يا رسول الله، وأنا أنفض ما حولك) يريد بقوله أنفض: أتطلع وأفتش؛ ونفض الأرض: أن تنظر هل فيها ما يخاف؟
يقال: نفضت ثوبي، وأراد (٨/ أ) مطمئنا متودعا في نومه غير منزعج لما حوله.
وقوله: (فقام رسول الله - ﷺ -) هذا يدل على ثقته بأبي بكر الصديق ﵁، وأنه آمنه على نفسه لكونه نام - ﷺ - وهو ناطوره وطليته.
وقوله: (فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة)، وهذا يدل على فقه أبي بكر ﵁ وتحرجه، وأنه إنما سأل تحرجا من أن يكون لأحد من أهل المدينة؛ لكونهم قد فشا فيهم الإسلام فلا يجوز التعرض له إلى بإذن كما فعل، فحينئذ قال له: أفي غنمك لبن؟
وهذا من حسن الأدب أن تكون المسألة درجات، إذ لو قال له: ما في غنمي لبن لأمسك، ولم يقل له: أفتحلب لي؟ ولو قال له: أفتحلب لي؟ - قبل سؤاله أفي غنمك لبن؟ - لم يأمن أن يقول: ما في غنمي لبن، وهذا الكلام فيه إشارة إلى أنه استعمله حاله، وهل هو مأذون له في الحلب، لأن قوله: (أفتحلب لي؟) يفهم منه: أفلك أن تحلب لي؟
وقوله: (فقلت: انفض الضرع من الشعر والتراب) فيه من الفقه:
* أن النظافة- ولاسيما لضيف الإنسان وأخيه وصاحبه المؤمن- عبادة لله ﷿، ولذلك قال: (انفض الضرع من الشعر والقذى).
قال: (فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى) يصف النفض، وليس لجاهل أن يقول هذا نبي وصديق فماذا يضرهما أن لو وقع في الإناء تراب أو قذى؟
[ ١ / ٥٩ ]
فإن إخراج مثل ذلك تنعم في الدنيا وترف، وليس كما زعم.
وقوله: (فحلب لي كثبة من لبن) - والكثبة: القليل من اللبن وغيره، يعني مقدارا يسيرا.
ومعي (إداوة أرتوي فيها للنبي - ﷺ -) - (٨/ ب) الإداوة: كالدلوة، ويرتوي فيها، أي يحمل الماء ليشرب منها ويتوضأ.
وفي هذا من الفقه:
* أنه ليس لأحد أن يسافر بغير إداوة يشرب منها ويتوضأ. ولا يقل: أنا أمضي على ما يدعيه التوكل، فلا أحتاج إلى إداوة؛ إذ لو كان ذلك مما يجوز لكان رسول الله - ﷺ -، والصديق ﵁، قد سبقا إليه الخلق؛ ولكن الذي فعلاه هو الحق.
وحكى عن بعض الناس أنه قال: إذا رأيت المسافر يسافر بلا إداوة فاعلم أنه عزم على ترك الصلاة.
وقوله: (فأتيت النبي - ﷺ - فكرهت أن أوقظه فوقفت حتى استيقظ) وفي لفظ (فوافيته حين استيقظ) ففي هذا الحديث من الفقه:
* أن أبا بكر تأدب مع النبي - ﷺ - فلم يهجم على إيقاظه من نومه ولكنه وفق حتى استيقظ، أو وافاه حين استيقاظه، لأنه ربما يكون رسول الله ﷺ في الوحي؛ لأن النبي - ﷺ - يوحى إليه في المنام.
وقوله: (فصبت على اللبن من الماء حتى برد أسفله) وكان معه الماء منذ حلب الراعي اللبن؛ ولكنه لفطنته وتأنيه لم يصب عليه الماء حينئذ، فكان إلى أن يأتي رسول الله - ﷺ - يحمي في الزمان الذي ذكره إذ قال: حتى قام قائم الظهيرة، ولكنه ترك الماء بحالة في الإداوة حتى أتى رسول الله - ﷺ - صبه على اللبن حينئذ ليبقى برده عليه.
[ ١ / ٦٠ ]
* وفيه أيضا ما يدل على التداوي من العطش في شدة الحر باللبن المشوب بالماء البارد يكون
* وفيه أيضا من فطنة أبي بكر الصديق ﵁ أنه لم يضع يده في ليعرف برده، ولا شرب منه قبل رسول الله - ﷺ - بل تركه بحاله فلم يعرف ذلك إلا ببرد أسفله.
* (٩/ أ) وفيه أيضا أنه وضعه على راحته ولم يمسكه بشفته لأن جوانبه كلها معرضة لأن يشرب رسول الله - ﷺ - منها فترك لك احتراما لما يمس شفته - ﷺ -.
وقوله: (فشرب حتى رضيت) ولم يقل حتى شبع، ولا حتى امتلأ، ولكنه أشار إلى أنه بلغ الحد الذي أرضى المشفق عليه الذي صحبه في سراه وسيره، وعلم من ذلك ما لقيه.
وهذا مما يدل على أن أبا بكر الصديق إنما برد اللبن بالماء ليلتذ رسول الله - ﷺ - ببرده، ولم يكن كما يقول الجهال نوع ترف؛ ولكن عبادة.
وقوله: (ثم قلت: اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت) فيه من الفقه:
* أنا أبا بكر ﵁ كان واثقا بوثوق رسول الله - ﷺ - به، فإنه قد تحقق منه تحققه لأمانته ﵁، فلم يبادر بأن يشرب هو منه كما يفعل الأعجام مع ملوكها، خوفا من أن يكونوا جعلوا لهم في الطعام ما يسوء.
وفيه أيضا ما يعلم كل ضيف حسن الأدب، بأن لا يقول لصاحب الطعام لا آكل حتى تأكل أنت منه، فإن رسول الله - ﷺ - في هذا المقام كان كالضيف لأبي بكر؛ لأن أبا بكر قال للراعي: (أفتحلب لي؟). وقوله: (أفتحلب لي؟) ولم يقل: (أفتحلب لرسول الله - ﷺ -؟)، ولا: (أفتحلب لنا؟)؛ من أجل أن رسول الله - ﷺ - لا يأكل صدقة، وهذا مما حصل بلسان طلب فهو يشبه الصدقة
[ ١ / ٦١ ]
فكان على معنى الهدية من أبي بكر ﵁ للنبي - ﷺ - مثل اللحم الذي تصدق به على بريرة.
وقوله: (فاتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض).
يعنى بالجلد: الأرض الصلبة الغليظة غير متهيلة ولا متخسفة. (٩/ ب). وقوله: (في جلد من الأرض) فإن ارتطام فرس سراقة في جلد من الأرض آية من آيات الله ﷿ على نبوة محمد - ﷺ -.
وقوله: (ألم يأن للرحيل؟) يعني الوقت للرحيل، وهذا مما يدل على أن رسول الله - ﷺ - كان في تلك الحال على ما مضى فيه من تشريع الهرب من المخوف، ثابت الجنان قوي القلب بربه ﷾، فلم يهب من النوم هبوب المنزعج ولا الخائف ولذلك قال: (ألم يأن للرحيل؟)، قال: (بلى).
وقوله: (فقلت يا رسول الله: أتينا، فقال: لا تحزن إن الله معنا).
* وهذا مما يدلك على أن أول سابق سبق إلى قلب رسول الله - ﷺ - عند شدة الصدمة والفزع إلى الله سبحانه لا إلى مخلوق، فلم يقل: سنتوارى في هذا الشجر، ولا: سنرقى هذا الجبل، ولكنه قال: (لا تحزن إن الله معنا) وهاهنا يتبين الإيمان لا بالنوم في الشمس ولا بشرب اللبن الذي فيه القذى التراب.
وقوله: (فدعا عليه رسول الله - ﷺ - فارتطمت فرسه):
* ارتطمت الفرس إلى تشبثت ولم تكد تتخلص. وقوله: (إلى بطنها). أرى هذا يدل على أن الصديق كان شديد التحرج في نطقه لأنه قال: (أرى) أي أحسب.
[ ١ / ٦٢ ]
* وفيه ما يدل على أن الصادق يخبر على غلبة ظنه وما يراه.
وقوله: (فالله لكما أن أراد عنكما الطلب، فدعا له رسول الله - ﷺ - فنجا).
* وهذا يدل على شدة جنان رسول الله - ﷺ - في تلك الحالة لأنه دعا له ولم يشترط عليه ويقل: لا أدعو لك حتى ترد عنا الطلب.
وقوله: (هذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر بإبلي) فلم ير رسول الله - ﷺ - الاحتفال به (١٠/ ب)، ولا طلب دوام المودة معه، بل قال (لا حاجة لي في إبلك) وقوله: (لا حاجة لي في إبلك، ولم يقل: (في غلمانك)؛ مع أنه عرضها جميعا عليه، إذ له حاجة في غلمانه أن يهديهم الله للإسلام.
وقوله: (أيهم ينزل عليه) فيه حسن أدب الصديق، حيث لم يقل: ننزل لأن من كان صحبة النبي - ﷺ - لا يذكر نفسه بحرف يقتضي المشاركة، إذ هو تبع.
* وفيه أيضا ما يدل على أن الرجل قد يكرم الرجل بنزوله عليه فيكون الفضل له في إكرامه من ينزل عليه بنفسه لأنه يسوق إليه ثوابه وحسن الذكر فيه، ويدخل بذلك تحت أوق منته ولذلك قال - ﷺ - (أكرمهم بذلك).
* وفيه أيضا ما يدل على أن الفرح والسرور في الحق إذا بلغ من المسلم فقال الكلمة الدالة على سروره والمشعرة بفرحه من غير أن يخرج به قوله إلى ما لا يصلح فإن ذلك يكون من خير ما يستحب، لا مما يكره؛ لقوله: (فتفرق الغلمان في الطرق، وصعد النساء والرجال فوق البيوت ينادون: يا محمد يا رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله)؛ وإنما كان قولهم قد أخرجوه مخرجا يغيطون به الكفار، إذا بلغهم من أجل سلامة رسول الله - ﷺ - من المشركين، ووصلوه إلى مقصده آمنا سالما - ﷺ -.
وقوله: (فتفرق الغلمان والخدم في الطريق .. يا محمد، يا رسول الله!). معناه يا قوم جاء محمد، وكذلك قوله جاء رسول الله، فمعناه جاء محمد يا قوم،
[ ١ / ٦٣ ]
فالمحذوف من الكلام (قوم) مرة من أوله، ومرة (يا قوم) من آخره. ومنه قول الناس: (يا قاتل الله الكافر)، معناه: (يا قوم قاتل الله الكافر).
وقوله: (فرأيت أبا بكر يقبل خد عائشة) فيه: جواز تقبيل الرجل خد ابنته.
وقوله: (كيف أنت يا بنية؟): فيه استحباب سؤال المريض عن حاله، وهذا خلاف عادة الجبارين (١٠/ ب) فإنهم لا يرون السؤال عن مريضهم ولا الرحمة بضعيفهم، ولا أن يقبل الرجل ابنه ولا ابنته ولا يدينه.
- ٤ -
الحديث الرابع:
[عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁، بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله - ﷺ - قبل حجة الوداع، في رهط يؤذن في الناس يوم النحر، أن: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي - ﷺ - بعلي بن أبي طالب ﵁ فأمره أن يؤذن بـ (براءة).
قال أبو هريرة: فأذن معنا في أهل منى بـ (براءة)، أن: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ويوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأكبر: الحج. وقيل له: الحج الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر.
[ ١ / ٦٤ ]
قال فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج من العام القابل الذي حج فيه النبي - ﷺ - حجة الوداع مشرك. وأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عليه فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ الآية.
وكان المشركون يوافون بالتجارة، فينتفع بها المسلمون، فلما حرم الله تعالى على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عليهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال الله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ ثم أحل في الآية التي تتبعها الجزية، ولم تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم، فقال ﷿: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية.
فلما أحل الله ذلك للمسلمين: عرفوا أنه قد عاضهم أفضل مما خافوا ووجدوا عليه، مما كان المشركون به يوافون به من التجارة].
هذا الحديث هو من كلام أبي هريرة على ما اشتمل (١١/ أ) من حكاية الحال بمجموع ما اشتملت عليه الروايات عنه، إلا أنه يشير من الفقه المستند إلى رسول الله - ﷺ -:
* أن العهود لا يباح نقضها إلا بعد نبذها والإعلان بالخروج منها؛ فإن رسول الله - ﷺ - لما كان بينه وبين المشركين عهد، أعلن نبذ عهدهم إليهم في موسم يجمع
[ ١ / ٦٥ ]
الناس، وتنتشر أخباره، ومن مدة يبلغون فيها إلى مأمنهم، مشعرا - ﷺ - بذلك أن الغيلة والفتك بمن له عهد لا يجوز في المشركين، فكيف بالمسلمين؟! ثم إردافه بعلي ﵇ أبا بكر رضي الله يدل على شدة احتفال رسول الله - ﷺ - لهذا الأمر بحسب عظم الرسول في نفسه، أعني عليا إلى أبي بكر، فإنه قد دل في هذا الحديث أن عليا كرم الله وجهه كان رسولا إلى أبي بكر بقوله فبعث عليا فأمره، يعني فأمر أبا بكر على لسان علي ولو كان المأمور (عليا) لكان قال (وأمره) بالواو. وقول أبي هريرة: (فأذن معنا ببراءة) يدل على ذلك، ويدل عليه أيضا قوله فأردف بعلي أبا بكر، وهذا اللفظ يشعر بتقرير؛ لأن لفظ الرديف يؤذن تقرير المردف وتثبيته، ويدل أيضا عليه قول أبي هريرة: (فنبذ أبو بكر إليهم عهدهم).
* وفي هذا الحديث أيضا التنبيه على عظم شأن هذا النبذ بإيفاد أبي بكر فيه، وإرداف علي رسولا إليه لأجله، وإنه لكذلك من حيث إن هذا النبذ هو الفارق بين الحق والباطل، ومن أول مقامات الإعلان وإظهار الإسلام والثقة بوعد الله في استمرار ذلك من غير تلوم ولا تردد.
* وفي هذا الحديث أيضا من الفقه تقديم رسول الله - ﷺ - هذا النبذ بين يدي حجته (حجة الوداع)، ليكون أهل وصاياه في الحج والناقلون عنه العدول من المسلمين مع تطهير تلك الأرض من أنجاس المشركين.
* وفيه أيضا من الفقه أن يوم النحر يسمى (١١/ ب) يوم الحج الأكبر.
* وفيه من الفقه أيضا أن المؤمن قد يعتريه الهم في انقطاع ما يكون له من مادة معيشة أو كسب لقول أبي هريرة: (وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عليهم من التجارة).
* وفيه أيضا من الفقه جواز مبايعة المسلم للمشرك.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمن إذا فرح بما يبيحه الله له ويعوضه به من رزق في
[ ١ / ٦٦ ]
هذه الدنيا أنه غير ضار له في دينه ولا قادح في إيمانه، لقول أبي هريرة: (فعاضهم أفضل مما خافوا).
* وفيه أيضا من الفقه في قول الله ﷿: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ولم يقل فسوف يخلف الله عليكم، وكان يقف الخلف على قدر المخلف فقط، وذكر الغنى عام وشامل، والعيلة الفقر.
* وفي الحديث أيضا من حسن التنبيه أنهم لما احتسبوا بما انقطع عنهم من ربح تجار المشركين، عاضهم الله ﷿ بما يأخذونه من أموالهم بعينها من الجزية، قهرا جهرا بغير عوض ولا ثمن، حلالا طيبا.
* وفي هذا من الفقه رفع ما كان في الجاهلية من طواف الرجل والمرأة حول البيت عراة، وكان ذلك سيرة لهم؛ فأزاله الله بالإسلام مع ما أزال الله سبحانه من مقابح الجاهلية.
* وقد يجوز أن يكون في هذا الحديث من نص رسول الله - ﷺ - الخفي إلى خلافة أبي بكر بعده حتى أمره على الحاج قبل حجة الوداع فارقا بين الحق والباطل.
- ٥ -
الحديث الخامس:
[عن أبي هريرة أيضا قال: لما توفي النبي - ﷺ -، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر- بعده- من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)؟؛ فقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة
[ ١ / ٦٧ ]
والزكاة، فإن الزكاة حق المال (١٢/ أ)، والله! لو منعوني عناقا- وفي رواية: عقالا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله! ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق).
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الإمام إذا أدى اجتهاده عن نص من كتاب أو سنة مما يخفى على غيره من أماثل مأموميه، فإن الواجب هو متابعة الإمام على ما يريه الله إياه، فإن عمر ﵁ ذهب اجتهاده إلى أن لا يقاتل من منع الزكاة وظن أن قول: لا إله إلا الله مع منع الزكاة يعتصم الدم حتى اشتد أبو بكر ﵁ وأبان له بزيادة فقهه في قوله: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) لأنه قاس الأصل المختلف فيه على أصل مجمع عليه، لأنه لم يكن في الصحابة من ينازع في أنه لو أن طائفة من الناس قالوا: (لا إله إلا الله) ثم لم يصلوا، أنهم يقاتلون.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن المؤمن قد يستدل بانشراح صدر المؤمن للقتال على ما لا يستدل به عند انشراحه للسلم لقوله: (فما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق) لأن في القتال من المؤن والأخطار ما ليس في السلم، ولا يحتملها العاقل المؤمن مثل أبي بكر إلا على يقين من أمره.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن الحق قد يخفى على الجماعة الكثيرة ويظهر الله عليه الواحد إذا كان في موضع ذلك من المقام في الإسلام.
[ ١ / ٦٨ ]
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن الإفصاح عن المعنى قد يكون أحيانا بالغضب في الأمر كما جرى لأبي بكر في ذلك.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن الغضب قد يكون في بعض المواطن عبادة لله ﷿ ولاسيما إذا كان مشعرا بشدة احتفال الغاضب بالأمر كهذا المقام الذي قام فيه أبو بكر ﵁، وعلى هذا يرجع هذا إلى قوله (١٢/ ب) سبحانه: ﴿فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا﴾ وقوله ﷿: ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾، ﴿قال ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾.
* وفيه من الفقه أيضا أنه يجوز مراجعة الإمام في بعض الأحداث المجتهد فيها بتذكيره أحاديث رسول الله - ﷺ - والسنة وما عساه أن يكون قد شده عنه كمراجعة عمر لأبي بكر ولم ينكر عليه.
* وفيه أيضا من الفقه أن أبا هريرة سمى منع الزكاة كفرا لاستحلالهم ذلك، فقد انتشر في الإسلام تسميتهم بأهل الردة.
- ٦ -
الحديث السادس: (قوله - ﷺ -: لا نورث، ما تركناه: صدقة).
[هذا الحديث ذكره الحميدي عن عائشة وذكر فيه: أن فاطمة سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها. وفي رواية: أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله - ﷺ -، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - قال: (لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال). وإني، والله، لا أدع أمرا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنعه فيه إلا صنعته، إني أخشى إن تركت
[ ١ / ٦٩ ]
شيئا من أمره أن أزيغ. قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله - ﷺ -، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر. قال: فهما على ذلك اليوم. وفي رواية: فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر.
قالت: وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، ومكثت فاطمة بعد رسول الله - ﷺ - ستة أشهر ثم توفيت. فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ .. فقال: لا والله، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي.
وفي حديث عروة: فلما رأى علي انصراف (١٣/ أ) وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر ائتنا، ولا تأتنا معك بأحد، (وكره أن يأتيه عمر، لما علم من شدة عمر) فقال عمر: لا تأتيهم وحدك. فقال أبو بكر: والله، لآتينهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي، فانطلق أبو بكر فدخل على علي وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتهم علينا، ثم ذكر قرابتهم من رسول الله - ﷺ - وحقهم، فلم يزل علي يذكر حتى بكى أبو بكر ﵁، وصمت علي، فتشهد أبو بكر، وحمد الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله - ﷺ - أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير، ولكني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال) وإني، والله لا أدع أمرا صنعه رسول الله - ﷺ - إلا صنعته إن شاء الله، فقال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما
[ ١ / ٧٠ ]
صلى أبو بكر الظهر، أقبل على الناس يعذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قال علي، فعظم من حق أبي بكر، وذكر فضله وسابقته ثم قام إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس على علي فقالوا: أصبت وأحسنت، وكان المسلمون إلى علي قريبا، حين راجع الأمر المعروف].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا نورث) ولهذا الحديث عمل أبو بكر؛ وأما عثمان فروى ابن جرير عنه أنه كان يرى أن مال رسول الله - ﷺ - بعده للقيم (١٣/ ب) بأمر المسلمين، وأما دفعه فقد دفعه عمر إلى علي والعباس ﵄ ولاية، ومن هنا يتأول ما في هذا الحديث من قوله: (فغلبه علي عليها) أي على الولاية.
وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ أي ورث العلم والحكمة.
وقال ابن جرير: في هذا الحديث ما يدل على جواز اقتناء الأموال الفاضلة عن الكفاية، وليس الفقر أفضل من الغنى بدليل هذا الحديث لأنه روي من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة).
[ ١ / ٧١ ]
وقال: إن حديث ابن مسعود (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)، يريد أن ذلك فيمن يخاف على نفسه من الرغبة في الدنيا بذلك.
قال الوزير ﵀: والذي أراه في ذلك أن في هذا إباحة ذلك، إلا أنه لا يكون مانعا من رجحان الفقر في الفضيلة أحيانا من حيث إن الفقر سبب قوي في رضا الخلق عن ربهم، والغنى سبب قوي في تسخط الناس على ربهم لأن الناس إذا رأوا الغني تسخطوا وإذا رأوا الفقير رضوا عن الله في أحوالهم، وقد قال تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾، فقدمهم بذلك ثم عقبهم بذكر الأنصار فقال: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا﴾، إلا أن الصحيح أن الفقر والغنى حالان يشرف الآدمي في أحدهما بقدر عمله إذا عمل به فيه، فكل منهما طريق واضحة إلى معاملة الله ﷿.
وذكر ابن جرير أن في هذا الحديث حجة على وجوب قبول خبر الواحد العدل؛ لأن فاطمة والعباس لم يسأل أحدا بعد إخبار أبي بكر ﵁ لهما، من قوله عن النبي - ﷺ -: (لا نورث).
قال الوزير- تغمده الله برحمته (١٤/ أ) -: وقوله - ﷺ - في هذا الحديث: (لا نورث) هذه نون الجمع، لأنه أراد بذلك نفسه وجميع الأنبياء؛ ولا يجوز أن تكون نون جمع لأهله، لأن أهله قد ورثوا.
* وفي هذا الحديث حجة على جواز إحباس العقار الموقوف، وأن تكون غلته جارية
[ ١ / ٧٢ ]
في الصدقات أبدا، لأنهم لم يقسموا الأرض على الفقراء وإنما قسموا غلتها.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن من شرف الأنبياء أن لا يورثوا مالا، فإن تركهم المال مع كونهم بعثوا داعين إلى الزهد في المال لا يليق بشرف منازلهم، ولهذا قال - ﷺ - في حديث أبي هريرة: (لا يقتسم ورثتي دينارا) وقول عائشة: (جاءت فاطمة والعباس يلتمسان ميراثهما من رسول الله - ﷺ -)، وقول أبي بكر لهما: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة) فإني استدللت بهذا من فعل أبي بكر ﵁ على متانة دينه وشدة ورعه، وأنه لو كان مسامحا أحدا من خلق الله في حق من حقوق الله لكان قد سامح فاطمة ابنة رسول الله - ﷺ - والعباس عم رسول الله - ﷺ -؛ ولهذا قال في آخر الحديث: (والله لقرابة رسول الله - ﷺ - أحب إلي أن أصل من قرابتي) لكنه خاف من الله ﷿ أن يراه أو يراه العباس وفاطمة بعين من سامحهما في ذات الله ﷿.
* وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن الإنسان إذا كان عنده قول حق أو تحمل شهادة في موطن يشبه التهمة فإنه يصدع بالحق فيه، ولا يلتفت إلى ما يظن الجاهلون به، وأن أبا بكر ﵁، هو راوي هذا الحديث، وهو الخصم في الأمر من حيث إن الولاية له، وهو مع ذلك كله صدع بالأمر (١٤/ ب) وشهد بالحق، فلا جرم أنهما ﵄ صدقا خبره، وقبلا قوله.
* وقوله: (إني أخاف إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ) فيه أنه لا ينبغي للعالم، ولا لذي الخطر الكبير أن يتجاوز عن شيء في معصية الله في أمر زهيد ولا شيء يسير؛ فإن أبا بكر ﵁ على ارتفاع مقامه وعلو شأنه يقول: (إني أخاف إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ) أي أميل.
* وأما قول عائشة ﵂: (هجرته فاطمة ﵂ فلم تكلمه حتى
[ ١ / ٧٣ ]
ماتت) قال الوزير﵀-: (الذي روي أن أبا بكر ﵁ دخل على فاطمة بإذن علي ﵇ فقال لها: والله لئن تفتقر بناتي أحب إلي من أن تفتقري، لكني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، فقالت له: أنت وما سمعت). ولشأن فاطمة ﵂ من الزهد في الدنيا فوق أن يظن بها إلا ما يناسب ذلك. ولهذا المعنى قال في الحديث الذي نحن في تفسيره: (فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك) أي لم تكلمه في الميراث؛ لأنها هجرته فلم تكلمه في غير ذلك.
* وأما ما ذكرته عائشة من أن عليا دفن فاطمة ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر فقد روي أن أبا بكر هو الذي صلى عليها، وإن كان دفنها ليلا فلعله بوصية منها إيثارا للخفر.
* وأما قول عائشة: فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، فإن ذلك قد يجوز أن يكون لاستناد علي إلى رأي فاطمة في حياتها؛ لأنها بضعة من رسول الله - ﷺ -، وقد طال مرضها، وقد كان يرجى برؤها لتشاور وتصلح، فلما ماتت استوحش (١٥/ أ) من انفراده، فمال إلى صلح أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر (أن تأتينا)، ولا يبعد من علي ﵁ أنه أراد أن يجعل لأبي بكر ﵁ فضيلة القصد إليه لأنه الراعي للكل، والراعي يتبع الشاذة. وقوله: (ولا تأتينا معك بأحد) فإن الذي يظن به أن يأتي معه بعمر، وفي عمر شدة؛ فإذا سمع بعض ما يجري من العتاب لم يؤمن أن يغلظ في الجواب، وكانت إرادة علي من حضور أبي بكر الإصلاح فخاف علي من شدة عمر وغيرته على الحق. فقال له عمر: (لا تأتهم وحدك) فقال: (والله لآتينهم وما عسى أن يصنعوا بي؟) وهذا يدلك على ما ذكرنا.
* وقول علي ﵁: (ما منعنا أن نبايعك إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك) اعتراف بفضيلته التي تناسب هذا المقام- مقام مثوبة وعبادة
[ ١ / ٧٤ ]
لله- وليس كما هو يظنه الجهال أنه مراد للرفعة في الدنيا من غير إرادة للآخرة؛ لأنه لو كان كذلك لكان لم يسمه علي ﵁ خيرا. وقوله: (ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا)، يجوز أن يكون هذا الحق أرادبه الشورى منه، فلما عقدت البيعة لأبي بكر من غير مشاورة لعلي أثر ذلك عنده، وقوله: (فاستبددتم علينا) فإن حال أبي بكر ﵁ مشهورة بحيث تجيب عن هذا؛ وإنما كانت بيعته في حال سرعة وانتهاز فرصة، ومقام إطفاء فتنة وخوف فرقة؛ فلذلك لم يكن في الحال من الطمأنينة ما يشاور فيها غير من حضرها، وكانت منهم كفاية وغنية. وقول علي: (موعدك للبيعة العشية) ولم يبايعه وهو عنده، وهذا حسن أدب من علي ﵁ لأنه أراد أن يقصده في مجلسه ثم يبايعه ولتكون بيعة رغبة، ولذلك تابعه بنو هاشم، ولم يكن امتناع بني هاشم من ذلك إلا على علم منهم أن امتناعهم لا يؤثر خللا في بيعة أبي بكر فإن الإمام إذا (١٥/ ب) بايعه الواحد أو الاثنان من أهل الحل والعقد ثبتت له البيعة، ووجبت له الطاعة ولذلك استجاز من بني هاشم التخلف عن أبي بكر ﵁، لعلمهم أن تخلفهم ليس بقادح في بيعته ولا مؤثر في إقامته لأن المسلمين كلهم كالجسد الواحد فكانت لهم أسوة باقي الناس من أهل المشارق والمغارب. وقوله: (وموعدك للبيعة العشية) يريد به توكيد عقد وإعطاء يد. وقول المسلمين في آخر الحديث: (أصبت وأحسنت بذلك) على ما ذكرناه. وكذلك قول عائشة: (حين راجع الأمر المعروف) يعني منه ﵁ ومن شيمه.
[ ١ / ٧٥ ]
من أفراد البخاري
- ٧ -
الحديث الأول:
[من رواية عبد الله بن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ؛ قد شهد بدرا، توفي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا؛ فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ فقلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن النبي ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها رسول الله ﷺ لقبلتها].
هذا الحديث هو عن عمر ﵁ (١٦/ أ)، وإنما ذكره الحميدي في مسند أبي بكر ﵁ لقول أبي بكر: علمت أن النبي - ﷺ - ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله - ﷺ -.
[ ١ / ٧٦ ]
* وفيه من الفقه أن الرجل يستحب له إذا تأيمت وليته أن يسعى لها في النكاح ولا يهملها.
* وفيه أيضا أنه يستحب له أن يختار لها الأكفأ ممن لا يعرفها إذا نكحها.
* وفيه أيضا من الفقه أنه لا بأس بأن يخطب الرجل الرجل لابنته، ولا يقف حتى يبدأه الرجل بالخطبة كما فعل شعيب النبي ﵇ إذ قال لموسى ﵇: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾.
* وفيه أن عثمان لما قال: (قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا) علمنا أنه احترز لكلامه وتحرى الصدق فيقوله: (يومي هذا)، ولو لم يقله كان امتناعا من التزويج على الإطلاق.
وقوله: (فعرضتها على أبي بكر، فلم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان)، وهذا لأن عثمان أفصح له فأراحه، وأبو بكر لما لم يرد عليه شيئا تركه على الانتظار والترقب لما يكون منه، ولذلك بادر ﵁ إلى الاعتذار إليه عن هذا الإمساك؛ لأن رد جواب كل سائل عن قوله متعين، وإنما أمسك أبو بكر لمكان سر رسول الله - ﷺ -، ويدل هذا على أنه إذا روعي المهم من الأمر كحفظ سر رسول الله - ﷺ - اغتفر له الشيء اليسير من بعض الأمر كالتعرض لموجدة عمر، وكان ذلك سهلا فيما بين الإخوان مع رجاء الإنابة في مستقبل الحال.
* وفي هذا الحديث ما يدل أيضا على أن على الصاحب أن يكتم من سر صاحبه ما لم يستكتمه إياه، فإن أبا بكر ﵁ قال: (علمت أن رسول الله - ﷺ - ذكرها) ولم يقل أسر إلي ولا استكتمني.
* وفيه أيضا أن أمر النكاح يستعان على نجحه بالكتمان.
وقد ذكر الحميدي أن هذا (١٦/ ب) الحديث يذكر في مسند عمر لقوله فيه ثم خطبها رسول الله - ﷺ - فأنكحتها إياه.
[ ١ / ٧٧ ]
الحديث الثاني:
[من رواية عمر عن أبي بكر موقوفا أنه قال: ارقبوا محمد ﷺ في أهل بيته].
المعنى: احفظوه.
* وفيه من الفقه أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد حب أهل بيت النبي - ﷺ - وولاءهم فرضا واجبا، وهم: آل العباس، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وكان أقرب الناس إلى رسول الله - ﷺ - حين مات- العباس لأنه عم، والعم يحجب ابن العم، فلذلك رد الله ﷿ الخلافة إلى ذريته إلى يوم القيامة إلى شاء الله تعالى.
* وهذا الحديث يدل على حفظ رسول الله - ﷺ - في أهل بيته، ومن حفظه فيهم أن لا يرى أحد من أهل بيته- ومعاذ الله- على بعض ما يخالف فيه أمر محمد - ﷺ - إلا بعين حفظ رسول الله - ﷺ - في نهي ذلك الرجل الذي هو من أهل بيته لقوله (ارقبوا محمد في أهل بيته) أي احفظوا شريعة محمد - ﷺ - ولا ترقبوا إلا محمدًا - ﷺ -، وليس هذا مما يدل على أن يتسامح لأحد من أهل بيته في ترك شيء من شريعته - ﷺ - لأنه لو أراد مراعاتهم دون مراعاة شرعه لقال: ارقبوا أهل بيت محمد - ﷺ -.
من ذلك قول الشاعر:
مودتي لك تأبى أن تسامحني بأن أراك على شيء من الزلل
[ ١ / ٧٨ ]
- ٩ -
الحديث الثالث: (في جمع القرآن)
[عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر ﵁ مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر جالس عنده فقال أبو بكر: إن عمر جاءني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن؛ فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تجمع القرآن، قال: قلت لعمر: وكيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله (١٧/ أ) ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
وفي رواية: فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا تتهمك؛ قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله، لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قال: قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، قال: فلم يزل أبو بكر يراجعني، وفي رواية: فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة- أو إلى خزيمة- الأنصاري أجدها مع أحد غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ خاتمة براءة، قال: فكانت الصحف عند أبي بكر، حتى توفاه الله، ثم عند عمر، حتى توفاه الله تعالى، ثم عند حفصة بنت عمر. قال بعض الرواة:
[ ١ / ٧٩ ]
اللخاف، حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة.
زاد ابن شهاب عن أنس: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان- وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق- فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه (١٧/ ب) بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا؛ حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أنه سمع زيد بن ثابت يقول: فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدنها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾، فألحقناها في سورتها في المصحف.
وفي رواية: مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين.
[ ١ / ٨٠ ]
وفي رواية: قال ابن شهاب: اختلفوا يومئذ في (التابوت) فقال زيد: (التابوه). وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص: (التابوت) فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه (التابوت) فإنه بلسان قريش].
* في هذا الحديث من الفقه اعتماد المصلحة، وأن لا يجبن المؤمن عنها؛ وإن لم يكن ورد فيها نص، فإن رأي أبي بكر ﵁ سبق الخلق إلى كتابة القرآن، ثم تبعه في ذلك عمر، ثم ثلثهما زيد؛ ثم لا نعلم أن أحدا من المسلمين عرف ذلك إلا واستصوبه إلى يوم القيامة. وهذا يدل على أن القرآن قد كان محفوظا في قلوب الرجال، وإنما كان ما رآه أبو بكر ﵁ من نسخه في الصحف زيادة حفظ له، ليؤمن عليه من نسيان شيء أو تغيير حرف أو غير ذلك، وإلا فإن رسول الله ﷺ لم يخرج من الدنيا إلا وقد أدى كتاب الله ﷿، وحفظه عنه العدد الكثير حفظا متفرقا، فأما حفظه كله فقد روي أنه حفظه كله قبل موت النبي - ﷺ - أربعة وهم: (أبي بن كعب، ومعاذ، وزيد بن ثابت،
[ ١ / ٨١ ]
وأبو زيد الأنصاري). وأقام عثمان بن عفان ﵁ لنساخته أربعة: (١٨/ أ) (عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الحارث بن هشام؛ وزيد بن ثابت). والأربعة هم الغاية في الشهادة في الشريعة، فاختار واحدا من الأنصار- وهو زيد- وجعل ثلاثة من المهاجرين.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن عثمان ﵁ لما بعث إلى الأمصار ما بعث ثم
[ ١ / ٨٢ ]
أحرق الباقي فإنه لم يرد بذلك إلا الإشعار بشدة عزمه فيه وصلابته في العمل بمقتضاه لئلا يجري بين الأمة اختلاف في شيء منه.
* وقوله: (مع خزيمة الأنصاري قد كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقرأ بها)، وهذا يدل على أنه أضاف قول خزيمة إلى علمه بذلك.
* وفيه من الفقه أنهم﵃- لم يكونوا مهملين لشيء من القرآن، حتى إنهم اختلفوا في (التابوت- والتابوه) حتى أثبتوه (التابوت)، بلسان قريش.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا ما قد يدل على شرف قريش، وأنهم أفصح العرب، لقول عثمان ﵁: (فإن القرآن نزل بلغة قريش) وقد صدقه في ذلك القرآن بقوله ﷿: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمن قد يتخوف من الإقدام على الأمر إلى أن يتيقن جوازه، ألا ترى قول زيد بن ثابت: (فلو كلفاني نقل جبل إلى آخر حديثه)، إلا أن هذا قد يعرض للإنسان فيما الصواب ضده، فينبغي للإنسان أن لا يقف مع خواطره.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن المؤمن قد يستدل بانشراح صدره في الأمر على كونه رضا لله ﷿ إذا كان قد عرف منه وعرف من نفسه معاصاة الهوى، وإباء الميل إلى الدنيا.
- ١٠ -
الحديث الرابع: (في ذكر الصدقات)
[من حديث أنس: أن أبا بكر الصديق لما استخلف، كتب له حين وجهه إلى البحرين، هذا الكتاب؛ وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: (محمد) سطر،
[ ١ / ٨٣ ]
و(رسول) سطر، و(الله) سطر:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله ﷺ، فمن سئلها (١٨/ ب) من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط:
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ابنة لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستة ففيها حقة طروقة الجمل؛ فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة.
وصدقة الغنم: في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة؛ فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة؛ وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة،
[ ١ / ٨٤ ]
ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق.
وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق (١٩/ أ) عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ابنة لبون فإنها تقبل منه ابنة لبون، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما.
ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، فمن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء).
قال البخاري: وزادنا أحمد- يعني ابن حنبل- عن الأنصاري، وذكر
[ ١ / ٨٥ ]
الإسناد عن أنس، قال: كان خاتم النبي - ﷺ - في يده، وفي يد أبي بكر، وفي يد عمر بعد أبي بكر. قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، وأخرج الخاتم، فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر فلم نجده].
* في هذا الحديث من الفقه قوله: (هذه فريضة الصدقة) ومعنى الفرض هاهنا بيان التقدير كقوله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ أي تقدروا مبلغ كميتها.
وأما بنت مخاض: فهي التي أتى عليها حول ودخلت في السنة الثانية وحملت أمها فصارت من المخاض، وهي الحوامل.
وأما بنت اللبون: فهي التي أتى عليها حولان ودخلت في الثالث فصارت أمها لبونا بوضع الحمل.
والحقة: هي التي أتى عليها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، فاستحق عليها الحمل والضراب.
وقوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين طروقة الجمل) أي قد طرقها الفحل.
والجذعة: هي التي لها أربع سنين ودخلت في الخامس.
وقوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين ابنة لبون)
[ ١ / ٨٦ ]
(١٩/ ب) فيه دليل على أن الفريضة لا تستأنف بعد العشرين ومائة، وهو قول الشافعي وأحمد ﵄، خلافا لأبي حنيفة إذا زادت على عشرين ومائة واستؤنفت الفريضة، ففي خمس شاة وفي عشر شاتان.
وقوله: (في صدقة الغنم في سائمتها)، قد دل التقييد بالسوم على أنه لا تجب الزكاة في العوامل والمعلوفة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد خلافا لمالك.
وقوله: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة). قال الشافعي ﵁: الخشية خشيتان، خشية الساعي أن يقبل الصدقة، وخشية رب المال أن يكثر الصدقة، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في المال شيئا من الجمع والتفريق؛ وشرح هذا: أن يكون لرجلين ثمانون شاة لكل واحد أربعون فيجمعا بينهما عند مجيء الساعي ليأخذ شاة، أو يكون لرجل واحد أربعون فيفرقها في موضعين لتسقط الصدقة.
وقوله: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان)، وهذا إذا أخذ المصدق من نصيب أحدهما شاة، فإنه يرجع بقيمة نصفها على خليطه، وهذا صريح في صحة الخلطة وتأثيرها خلافا لأبي حنيفة في قوله: (لا تأثير للخلطة).
وقوله: (لا يؤخذ في الصدقة هرمة) وهي الكبيرة، (ولا ذات عوار) وهي المعيبة، (ولا تيس) وهو فحل الغنم؛ وإنما لا يؤخذ لنقصه أو لرداءة لحمه.
وقوله: (إلا أن يشاء المصدق) يعني الساعي لأنه له ولاية النظر، ويده كيد الفقراء؛ إذ هو وكيلهم؛ ولهذا يأخذ أجرته من مالهم.
والرقة: الفضة دراهم كانت أو غيرها.
وقوله: (ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة؛ وليست عنده؛ وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما)؛ فيه من الفقه:
[ ١ / ٨٧ ]
أن كل (٢٠/ أ) واحدٍ من الشاتين أو الدراهم أصل في نفسه، وليس ببدل لأنه خير بينهما بحرف (أو)، وقد لا يتساوى ذلك في كل الأمكنة، ولا في جميع الأزمنة، فدل على أنه تقويم شرعي، والسر فيه أن الصدقة قد تؤخذ على المياه، وفي البرية حيث لا يوجد سوق ولا مقوم، فحسن من الشرع أن يقدر شيئا يقطع التشاجر، إلا أن من سر هذا الحديث فيما أعلمه مما يستدل به على ترتيب أمور الشرع على الأصول المحفوظة والأسباب الصادقة أن النصاب لما كان في أول الإبل خمسا، وكان الواجب فيها شاة من غير جنسها وعلى ذلك إلى أن انتهت إلى خمس وعشرين.
فالذي أرى- والله تعالى الموفق- أن الخمسة ثمن العدد عند الحساب تسمى شيئا فإذا ضربت في نفسها كان المرتفع من ذلك خمسة وعشرين فيسمونه حينئذ مالا، وهو غاية ما يرتفع من ضرب الشيء في نفسه، فلما انتقل النصاب من الشيء إلى المال، انتقلت بإزائه الفريضة من الشاء إلى الإبل، ولما كان النصاب الأول خمسا من الإبل، والواجب الشاة فعندئذ كان انتقال الفريضة إلى الإبل؛ انتقلت الدرجة من الخمس إلى العشر فصارت من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين، ثم جاءت هكذا مرتين فلما زادت الإبل زيد عليها خمس فصارت كلما زادت عشرا فرض فيها، فلما زادت بعد المرتين سهل على أرباب الأموال بأن رخص لهم في خمس أخر، وتوالت هكذا إلى تسعين، ثم حينئذ سهل عليهم بأن جعلت الدرجة في ذلك ثلاثين من الإبل ثم لما زادت فوق ذلك جعل في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة رعاية لقلوب أرباب الأموال، ويعلم الله ﷾ بشح عبده. وما ذكر من الواحدة (٢٠/ ب) الزائدة فالمراد بها أن يخلص النصاب لرب المال، وتكون هذه الواحدة كالشيء الفاضل.
* وفيه أن ضياع الخاتم من يد عثمان ﵁ كان عقيب العبث به، وهذا يدل على التحذير من العبث في جميع الأشياء.
[ ١ / ٨٨ ]
من أفراد البخاري
- ١١ -
الحديث الخامس:
[عن عقبة بن الحارث بن عامر قال: صلى أبو بكر العصر، ثم خرج يمشي، يعني ومعه علي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه، وقال:
بأبي، شبيه بالنبي ليس شبيه بعلي
وعلي يضحك].
* في هذا الحديث من الفقه: استحباب التصابي للصبي ومسرة قلبي أبيه فيه.
* وفيه أيضا من الفقه أنه إذا نزع الولد بالشبه إلى قبل أمه وجده من أمه، فإن ذلك لا يقدح في صليبة انتسابه إلى أبيه، وعن النبي - ﷺ - في هذا حديث معروف في الشبيه سيذكر في موضعه.
* وفيه أيضا أن ما كانت العرب ترقص به أولادها من الشعر والرجز جائز، وهو أدعى إلى فطنة الصبي ومداراته.
فأما ضحك علي ﵁ له فلا أراه إلا سرورا بذلك، وكذلك أرى حمل أبي بكر ﵁ له فإنه أراد إصابة السنة بذلك في حمل الولد، فإن رسول الله - ﷺ - قد كان يحمل الحسن والحسين، كذلك حمل أمامة بنت ابنته
[ ١ / ٨٩ ]
زينب في الصلاة، وهذه حالة يأباها الجبارون، ويأنف منها المتكبرون؛ لا يحملون أولادهم ولا يعطفون على صغارهم.
- ١٢ -
الحديث السادس:
[عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه].
* (٢١/ أ) في هذا الحديث من الفقه أن أبا بكر ﵁ أراد إعلام الناس بأنه إنما يأكل من مال المسلمين ما يأكل عوضا عن حرفته التي كانت- كما قال- لا تعجز عن مؤنة أهله، وأنه جعل حرفته النظر في أمور المسلمين.
* وفيه أيضا من الفقه أنه لم يؤجر نفسه بأجرة معلومة؛ ولذلك قال: (سيأكل آل أبي بكر من هذا المال) أي بقدر كفاية ما يحتاجون إليه. وقوله: (ويحترف للمسلمين فيه) أي بتثميره وجلبه من وجوهه.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمن تكون له الحرفة ليمون بها أهله، وأنها لا تنافي التوكل على الله ﷿ بل تلائمه.
* وفيه أيضا من الفقه جواز الأكل من بيت المال على ما كان فيه من جزية أهل
[ ١ / ٩٠ ]
الكتاب الذين يستحلون بيع الخمور والخنازير وما فيه من غنائم المشركين، وأنه لا يسوغ لأحد أن يتورع فيقول لا آكل من بيت مال المسلمين، فإن ذلك بدعة، اللهم إلا أن يبلى بزمان لا يوجد فيه حقوق بيت المال بموجب الشرع فحينئذ لا ألومه.
- ١٣ -
الحديث السابع:
[عن عائشة موقوفا قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على ورع أبي بكر ﵁ ولا سيما في هذه الصورة، فإن أخذ الأجر على الكهانة محرم، ثم الخديعة في ذلك محرمة، فتغلظ الأمر بأنه خدع في الحرام، فبادر أبو بكر ﵁ إلى بذل جهده من (٢١/ ب) كونه أخرج ما حصل في بطنه من ذلك، على أنه لم يمكنه من أن يستوعب كل ما كان في بطنه فقد جاء في الحديث عنه أنه قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما خالط العروق والمعاء) إلا أن هذا الحديث إن بلي بمثله مؤمن على مثل صورته، فخاف- إن هو جاء على نفسه- التلف، فلا يتعرض للقيء بل يستغفر الله تعالى إذ لا يجوز له التعرض لإتلاف نفسه.
* وفي هذا الحديث جواز أكل السيد من غلة المملوك وخراجه، وعلى أن أبا بكر ﵁ لم يسأل عبده هذا الوجه الذي جاء به حتى ابتدأ العبد فذكر ذلك،
[ ١ / ٩١ ]
فيدل على جواز أكل الرجل من غلة عبده من غير أن يسأله، وعلى ذلك فإن العبد إذا ذكر لسيده الوجه الذي جاءه بذلك منه في المقام المشتبه عليه كهذه الحالة كان العبد بذلك مثابا عند الله ﷿.
- ١٤ -
الحديث الثامن: (في ذكر وفاة النبي - ﷺ -)
[عن عائشة وعن ابن عباس من رواية أبي سلمة عنهما قالت عائشة في حديثها: (أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة، فبصر برسول الله ﷺ، وهو مسجى ببرده، فكشف عن وجهه فقبله، ثم بكى، وقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متها.
قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر، فمال الناس إليه، وتركوا عمر، فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله ﷾: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ إلى ﴿الشاكرين﴾، قال: والله (٢٢/ أ) لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما أسمع بشرًا إلا يتولها)].
[ ١ / ٩٢ ]
* في هذا الحديث من الفقه جواز تقبيل الميت، وظاهر الحال أن أبا بكر إنما فعل ذلك لما رأى رسول الله - ﷺ - يفعله، وهو لما قبل عثمان بن مظعون فإنه قبله وهو ميت بعد كشف الثوب عنه.
* وفيه أيضا ما يدل على فضيلة أبي بكر أنه لم يستكن للمصيبة على عظمها، بل أحسن التسلية بقوله: (ما كان الله ليذيقك موتتين) وبخروجه إلى الناس.
* وفيه أيضا من الفقه أن الرجل إذا كان في أمر مهم وأراد الإفصاح به، فتكلم إنسان بحضرته، فسكته فلم يسكت، أنه لا يشغل الوقت بالاشتغال بمجادلته وتسكينه بل يعدل هو إلى ذكر ما يعلمه كما فعل أبو بكر.
* وفيه من التنبيه على فضيلة أبي بكر بما قاله في البديهة وما استشهد به من كتاب الله تعالى، وهذه الآية الكريمة منذ نزلت أشارت بالإشارة اللطيفة إلى أن رسول الله - ﷺ - يموت موتا ولا يقتل قتلا لقوله ﷿: ﴿أفإن مات أو قتل﴾ فبدأ بذكر الموت ثم عقبه بعد القتل بذكر (أو) التي تقع أحيانا للشك، وإنما ذكر سبحانه القتل في هذه الآية لتجويز القتل على الأنبياء، وإن كان قد ذهب قوم إلى أنه لم يقتل نبي قط في معركة، وهو قول له وجه من حيث إن قتل النبي في المعركة حيث يشتد الوهن بمصابة يوهم أنه ضعيف يخالفه كتاب الله ﷿ في أماكن منها الآية التي تلي هذه الآية، وهي قوله: ﴿وكأين من نبي قتل، معه ربيون كثير﴾ في قراءة من قرأ
[ ١ / ٩٣ ]
بالوقف على قتل، وهو (٢٢/ ب) الأقيس في ذلك لأجل ضمير الجمع في (وهنوا) أي الربيون.
* وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ لأنه لما ذكر انقلاب من ينقلب على عقبيه ثم عقبه بذكر من ثبت بعد موت النبي ﷺ على دينه، فإنها نعمة تامة تستوجب الشكر عليها فقال ﷾: ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾.
- ١٥ -
الحديث التاسع:
[أورده أبو بكر البرقاني ههنا، وأخرجه غيره في مسند عائشة من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن أبا بكر لم يكن يحنث قط في يمين، حتى أنزل الله تعالى كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني].
* في هذا الحديث من الفقه ذكر شدة عزيمة أبي بكر والثبات على يمينه إذا حلف.
* وفيه أيضا دليل على أن اشتداده كان لله ﷿ لا لنفسه ولا من طبعه، فلما أنزل الله ﷿ كفارة اليمين، ترك ما كان عليه من العزم، وعدل إلى ذلك، وإنما سر بما أنزل الله ﷿ من الكفارة لأن اليمين ربما كانت تصده عن أفضل، وترده عن أجود، وتمنعه عن خير، فلذلك قال: (ولا أحلف على يمين وأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني)، وعلى هذا فلا أرى أن يحنث الإنسان في يمينه للعدول إلى ما ليس بخير.
[ ١ / ٩٤ ]
- ١٦ -
الحديث العاشر:
[عن قيس بن أبي حازم قال: (دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من أحمس، يقال لها: زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل؛ هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على (٢٣/ أ) هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال فهم أولئك على الناس)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه إذا رأى المؤمن أحدا على بدعة- وهو يظن أنه على سنة- فإنه ينكر عليه، وإن كان ما يأتي به يخرج في شبه العبادة، فإن أبا بكر لما رآها لا تتكلم، وقالوا: (إنها حجت مصمتة) فقال: (تكلمي فإن ذلك من عمل الجاهلية) وإنما قالت من أنت؟ لتستدل على مقامه في العلم، وتنظر هل هو ممن يرجع إلى قوله، فلما قال لها رجل من قريش، امرؤ من المهاجرين، اتصف لها بصفة جميلة كافية، وقدم في الإسلام، فلما استزادت هي وقالت: (من المهاجرين؟) فقال لها: (من قريش) فاتصف بصفة أخرى خصته بالقرب إلى النبي - ﷺ - فقالت: (من أي قريش)؟ فقال لها: (إنك لسؤول) أي لكثيرة السؤال كما يقال في صفة الرجال: شكور، وذكور، وعجول لزيادة
[ ١ / ٩٥ ]
معنى. ثم إن أبا بكر لما عرف ما تريد من سؤالها قال: (أنا أبو بكر)، فلما عرفها نفسه اقتنعت بفتياه الأولى، وعملت بها ثم بادرت إلى انتهاز الفرصة في حضوره فسألته مسألة أخرى، قالت: (ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به؟)، وإنما سألت سؤال مسرورة بالإسلام وأجابها أبو بكر جوابا فيه الحصة الأولى والسهم الأعلى، فقال: (ما استقامت بكم أئمتكم) وإنما قال ذلك ﵁ من عظم فقهه، وكرم فهمه، وأنه نظر إلى أن استقامته في زمانه هي التي يترتب عليها استقامة الناس كلهم .. وفي هذا الكلام إشارة إلى أنه لو قد فسد أحد من الناس كانت الملامة حقيقة من حيث (٢٣/ ب) التعلق بالقدوة.
وقولها: (ما الأئمة؟) فأحسن لها الجواب والتلطف إلى إفهامها بقوله: (ألم يكن لقومك أشراف ورؤوس يأمرونهم فيطيعونهم؟) فقالت: (بلى) فقال: (هم أولئك).
- ١٧ -
الحديث الحادي عشر:
[عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر ﵁، يسألونه الصلح، فخيرهم بين الحرب المجلية، وبين السلم المخزية فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها، فما المخزية؟ قال: تنزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا منكم، وتردون علينا ما أصبتم منا، وتدون لنا قتلانا، وتكون قتلاكم في النار، وتتركون أقواما يبتغون أذناب الإبل، حتى يرى الله خليفة رسوله - ﷺ - والمهاجرين أمرا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية، والسلم المخزية، فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت من: أن نغنم ما أصبنا منك وتردون علينا ما أصبتم
[ ١ / ٩٦ ]
منا: فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت: تدون قتلانا، ويكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قاتلت فقلت على أمر الله، أجورها على الله، ليست لها ديات، فتتابع القوم على ما قال عمر) - اختصره البخاري].
* في هذا الحديث من الفقه صلابة أبي بكر في دينه، وشدة وثوقة بظهور أمر الله، كما وعد بتخييره إياهم بين الحرب المجلية وبين السلم المخزية وهذا يدل على تأنيث السلم.
* وفيه أيضا أنه يستحب للإنسان أن يعرض ما وقع له على ذوي الفطنة لقوله: (فعرض أبو بكر ما قال على القوم) فإن من الرأي استشارة ذوي الرأي.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمنين لهم أن يشيروا على الإمام في بعض الأمر، وإن خالف شيئا من قوله، ولكن (٢٤/ أ) بحسن أدب. كما قال عمر: (رأيت رأيا وسنشير عليك)، وإنما قال ذلك أي إنما قلت هذا عن رأي رأيته فأشرنا، ولو أنه عن نص وسنة لم يجز أن يشير أحد عليك بخلافه.
* وفيه أيضا من الفقه أن من يذكر للإمام ما عنده من الرأي فإنه يذكره على سبيل المشورة لا على سبيل الحتم والقطع؛ فإن عمر قال: وسنشير عليك.
* وفيه أيضا من الفقه أن الإمام إذا كان قد رأى رأيا ونطق به، ثم إن بعض
[ ١ / ٩٧ ]
أصحابه رأى ما يخالف ذلك، ترك ما كان قد رآه، ورجع إلى قول صاحبه سيما إذا كان الصاحب مثل عمر.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن عمر آنف للشهداء من أن يأخذ ورثتهم عوض نفوسهم الكريمة عرضا من الدنيا بعد مماتهم، كما أنفوا هم من ذلك في حال حياتهم، ومن أجل أن المبايعة سبقت وأخذوا العوض من الله ﷿ بقوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ فقد سبق بيعهم وقد اشترى الله ﷿ منهم، فكيف كان يجوز أخذ العوض من شيء أخذ ثمنه من قبل، فرضي الله عن عمر وعن أبي بكر.
آخر أفراد البخاري من مسند أبي بكر ﵁
من أفراد مسلم
وانفرد مسلم بحديث:
[عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر ﵄، بعد وفاة رسول الله ﷺ، انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ قالت: إني لا أبكي، إن لأعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ولكن
[ ١ / ٩٨ ]
أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها].
* في هذا الحديث من الفقه أنه يستحب للمؤمن أن لا يغفل (٢٤/ ب) عن حسن العهد، ولا يلهو عن ذكر الصحبة فإنهما كانا يزوران أم أيمن مع رسول الله - ﷺ -.
* وفيه من الفقه أيضا أن بكاء أم أيمن كان لانقطاع الوحي النازل من السماء، وهذا مهم يشملها ويشمل سائر الناس، ولذلك أثار بكاء أبي بكر وعمر.
* وفيه أيضا أن الإنسان قد يهيج له البكاء ببكاء أخيه، ولا يكون ذلك ناقصا من إخلاصه.
آخر مسند أبي بكر ﵁.
[ ١ / ٩٩ ]
٢