أخرج له في الصحيحين ثلاثة وثلاثون حديثا، المتفق عليه منها اثنا عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر.
-٣٥٤ -
الحديث الأول:
[عن ابن عباس قال: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلمه وأتني بخبره، وذكر الحديث.
وفي رواية: ان ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي - ﷺ - قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، ثم انطلق حتى قدم مكة، وسمع من قوله: ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني فيما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى
[ ٢ / ١٤٣ ]
المسجد، فالتمس النبي - ﷺ -، ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل فاضطجع، فرآه علي ﵁، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح (١٦٢/ ب)، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، فظل ذلك اليوم ولا يراه النبي - ﷺ - حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به علي ﵁ فقال: أما أنى للرجل أن يعرف منزله؟ فأقامه فذهب معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالثة فعل مثل ذلك فأقامه علي معه ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت، ففعل فأخبره، فقال: إنه حق وهو رسول الله، فإذا أصبحت اتبعني فإني إن رأيت شيئًا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي - ﷺ - ودخل معه فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي - ﷺ -: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري)، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، وقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام عليهم؟ فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه، وفي الرواية الأخرى ان رسول الله - ﷺ - قال له لما أسلم (يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل) قال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم .. وذكر نحوه. وقال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر].
[ ٢ / ١٤٤ ]
وفي أفراد مسلم على مساق آخر يوجب إيراده:
عن عبد الله بن الصامت: قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا. فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا. فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له. فقلت له: أما ما مضى (١٦٣/ أ) من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن فخير أنيسًا، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صليت يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين فقلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. فقال. أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء.
قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر، قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلًا منهم فقلت أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي فقال: الصابئ، فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم، حتى خررت مغشيًا
[ ٢ / ١٤٥ ]
علي، قال: فارتفعت حين ارتفعت، كأني نصب أحمر، قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها، ولقد لبثت، يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني. وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أصمختهم فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين منهم تدعوان إسافًا ونائلة، قال: فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى! قال: فما تناهتا عن قولهما، قال فأتتا علي (١٦٣/ ب). فقلت: هن مثل الخشبة، غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا! قال: فاستقبلهما رسول الله - ﷺ - وأبو بكر، وهما هابطان قال: (ما لكما؟) قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: (ما قال لكما؟) قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول الله - ﷺ - حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى، فلما قضى صلاته (قال (أبو ذر» فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليكم يا رسول الله، فقال: (وعليك السلام ورحمة الله). ثم قال: (من أنت؟ قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه ثم قال: متى كنت ها هنا؟ قال: قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين ما بين ليلة ويوم، قال: فمن كان يطعمك؟، قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم. فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع، قال: (إنها مباركة. إنها طعام طعم).
[ ٢ / ١٤٦ ]
فقال أبو بكر: يا رسول الله! ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابًا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها. ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله - ﷺ - فقال: (إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم).
فأتيت أنيسًا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا، فأسلم نصفهم. وكان يؤمهم أيماء بن رحضة الغفاري. وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله - ﷺ - المدينة فأسلم (١٦٤/ أ) نصفهم الباقي وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله! إخوتنا. نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا: فقال رسول الله - ﷺ -: غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله).
زاد بعض الرواة بعد قول أبي ذر لأخيه: فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا].
* في هذا الحديث: ما يدل على ان أبا ذر وفق لما يجب على كل مؤمن من النظر لقوله ﷿: ﴿إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى
[ ٢ / ١٤٧ ]
ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ وكان توفيقه بإرسال أخيه لما بلغه دعاء رسول الله - ﷺ - الخلق إلى ربهم، وقصده بعد ذلك بنفسه.
* وفيه أيضًا أن المؤمن يزن القول ويعتبره، ويقسم له الأقسام، ثم إذا أدى التقسيم إلى أن الحق في جهة صار إليها، ألا ترى أن أخا أبي ذر قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلامًا ما هو بالشعر. ومكارم الأخلاق من أمارات المحقين ودلائل الصادقين وقد قال الله ﷿ ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم﴾.
* (وحمل شنته) يعني قربته، ويريد بقوله فتزود بأنه سار بهذا يتزود في مشنته وأنه كان يهيم بأمر دينه ولم يكسل لطول الشقة.
* وفيه أيضًا ما يدل على حسن تأني أبي ذر حين بدأ بالمسجد، لأن المسجد يجمع، ويدل على أنه إذا كان للإنسان أمر مهم لم يبدأ بالسؤال عنه حتى ينظر من يصلح للسؤال عنه، ومما يدل على أن الله تعالى يهدي المجتهد أن الله تعالى قيض عليًا للقاء أبي ذر لأن الله تعالى يقول: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.
* وفيه أيضًا أن الإنسان إذا أضاف ضيفًا فمن الأدب أن لا يسأله عن حاله، من أجل أنه ربما يكون له (١٦٤/ ب) شأن يقتضي الكتمان، فلا يبدأ بالسؤال عن حاله فيضطر إلى ذكر شيء لا يريد أن يذكره أو يلجئه إلى أن يتمحل في قول يخرج به من عهدة جواب مضيفه، ولا يظهر سر نفسه.
* وقوله: (أما أنى للرجل أن يعلم منزله) أي أما آن.
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال الشاعر:
تمخضت المنون له بيوم أنى ولكل حاملة تمام
* وقوله: (حتى إذا كان يوم الثالثة).
هذا يدل على أن الضيافة ثلاث، وتقدير الضيافة بثلاث تقدير صائب، لأن الإنسان في الأغلب إذا كان في سفر، فالثلاث غالب ما يقيمها عابر السبيل لقضاء شغل وانتظار صاحب، ولذلك أن قاصر الصلاة في السفر منتهاه إليهما، فلما مضت الثلاث سأله علي فقال: ألا تحدثني؟ فعرض عليه أن يحدثه ولم يلزمه. يعني ألا تراني أهلًا لأن تحدثني فكان جوابه أن قال: (إن أعطيتني عهدًا أو ميثاقًا لترشدني فعلت).
* وفي هذا الحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يداري ما يخافه بل يوهم فيه غير قصده لأن عليًا رض الله عنه قال له: إن رأيت شيئًا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء.
* وفيه دليل على جواز قول الرجل (أريق الماء) فإنه قد سبق في هذا الكتاب عن عمر أنه نهى عن ذلك وكلاهما له معنى.
* وقوله) فإن مضيت فاتبعني) أي إن أتممت الشيء فاعلم أني لم أر شيئًا أخافه عليك فاتبعني.
* وقوله (أسلم مكانه) فيه دليل على أن العاقل إذا بان له الحق لم يتوقف ولم يؤخر قبوله والعمل به من ساعة إلى ساعة.
* وقوله: (ارجع إلى قومك حتى يأتيك أمري) فيه دليل على جواز التربص بالأعداء والصبر عليهم.
* وفيه جواز أن يبذل المؤمن نفسه معرضًا بها للتلف في إظهار الحق لقول أبي ذر: والله لأصرخن بها بين ظهرانيهم.
* وفيه ما يدل على فضيلة العباس في أنه حمى أبا ذر من شر المشركين،
[ ٢ / ١٤٩ ]
وحسن تأنيه فيما ذكره لهم من تخويفهم تعويق تجارتهم حتى أمسكوا عنه، وكذلك في الثانية والثالثة (١٦٥/ أ).
* وفيه أيضًا كتمان الحق طلبًا للمصلحة وانتظارًا لوجود الفرصة لقول النبي - ﷺ - لأبي ذر حين أسلم (اكتم هذا).
* وقوله: (فقيل لخالنا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس) في هذا تحذير من سماع قول الحساد.
* وقوله: (نثا علينا) أي أفشى وأظهر لنا القبيح الذي قيل له.
(والنثا) يقال في الشيء القبيح، وقد يقال في الحسن.
وقول أبي ذر (أما ما مضى من معروفك فقد كدرته) أي حين سمعت ما قيل عنا، ولو وفق لم يظهر لهما ذلك، فلما أظهر ذلك لم يبق لهما عنده مقام.
* وقوله: (فقربنا صرمتنا) وهي القطعة من الإبل.
* وقوله: (فنافر أنيس عن صرمتنا). نافر: تأخر، وخير أنيسًا حكم له بالفضل.
* وقوله: (ألقيت كأني خفاء) الخفاء ممدود، هو الكساء يطرح على السقاء، والمعنى أني كنت أصل إلى أن استطرح.
(وراث) بمعنى أبطأ.
* وقول أنيس في حق نبينا - ﷺ - والقرآن يدل على فهمه؛ لأنه قسم فقال سمعت قول الكهنة فليس بكاهن، ووضعت قوله على أقراء الشعر أي على وجوهه فلم يكن به.
* (فتضعفت رجلًا منهم) أي رأيته ضعيفًا لا أبالي بإظهار سري إليه.
* وقوله (كأني نصب أحمر) أي كأني لجريان دمي أحد الأنصاب التي كانوا يذبحون عليها.
[ ٢ / ١٥٠ ]
* وفيه أن ماء زمزم أسمنه، وأنها مباركة، وقد أخبر أنه تكسرت عكن بطنه فلم يعره ذلك، ولا يعر مثل ذلك لمثله في تلك الحال لأن ما جرى كان آية من آيات الله ﷿.
* وقوله: (ما وجدت على كبدي سخفة جوع) قال الأصمعي: السخفة هي الخفة ولا أحسب قولهم: سخيف إلا من هذا.
* قوله: (في ليلة قمراء إضحيان) القمراء منسوبة إلى القمر، والمعنى في ليلة كثيرة الضياء، (وإضحيان) أي مضيئة لا غيم فيها.
وقوله: (ضرب على أصمختهم) الصماخ: خرق الأذن الباطن الذي يفضي إلى الرأس ومنه يتأذى (١٦٥/ ب) فهم المسموع إلى النفس، وهذا كناية عن النوم المفرط.
* (أساف ونائلة) صنمان وقوله (هن مثل الخشبة) يعني الذكر، وفي هذا دليل على أن الإنسان قد يقول الكلمة التي فيها بعض التصريح بالقذاء، إذا كان في مثل مقام أبي ذر وما جرى له.
* قوله (من أنفارنا) أي من قومنا مأخوذ من النفر، والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة.
* (الصابئ) الخارج من دين قومه. وقولها كلمة (تملأ الفم) أي كلمة عظيمة يربو اللسان عند سماعها في الفم فلا يقدر على الكلام، وقدعني: أي كفني.
[ ٢ / ١٥١ ]
* وقوله: (من ثلاثين ليلة) اي من ممر ثلاثين ليلة، قال الشاعر:
لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن شهر
أن (من) لا تخبر بها عن الزمان إلا ب قدير فعل.
* وفيه أيضًا من حسن الصحبة أن لا يضيف الرجل رجلًا غريبًا لا يعلم علمه إلا عن إذن من صاحب أمره إذا كانت الحال في مثل حال رسول الله - ﷺ - وحال أبي بكر، فإنه لا يأمنه أن يكون جاسوسًا لعدو أو طليعة لمشرك أو نحو ذلك.
* وفيه أيضًا أن لا يحقر ما قدم للضيف على حسب ما يتفق لقوله (فجعل أبو بكر ﵁ يقبض من زبيب الطائف) (وغبرت) بمعنى بقيت.
* وقوله (وجهت لي أرض) أي جعلت وجهة لي.
* وفيه دليل عن أن الإسلام من النساء مقبول، وأن لم يعرفن أدلة النظر، فإن أم أبي ذر قالت: (لا رغبة لي عن دينكما) فجعلت الدلالة على صحة ما انتقلت إليه إسلام ولديها.
* وفي الحديث دليل على ان القوم أسلموا وصلوا جماعة، لأنه كان يؤمهم إيماء بن رخصة.
* وفي هذا الحديث أيضًا ما يدل على انه إذا اتفق في القول ما يجانس فيه كان أولى من غيره، لأنه أحلى في السمع وأقرب إلى الحفظ لقوله - ﷺ - (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله) إلا أن هذا إذا اتفق فذاك، وأما إذا تكلف له تكلفًا بغير المعاني فلا.
* وقوله (فإنهم قد شنفوا إليه وتجهموا) شنفوا له أبغضوه ونفروا منه. والشنيف المبغض (وتجهموا) تلوت وجوههم واستقبلوه بالمكروه.
[ ٢ / ١٥٢ ]
الحديث (١٦٦/ أ) الثاني:
[عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: (فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جاء إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد - ﷺ - قال: فأرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح، قال: فلما علونا السماء الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، قال: فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى قال: فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا آدم ﵇، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه. فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. ثم عرج جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح. قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح. فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السموات: آدم، وإدريس، وعيسى، وموسى، وإبراهيم ﵈، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر: أنه وجد آدم ﵇ في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال: فلما مر جبريل ورسول الله - ﷺ - بإدريس ﵇، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: ثم مر. فقلت: من هذا؟ قال: إدريس. قال: ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: فقلت: من
[ ٢ / ١٥٣ ]
هذا؟ قال: موسى. قال ثم مر بعيسى ﵇، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: قلت: من هذا؟ قال: عيسى بن مريم، قال: ثم مررت بإبراهيم ﵊ فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت: من هذا؟ قال: إبراهيم).
قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم: أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري، كانا يقولان: قال رسول الله - ﷺ - (١٦٦/ ب) (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام).
قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله - ﷺ -: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى أمر بموسى ﵇ فقال موسى: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة، قال لي موسى: فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فوضع شطرها، قال: فرجعت إلى موسى، فأخبرته، قال: فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فذكر مثله فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، قال: فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي جبريل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ قال: ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك].
* قوله (فرج سقف بيتي) أي كشف. وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇.
[ ٢ / ١٥٤ ]
* (ففرج صدري) أي شقه ثم غسله بماء زمزم.
الذي أرى في هذا أن فرج قلب النبي - ﷺ - وغسله وهو يرى ذلك تثبيت له - ﷺ -، وتثبيت عنده أن قلبه الكريم لا ينزغ فيه شيطان أبدًا، وإنه محفوظ معصوم لا يقربه شيطان في قلبه وفي سره، ليكون على يقين من خواطره أنها حق وصدق لا يتمارى فيها ولا يتردد، ويصدق هذا قوله سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾.
* وقوله (بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغها في صدري) فيه من الفقه أنه قال بطست من ذهب، والإشارة بذلك إلى أن الذهب لا يصدأ فلا يخالط ما يلقى فيه بشيء من صدئه، وكونه أيضًا استعمل الذهب في حقه مع أنه نهى عن استعمال آنية الذهب لأن ذلك الطست الذي جاء به جبريل ليس من ذهب الدنيا الذي تناوله التحريم، بل هو من عطاء الله وإنعامه المستثنى فلا يتناوله تحريم. كما قال ﷿: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾.
* وقوله: (مملوءة حكمة وإيمانًا) يعني به - ﷺ - أن الحكمة إذا قرن بها الإيمان كانت النافعة احترازًا ممن قد (١٦٧/ أ) كان يلقى الحكمة من الأوائل خالية عن إيمان فلم تنزل ولم تنفع.
* وقوله: (فأفرغها) ولم يقل (فأفرغهما) وذلك أن الحكمة امتزج بها الإيمان في كل جزء من أجزائها فاتحدت فلم تقبل التثنية، ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى الطست.
* وقوله: (فأخذ بيدي فعرج إلى السماء) فيه من الفقه أن السماء جهة للخلق إلى الله تعالى، وأن الله مستو على عرشه، وأن العرش فوق السموات السبع. وأن العروج به في ذلك الوقت بعد غسل قلبه، وصب الحكمة الممزوجة بالإيمان فيه، وصعوده إلى السماء السابعة وإتيانه إلى سدرة المنتهى، ولقاءه الأنبياء
[ ٢ / ١٥٥ ]
صلوات الله عليه وعليهم، هو تشريف الرسالة وكرامة النبوة، حتى أخذ من هذا ملوك الدنيا ما يعتمدونه عنه استخدامهم خدمة وزير لهم، يبدؤونه بإظهار تقريب منزلته، وإدنائه منهم، ومشافهته بالقول المشعر بالتحكيم، وتجديد الملابس عليه، وإخدام الأولياء له وغير ذلك؛ حتى يعرف الكل من حديثهم معه أنه الواسطة بين مخدومهم وبينهم، كما أن الأنبياء واسطة بين خالقهم ﷿ وبين عباده.
* وفيه من الفقه ان السماء سقف محفوظ، وأنها ذات أبواب لا تفتح إلا بأمر الله سبحانه ولها خازن.
* وفيه أيضًا ما يدل على أنها جسم كثيف لقول الخازن لجبريل استفتح: من هذا؟ ولو كانت كما يزعم المنجمون جوًا متخرقًا لكان يراه فلا يحسن أن يقال له: من هذا؟
* وقوله: (هل معك أحد) دليل على ما قلنا.
* وقوله: (نعم، معي محمد - ﷺ -، قال: فأرسل إليه؟) يدل أيضًا على أن جبريل ﵇ إذا تنزل في أمر من أمر الله لا تعلم به الملائكة حتى يهبط إلى الأرض فيقضي بأمر الله ثم يعود، ويجوز أيضًا أن يكون قوله لجهل (أو قد أرسل إليه؟) استخبارًا مبتكرًا.
* وفيه من الفقه أيضًا أن آدم - ﷺ - في السماء الدنيا، وبعض ذريته فوقه، فهو يفرح بذريته، فإن كان قد قصر بدرجته على سماء الدنيا شيء (١٦٧/ ب) من الخطيئة التي كان سولها له إبليس، على أن الله تعالى قد أخبرنا بأنه تاب عليه وهدى، والله أعلم بذلك.
* (فأما نظره إلى الأسودة عن يمينه وعن شماله وهي نسيم بني آدم، وأنه إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى) أما ضحكه لأجل أن ما قبل يمينه من أهل الجنة، فيسر بدخول أجزاء منه إلى الجنة، فإن ذريته أبعاضه، وهذا يشهد لما ذكرنا من أنه يسره علو درجات ذريته فوقه. فأما بكاؤه إذا نظر قبل
[ ٢ / ١٥٦ ]
شماله من أجل أنهم من أهل النار فإنه من أجل أنهم من صلبه ومن ذريته، وكيف كان من ذريته من يدخل النار.
* وفيه من الفقه أنه كلمه بالعربية لقوله (مرحبًا)، وهي كلمة تستعملها العرب للقادم.
* وقوله: (بالابن الصالح والنبي الصالح) بالألف واللام اللتين للتعريف، يدل أنه على العهد في ذلك كله، ﵇ علمه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء صلى الله عليهم جميعًا لقوا محمدًا - ﷺ - ولقيهم، وأنهم على شرف منازلهم وعلو مراتبهم لما أراد الله ﷿ أن يجمع بينه وبينهم لم يكن ذلك على قصد منه إليهم ولا غشيانًا منه لهم، بل في رقيه إلى ربه ﷻ لقيه الواحد منهم بعد الواحد في طريق ليجتمع له - ﷺ - لقاؤهم وحفظ منزلته في شرفها عند ربه. ألا ترى إلى مراتبهم في ساء بعد سماء، وإن كان في هذا الحديث لم يبينه كما بينه في حديث آخر الذي يأتي فيما بعد إن شاء الله، إلا أنه قد ذكر أن إبراهيم في السماء السادسة، وذكر عن موسى ﵇ أنه لما فرضت الصلوات خمسين فمر حتى أتى موسى ولم يذكر أنه لقيه في عوده قبل موسى أحد، بعد قوله لقيه إبراهيم في السماء السادسة، وفيه ان الكل قالوا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح إلا آدم وإبراهيم فكلًا قال: الابن الصالح والنبي الصالح؛ لأنهما أبوان في النسب، ولو قال ذلك غير أبي النسب لكان يشير (١٦٨/ أ) إلى نقص في الخطاب.
* وفيه من الفقه أنه لما تجاوز مقامات الأنبياء لم يقل: وعرج جبريل بي، بل قال: (فعرج بي) بإضمار الفاعل (حتى ظهرت) يعني وحدي ولم يقل فظهرنا فكأنه يشير إلى أنه انتهى إلى مقام لم يرق إليه راق سواه (لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام). ومعلوم أن سمع الآدمي لا يبلغ صريف القلم إلا عن مكان قد تناهى في القرب، وصريفه: صريره وصوت حركته في المخطوط فيه، ويدل أيضًا على أن الله ﷾ أقام محمدًا - ﷺ - في مقام الأمانة الذي
[ ٢ / ١٥٧ ]
لا ينطوي فيه عنه سر حتى سمع فيه صريف الأقلام بما كان ويكون إلى يوم القيامة. وهذا مقام لا يبلغه غيره - ﷺ -.
* وقوله: (ففرض على أمتي خمسين صلاة) فرجعت بذلك حتى أمر على موسى فقال: موسى ﵇ (ارجع إلى ربك) فأما موسى - ﷺ - فإنه سعى لهذه الأمة في تخفيف آل ببركة نيته إلى تضعيف فصارت الخمس في الأداء خمسين في فضل الجزاء، ويدلك على أن جبريل إنما عاد إلى صحبته منذ استقر الأمر في الصلاة عند ذكر موسى.
* وقوله: (انطلق بي إلى سدرة المنتهى فغشيتها الألوان لا أدري ما هي) في هذا من الفقه:
أن الألوان التي يعرفها الآدميون في الدنيا ويسمونها معدودة محصورة، وأن تلك الألوان لا يدري ما هي أي لا يعرف الآدميون أسماءها، لأنها ليس لها في الدنيا مثل فهي مما تفرد الله تعالى بعلمه.
* وقوله: (ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك) وناهيك بدار يكون أعز شيء في طيب الدنيا هو فيها مكان التراب.
-٣٥٦ -
الحديث الثالث:
[عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله - ﷺ - يمشي وحده، ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: من هذا؟ فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك، قال: يا أبا ذر تعاله. قال: فمشيت معه ساعة، فقال: (إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيرًا، فنفح عن يمينه وشماله
[ ٢ / ١٥٨ ]
وبين يديه ووراءه، وعمل فيه (١٦٨/ ب) خيرًا). قال: فمشيت معه ساعة فقال لي: ها هنا، قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: (اجلس ها هنا حتى أرجع إليك) قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: (وإن سرق، وإن زنى)، قال: فلما جاء لم أصبر، فقلت: يا نبي الله جعلني الله فداءك، من تكلم في جانب الحرة؟ ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا. قال: (ذاك جبريل عرض لي في جانب الحرة فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: (نعم). قال: قلت يا رسول الله: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر).
وفي رواية المعرور عن أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال: أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة. فقلت: وإن زنى وإن سرق؟.
وفي رواية أبي الأسود الديلي: ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق، ثلاثًا. ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر).
وفي رواية زيد بن وهب أن رسول الله - ﷺ - قال: (قال لي جبريل: من مات من
[ ٢ / ١٥٩ ]
أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ولم يدخل النار. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم].
* فيه من الفقه: أنه لما آثر أبو ذر أصحاب رسول الله - ﷺ - وخاف أن لا يؤثر رسول الله عليه ذلك تبعه في ظل القمر. فجمع في ذلك بين أصحاب رسول الله - ﷺ - وبين ترك التقديم بين يدي رسول الله - ﷺ - في صحبته عن غير إذنه.
* وفيه، أن رسول الله - ﷺ - لما رآه على ذلك لم ينكر عليه، وقال له (تعاله) بهاء السكت، وهي كلمة مباسطة لأنه انتهى إليها الكلام فوقف عليها.
وهي مشتقة من الأمر بالعلو فإذا وقف عليها بالهاء فقد أمره بالعلو ثم قطع الكلام على ذلك.
* وفيه أيضًا أن المكثرين هم يوم القيامة المقلون، وأن الأحوال قد تنقلب يوم القيامة فيعود الفقراء ملوكًا والملوك فقراء إلا من أعطاه الله خيرًا فنفح فيه عن يمينه (١٦٩/ أ) وعن شماله ومن بين يديه ومن ورائه، ونفح بالعطاء أي أظهره، ونفح الطيب ظهور رائحته، والنفح والنفحة ظهور الأمر بسرعة والمراد: أنه يعطي في حقوق الله عن يمينه فيمن هو من أهل يمينه، ويكف عن تناول ما ليس له بحق من جانب شماله فيمن يستعين عليهم بأهل شماله، فإن أهل يمين الإنسان أهل خيره وبره، وأهل شماله أهل غوايته وفساده، ومن بين يديه يجوز أن يكون منه ما أحياه من سنن دراسة وحقوق عاطلة، ومن ورائه ما يتركه بعده من خير ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح أو علم ونحو ذلك.
* أما كونه أجلسه في قاع وحوله حجارة، ففيه من الفقه ما يدل على أن الصاحب إذا خلف صاحبه في مكان ليعود إليه اختار له موضعًا يعرفه به حتى إذا عاد إليه وطلبه لم يضل عنه.
* وفيه أيضًا من الفقه أن من مات من هذه الأمة لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة،
[ ٢ / ١٦٠ ]
وإن أتى من الزنى والسرقة وشرب الخمر، لأن ذلك إنما يطرأ على الفرع فلا يتعدى إلى نقص الأصل، وهو الإقرار بأن لا إله إلا الله.
* وفيه أنه ينبغي للمؤمن إذا حدث عن فضل الله وكرمه بشيء واسع فلا يستنكره ولا يستبعده. ألا ترى إلى قول رسول الله - ﷺ - لأبي ذر: على رغم أنف أبي ذر؟ وقد جاء في القرآن هذا المعنى مفسرًا وهو قوله ﷿: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾.
* وفيه أيضًا ما يدل على فضل الثياب البيض.
وفيه أيضًا من البشرى أنه قال: (ولم يدخل النار) حتى لا يتوهم أنه يدخل الجنة بعد أن يخرج من النار، ففسر بهذا الحديث أنه يدخل الجنة ولم يدخل النار، وأرغم الله أنف فلان أي ألصقه بالرغام. والرغام التراب، وأنا أفعل كذا وإن رغم أنفه أي وإن كره ذلك.
-٣٥٧ -
الحديث الرابع:
[عن أبي ذر قال: أذن مؤذن رسول الله - ﷺ - بالظهر، فقال النبي - ﷺ -: (أبرد) (أبرد) أو قال: (انتظر انتظر).
وقال: (إن (١٦٩/ ب) شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة. قال أبو ذر: حتى رأينا فيء التلول].
[ ٢ / ١٦١ ]
* (والإبراد): انكسار وهج وتوقده.
* (وفوح جهنم وفيحها): غليانها والتهابها.
* وفيه: استحباب تأخير الظهر في شدة الحر، وأن ذلك ينتهي إلى أن تفيء التلول، وذلك أنه تكون في الأكثر إذا انحدرت الشمس عن كبد السماء شيئًا كثيرًا نحو المغرب، وأنها من لطف الله تعالى بعباده في ذلك، لئلا يشق عليهم تكليفهم الصلاة في المساجد في أول وقت الظهر لكن يؤخرها، حتى إذا انفركت الشمس عن مسامتة الرؤوس وطالت الأفياء وأمكن الماشي أن يمشي فيها، فحينئذ يصلي الظهر بخلاف الشتاء.
-٣٥٨ -
الحديث الخامس:
[عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسمًا أن ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة)].
* وقد سبق هذا في مسند علي (﵇).
[ ٢ / ١٦٢ ]
-٣٥٩ -
الحديث السادس:
(عن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - في المسجد عند غروب الشمس فقال: (يا أبا ذر، أتدري أين تذهب الشمس؟ فقلت: الله ورسوله أعلم فقال: (تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فلذلك قوله ﷿: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾.
وفي رواية: ثم قرأ ذلك (مستقر) في قراءة عبد الله.
وفي رواية: فقال رسول الله - ﷺ -: أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾.
وفي رواية وكيع: (مستقرها تحت عرش الرحمن)].
* فيه من الفقه أن الشمس تستأذن في كل يوم تطلع فيه لطلوعها بعد سجودها، وأنها ستطلع (١٧٠/ أ) من مغربها إلا أن في هذا الحديث من الإشارة إلى أن
[ ٢ / ١٦٣ ]
الشمس لا تعلم متى ذلك، وأنها يجوز أن يكون ردها لتطلع من مغربها هو كل يوم.
* وفي الحديث أيضًا أن النبي - ﷺ - تلا قوله تعالى: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ مبينًا أن هذا عند ذلك الوقت.
-٣٦٠ -
الحديث السابع (في أول مسجد في الأرض):
[عن إبراهيم بن يزيد عن شريك التيمي قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة. فإذا قرأ السجدة سجد: فقلت له: يا أبت أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله - ﷺ - عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: (المسجد الأقصى) قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون عامًا. ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل)].
زاد في رواية البخاري: فإن الفضل فيه، وأول حديثه: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟).
* فيه من الفقه: أن أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى. فأما الفضيلة فإن في الحديث الآخر: إن رسول الله - ﷺ - قال
[ ٢ / ١٦٤ ]
(والمسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى)، ثم سوى بعد ذلك بين المساجد.
* وفيه أيضًا دليل على تأكيد سجود لتلاوة حتى في الطريق.
* وفيه أيضًا دليل على جواز إقراء القرآن في الطريق وهو قوله: (كنت أقرأ على أبي في السدة).
وقال أبو عبيدة: السدة: الظلة تكون بباب الدار. وفيه أيضًا جواز العمل بمفهوم الخطاب فإنه سجد في الطريق مستندًا لحديث رسول الله - ﷺ - وهو قوله (ثم الأرض لك مسجد فحيث ما أدركتك الصلاة فصل).
-٣٦١ -
الحديث الثامن:
[عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة. فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه فقام عليهم فقال: (بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى (١٧٠/ أ) يخرج من نغض كتفيه. ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه، يتزلزل قال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: فأدبر، واتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا، إن خليلي أبا القاسم - ﷺ - دعاني فأجبته فقال: (أترى أحدًا؟) فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له، فقلت: أراه فقال: (ما يسرني أن لي مثله ذهبًا، أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير) ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئًا. قال: قلت: مالك
[ ٢ / ١٦٥ ]
ولإخوتك من قريش لا تعتريهم وتصيب منهم، قال: لا، وربك لا أسألهم عن دنيا ولا أستفتيهم عن دين، حتى ألحق بالله ورسوله.)
وفي رواية: (أن الأحنف قال: كنت في نفر من قريش، فمر أبو ذر وهو يقول: بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم. وبكى من قبل أقفائهم يخرج من جباههم، ثم تنحى فقعد. فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال فقمت إليه، فقلت: ما شيء، سمعتك تقول قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئًا سمعته من نبيهم - ﷺ - قال قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه).
في رواية عن أبي ذر قال: (كنت أمشي مع النبي - ﷺ - وهو ينظر إلى أحد فقال: ما أحب أن يكون لي ذهبًا تمسي علي ثالثة وعندي منه شيء).
وفي رواية: (وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، (حثا بين يديه) وهكذا (عن يمينه) وهكذا (عن شماله)].
* في هذا الحديث من الفقه أن أبا ذر ﵁ كان لزهده في الدنيا يخاف على الكافرين ما ذكره. وإنما يحمل هذا منه على أنه ينصرف إلى من لا يؤدي زكاة ماله، فأما من يؤدي زكاة ماله فإن الأمة مجمعة على أنه لا إثم عليه إن كنز كنزًا طيبًا، وإن ترك لورثته ترك مالًا طيبًا، ولم (١٧١/ أ) يكن هذا ليخفى على أبي ذر ﵁، وإنما أراد به تخويف الأفاضل فيما أرى ليرغبوا في الفضائل من إخراجهم أموالهم وإنفاقها في سبيل الله ﷿ على ما بينه رسول الله - ﷺ - في شريعته وبلغه إلى أمته.
[ ٢ / ١٦٦ ]
* وفي هذا الحديث (فنظر إلى احد) فقال: (ما أحب أن يكون لي ذهبًا يمسي علي ثالثة وعندي منه شيء)، وفي رواية: (عندي منه دينار).
وهذا صحيح فإن رسول الله - ﷺ - حاشى له أن يحب ادخار المال من غير إنفاق في سبيل الله مع كثرة المصاريف في وقته، ذلك من ضعف الإسلام حينئذ وقلة جنوده، وكونه في قوة أمل أن تمتد كلمته إلى أقاصي المشارق والمغارب، وأنه لو كان في ذلك الوقت أمثال أحد مرارًا كثيرة من الذهب لكانت له مصارف مهمة يخرج فيها.
* فأما (الرضف) فجمع رضفة وهي الحجارة تحمى بالنار ونغض الكتف الشاخص منها، وقوله (يتزلزل) أي يتحرك بانزعاج ومشقة وقوله (تعتريهم) أي تغشاهم وتقصدهم.
-٣٦٢ -
الحديث التاسع:
[عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها. فسألته عن ذلك؟ فذكر أنه ساب رجلًا على عهد رسول الله - ﷺ - فعيره بأمه. فأتى الرجل النبي - ﷺ - فذكر ذلك له. فقال النبي - ﷺ -: (إنك امرؤ فيك جاهلية).
وفي رواية: قلت على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فغن كلفتموهم فأعينوهم عليه.
وفي حديث عيسى بن يونس: (فإن كلفه ما يغلبه فليبعه).
وفي حديث زهير: (فليعنه عليه)].
[ ٢ / ١٦٧ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن أبا ذر ﵁ عمل بهذا الحديث، فألبس غلامه حلة كما لبس هو حلة.
* وفيه أيضًا دليل على جواز لبس الرجل الصالح حلة، والحلة عند العرب (١٧١/ ب) ثوبان.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - سمى المملوكين إخوانًا، وأما إطعام الرجل عبده مما يأكل فقد ينصرف إلى الجنس وغن كان دون ما يأكله السيد في قدره.
* وقد دل الحديث على أنه لا يجوز تكليف العبد ما يغلبه، فإن كلفه السيد ذلك ثم أعانه عليه فلا بأس لقول النبي - ﷺ - (فإن كلفتموهم فأعينوهم).
* وفي الحديث أن يؤمر الشاق على رفيقه بالبيع لقول رسول الله - ﷺ - (فليبعه) لكن هذا الأمر على طريق الوعظ لا الإجبار.
* وقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) المعنى قد بقي فيك من اخلاق القوم شيء.
-٣٦٣ -
الحديث العاشر:
[عن أبي ذر قال: انتهيت إلى رسول النبي - ﷺ - وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة!، قال: فجئت حتى جلست فقال: فلم أتقار أن قمت، فقلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال بالمال: هكذا وهكذا وهكذا (من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله) وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه
[ ٢ / ١٦٨ ]
بأظلافها، كلما نفدت اخراها عادت عليه اولاها حتى يقضى بين الناس].
وفي رواية: فانطلق في الحرة.
* فيه من الفقه تأكيد لما ذكرناه فيما قبل ان الزكاة إذا أداها ذو مال فلا حق عليه فيه بعدها.
* وقوله (لم أتقار) أي لم أتمكن من الاستقرار، وفيه من الفقه أيضًا أن الذي لا يؤدي زكاة إبله أو بقره أو غنمه فإنها تحضر يوم القيامة بأعيانها وينطح بها بقاع قرقر. والقاع هو المكان السهل الذي لا ينبت الشجر، والقرقر: المستوى، والظلف للبقرة والشاة كالحافر للفرس. وإنما سلطت عليه بأعيانها ليكون كلما كان الصارف له عن (١٧٢/ أ) إخراجها من حسنها وسمنها هو الذي يذيقه البلية منها.
* وفيه أيضًا دليل على ان الله تعالى يحضر الحيوانات كلها، لإظهار قدرته، وليعلم الكفار المعجزون قدرة الله عند ذلك- إنهم كانوا كاذبين، ولكن من حكمة إحياء الحيوانات بأعيانها إبطاء الأموال التي لم تؤد زكواتها رقاب أصحابها وظهورهم في ذلك الجمع الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون فتكون من جنود الله سبحانه التي تنتقم بها ممن خالفه.
-٣٦٤ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي ذر، انه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له، فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار،
[ ٢ / ١٦٩ ]
ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه).
وفي رواية البخاري (لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، غن لم يكن صاحبه كذلك)].
* فيه من الفقه ذكر جواب من ادعى إلى غير أبيه وقد تقدم تفسيره، وفيه أيضًا شدة إثم من ادعى ما ليس له حتى قال رسول الله - ﷺ - (ليس منا) يعني من المسلمين أو من البررة الصالحين، وقد يكون المدعي ما ليس له في باب الأموال، وقد يكون من باب الأقوال، وقد يكون من باب الأحوال، والأجمل للمؤمن التقي أن لا يتسع بماله فكيف بان يدعي ما ليس له؟
* وفيه أيضًا شدة الحظر على من رمى أخاه المسلم بالكفر، فإنه بهذا الحديث على يقين من ارتدادها إليه إن لم يكن أخوه كما ادعاه. فليحذر أن يقولها أبدًا لمن هو من أمره في شك، وكذلك أن يرميه بالفسق فإنه على سبيله في ارتداده عليه إن لم يكن كما ذكره بيقين.
-٣٦٥ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله، والجهاد في سبيله)، قال: قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا) قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (تعين ضائعًا، أو تصنع
[ ٢ / ١٧٠ ]
لأخرق)، قال: قلت: يا رسول الله: أرأيت إن (١٧٢/ ب) ضعفت عن بعض العمل؟ قال: (تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أحسن جواب المسألة فبدأ بالأس، وقدم الأصل، فقال: حين سأله: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، وهذا إن كان قد جاء جوابًا عن أقوال السائل أفضل؟ مع أن العرف ينصرف فيه إلى مفاضلة بين فاضلين، فإن معناها ها هنا ألزم وأوجب لأنه إنما يبتني باقي المسائل عليه.
* ثم أتبعه بالجهاد في سبيل الله وهو باب الله الأعظم، فإن الجهاد في سبيل الله على شدته ومشقته هو مقتضى الإيمان. وقد قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا﴾.
* أما سؤاله أي الرقاب أفضل؟ فإنه أجابه - ﷺ - بجواب الحق من أن الرقاب مال، وإن زيادة هذا المال بزيادة نفاسة الرقبة، فإنه قد يتفاوت في ذل التفاوت البين.
* وقوله: (قلت فإن لم أفعل؟) وهذا من حسن أدب أبي ذر، فإنه لما ذكر حال يقتضي التقصير من المؤمنين لم ير أن ينسبها إلى غيره. فقال (فإن لم أفعل؟) أي إن كانت نفسي أنا لا تسمح بأن تعتق أنفس الرقاب، ولم يقل ذلك عن غيره، فقال له: (تعين ضائعًا) الضائع قد يكون في ضلالة، وقد يكون من سوء تدبيره وهو شديد الحاجة إلى من يعينه وليس على معينه كبير خسران، فإنما يعينه بفاضل قوته أو بعزيز رأيه. وقد روي صانعًا (بالمهملة) وأتى بذلك نكرة ولم يقل تعين الصانع؛ لأنه قد يكون في الصناع من لا يحسن هذا المعين أن يعينه في صناعته، وإنما قال صانعًا من الصناع يمكنك أن تعينه (أو تصنع
[ ٢ / ١٧١ ]
لأخرق) الأخرق قد يكون في رأيه، ومعنى تصنع له أي ترقع له ما خرقه بخرقه ومطلع اللفظين أعني قوله: أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق، متقارب في الاحتمال ويكشفهما التفصيل. (والأخرق) هو المسيء التدبير.
* وقوله: أرأيت إن (١٧٣/ أ) ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس.
* في هذا من الفقه إن الإنسان إذا ضعف عن أن يعمل الخير فينبغي أن يكون أقل أحواله الكف عن الشر، فإنه إذا لم يطق أن يعمل خيرًا فلا أقل من أن لا يعمل شرًا. وهذا من غاية تنبيهاته - ﷺ - ولطفه في حسن الموعظة.
* وقوله: (فإنها صدقة منك على نفسك) في هذا من الفقه أن الإنسان إذا أتى شيئًا من الشر فقد عرض نفسه لاحتمال العقوبة على ذلك الشر، فإذا كف عنه فقد تصدق على نفسه بإراحتها من احتمال تلك العقوبة حين لم يمكنه أن يسعى في أن يحصل لنفسه الفوائد والغنائم، فلا أقل من أن يتصدق عليها بأن لا يعرضها من البلاء لما لا تطيقه.
-٣٦٦ -
الحديث الأول من أفراد البخاري:
[عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، وكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، وكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان فقال: إن شئت
[ ٢ / ١٧٢ ]
تنحيت فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت].
* في هذا الحديث من الفقه أن الحال التي جرت بينه وبين معاوية حال يسوغ فيها الخلاف، فإن أبا ذر وافق معاوية في أنها نزلت في أهل الكتاب وزاد في المسلمين، وقال معاوية: بل نزلت في أهل الكتاب خاصة، والذي أرى أن الذي فر منه معاوية هو أن العذاب والوعيد بالنار إذا صرف إلى أهل الكتاب فإنه منصرف متوجه، وما رآه أبو ذر من إطلاق القول فمصروف متوجه أيضًا.
* فأما شكواه إلى عثمان فإنه فيما أراه أنه لما رأى من زهد أبي ذر وتأويله الأشد، وأنه ربما ينقل عنه من لا يأمن أن ينتشر عنه، فيثير فتنة أو يهيج خروجًا على إمارته (١٧٣/ ب) في غير حق؛ لذلك رأى أن ينهيه إلى عثمان فيدبره برأيه إذ ليس في هذا الحديث أنه سأله أن يستدعيه إنما شكاه إلى عثمان، وإنما عثمان أقدمه المدينة، ولما قدم المدينة اجتمع الناس على أبي ذر كأنهم لم يروه من قبل حتى خاف أبو ذر بأن يذكر تلك الحال لعثمان، وكأنه شكاها إليه، فقال له عثمان: (إن شئت تنحيت فكنت قريبًا) وقوله: (إن شئت) يدل على أنه خيره ورد ذلك إلى مشيئته، وأن أبا ذر خرج إلى الربذة اختيارًا منه، وليس كما يحكى أن عثمان أخرج أبا ذر إلى الربذة إبعادًا له ونفيًا، فإن نطق هذا الحديث يدل على خلاف ذلك، ويدل أيضًا قول أبي ذر: لو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت: أي أنني لم أكن لأشق عليهم العصا ولا أنازعهم في الأمر، ولا كان خروجي إلى الربذة إلا على ما ذكرت، وأنه ل بلغ الأمر على أن يؤمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت، مظهرًا بذلك طاعته لهم واعتقاده صحة ما هو عليه، وهذا هو الحق في ذلك، والله أعلم.
[ ٢ / ١٧٣ ]
-٣٦٧ -
الحديث الثاني:
[عن أبي ذر قال: كان النبي - ﷺ - إذا أخذ مضجعه من الليل قال: (باسمك اللهم أموت وأحيا)، وإذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)].
* في هذا الحديث من الفقه أن النوم جنس الموت لقوله - ﷺ - (باسمك اللهم أموت وأحيا) وأنه يذكر بالنوم الموت وباليقظة الحياة بعد الموت؛ فلذلك قال: (وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) وقد سماها الله تعالى وفاة فقال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي تمت في منامها﴾ فلذلك دعا رسول الله - ﷺ - بما يناسب الدخول في النوم، وعند الاستيقاظ بما يناسب الخروج منه، وإن من آيات الله تعالى أن يجعل النوم سباتًا ليذكر حال أصحاب القبور، ثم جعل اليقظة في كل يوم لذلك مذكرة للإنسان حالة النشور.
-٣٦٨ -
الحديث الأول من أفراد مسلم:
[عن أبي ذر قال: (كانت لنا رخصة، يعني (١٧٤/ أ) المتعة في الحج).
وفي رواية: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - ﷺ - خاصة).
وفي رواية: (قال أبو ذر: (لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج).
[ ٢ / ١٧٤ ]
وعن عبد الرحمن بن أبي الشعثاء قال: أتيت إبراهيم التيمي وإبراهيم النخعي فقلت: إني أهم ان أجمع العمرة والحج، العام.
فقال إبراهيم النخعي: لكن أبوك لم يكن ليهم بذلك.
وفي رواية قال: (إنما كانت الرخصة دونكم)].
* وأما متعة النساء فمنسوخة، ومتعة الحج قد تقدم ذكرها.
-٣٦٩ -
الحديث الثاني:
[عن أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم) قال: فقرأها رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات.
وقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟
قال: (المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)].
* في هذا الحديث من الفقه شدة كراهية إسبال الإزار، ولا بعيد أن يكون المراد بقوله (المسبل) تطويل الثياب.
* وأما المنان فغن المن لا يحتمل غضاضته إلا محتاج، والله سبحانه هو الغني. ولذلك كان المن عنده مبطلًا للعمل. وكيف لا؟ وفيه جحد للحق فإن المؤمن
[ ٢ / ١٧٥ ]
بالله يلزمه أن يعترف بأن توفيق الله تعالى له هو الذي كانت الأعمال الصالحة عنه، فإذا من بذلك فقد جحد لله ﷾ كرم صنعه.
* وأما المنفق سلعته فإن غر أخاه وغشه في معاملته، ولم يرض بذلك حتى زاده غرورًا بأن حلف له بالله ﷿ كذبًا، فباع أمانته، وخفر ذمة نفسه، وأسخط ربه فيما فعل من ذلك، ولقد ختم ذلك بيمين فاجرة في شيء زهيد، لأن الدنيا بأسرها في هذا المقام حقيرة فكيف لشيء منها.
-٣٧٠ -
الحديث الثالث:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، (١٧٤/ ب)، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه. فيقال عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول: رب! قد عملت أشياء لا أراها ها هنا، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضحك حتى بدت نواجذه)].
* وقد تقدم فيما مضى شرح حال الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا وآخر أهل النار خروجًا في موضعين من مسند ابن مسعود، فإن كان هذا الرجل هو ذاك ثم قد ذكر كل من الرواة طرفًا من حاله، فلا يبعد، إذ ليس يقول رسول الله - ﷺ - عن رجل أنه آخر أهل النار خروجًا منها، ويخرج بعده أحد، فإذا ذكر ذلك في أحاديث متفرقة دل على أن الحكاية في الأحاديث الثلاثة إنما هي عن
[ ٢ / ١٧٦ ]
رجل واحد، إلا أن كل راو من الرواة قد ذكر طرفًا من حديث ذلك الرجل، وقد كان في أمره ما يقتضي هذا التفصيل، وإنه لينتهي به الأمر إلى الشدة الشديدة التي تناهت به إلى أن تخلف في النار بعد خروج أهلها المذنبين بأسرهم منها، وناهيك بذلك شدة، ثم إنه بعد ذلك تناهى به الفضل من الله ﷿ إلى أن أعطاه عشرة أمثال الدنيا، فيكون ما تفضل الله ﷿ به عليه أو وقفه على صغار ذنوبه ثم بدل له مكان كل سيئة حسنة، لأن كرم الله ﷿ جلاله لا يقاس بكرم الخلق إذ غاية ما في كرم الخلق إذا أحسن إليهم أن يجازوا بالإحسان، فإذا أساء إليهم مسيء فقصاراه أن لا تحيط حسناته عندهم بإساءته. فأما إن تناهى كرم الكريم إلى أن تنقلب السيئة بعينها حسنة، فإن هذا مما لا يقاس بالمعهود في عادة الخلق بل هذا مما يفرد الله ﷿ به.
* وأما ضحك رسول الله - ﷺ - فإنه يجوز أن يكون تعجبًا من سرعة تقلب الآدمي من اليأس الشديد إلى الطمع العتيد، فإن هذا مما كان خائفًا (١٧٥/ أ) كبار ذنوبه أن تظهر له، فلما عرف ما من الله به عليه زاد طمعه في وقته وحاله إلى أن قال (رب! قد علمت أشياء لا أراها) وإنما قصد بذلك الحسنات التي تبدل منها، فيكون ضحك رسول الله - ﷺ - من شدة قنوطه أولًا ثم تعقيب ذلك باتساع الطمع ثانيًا. ويجوز أن يكون ضحك رسول الله - ﷺ - سرورًا بما من الله به على هذا العبد الذي كان آخر أهل النار خروجًا منها استلالًا على ما يضاعف الله به الحسنات لمن هو فوق المذكورين من المؤمنين.
- ٣٧١ -
الحديث الرابع:
[عن أبي ذر قال: قال النبي - ﷺ -: (يقول الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا،
[ ٢ / ١٧٧ ]
ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة)].
* قوله في هذا الحديث: (يقول الله) أفضل لهذه الأمة من أن لو قال: (قال الله ﷿) لأن (يقول) فعل للحال وللاستقبال، فهو مما شرفت به هذه الأمة.
* وقوله: (من جاء بالحسنة) من: كلمة تقع على من يعقل. وقوله: (فله عشر أمثالها) وذلك لأن فعلات الحسنات يتفاوتن؛ فكل فعلة حسنة فإن الله تعالى يعوض عبده المؤمن عشر أمثالها (ثم قوله أو يزيد) فإن (أو) في لغة العرب تأتي بمعنى الواو، ولا سيما في كلام من لا يجوز عليه الشك سبحانه، فيكون المعنى وأزيد، وإن كانت (أو) على وجهها فإن معناها أن الحسنة لا تنقص عندي عن عشر أمثالها، بل هي إلا أن تزيد على عشر أمثالها أو تقف على عشر أمثالها.
* وقوله: (ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها) فذكر الحسنة بعد أن أتى بلام الملك فقال له: (عشر أمثالها) (١٧٥/ ب). فلما ذكر السيئة لم يقل فعليه سيئة مثلها، يعني أني إذ أجازيه فلي ذلك إلا أن هذا النطق لا يتناول إيقاع الجزاء إلا أن يشاء الله، وقد تقدم الكلام في (أو)، ولا أراها في هذا المكان إلا بمعنى الواو، قولًا واحدًا، لأنه لم يجعل جزاء السيئة إلا سيئة، والله تعالى لا يجوز أن يصدر عنه ما يسمى سيئة، فلما سمى المثلية سيئة عرفنا أنه لم يسمها سيئة وهو يفعلها لما بينا أن ما يصدر عنه تعالى لا يسمى سيئة.
* وقوله: (من أتاني يمشي) فعل مضارع وهرولة مصدر، والمصدر يقع تأكيدًا لفعله فهو أبلغ، وعلى أن الوقوف في المثل في جزاء الماشي على الهرولة ومن ورائها الشد، فإنه فيما أرى نوع معاتبة كيف جاء يمشي مشيًا ولم يكن سعيًا.
* وقوله (من لقيني بقراب الأرض خطيئة) أي بما يقارب ملأها، وخطيئة يجوز أن
[ ٢ / ١٧٨ ]
يكون اسمًا لجنس الخطايا، ويجوز أن يكون المعنى وهو الأظهر: من جاءني بخطيئة واحدة تقارب ملء الأرض أتيته بقرابها مغفرة، إذا لم يشرك بي شيئًا.
* وقوله: (بقراب الأرض) وإنما لم يقل ملأها ولا وزنها ولا سعتها ولا عرضها وإنما ذكر قرابها ليتناول هذه الأشياء كلها -إن كانت الخطيئة بوزنها أو في سعتها- وإنما قابل قراب الأرض بقراب الأرض، لأن الغفر ستر ومحو، والمحو لا يحتاج زيادة تفضل بل يكفي فيه تقدير المحو.
- ٣٧٢ -
الحديث الخامس:
[عن أبي ذر أن رسول الله - ﷺ - قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة (١٧٦/ أ) وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان قد أعطاه الله ﷿ خلقه، قال الله تعالى: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ وفي معنى الآية وجهان: أحدهما: أعطى خلقه كل شيء. والثاني: أنه أعطى كل شيء خلقه أي وهب للآدمي خلقه، فجملة عظام الآدمي هبة من الله تعالى له.
*وتفصيل ذلك: أن كل سلامى هبة من الله ﷿ للآدمي -قال أبو عبيدة: (معنى الحديث على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة) فإذا نظر الآدمي في خلق نفسه، ورأى أنه لو قد أعوزه من عظامه عظم واحد لأدخل عليه حياته
[ ٢ / ١٧٩ ]
كما لو زاد، ورأى أن ذلك كله لم يكن له هو فيه صنع، وأن عظام الآدمي ما بين طوال وقصار، ودقاق وغلاظ، فلو قد قصر الطويل منها أو طال القصير أو دق الغليظ، وغلظ الدقيق لاختل بذلك نفعه. فإذا صح المؤمن، وقد أعطي الآن الحركة لما أتقن فيه من تركيب العظام وجعلها جسما صلبًا لا يضعف منه انبوب ساقه عن حمل بدنه نفسه، وعن حمل ما يحمله بدنه أيضًا ولا عظم زنده عن إقلال حمل ما يرفعه بيده، ولا عظام أضلاعه عن وقاية حشاه، ولا عظم نافوخه عن صيانة دماغه، تعين عليه أن يشكر فاعل هذا به شكرًا محتمًا، فنبه الشرع على أن يقابل هذه النعمة بما ذكره، إلا أنه لطف به في تسمية ذلك صدقة مخرجًا لها مخرج ما يثاب عليه ويؤجر فيه، ثم احتسب له بقول (سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وأمر بمعروف ونهي عن منكر)، ثم لطف به حتى جمع ذلك كله بأن يصلي ركعتين من الضحى على معنى أنه إذا قام فدعمته عظامه، وإذا ركع استوت له عظامه في ركوعه، وإذا سجد وجلس فحينئذ يذكر بهاتين الركعتين مطاوعة الأعضاء له في جميع أشغاله (١٧٦/ ب) فيكون بهاتين الركعتين جامعًا لشكر هذه العظام عن جميع أشغاله من غير الصلاة كالنعمة بها عليه في الصلاة.
- ٣٧٣ -
الحديث السادس:
(عن أبي ذر قال: قال النبي - ﷺ -: (عرضت على أعمال أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن»
[ ٢ / ١٨٠ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن أعمال الأمة عرضت على نبينا - ﷺ - يدل عليه قوله: (فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق) أي عرضت علي الأعمال حتى هذا، وذلك أن المسلم يمر بالطريق وفيها حجر ربما يتأذى به الرجل الضرير أو غيره، فيرفعه من مكانه فيعتد الله تعالى له به، حتى أنه أرى نبيه - ﷺ - ذلك، وكذلك السيئات حتى النخامة في المسجد التي لا تدفن ويشير بهذا إلى أنه إذا انتخم الرجل في المسجد كان هذا منه سيئة إلا أنه لو دفنها كفرها، فكأنه لم يكتب عليه سيئة في الأول حتى أخل بتداركها في الثاني فكتبت.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أنه لا يجوز أن يحتقر من البر شيء، ولا يستصغر من الإثم شيء وإن قل.
* وفيه أيضًا أن الصحائف على ما يخفى فيها من الأعمال الثقال فإنها لا يغادر منها لمثاقيل الذر.
* وفيه أيضًا إشارة إلى أنها لم تعرض على رسول الله - ﷺ - إلا وهي بسبيل أن يستغفر لأهلها منها، ويستوهبها لهم كما قال: (تعرض علي أعمال أمتي، فإن رأيت حسنًا شكرت الله، وإن رأيت سيئًا استغفرت الله)، لأنه قد علم الله ﷾ رحمة نبيه لأمته فلا يعرض عليه سيئات أعمالهم إلا رفقًا بهم لعلمه أنه يستغفر لهم. فقد وصفه الله ﷿: ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ فلم يعرض عليه (١٧٧/ أ) إلا ليكون ذلك تبريرًا لشفاعاته المحبوبة ومسائله المطلوبة، والحمد لله رب العالمين.
-٣٧٤ -
الحديث السابع:
[عن أبي ذر، أن أناسًا من أصحاب النبي - ﷺ - قالوا للنبي - ﷺ -: يا رسول الله!
[ ٢ / ١٨١ ]
ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟! إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال له أجر)].
* قولهم: (ذهب أهل الدثور) يعني أهل الأموال الكثيرة، ثم عللوا ذهاب القوم بالأجور، فقالوا: يتصدقون بفضول أموالهم. وهذا القول لم يصدر من أولئك السادة الذين وصفهم الله ﷿ بقوله: ﴿الذين لا يجدون ما ينفقون﴾ خارجًا مخرج الحسد للأغنياء على ما في أيديهم من الدنيا بل منافسة في الفضيلة، لذلك وصفهم الله ﷿ فقال: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ فنافسوا فيما يتنافس فيه المتنافسون ولذلك قال ﷿: ﴿ألا يجدوا ما ينفقون﴾ ولم يقل ما يكنزون ولا ما يدخرون دالًا بذلك جل دلاله أن حزنهم إنما كان على فوت فضيلة الإنفاق في سبيل الله ﷿، وذلك أنهم لما رأوا أن أصحاب الدثور يصلون كما يصلون، ويسبحون كما يسبحون، ويفعلون من أفعال الخير كما يفعلون إلا أنهم يفضلونهم بالأنفاق غبطوهم ها هنا حتى شكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -. فأجابهم - ﷺ - فقال (أليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟) والذي فات أصحاب الأموال وإن شاركوا الفقراء في التسبيح والتحميد (١٧٧/ ب) هو الحسرة التي يجدها الفقراء لعدم ما ينفقون، وتلك حسرة لا يجدها واجد، بل صارت تسبيحته صدقة منه جامعة
[ ٢ / ١٨٢ ]
بأنها قامت له عوضًا من الإنفاق، ولأن تسبيحهم هذا أثار تعليم رسول الله - ﷺ - بسؤالهم إياه، فصار كل من يتعلم منهم إلى يوم القيامة فإنما هو في المعنى كأنه من صدقتهم عليه، فكانت صدقتهم أذكار الله سبحانه وحمده وتسبيحه على عباد الله، وذلك لعباد الله أنفع من الطعام والشراب لأن الطعام والشراب قوت الأبدان، وتسبيح الله وتحميده قوت الأرواح.
* وهذا الحديث سيأتي في أثناء الكتاب أشياء يكون نطقها مبينًا عن معناه، وإنه لما ذكر الفقراء لرسول الله - ﷺ - ما خافوا أن يفوتهم به الأغنياء من الإنفاق، قال لهم رسول الله - ﷺ - قولًا عارضهم به قوله: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون) وهذا يرجع إلى ما فسرناه من الحديث المقدم من قوله: (يصبح ابن آدم على كل سلامى منه صدقة) فأراد بالذي جعل لهم ما يتصدقون به: أن الفقراء إذا قال أحدهم سبحان الله كانت قائمة مقام صدقة ألغني مع تمني أحدهم أن يكون له مال ينفقه في سبيل الله، وفي بعض الأحاديث التي تأتي أن ذلك بلغ الأغنياء فقالوا كما قال الفقراء، واجتمع لهم فضل الإنفاق وفضل الذكر، فإن ذلك لما بلغ رسول الله - ﷺ - قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).
* وهذا إنما يكون لغني تكون حاله كحال الفقراء في تفرغه لعبادة ربه، ويكون الفقير الذاكر لله سبحانه الراضي بتدبير الله تعالى في إفقاره وإغناء غيره المتمني أن لو كان له ما ينفق لأنفقه، مع كونه قد اعتبر ذلك على نفسه بأن أنفق اليسير الذي فضل عن حاجته وإن كان يسيرًا فإنه ذو درجة فاضلة عالية.
* وأما قوله: (ففي بضع أحدكم صدقة) ففيه من الفقه (١٧٨/ أ) أن الرجل المؤمن في مباضعة أهله قد يتصدق بذلك على من يباضعه من حلاله فإنه يعفه به عن التطلع والتلفت.
* ويكون أيضًا قد تصدق على المسلمين بأن بذر لهم، من يجوز أن يحضر يومًا من الأيام صفًّا من صفوف المشركين مجاهدًا في سبيل الله ﷿ واقفًا مع المسلمين، فيستنزل الشيطان صف المسلمين ببعض ما كسبوا فولوا الأدبار،
[ ٢ / ١٨٣ ]
فوفق الله ذلك الولد لأن خاف من الله ﷿ أن يولي، فرجع وحده إلى صف المشركين، ثم لزم قنطرة لا يقدر أن يعبر مشرك إلا عليها، فسلم المسلمون كلهم ببركته، فيكون في نيته بمباضعته أهله أن يتصدق على المسلمين بمثل ذلك الولد. وقد قالت امرأة عمران: ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا﴾ أي وقفًا على خدمتك.
* وفيه من الفقه في هذا الباب أن يحسن المؤمن التأني في إعفاف قرينته بأن لا يعاجلها فقد جاء في الحديث أن رسول الله - ﷺ - أمر بذلك، فأحب للإنسان أن يتطلع إلى مقدار كفاية زوجته فيصبر لها حتى يعلم حصول الكفاية.
* وقولهم: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فقال: أرأيت لو وضعها في حرام) وفيه من الفقه:
إجابة السائل برد القول بمثله فإنه سيجيب نفسه، لأن الشهوة إنما جعلها الله تعالى في الآدمي باعثة له من طبعه لقيام النسل. فلو استعمل ما طبعه الله تعالى عليه في مسقط حرام، وأضاع نسبه وحرم ذريته ماله والانتماء إليه، وعرض ولده لأن يكون غاضبًا ظالمًا لحق رجل آخر، إلى غير ذلك من آفات الفاحشة، أليس كان يكون آثمًا؟ فإذا استعمل ذلك في مقره فوضع نطفته حيث أباح الله له وضعها، وصدق من ينتسب ولده إليه، وكان ما يتركه من مال ينصرف إلى وارثه بكتاب الله وقسمته، فهذه كلها عبادات لله سبحانه تقتضي الأجر.
- ٣٧٥ -
الحديث الثامن:
[عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر عن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله ﷿ أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا
[ ٢ / ١٨٤ ]
يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم.
يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم.
يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم.
يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم.
يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئًا.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.
يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق لقوله سبحانه: (إني حرمت الظلم على نفسي) فهو سبحانه لا يظلم عباده لنفسه، فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره، ولذلك قال (فلا تظالموا) والمعنى لا بد من اقتصاص للمظلوم من الظالم، ويصدق
[ ٢ / ١٨٥ ]
هذا قول الله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ ومعناه فيما أرى أنه ندب للمظلوم أن يجهر بذكر قصته باسم من ظلمه ليشيع ذلك بين الناس، فيكون شيوع ذلك عذرًا للقادر على الإيقاع بالظالم ليجمع في ذلك بين أن يعرف الناس أنه سبحانه لم يوقع بمن ظلم إلا انتصارًا منه لمن كان ظلمه، وليعلم العباد أن من وراء الظالمين طالبًا لا يرد بأسه، وهذا فهو كذلك، إلا أن من وراء هذا حالًا أخرى لولاها لم يكن يمهل ظالم (١٧٩/ أ) في الأرض فواق ناقة، وتلك الحال أن الخلق كلهم عبيد الله سبحانه، وملك له، فإذا ظلم بعضهم بعضًا فالمظلوم لا يستحق على الظالم إلا أن يمكنه سيده، إذ من جنى على عبد جناية فالخصم فيها سيده، فالخلق كلهم لله تعالى، أروش جناياتهم حقوقه، فهو سبحانه إن أمهل فله ذلك، وإن اقتص فله ذلك.
* وقوله: (كلكم ضال إلا من هديته) في هذا من الفقه أن الشأن في الناس الضلال إلا من هدى الله تعالى، فيترتب على ذلك أن الإنسان إذا رأى عنده آثار هدى فليعلم أن ذلك من عند الله تعالى، وكلما ازداد هدًى تعين عليه أن يزداد شكرًا وحمدًا لله تعالى.
* وقوله: (فاستهدوني أهدكم) أي اطلبوا مني الهداية، أهدكم، والمعنى أهديكم إذا استهديتموني، فإذا استهديتني أيها العبد فهديتك عرفتك أنني أجبت الدعاء وأعطيتك ما سألت فتعرفت إليك بذلك، ولو قد هديتك من قبل أن تسأل لم يكن تعبدًا منك أن تقول: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾
*وقوله: (كلكم جائع إلا من أطعمته) يعني ﷾ أنه خلق الخلق ذوي فقر إلى الطعام، وأن كل طاعم فإنه كان جائعًا حتى أطعمه الله تعالى بأنواع منها سوق الرزق، ومنها تصحيح الآلة المتناولة لذلك الرزق، فهو
[ ٢ / ١٨٦ ]
سبحانه يسوق إليك الطعمة ويهيء آلات استطعامك لتناولها، ويلطف بك حتى يخلصك من أثقالها.
* وقوله: (استطعموني) أي اطلبوا الرزق مني ولا يستنكف حي ولا ذو كثرة أن يستطعمني، فإن ذلك يجهله وعمهه يظن أن ذلك الذي في يده من رزقي وقد رفعه إلى فيه، يطعمه إياه غيري.
* وفيه أيضًا للفقراء ما يؤدبهم وكأنه قال: لا تطلبوا الطعمة من غيري، فكل هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا أطعمهم (فاستطعموني أطعمكم).
* وقوله: (كلكم عار إلا من كسوته) فيه من الفقه: أن الكسا من الله تعالى متنوعة فقد يكسو من عري جسدًا، وقد يكسو بالستر الجميل.
* وقوله: (فاستكسوني) (١٧٩/ ب) أي اطلبوا مني الكسوة الجميلة الطاهرة فإن من كساه الله تعالى لباس التقوى لم يقدر أحد أن ينزعه عنه.
* وقوله: (إنكم تخطئون بالليل والنهار) في هذا الكلام الشريف من التأنيب والتوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن، وذلك أنه إذا لمح العبد الفطن أن الله تعالى خلق الليل ليطاع فيه سرًا، ويعبد بالإخلاص في خلوة من الناس، حيث تسلم الأعمال غالبًا من الرياء والنفاق، ومشاهدة الخلق، ولا يستحي المؤمن ألا ينفق الليل فيما خلق له من الطاعة حتى يخطئ فيه ويعصي الله تعالى في مطاويه. فأما النهار فإنه جعل مشهودًا من الناس يقتضي من كل فطن أن يطيع الله تعالى فيه، ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة، فيكون مجرئًا لغيره على مثل ذلك، فكيف يحسن بمؤمن أن يخطئ جهرًا يشهد به عليه خلق الله ﷿ في نهار يكشف الأغطية، ويبدي الوجوه والألوان، إلا أنه ﷾ قال بعد ذلك كله: (وأنا أغفر الذنوب جميعًا) وذكر الذنوب بالألف واللام اللتين للتعريف، وإنما قال سبحانه جميعًا ها هنا قبل أمره إيانا باستغفاره حتى لا يقنط أحد من رحمة الله لعظيم ذنب احتقبه ولا لشديد وزر قد ارتكبه.
* وقوله: ﴿لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني﴾ في مثل هذا
[ ٢ / ١٨٧ ]
المقام لو قال المؤمن إلهي، وسيدي، ومولاي كيف لي بأن ترضى عني؟ بماذا أتقرب يا من له كل شيء؟ ماذا يعمل من ليس له شيء؟ أنت الغني وحدك، لا يتصور النفع والضر إلا منك، والحمد كله والملك لك، لا آمن إليك إلا بسواق اختيارك في وموضع أثارك مني، ولا أدلي بمثل أن جملتي تشهد لك وتفاصيلي تسبح بحمدك فإن فتر لساني عن الشهادة بوحدانيتك والتسبيح لك فإن ذراتي وأجزائي كلها ناطقة بلسان حالها لك، لا إله إلا أنت سبحانك (١٨٠/ أ) وتعاليت، فأنا بعض دلائلك، ومن جملة الشهود على ربوبيتك، فالانتفاع والاستضرار لائقان مناسبان لحالي وأما خالق النفع والضر فتعالى علوًا كبيرًا.
* وقوله: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا) في هذا ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة من الله تعالى لهم، ولمن بعدهم ودونهم، وأنه لا يقدر المتقون أن يزيدوا في ملك الله شيئًا كما أنه لا يقدر الفجار أن ينقصوا من ملك الله تعالى شيئًا، ولكن تقوى المتقين وفجور الفاجرين سعادة وشقاوة.
* وقوله: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد) في هذا التنبيه للخلق على أن يعظموا المسألة، ويوسعوا الطلب، ولا يقتصر طالب ولا يختصر سائل، فإن ما عند الله لا ينقص.
* وقوله: (كما ينقص المخيط إذا دخل البحر) هذه إشارة إلى النعمة المخلوقة فهي تنقص كما ينقص المخيط من البحر إذا أدخل فيه، وإنما أراد بهذا تجزئة السؤال وتشجيعهم على إيساع الطلب حتى لا يظن منهم ظان أن ما عند الله تعالى يغيضه الإنفاق فيتوهم الجاهل أن طلابه وإن اتسع ربما يصادف غورا وقد تعالى الله ﷿ عن ذلك، فإن ما عند الله تعالى لا يغيض.
* وقوله: (إنما هي أعمالكم) ذكر سبحانه هذا بعد أن عدد ما عدده من نعمه وشرحه من فيض كرمه، ثم إنه ﷾ بعد ذلك أوضح لنا أن أعمالنا هي التي تعرض علينا، فمن وجد منا خيرًا فليحمد الله تعالى على توفيقه، ومن
[ ٢ / ١٨٨ ]
وجد غير ذلك، ولم يقل ها هنا ومن وجد شرًا بل قال غير ذلك، والخير كلمة مفاضلة لأن قولك زيد خير أي هو خير من خير.
* وقوله: ﴿ومن وجد غير ذلك﴾ أي وجد غير الخير أي غير الأفضل فلا يلومن إلا نفسه، فذكره بنون التوكيد، وإنما جاء للتأكيد ها هنا، يحذر من أن يخطر في قلب عامل أن اللوم في ذلك يستحقه غير نفسه؛ لأن الله تعالى أوضح فأعذر، وليس لأحد عليه حجة، حتى أن من قلة إنصاف (١٨٠/ ب) الآدمي لربه أن يحسب طاعاته وعباداته لنفسه، ولا يسندها للتوفيق، كما يبرأ من معاصيه، ويسندها إلى الأقدار، فلو نظر إلى مغالطته في هذا، وهو أنه كان لا تصرف له كما يزعم، فهلا كان في الأمرين؟ أو إن كان له تصرف فلم يعزله عن أحد الحالين؟! ولكن الإنسان ظلوم!.
- ٣٧٦ -
الحديث التاسع:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ - (إن بعدي من أمتي- أو سيكون بعدي من أمتي- قوم، يقرأون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة).
* في هذا الحديث أن من هذه الأمة قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم.
* وأما قوله: (كما يخرج السهم من الرمية) فقد تقدم تفسيره.
* وقوله: (لا يعودون فيه) قد جاء هذا المعنى صريحًا في أحاديث علي ﵁، وذكر أنهم الخوارج، فإن كان معناها في غيرهم فإنه يلحق بهم.
[ ٢ / ١٨٩ ]
* وقوله: (لا يعودون فيه) فإن هذا مما نخاف منه كثيرًا على أهل البدع، فإن كل مبتدع بدعة لا يرى أنه فيها على ضلال فيعود إلى الحق، وليس في الذنوب ذنب لا يستغفر منه صاحبه إلا البدعة لأنه يراها دينًا وقربة لا يستغفر منها، ولا أرى هذا ينصرف إلى أهل البدع، فإنهم يخرجون من الدين بالبدعة ثم لا يعودون إليه؛ لأنهم لا يرون قبح ما هم عليه من الضلالة.
- ٣٧٧ -
الحديث العاشر:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود). فقلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله - ﷺ - كما سألتني، فقال: (الكلب الأسود شيطان)].
* في هذا الحديث من الفقه أن السترة بين يدي المصلي تكون في نحو آخر الرحل وهو مؤخره، فلا يضير المصلي من مر بين يديه من وراء ذلك، فإن خالف (١٨١/ أ) ولم يفعل وصلى من غير سترة فإنه إذا مر بين يديه حمار أو امرأة لم تقطع صلاته مع شدة كراهية ذلك؛ لأن الحمار قد لا يؤمن أن يفجأه بنهاقه عند محاذاته إياه فيزعجه وهو بين يدي ربه ﷿، وقد قال الله ﷿: ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ وأما المرأة فإنها إذا مرت بين يديه ولا سترة بينهما أثارت من الشهوة المخلوقة في الرجال عند رؤية النساء ما يشتد الإثم في حضور مثله في ذلك المقام، وهو بين يدى ربه تعالى.
وأما الكلب الأسود، فمذهب أحمد ﵁ أنه يقطع الصلاة
[ ٢ / ١٩٠ ]
خاصة، أخذًا بهذا الحديث وقوله: (إنه شيطان) فإنه كما وصف رسول الله - ﷺ -. والذي أراه في ذلك أن إبهام لونه إشارة إلى إبهام حاله من حيث أن الشياطين يتصورون في الجثث الكثيفة فيكون إذا مر بين يدي المصلي أوهم قرناءه أن الصلاة كانت لي أو نحو ذلك، وإنما جر ذلك على المصلي إخلاله بالسترة، فلذلك قطع صلاته من حيث أنها وقعت في مقام ادعاها الشيطان، فتعين استئناف العبادة الله من أولها.
-٣٧٨ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي ذر، قال: قال النبي - ﷺ -: (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة، أو قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها) - قلت: فما تأمرني؟ قال: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة)
وفي رواية: (فإن اقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل (أخرى) فإن أدركتك (يعني الصلاة) معهم فصل، ولا تقل إني صليت فلا أصلي).
وفي رواية: (أن أبا ذر قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدع الأطراف، وأن أصلي الصلاة لوقتها)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه إذا رأى الإنسان الأمير يصلي، وقد كان هو صلى أعاد الصلاة معه، ولا يقل إني قد صليت لئلا يتوهم فيه أنه لا يرى الصلاة خلفه ومعه.
* وفيه أيضًا: أنه إذا كان من الأمراء من يؤخر الصلاة عن وقتها، فإنه يصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركها معه صلاها ثانيًا.
[ ٢ / ١٩١ ]
* وقوله (١٨١/ ب): (يميتون الصلاة) يعني بإماتتها، أشياء منها تأخيرها ومنها ترك أبهتها وقلة الاحتفال لها وغير ذلك.
* وقوله: (وإن كان عبدًا مجدع الأطراف) فيه دليل على جواز استعمال العبد والمجدع: المقطع الأطراف.
* وهذا يدل على أن طاعة الأمير متعينة، لا لأجل شوكته، ولا لأجل قوته، ولكن لأنه ولَّاه الإمام.
-٣٧٩ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمد بيده! لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل)].
* في هذا الحديث ما يدل على ثبوت أمر الحوض، ووجوب الإيمان به، وأنه تكرمة من الله تعالى لرسوله، وغياث من الله تعالى للأمة في يوم العطش الأكبر، وأنه له آنية فيه مما يدل على أنه يومئذ سهل الموارد، ويدل قوله: (عدد أوانيه أكثر من عدد نجوم السماء في الليلة المصحية)، على أن عدد الآنية للشاربين على علم بقدر كثرة الشارب.
* وقوله: (آنية الجنة)، يريد - ﷺ - أنها آنية دار البقاء لا يكسر منها إناء ولا ينثلم ولا يتغير، وأنها قد يجوز أن يرتقي منها الإناء، بنفسه ملآن إلى فم الشارب، وأنه يمر الظمآن بالحوض فيشتهي، فيثب الإناء إلى فيه فيرويه، لأن آنيته
[ ٢ / ١٩٢ ]
وصفت بأنها آنية الجنة، وكذلك ما يشتهى من الجنة هذا وصفه والموضوع في الإناء بمقدار إرادة الشارب من قوله ﷿: ﴿قدروها تقديرًا﴾.
* وقوله: (أشد بياضًا من اللبن) وذلك لأن البياض أبعد من الكدر والقذى، ولا يتوارى فيه شيء من ذلك. وفي هذا دليل على خلاف ما يقوله قوم من أن الماء لا لون له.
* وقوله: (آخر ما عليه) يعني آخر ما عليه من الظمأ أي فلا يعاوده ظمأ.
* وقوله: (يشخب فيه ميزابان) الشخب: هو ما اندفع من اللبن، وهو على معنى السكب إلا أنه يستعمل في الضرع، ويعني به (١٨٢/ أ) أن مدده غير منقطع لأنه من الجنة.
* وقوله: ﴿عرضه مثل طوله﴾ فيه ما يدل على أن التربيع غير مكروه كما يزعم المنجمون بل التربيع أن يكون العرض مثل الطول وهذا صفة حوض النبي - ﷺ -.
* وقوله (يشخب فيه ميزابان من الجنه) آلة مادة الحوض من الجنة، وآلة تفرقة ما فيه من الجنة، وذلك مشعر بأنه جزء من الجنه، وإنما قال: (ميزابان) ولم يقل ميزاب واحد، وقد كان الواحد يجزئ لأن الاثنين أقل الجمع، فلم يكن واحدًا لئلا يتوهم التقليل قلة الاحتفال، ولم يكن غاية الجمع لئلا يوهم أن آلات الجنة يؤثر فيها قلة العدد.
* فأما معنى الحوض لمحمد - ﷺ - فالذي أراد أنه - ﷺ - من العرب، ومن شأن العرب إكرام الضيف، والحوض يومئذ يضيف أهل الجمع يشرب منه الأولون والآخرون.
[ ٢ / ١٩٣ ]
-٣٨٠ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أبي ذر قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الكلام أفضل؟ قال: (ما اصطفى الله تعالى لملائكته أو لعباده: سبحانه الله والحمد لله. وفي لفظ: ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله؟ سبحانه الله وبحمده)].
* وإنما التسبيح أحب الكلام إلى الله ﷿، لأن معنى التسبيح التنزيه له عن كل مالا يجوز عليه من المثل والشبه والنقص، وكل ما ألحد فيه الملحدون من أسمائه. وقول القائل بحمده اعتراف بأن ذلك التسبيح إنما كان بحمده سبحانه فله المنة فيه، ويجوز أن المعنى: وبحمده سبحناه.
-٣٨١ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أبي ذر، قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، وبحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن)].
* في هذا الحديث من الفقه الدلالة على أن حمد الناس المؤمن على خير فعله بشرى من الله تعالى تعجلها، إذ هم شهود الله في أرضه، لأن المؤمنين لا يستجيزون أن يمدحوه ويثنوا عليه إلا فيما يكون لله ﷿ رضى، كما أنهم لا يستجيزون أن يذموا إلا على ما هو غير رضى.
[ ٢ / ١٩٤ ]
-٣٨٢ -
الحديث الخامس عشر:
[(١٨٢/ ب) (عن أبي ذر، قال: (إن خليلي أو صاني: إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف)].
* فيه من الفقه: حض رسول الله - ﷺ - أبا ذر على حسن التدبير في العيش، فإنه إذا طبخ فأكثر الماء ثم أصاب بذلك المرق جيرانه ممن سيجد في الأغلب ريحه، وينمى إليه خبره، فأصابهم، ما يأتيهم منه، لم ينقصه كبير أمر، وإنما وصلهم بما قد صحب طعامه فأرضاهم به، ولم ينقص ما عنده طائلًا، إلا أن هذا هو أدنى الأحوال، وما فوقه من المشاركة والإيثار له مقامه.
-٣٨٣ -
الحديث السادس عشر:
عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن لقاء الأخ بالقطوب مكروه، وأن لقاءه بالبشر مستحب، فإن كنت في حال مقطبًا لغير حال تتعلق بأخيك، فالأولى أن لا تكشر في وجه أخيك، متكلفًا ذلك، لتحظى بأجره وأجر تكلفك له. وإن هذا من أدنى برك بأخيك، فكيف إذا كلمته وصافحته وصاحبته ورافقته إلى غير ذلك؟!
والوجه الطلق ضد العابس.
[ ٢ / ١٩٥ ]
-٣٨٤ -
الحديث السابع عشر:
[عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه»
* أما (أنى) فإنها وجوه، والأحاديث المتفق على صحتها قد شهدت بأن الله تعالى يُرَى، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم، وأن النبي - ﷺ - رآه. فأما هذا الحديث فمن وجوهه أن يكون معنى النور: أن رؤيته حق، فشبهها لكونها حقًّا بالنور وقال: (أنى أراه) أي متى أراه، فيكون التقدير متى أراه اشتياقًا إلى رؤيته.
-٣٨٥ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة، خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها).
وفي رواية لمسلم: (يا أبا ذر (١٨٣/ أ) إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم)].
* في هذا الحديث من الفقه المؤمنين يكون فيهم القوي، ويكون فيهم الضعيف، وأن الانتقاد في ذلك إلى العالم، فإن أبا ذر ظن أنه يصلح له العمل ليعامل الله ﷿ به، فعلم منه رسول الله - ﷺ - ضعفه الذي بان برهانه بخلافه
[ ٢ / ١٩٦ ]
لمعاوية في مسألة الكنز، وأنه ضاق ذرعه عن احتشاد من احتشد إليه حتى طلب الوحدة فأذن له عثمان ﵁ فصار إلى الربذة؛ فلهذا قال له رسول الله - ﷺ -: (إنك ضعيف) والعمل إنما يصلح للأقوياء الذي لا يؤثر فيهم العمل إلا جدًّا في الحق، وزهدًا في كل ما علموا فيه.
* وفي هذا الحديث أن الإشفاق من المصحوب ينبغي أن يبلغ إلى الغاية التي بلغ إليها إشفاق رسول الله - ﷺ - على أبي ذر في قوله (إني أحب لك ما أحب لنفسي). وقد دل هذا الحديث على خطر الإمارة وأنها أمانة، وأي أمانة، وأنها على الأكثر والأغلب خزي وندامة في يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها، ويعني بقوله (إلا من أخذها) بما فيها من حق مجمعًا على أدائه فيها.
* ثم قال: (وأدى الذي عليه فيها) والمعنى أنه يفي بأداء تلك الحقوق.
* وقوله: (فلا تأمرن على اثنين) يصح منه لأبي ذر ﵁ بعد ما أخبره بضعفه.
* وقوله: (ولا تولين مال يتيم) فإنها راعى - ﷺ - ضعف أبي ذر عن القيام بحفظ مال اليتامى كما ينبغي؛ وإلا فقد قال الله تعالى في اليتامى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾.
-٣٨٦ -
الحديث التاسع عشر:
[عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط).
وفي رواية: (ستفتحون مصر، وهى أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا).
[ ٢ / ١٩٧ ]
وفي رواية: (فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا) أو قال: (ذمة (١٨٣/ ب) وصهرًا، فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها)
فرأيت ربيعة وعبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة فخرجت منها)].
* في هذا الحديث دلالة على نبوة محمد - ﷺ - فإنه خبر بما يفتح الله تعالى من أرضه.
* وقوله: (يذكر فيها القيراط) علامة تعرف بها تلك الأرض.
* وقوله: (ستفتحون مصر)، فإن كانت الرواة كلهم رووا مصر بغير صرف فالمراد مصر بالغرب، والوصاة بأهلها من أجل متاخمة الكفار، وإنها كانت كذلك، والله تعالى نسأل استخلاصًا لها وردها إلى مستحقيها، وتنزيه قبور الأنبياء بها وما يجاورها. كما نسأله تطهير بيت المقدس من عبدة الأوثان وشربة الخمور، واستخلاصه من أيدي المشركين، إنه بمنه ولي ذلك والقادر عليه.
وإن كان بعض الرواة قد روى مصرًا بالتنوين، فإنه يتناول بلدًا يذكر فيه القيراط مما يفتحه الله على المسلمين.
آخر مسند أبي ذر ﵁ ..
[ ٢ / ١٩٨ ]
-٣٨٧ -