-١٠٠٠ -
(٢/أ) الحديث الثلاثون:
[عن ابن عباس، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يتهجد قال: (اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق.
اللهم، لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت).
وفي حديث ثابت بن محمد: (وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) أو (لا إله غيرك).
* قوله: (يتهجد). قال الأزهري: المتهجد هو القائم إلى الصلاة من
[ ٣ / ١٧ ]
النوم.
وينبغي للقائم من الليل أن يبدأ بهذا الدعاء قبل صلاته، فيعترف لله بأنه حق، وأن رسله حق، وكتبه حق، والاعتراف بالجنة والنار والبعث، وهذا كله مما يجدد به إيمانه، ويستحضر به يقينه أمام دخوله في الصلاة؛ لقوله: (اللهم ربنا لك الحمد)، وذلك أنه بدأ باعترافه من نفسه بأنه مربوب، وأن ربه هو الله، ثم جاء بالنون التي هي للجمع فقال: (ربنا)، ففتح الباء على النداء مع حذف حرف النداء، والتعويض منه الذي قد تقدم. قولنا: بأن حذفه يدل على استشعار قرب المنادى ﷻ؛ فكأنه لما نادى ربه ﷾ قد سمع نداءه مبتديًا للإجابة لسؤاله، لم يكن عند هذا الناطق أهم ولا أولى من تقديم حمد الله ﷾، فقال: (لك الحمد) فأتى بالألف واللام المشعر فيه، المستغرقتين للجنس، وقد تقدم قولنا: إن الحمد لله ﷾ استحقاقًا وولاية وملكًا.
* ثم أتبع ذلك بقوله: (أنت قيم السماوات والأرض) وذلك اعتراف بأن قيام السماوات ومن فيهن له ﷾؛ فهو القيم ﷻ بذلك، وأن من ذلك قيام كل قائم إلى عبادته، ثم أتبعه برد الحمد ثانيًا على ذلك وعطف عليه بالواو؛ لأنه حمد بعد حمد متقدم.
* ثم قال: (أنت نور السماوات (٢/ب) والأرض) لأنه ﷾ كما
[ ٣ / ١٨ ]
قال الله سبحانه: ﴿الله نور السموات والأرض﴾، وقد تقدم قولنا: إن اسم الله تعالى هو نور السماوات والأرض، ويجوز أن يكون نور السماوات والأرض على أنه منورها، ويجوز أن يكون أيضًا على أن ظهور صنعته وبدائع حكمته في كل جزء من أجزاء السماوات والأرض ومن فيهن، هو نور يهتدى به ويستدل به عليه، ولذلك ما شرعه الله تعالى في ذلك كله، وأودعه إياه من الحكمة وحسن التقدير في مطاويه هو النور الذي يهتدي به أهل السموات والأرض فيما بينهم.
* وقوله: (ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض) فإنه سبحانه لما اعترف العبد له بما تقدم جملًا تشير إلى التفصيل أتيت حينئذ بهذا القول: (له الملك) في كل ما أثبت له فيه الملك.
* وقوله: (بك آمنت) بين هذا، وبين قوله: (آمنت بك) فرق؛ وذلك أن قوله: (بك آمنت) يجمع الإيمان بالله والاعتراف أنه لم يؤمن به إلا بتوفيقه، وقوله: (آمنت) إنما هو مجرد الإخبار عن إيمانه.
* وقوله: (بك خاصمت) أي أخاصم بشرعك وأجعلك الحاكم فيه، وكل من يريد الفلج على خصمه فإنه يخاصم بالحق الذي يحكم به الحاكم الذي يعون الحكومة عهد به؛ فإنه كحكم له به.
* وقوله: (فاغفر لي ما قدمت) أي من ذنوبي أو ما قدمت من شهواتي على حقوقك، (وما أخرت) من الحقوق التي تجب لك.
[ ٣ / ١٩ ]
* وقوله: (أنت المقدم وأنت المؤخر) أي إنك المستحق أن يقدم ويؤخر فلا أقدم أنا ولا أؤخر.
-١٠٠١ -
الحديث الحادي والثلاثون:
(عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر).
وفي حديث عبد الرازق عن معمر: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر).
* هذا الحديث يدل على تقديم ورث الفرائض على العصبات.
قال الخطابي: قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) أي: بذوي السهام الذين يرثون، فما بقي لأولى رجل ذكر من العصبة، والولي: القرب، وإنما قال: ذكر، ليعلم أن العصبة إذا كان عمًا أو ابن عم أو من كان في معناهما فكان معه (٣/أ) أخت أنها لا ترث شيئًا.
[ ٣ / ٢٠ ]
-١٠٠٢ -
الحديث الثاني والثلاثون:
(عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد)، فقلت لابن عباس: ما قوله: (لا يبيع حاضر لباد؟) قال: لا يكون له سمسارًا).
* في هذا الحديث دليل على ما يقتضيه الحديث الآخر: (دعوا الناس يزرق الله بعضهم من بعض).
* وفيه ما يدل على أن الغبن الذي جرت العادة أن يتغابن الناس بمثله مباح.
-١٠٠٣ -
الحديث الثالث والثلاثون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: (احتجم وأعطى الحجام أجره، واستعط).
وفي رواية: (احتجم، ولو علم كراهته لم يعطه).
وفي رواية لمسلم: (احتجم رسول الله، وأعطى الذي حجمه، ولو كان حرامًا لم يعطه).
[ ٣ / ٢١ ]
وفي رواية لمسلم: (حجم النبي - ﷺ - عبدٌ لبني بياضة، فأعطاه النبي - ﷺ - أجره، وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته، ولو كان سُحتًا لم يعطه النبي - ﷺ -).
* في هذا الحديث دليل على أن أجرة الحجام ليست بسحت.
* وقوله: (استعط) فإنه إن كان أراد بذلك يوم الحجامة فإنه بليغ في باب الطب، من حيث إن الحجامة يخرج الدم من الرأس فيتخلف فيه البلغم؛ فربما يؤذي، حتى حكى عالم من الأطباء أن رجلًا كانت به زكمة فاحتجم فلحقته السكتة على أثر ذلك. فإذا استعط أخرج من البلغم بإزاء ما أخرج من الدم فلم يكن ما أبقى في الرأس من الخلطين إلا ما يقاوم أحدهما الآخر، وإن كان استعاطه بعد ذلك، فإن الاستعاط دواء بليغ في منفعة السمع والبصر، وشفاء من أدواء كثيرة في الرأس.
* وقوله: (خففوا عنه من ضريبته)، الضريبة: ما يضرب على العبد من خراج يؤديه. ولما حجم هذا الرجل رسول الله - ﷺ - ووحى رسول الله - ﷺ - أنها صحة مستمرة، حكم مواليه أن يخففوا عنه من خراجه لتكون راحته مستمرة؛ ليكون متخلقًا في ذلك بخلق الله ﷿ في كونه ﷻ يجعل الثواب على الأعمال غالبًا من جنس (٣/ب) الأعمال.
[ ٣ / ٢٢ ]
-١٠٠٤ -
الحديث الرابع والثلاثون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قيل له: في الذبح، والحلق، والتقديم، والتأخير، فقال: (لا حرج).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: (لا حرج)، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: (اذبح ولا حرج)، قال: رميت بعدما أمسيت، فقال: (لا حرج).
وفي رواية: (قال رجل للنبي - ﷺ -: زرت قبل أن أرمي، قال: (لا حرج)، قال: حلقت قبل الذبح، قال: (لا حرج)، قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: (لا حرج).
وفي رواية: سُئل في حجته عن الذبح قبل الرمي، وعن الحلق فأومأ بيده: (لا حرج).
* وفي هذا الحديث أن من قدم شيئًا من الأفعال التي تقع في يوم النحر: من الرمي والذبح والحلق والطواف فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأن المقام في ذلك اليوم بمنى هو على حاله اختطاف للوقت، فراعى الشرع مسامحة
[ ٣ / ٢٣ ]
الحاج فيه لئلا يكون عليه حرج.
-١٠٠٥ -
الحديث الخامس والثلاثون:
(عن ابن عباس، قال: (رُخِّص للحائض أن تنفر إذا خاضت، فكان ابن عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر﴾، ثم سمعته يقول: تنفر، إن رسول الله - ﷺ - رخص لهن).
وفي رواية عن ابن عباس، قال: (أمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض).
وفي رواية عن طاوس، قال: (كنت مع ابن عباس، إذ قال له زيد بن ثابت: تُفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: إما لا، فسل فلانة الأنصارية: هل أمرها بذلك رسول الله - ﷺ -؟ فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت).
وفي رواية: أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت، ثم حاضت، قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد، قال: إذا قدمتم المدينة فسألوا، فقدموا المدينة، فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم،
[ ٣ / ٢٤ ]
فذكرت حديث صفية، يعني في الإذن لها بأن تنفر).
* في هذا الحديث جواز أن تنفر المرأة إذا حاضت وتترك طواف الوداع.
-١٠٠٦ -
الحديث السادس والثلاثون:
(عن ابن عباس، قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وكانوا يسمون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، (٤/أ) وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، قال: فقدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعة مهلِّين بالحج، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: (الحل كله).
وفي رواية عن ابن عباس قال: (قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، إلا من معه هدي).
وفي حديث نصر بن علي: أهل رسول الله - ﷺ - بالحج، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة. فصلى الصبح، وقال حين الصبح: (من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة)، ومنهم من قال: فصلى الصبح في البطحاء)، ومنهم من قال: (بذي طوى).
وفي رواية لمسلم، قال رسول الله - ﷺ -: (هذه عمرة استمتعنا بهاـ، فمن لم يكن معه الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم
[ ٣ / ٢٥ ]
القيامة).
* قوله: (برأ الدبر) أي من ظهور الإبل، فإنها إذا انصرفت عن الحج دبرت ظهورها فأرادوا إدبارًا ذلك. (وعفا الأثر) أمحي وذهب وغطاه التراب، وهذه سيرة كانت في الجاهلية رفعها الإسلام.
* وهذا الحديث يدل على فسخ الحج إلى العمرة، وهو بمعنى قوله: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة).
* وقال بعض العلماء: الإشارة بذلك إلى تداخل السكين، فيجرىء عنها طواف واحد وسعي واحد.
-١٠٠٧ -
الحديث السابع والثلاثون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - أتى الخلاء، فوضعت له وضوءًا، فلما خرج قال: (من وضع هذا؟) فأخبر.
في كتاب مسلم: (اللهم فقهه في الدين). وحكى أبو مسعود: (فقهه
[ ٣ / ٢٦ ]
في الدين وعلمه التأويل).
وفي رواية البخاري: (ضمني النبي - ﷺ - إلى صدره، وقال: اللهم علمه الحكمة).
وفي رواية وهيب: (علمه الكتاب).
* هذه الدعوات كلها استجيبت وحصلت لابن عباس ﵁.
* وقد قيل (الحكمة) هي السنة، و(الكتاب) هو لقرآن.
-١٠٠٨ -
الحديث الثامن والثلاثون:
(عن ابن عباس: وسئل عن صيام عاشوراء، فقال: (ما علمت أن رسول الله (٤/ب) - ﷺ - صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر - يعني رمضان).
وفي رواية: (ما رأيت رسول الله - ﷺ - يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء، وهذا الشهر؛ يعني شهر رمضان).
* وقد سبق الكلام في يوم عاشوراء، وهذا الحديث يدل على فضل صومه،
[ ٣ / ٢٧ ]
وقد سبق في مسند أبي قتادة أن صومه بسنة، وبينا وجه الحكمة في التقدير بسنة.
-١٠٠٩ -
الحديث التاسع والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: (أنا ممن قدم النبي - ﷺ - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله).
وفي رواية: (بعثني النبي - ﷺ - في الثقل من جمع بليل، ورمينا قبل أن يأتينا الناس).
وفي رواية البخاري عن ابن عباس قال: (كنت أنا وأمي ممن عذر الله).
وفي رواية: (كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي
[ ٣ / ٢٨ ]
من النساء).
* الضعفة: جمع ضعيف.
* وهذا الحديث يدل على أن ابن عباس كان حينئذ غلامًا، فإن الله ﷿ عذره وعذر أمه لكونهما من الضعفاء.
* و(المزدلفة) حدها ما بين المازمين ووادي محسر، وإنما جاء التقدم للضعفة لئلا يحطمهم الناس.
-١٠١٠ -
الحديث الأربعون:
(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم: أن الله ﷿ قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم: أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم، وتُرَد على فقرائهم، فإذا أطاعوا فيها خذ منهم، وتوق
[ ٣ / ٢٩ ]
كرائم أموالهم).
زاد في رواية ابن المبارك ووكيع: (واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب).
* قد سبق الكلام في هذا الحديث في إيجاب الصلوات، وقد سبق ذكره، وفيه وجوب الزكاة وقد تقدم الكلام في ذلك.
* وكرائم الأموال: أفاضلها.
* وفيه التحذير من دعوة المظلوم؛ وذلك لأنه لا ناصر له سوى الله ﷿. وذلك لما قدمنا ذكره من أنه يطلب حقه من حاكم عادل قادر على الاستيفاء، لا يخاف العُقبى، فلذلك ما اشتد التحذير من دعوة المظلوم التي لا يبقى معها إهمال إلا من حيث أن الله ﷾ إذا أمهل عبدًا من عبيده (٥/أ) بمظلمة فإن ذلك يتناول حق الله ﷿ إذ خلق الله تعالى ملكًا له سبحانه،
[ ٣ / ٣٠ ]
كما تقدم من ذكره سبحانه تأخير الاستيفاء وتقديمه، وإسقاطه والأخذ به.
-١٠١١ -
الحديث الحادي والأربعون:
(عن ابن عباس أنه سمع النبي - ﷺ - يخطب يقول: (لا يَخْلُون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تُسافر المرأة إلا مع ذي محرم)، فقام رجل فقال: يا رسول الله، فإن امرأتي خرجت حاجَّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: (انطلق فحج مع امرأتك).
* إنما اشترط المحرم لحراسة المرأة؛ لأنه ذو حمية عليها، والمحرم هو الذي لا يجوز له نكاحها، ويجوز له إنكاحها.
-١٠١٢ -
الحديث الثاني والأربعون:
(عن ابن عباس: أن رفع الصوت بالذكر، حين ينصرف الناس من المكتوبة؛ كان على عهد رسول الله - ﷺ -، وقال ابن عباس: (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته).
وفي حديث ابن عيينة: (ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي - ﷺ - إلا
[ ٣ / ٣١ ]
بالتكبير).
* في هذا الحديث دليل على أن رفع الناس أصواتهم بالذكر عند انقضاء المكتوبات سنة.
-١٠١٣ -
الحديث الثالث والأربعون:
(عن ابن عباس، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي - ﷺ - من الليل، فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا (يخففه عمرو ويقلله) وقام يصلي. قال: (فقمت فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره - وربما قال سفيان: عن شماله - فحولني، فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلى الصبح ولم يتوضأ).
قال سفيان: (وهذا للنبي - ﷺ - خاصة؛ لأنه بلغنا أن النبي - ﷺ - تنام عيناه ولا ينام قلبه).
وفي رواية ابن المديني عن سفيانـ، قال: (قلت لعمرو: إن ناسًا يقولون: إن رسول الله - ﷺ - تنام عيناه ولا ينام قلبه).
فقال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾.
[ ٣ / ٣٢ ]
وأخرجا من رواية أخرى: (بت في بيت خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله - ﷺ - مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد، فنظر إلى (٥/ب) السماء، فقال: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال، فصلى ركعتين ثم خرج).
وفي رواية: (رقدت في بيت ميمونة ليلة كان النبي - ﷺ - عندها؛ لأنظر كيف صلاة النبي - ﷺ -؟ قال: فتحدث النبي - ﷺ - مع أهله ساعة ثم رقد).
وفي رواية: (فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ﷺ -، فطرحت لرسول الله - ﷺ - وسادة، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله - ﷺ - وأهله في طولها، فنام رسول الله - ﷺ - حتى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله - ﷺ -، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي، قال عبد الله بن عباس: فقمت فصنعت مثلما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله - ﷺ - يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى قام المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح).
وفي رواية: (نمت عند ميمونة ورسول الله - ﷺ - عندها تلك الليلة، فتوضأ رسول الله - ﷺ -، ثم قام فصلى، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه،
[ ٣ / ٣٣ ]
فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة، ثم نام رسول الله - ﷺ - حتى نفخ وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ).
وفي رواية: (بتُّ عند خالتي ميمونة، فقلت لها: إذا قام رسول الله - ﷺ - فأيقظيني، فقام رسول الله - ﷺ -، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أدني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم احتبى، حتى إني لأسمع نفسه، راقدًا، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين).
وفي رواية (٦/أ): (بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي - ﷺ - فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القربة، فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءًا بين الوضوءين، لم يكثر وقد أبلغ، ثم قام فصلى، فقمت كراهية أن يرى أني كنت أتقيه، فتوضأت، وقام يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني عن يمينه، فتاممت صلاته ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ، وكان في دعائه: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا).
قال كريب: (وسبع في التابوت، فلقيت رجلًا من ولد العباس، فحدثني بهن، فذكر عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري، وذكر خصلتين).
وفي رواية: (وأعظم لي نورًا) بدل قوله: (واجعل لي نورًا).
وفي رواية: (بت في بيت خالتي ميمونة، فبقيت - وفي رواية: فرقبت -
[ ٣ / ٣٤ ]
وفي حاشية كتاب البرقاني بخطه: فرمقت كيف يصلي النبي - ﷺ -. وذكر نحوه إلى أن قال: ثم نام حتى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه، ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في صلاته - أو في سجود-: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا، أو قال: واجعلني نورًا).
وفي حديث عقيل: (فدعا رسول الله - ﷺ - ليلتئذ بتسع عشرة كلمة، قال سلمة: حدثنيها كريب، فحفظت منها اثنتي عشرة، ونسيت ما بقي، قال رسول الله - ﷺ -: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل لي في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا).
وفي رواية: (أتى القربة فحل شناقها، فتوضأ وضوءًا بين الوضوءين، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قومة أخرى، فأتى القربة فحل شناقها، ثم توضأ وضوءًا هو (٦/ب) الوضوء. وقال: (أعظم لي نورًا).
وفي رواية: (بتُّ عند خالتي فقام النبي - ﷺ - يصلي من الليل، فقمت أصلي معه فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه، فصلى خمس ركعات، ثم صلي ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه - أو خطيطه - ثم خرج إلى الصلاة).
وفي رواية: (فأخذ بيدي أو بعضدي حتى أقامني عن يمينه).
وفي رواية: (فأخذ بيدي من وراء ظهره، يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. قلت: أفي التطوع كان ذلك؟ قال: نعم).
[ ٣ / ٣٥ ]
وفي رواية لمسلم: فاستيقظ، فتبول وتوضأ، وهو يقول: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات: ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، فذكر الكلمات ).
* في هذا الحديث دليل على جواز أن يبيت الرجل عند خالته، وإن كانت ذات زوج.
[ ٣ / ٣٦ ]
* وفيه جواز أن يبيت المراهق إذا كان ذا قرابة من الرجل وذا قرابة من امرأته بالقرب منهما.
* وفيه جواز تعليق الشنة، وهي القربة لتبرد في الهواء، ولا أرى تعليقها إلا لذلك. قال أبو عبيد: وشناق القربة ما يعلق به على الوتد من خيط أو سير.
* وقوله: (وضوءًا خفيفًا)، الذي أراه أنه أراد خفيًا لم يعلم به من حوله.
* وفيه دليل على أن صلاة النبي صحيحة.
* وفيه دليل على أنه إذا قام الرجل إلى الصلاة يكون عن يمين الإمام.
* وقوله: (نام حتى نفخ)، وهذا من خصائصه - ﷺ -؛ لأنه كان ينام عيناه، ولا ينام قلبه، وذلك أحسن حالًا؛ لأن طبيعة الإنسان لتدل على نقص قلبه الذي يخرج مع النفس فلا تحتبس الحرنة في بدنه، وليكون أيضًا نفخه دافعًا للهوام في حالة نومه.
ومعنى استن: استاك، فأما قيام ابن عباس على يسار رسول الله - ﷺ - وكونه رده إلى يمينه فإن الله ﷿ أجرى ذلك ليعلم للناس موقف المأموم إذا كان وقف (٧/أ) على يمينه في أول أمره فأقره على ذلك لم يعلم الناس أن الوقوف على الشمال لا يصلح، وهذا مما يستدل به على حكمة الله ﷿ في تقدير بعض الأشياء ليعلم بها غيرها.
* وفيه استحباب وضوء الإنسان لنفسه بغير استعانة لقوله: (فأطلق شنان القربة ثم توضأ).
* وقوله: (بين الوضوءين) المعنى أنه لم يكن يكثر من الماء وقد أبلغ.
[ ٣ / ٣٧ ]
* وفي هذا الحديث دليل على كراهية أن يراصد الرجل الرجل لقول ابن عباس: (كراهية أن يرى أني كنت أتقيه) أي أرصده وأراعيه.
* وفيه أيضًا أن تهجد الليل ثلاث عشرة ركعة، وهو أكثر ما نقل عن رسول الله - ﷺ -.
* وأما سؤال النور في هذا الحديث، فليس المراد به النور الشعشعاني، ولكنه النور المعنوي، وهو الذي يضيء لصاحبه في ظلام المشكلات فيشتبه به النور الشعشعاني الذي يضيء في ظلمات الأجسام فيبصر الإنسان حينئذ جواد الطرق، ويعرف أين المهاوي منها، وأين سبيل السلامة التي ليس فيها مهواة.
* وفيه دليل على الاستكثار من فضل الله ﷿؛ فإن رسول الله - ﷺ - مع ما جبله الله ﷿ عليه من النور الذي فضل فيه الأولين والآخرين لم يقنعه ذلك حتى سأل ربه أن يجعل في قلبه نورًا، وفي بصره نورًا، وفي سمعه نورًا، وأمامه نورًا، وفي لسانه نورًا، ومن خلفه نورًا.
ثم قال بعد ذلك: (واجعل لي نورًا - أو: زدني نورًا) يعني - ﷺ - أنه لما طلب لكل حاسة من حواسه وجهة من جهاته نورًا يضيء به الناحية التي يواجهها، طلب زيادة نور بعد ذلك، وأن يكون له من النور ما يملكه الله ﷿ إياه فيثبت عنده بقوله: (واجعل لي نورًا) أي لا ينسلب مني ولا ينزع عني، ثم قال بعد ذلك: (وزدني نورًا)، فكأنه قال: لا أشبع من النور الذي أدرك به معرفتك ومعاني كلامك وأسرار تسبيحك.
[ ٣ / ٣٨ ]
-١٠١٤ -
الحديث الرابع والأربعون:
(عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أما لو أن أحدكم قال:- إذا أراد أن يأتي أهله، أو قال: حين يأتي أهله -بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رُزقنا، ثم قدر بينهما في ذلك ولد؛ لم يضره شيطان أبدًا).
-١٠١٥ -
الحديث الخامس والأربعون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور).
[ ٣ / ٣٩ ]
-١٠١٦ -
الحديث السادس والأربعون:
(قال مجاهد: سمعت ابن عباس - وذكروا له الدجال: بين عينيه كافر، أو ك ف ر - قال: لم أسمعه قال ذلك، ولكنه قال: (أما إبراهيم: فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى، فجعد آدم، على جمل مخطوم بخلبةٍ، كأني أنظر إليه انحدر من الوادي).
وفي رواية قال: (ذكر رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به فقال: موسى آدم طوال، كأنه من رجال شنوءة، وقال: عيسي جعد مربوع. وذكر مالكًا خازن النار، وذكر الدجال).
زاد في رواية: (ورأيت عيسي بن مريم مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال. في آيات أراهن الله إياه: ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ [السجدة: ٢٣]).
[ ٣ / ٤٠ ]
-١٠١٧ -
الحديث السابع والأربعون:
(عن ابن عباس، قال: (لقي ناس من المسلمين رجلًا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنًا﴾ وقرأها ابن عباس: السلام).
[ ٣ / ٤١ ]
-١٠١٨ -
الحديث الثامن والأربعون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: (إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلْعَقها أو يُلْعِقها).
-١٠١٩ -
الحديث التاسع والأربعون:
(عن ابن عباس قال: (قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حُمَّى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجْلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم).
وفي رواية قال: (لما قدم النبي - ﷺ - لعامه الذي استأمن فيه، قال: أرملوا؛ ليري المشركين قوتهم، والمشركون من قبل قُعَيْقِعان).
[ ٣ / ٤٢ ]
وفي رواية مختصرًا: قال ابن عباس: (إنما سعى رسول الله - ﷺ - بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته) (٧/ب).
* فيه من الفقه أنه يجوز إظهار الجلد ليغتاظ العدو.
* وفيه أيضًا دليل على أن المستحب في إظهار الجلد أن لا يؤذي نفسه من يجد غُبَّر شكاء؛ لقوله: (وما منع رسول الله - ﷺ - أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا للإبقاء عليهم).
والرمل: كالهرولة، والخبب وهو فوق المشي ودون الإسراع، والأشواط: الدوران في الطواف.
والشوط: مقدار يعدو فيه الرجل. والجلد: القوة، وإنما اقتصر الرمل على ثلاثة أشواط لطفًا بهم، وهذا مما زال سببه وبقي حكمه.
-١٠٢٠ -
الحديث الخمسون:
(عن ابن عباس: أعتم النبي - ﷺ - بالعشاء فخرج عمر ﵁ فقال:
[ ٣ / ٤٣ ]
الصلاة يا رسول الله؛ رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر يقول: (لولا أن أشق على أمتي - أو: على الناس -لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة).
وفي رواية: فخرج وهو يمسح الماء عن شقه، يقول: (إنه للوقت؛ لولا أن أشق على أمتي).
وفي رواية للبخاري أن النبي - ﷺ - شغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي - ﷺ -، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم) وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقل ما كان يرقد قبلها.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: فقال سمعت ابن عباس يقول: (أعتم رسول الله - ﷺ - ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر فقال: الصلاة. قال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله - ﷺ - كأني أنظر إليه الآن، يقطر رأسه ماء، واضعًا يده على رأسه، فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا). قال: فاستثبت عطاء: كيف وضع النبي - ﷺ - على رأسه يده، كما أنبأه ابن عباس؟ فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه ثم قرب الرأس، ثم ضمها يمرها كذلك على الرأس، حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه على الصدغ وناحية (٨/أ) اللحية، لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك.
وفي رواية ابن جريج، قال: (قلت لعطاء: أي حين أحب إليك أن أصلي العشاء - التي يقول لها الناس العتمة - إمامًا وخلوًا؟ فقال: سمعت ابن عباس
[ ٣ / ٤٤ ]
يقول: أعتم رسول الله - ﷺ - ذات ليلة العشاء، ثم ذكر نحوه إلى قوله: (لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك). ثم قال: قلت لعطاء: كم ذكر لك أخرها النبي - ﷺ - ليلتئذ؟ قال: لا أدري. قال عطاء: أحب إليَّ أن أصليها إمامًا وخلوًا، أو على الناس في الجماعة، وأنت إمامهم فصلها وسطًا، لا معجلة ولا مؤخرة.
وفي رواية لمسلم: أن رسول الله - ﷺ - شُغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم).
* في هذا الحديث جواز إذكار الإمام بالصلاة ودعائه إلى الخروج إليها.
* وفيه استحباب تأخير العشاء ما لم يشق على المأمومين، وقد تقدم ذكر ذلك.
* وفيه أنه يستحب تأخيرها ما لم تخف غلبة النوم، فإن النوم قبلها مكروه.
* وفيه أن شعر رسول الله - ﷺ - لم يكن محلوقًا؛ لأنه قال: خرج وهو يقطر رأسه، ولا يقطر إلا من الشعر الوافر.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن تفرد الإنسان بعبادة دون أهل الأرض في وقت ينيله فضلًا؛ لقول رسول الله - ﷺ -: (ليس في الأرض من ينتظر الصلاة غيركم).
[ ٣ / ٤٥ ]
* وقوله: (أعتم بالعشاء) أي أخرها؛ فالعتمة ظلمة الليلة، ووقتها بعد غيبوبة الشفق، وقوله: (إنه للوقت) يعني وقت الفضيلة.
-١٠٢١ -
الحديث الحادي والخمسون:
(عن عطاء قال: قال لي ابن عباس: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي - ﷺ -، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) قالت: أصبرُ، فقالت: فإني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف. فدعا لها).
وفي رواية البخاري عن عطاء: (أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء (٨/ب) على ستر الكعبة).
* في هذا الحديث ما يدل على من ابتلي بمثل ما ابتليت به هذه المرأة فصبر كما صبرت كان له مثل ما وعدها رسول الله - ﷺ -؛ لأنه علل دخول الجنة بصبرها فاختارت الصبر، فاقتضى مفهوم الخطاب أن كل من كانت حاله مثل حالها وصبر مختارًا للصبر على العافية رجي له من فضل الله ﷿ ما رجي لها.
[ ٣ / ٤٦ ]
-١٠٢٢ -
الحديث الثاني والخسمون:
(عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: (لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حلَّ. قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. قلت: وإن ذلك بعد المعرف؟. فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله. وكان يأخذ ذلك من أمر النبي - ﷺ - حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع).
وفي رواية لمسلم: (قال رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا التي قد تشغفت - أو تشعبت - بالناس؛ إن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم - ﷺ -، وإن رغمتم).
وفي رواية: إن هذا الأمر قد تفشغ بالناس، من طاف بالبيت فقد حل الطواف في عمرة. فقال: سنة نبيكم وإن رغمتم).
[ ٣ / ٤٧ ]
* قد مضى الكلام فيما يتعلق بالحج وقوله: (تشغفت الناس) أي حلت شغاف قلوبهم فشغلته، و(تشعبت) بمعنى تفرقت، و(تفشغ الناس) أي اتفشغ فيهم أي كثر، والراغم: الكاره، وهو مأخوذ من الرغام وهو التراب.
-١٠٢٣ -
الحديث الثالث والخمسون:
(عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان: (ما منعك أن تكوني حجيت معنا؟). قالت: ناضحان كانا لأبي فلان (زوجها)، حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي أرضًا لنا، قال: (فعمرة في رمضان تقضي حجة - أو: حجة معي).
وفي حديث يحيى بن سعيد: (فإذا جاء رمضان؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة).
* في هذا الحديث ما يدل على أن هذه المرأة قد كانت حجت فعرفها رسول الله - ﷺ - أن عمرة في شهر رمضان تعدل حجة - يعني لمن حج وقضى الفرض - ومعنى (تقضي حجة) أي تفي بها، وتقوم مقامها.
-١٠٢٤ -
الحديث الرابع والخمسون:
(عن ابن عباس، قال: سمعت (٩/أ) النبي - ﷺ - يقول: (لو أن لابن آدم
[ ٣ / ٤٨ ]
مثل واد من ذهب مالًا لأحب أن له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
قال ابن عباس: ولا أدري من القرآن هو أم لا؟
وفي رواية أبي عاصم: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
* في هذا الحديث ما يدل على أن الآدمي لا يشبعه كثرة المال، وأنه لا يملأ بطنه إلا التراب، وأن الإكثار ليس يقلل من حرصه ولا يهضم من شرهه.
* والقرآن: هو ما أجمع عليه المسلمون ونقل النقل المتواتر كواف عن كواف، كما قلنا إنه اجتمع على كتبه أربعة وهم الغاية في البينات، وهذا ليس من ذلك، وقد سبق شرح هذا الحديث.
-١٠٢٥ -
الحديث الخامس والخمسون:
(عن عطاء قال: (خرجنا مع ابن عباس في جنازة ميمونة زوج النبي - ﷺ - بسرف، فقال ابن عباس: هذه زوج النبي - ﷺ -، فإذا رفعتم نعشها فلا
[ ٣ / ٤٩ ]
تزعزعن أو لا تزلزوا، وارفقوا؛ فإنه كان عند النبي - ﷺ - تسع نسوة، فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. قال عطاء: والذي لا يقسم لها: بلغنا أنها صفية بنت حيي. كانت آخرهن موتًا، ماتت بالمدينة).
* الزعزعة: التحريك بشدة، وإنما أمرهم بذلك احترامًا لهذه المرأة لكونها زوج النبي - ﷺ - وأم المؤمنين، فلذلك كان حملها بالوقار والرفق متعينًا.
وأما المرأة التي كان رسول الله - ﷺ - لا يقسم لها؛ فقد قال عطاء: هي صفية، وقال غيره: سودة، وإنما أراد ابن عباس أن ميمونة من اللواتي كان يقسم لهن، فلذلك وجبت الزيادة في توقيرها.
-١٠٢٦ -
الحديث السادس والخمسون:
(عن ابن عباس قال: (ليس التحصيب بشيء، وإنما هو منزل نزله رسول الله - ﷺ -).
* التحصيب هو نزول المحصب، فأراد ابن عباس أن نزول المحصب ليس بواجب ولا سنة. والمحصب هو الشعب الذي يخرج (٩/ب) منه إلى الأبطح في طريق منى، وكل موضع جعلت فيه الحصباء، وهي صغار
[ ٣ / ٥٠ ]
الحجارة، فهو محصب.
-١٠٢٧ -
الحديث السابع والخمسون:
(عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام عند كل سارية، فدعا ولم يصل.
وفي رواية: لما دخل النبي - ﷺ - البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة. وقال: (هذه القبلة).
* إنما لم يصل رسول الله - ﷺ - في الكعبة؛ لأن الكعبة هي القبلة، والمصلى جميع نواحيها يأمها، إلا أنه قد جاء في حديث آخر أنه صلى فيها نافلة، وأمر النافلة خفيف، فأما الفريضة فيها فلا تصح؛ لأن المصلي يستدبر بعضها، وأما الصلاة على ظهرها فلا تصح؛ لأن المصلي لا يتوجه إلى شيء منها.
* وقوله: (في قِبْلِ) أي في مقابلتها ومواجهتها.
-١٠٢٨ -
الحديث الثامن والخمسون:
(عن ابن عباس قال: مكث رسول الله - ﷺ - بمكة ثلاث عشرة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
[ ٣ / ٥١ ]
وفي رواية للبخاري قال: أنزل على النبي - ﷺ - وهو ابن أربعين فمكث ثلاث عشرة، ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين ثم توفي - ﷺ -.
وفي رواية عن ابن عباس وعائشة أن النبي - ﷺ - لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا.
وفي رواية لمسلم من حديث عمار بن أبي عمار قال: سألت ابن عباس: كم أتي الرسول - ﷺ - يوم مات؟ قال: ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذلك. قال: قلت: إني قد سألت الناس فاختلفوا عليَّ، فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب؟ قلت: نعم. قال: أمسك أربعين. بعث لها خمس عشرة بمكة. يأمن ويخاف، وعشرًا مهاجرة إلى المدينة.
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - توفي وهو ابن خمس وستين.
وفي حديث حماد بن سلمة: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت، سبع سنين، ولا يرى شيئًا (١٠/أ)، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا.
ولمسلم من حديث عمرو بن دينار، قال: قلت لعروة: كم لبث النبي - ﷺ - بمكة؟ قال: عشرًا. قال: قلت لابن عباس يقول: بضع عشرة. قال: فَغَفَّرَهُ وقال: إنما أخذه من قول الشاعر، يعني قوله:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة
ولمسلم من حديث أبي حمرة، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، وبالمدينة عشرًا، ومات هو ابن ثلاث
[ ٣ / ٥٢ ]
وستين سنة).
* المذكور في هذا الحديث من أن رسول الله - ﷺ - لبث بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشرًا، وأن الله تعالى بعثه على رأس أربعين سنة وقبضه على رأس ثلاث وستين. وهذا هو أصح ما نقل.
* فأما قوله: توفي وهو ابن خمس وستين فإنه من إقرار مسلم. والمتفق عليه عن ابن عباس ما قدمنا.
* وقول ابن عباس: (لبث بمكة عشرًا يوحى إليه) فله وجهان: أحدهما: أنه ذكر العقد وترك ما زاد عليه. والثاني: أنه لما أوحي إليه استسر بالنبوة ثلاث سنين حتى نزل عليه ﴿فاصدع بما تؤمر﴾، فحسب ابن عباس ما ظهر، والبضع هو ما بين الثلاث إلى التسع فأصلها القطعة من الشيء. وقوله: (فغفره) أي دعى له بالمغفرة.
-١٠٢٩ -
الحديث التاسع والخمسون:
(عن ابن عباس قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: (ما هذا؟) قالوا: يوم صالح، نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال: (أنا أحق بموسى منكم) فصامه
[ ٣ / ٥٣ ]
وأمر بصيامه.
وفي حديث سفيان: فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) قالوا: هذا يوم عاشوراء، يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله - ﷺ -: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فصامه رسول الله - ﷺ -، وأمر بصيامه.
وفي رواية: فنحن نصومه تعظيمًا له).
* قد سبق الكلام في يوم عاشوراء، وبينا أن فرضه نسخ بصوم رمضان وبقي الفضل في صومه إلى يوم القيامة.
-١٠٣٠ -
(١٠/ب)
الحديث الستون:
(عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب على المنبر يقول: (إنكم مُلاقو الله حفاة عراة غُرلًا).
وفي رواية: (مشاة).
وفي رواية: قام فينا رسول الله - ﷺ - بموعظة، فقال: (أيها الناس! إنكم
[ ٣ / ٥٤ ]
محشرون إلى الله حفاة عراة غُرلًا ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾ ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال. فأقول: يارب أصحابي، فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصالح: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ إلى قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾.
قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم).
* في هذا الحديث من الفقه أن ما يقع من بدن الآدمي في الدنيا يعاد إليه ولا يضاع، بقوله: (غُرلًا) أي قلفًا.
* قال ابن الأنباري: يقال: هو أغرل وأدغل وأخلف وأغلف مني.
* وقوله: (لم يزالوا مرتدين على أعقابهم) أي راجعين عن الدين، والإشارة بهذا إلى المنافقين ومن ارتد من مانعي الزكاة وغيرهم.
[ ٣ / ٥٥ ]
-١٠٣١ -
الحديث الحادي والستون:
(عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف مع رسول الله - ﷺ - بعرفة، إذ وقع من راحلته. قال أيوب: فأوقصته (أو فأقعصته)، وقال عمرو: فوقصته، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، قال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه. (قال أيوب): فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا).
وفي رواية: (في ثوبيه)، وفي رواية: (ولا تغطوا رأسه ووجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبدًا).
وفي رواية: وقصت رجلًا ناقته، وهو محرم).
* لو قص: هو أن ترمي الرجل ناقته فتكسر عنقه، والقعص الموت السريع.
* وفيه من الفقه أن من كان في عبادة الله ﷿ فمات، فإنه يحشر على ما مات عليه من عبادة الله تلك؛ لقول النبي - ﷺ - في المحرم حين مات على إحرامه: (إنه يبعث يوم القيامة ملبيًا أو ملبدًا).
[ ٣ / ٥٦ ]
والملبد: الذي يلبد شعره، وأراد به أنه يبعث على شعث الإحرام.
* وهذا يقتضي أن كل من مات على عبادة حشر (١١/أ) وأثر تلك العبادة عليه، وقد روي عن سفيان أنه توضأ ليلة موته ستين مرة ليموت طاهرًا.
-١٠٣٢ -
الحديث الثاني والستون:
(عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: ألمَنْ قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة؟ قال: لا، فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ .. إلى آخر الآية فقال: هذه الآية مكية، نسختها آية مدنية: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾.
وفي رواية عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيه إلى ابن عباس، فقال: نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء.
وفي رواية عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى قوله: ﴿مهانا﴾، فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقد قتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا﴾ .. إلى آخر الآية.
زاد في حديث أبي النضر: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل،
[ ٣ / ٥٧ ]
فلا توبة له.
وعن سعيد قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾، فسألته فقال: لم ينسخها شيء، وعن هذه الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، قال: نزلت في أهل الشرك.
وفي رواية عن سعيد، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ قال: لا توبة له. وعن قوله: ﴿لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ قال: كانت هذه في الجاهلية)
* في هذا الحديث أن مذهب ابن عباس في القاتل أنه يخلد في النار، وقد خالفه في هذا جمهور الصحابة والفقهاء، والأحاديث الصحاح التي ستأتي فيما بعد إن شاء الله، إلا أن هذه من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف لأنها من مسائل الاجتهاد.
والجمهور أسندوا ذلك إلى أدلة واضحة وحجج قاطعة، فمن ذلك هو أن الإجماع انعقد على أنه لو قتل في حال كفره مؤمنًا متعمدًا لإيمانه ثم أسلم بعد ذلك قُبِلَ إسلامه ومحي ما كان من قتله للمسلم، فإذا قتل مؤمنًا وهو مؤمن بالله ﷿ (١١/ب) لم يكن ما أتى بأكثر ما كان عليه في الحالة الأولى،
[ ٣ / ٥٨ ]
وعفو الله ﷾ يتسع له فيما أرى لأن؛ المقتول ملك لله ﷿ والقاتل ملكه، فإن وهب القاتل وهب ملكه؛ إذ فيما شرع لنا سبحانه أن من جني على عبد رجل جناية فإن أرش تلك الجناية يستحقها مولى العبد لا العبد، فلما صارت الحقوق راجعة إلى ملك الله ﷿ ووسعها عفوه لم يجز لنا أن يحصر عفوه على شيء؛ إذ لو فعلنا ذلك لكنا بمنزلة من يقول إن فضل الله ﷿ يتسع لكذا إلا كذا، وهذا فهو من فظيع القول؛ فإن الله سبحانه يقول: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾. من غير استثناء لشيء ما، ومن هرب من القول بالعفو عن القاتل حذرًا من أن يقول أن يكون ذلك ظلمًا فإنه لم يفهم أن المقتول لو كان مالكًا لنفسه توجه مثل هذا؛ فأنى وهو ملك لسيده، فسيده هو الخصم فيه.
* وقوله سبحانه: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ فإنه يتناول قاتلًا يقتل مؤمنًا من أجل أنه مؤمن، وذلك إنما ينصرف إلى الكفار، ويدلك عليه قوله سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا﴾، وأيضًا فإن قوله سبحانه في الآية: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ .. إلى آخرها فإن معناه أن هذا جزاؤه إن جازاه، وإن وهب له فله تعالى ذلك لأن الحق له.
ولقد جرى لي في هذه المسألة: إني كنت ليلة جالسًا عند صهر لي وهو: كامل بن مسافر، ﵀، ومعنا أبو منصور بن الحصين خالي رحمة الله، ورجل آخر يعرف ابن محسن السهوباري فجرت هذه المسألة، وهل يتوب الله
[ ٣ / ٥٩ ]
على القاتل أم لا؟ فامتد التنازع، وارتفع الضجاج بيننا إلى أن تفرقنا على تنازع فيها، وكنت ليلتئذ ذا قلب شديد التطلع إلى معرفة الحق في هذه المسألة، فاطلع الله سبحانه على قلبي، فأراني في منامي تلك الليلة بعينها أني في مكان قد رأيته في النوم مرارًا، وهو مسجد دون باب السور الذي عند الحلبة، فبعد ذلك عرفت ما ذكره الخطيب في تاريخه من أنه كان هناك مسجد، ذكر من شأنه وفضله وأنه استهدم.
فرأيت في النوم في تلك الليلة أنني دخلت ذلك المسجد، وهو على شكل جامع القطيعة، وفيه رجل جالس يخيط (١٢/أ) ثوبًا أو يرقعه، فقذف في روعي أنه رجل من علماء السلف، فسألته وقلت له: إني أريد أن أسألك عن مسألة، فقال لي: سل، فقلت له: مسألة القضاء والقدر، فقال لي: إذا كانت هذه مسألتك فاصبر حتى نصلي الجمعة وأجيبك، ثم إنه قام فخطب على منبر، ثم جئت فجلست في الصف الأول، ففي المدة التي خطب فيها ذلك الرجل، أوقع الله في نفسي أن أقول له: هل سأل أحد رسول الله - ﷺ - عن هذه المسألة أو لا؛ ليجيبني بفتيا رسول الله - ﷺ - لا بفتياه هو.
فأجمعت على هذا، ثم إنه قضى خطبته، ونزل فصلى، وصليت خلفه، فلما قضى صلاته عاد إلى موضعه الذي كان فيه من المسجد، فجئته وقد تحرر معي السؤال، فقلت: له، أما سأل أحد عن هذه المسألة رسول الله - ﷺ -، فإذا علم كلمته في المنام معربًا هكذا أم غير معرب، إلا أن المعنى كان هذا، فقال في جوابه لي: بلى، فقلت له: من؟ فقال لي: المرأة التي قصتها مشهورة، فقلت له: وماذا قال لها؟ فقال: قال لها: يغفر لك، واستيقظت ولا أعرف تتمة معنى هذا الكلام ما هو.
[ ٣ / ٦٠ ]
فلما أصبحت جئت إلى صهري المذكور، وأحسب أني صليت الفجر معه في جماعة، فلما قضيت الصلاة وأخبرته بهذه الرؤيا، فرأيته وقد بلغ ذلك منه واشتد تعجبه، وقال لي: بعد أن خرجت من عندي، نظرت في كتاب تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، فرأيته فيه عن أبي هريرة أنه قال: لقيتني امرأة فقالت: يا أبا هريرة، سل لي رسول الله - ﷺ - عن امرأة زنت ثم قتلت هل لها من توبة؟ قال أبو هريرة: فقلت: لقد هلكت وأهلكت، فذهبت المرأة، قلت لنفسي: أتفتي ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا؟
فجئت إلى رسول الله - ﷺ - فأخبرته الخبر، وقلت له: يا رسول الله، لقد استقبلني اليوم امرأة بأمر هائل، ثم أخبرته الخبر، فقال: (وماذا قلت لها؟) قال: قلت لها: لقد هلكت وأهكلت، فقال لي رسول الله - ﷺ -: (بل أنت هلكت وأهلكت يا أبا هريرة، اذهب إليها (١٢/ب) وقل: إن الله يغفر لك). قال أبو هريرة: فخرجت ألتمس المرأة، وأطوف عليها، وأقول: من رأى لي امرأة من شأنها وحالها، حتى جعل صبيان المدينة يقولون: جن أبو هريرة.
ثم قال لي كامل ﵀: هذا الحديث لما وقفت عليه البارحة بعد خروجك، علمت عليه لأريكه، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
[ ٣ / ٦١ ]
-١٠٣٣ -
الحديث الثالث والستون:
(عن ابن عباس: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد النبي - ﷺ - على الصفا، فجعل ينادي: (يا بني فهر، يا بني عدي) - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا؛ لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي، تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب (١) ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾. وفي بعض الروايات عن الأعمش: (وقد تب).
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: (يا صباحاه)، فاجتمعت إليه قريش، فقال: (أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟) قالوا: نعم، قال: (فإني نذير لكم) وذكره نحوه.
وفي رواية للبخاري: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ جعل النبي - ﷺ - يدعوهم قبائل قبائل. قال: الشعوب القبائل العظام، والقبائل: البطون).
[ ٣ / ٦٢ ]
* في هذا الحديث من الفقه انتهاء رسول الله - ﷺ - إلى الغاية في التبليغ.
* وفيه أيضًا من الحكمة البداءة في ذلك بالعشيرة الأقربين؛ من أجل أنهم أهل العلم ببواطن الإنسان وأسراره، وهم المطلعون على خفي أحواله، فلا يمكنه أن يأمر الأقربين من أهله بما يخالفهم إلى غيره، ثم يبلغ إلى الناس بعدهم.
* وقوله: (تبًا لك سائر اليوم) التباب الخسران، ومعنى تبت يدا أبي لهب أي خسرتا.
* وقوله: (يا صباحاه) قد سبق بيانه في مسند سلمة بن الأكوع.
-١٠٣٤ -
الحديث الرابع والستون:
(عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، قال: (كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي (١٣/أ) انفض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكن لُدغت، قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيتُ. قال: ما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حُمَة).
[ ٣ / ٦٣ ]
فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، لكن حدثنا ابن عباس عن النبي - ﷺ -: (عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ -. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله. وذكروا أشياء.
فخرج عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: (ما الذي تخوضون فيه؟) فأخبروه، فقال: (هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: (أنت منهم)، ثم قام آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (سبقك بها عكاشة).
* انفض النجم: أي هوى.
[ ٣ / ٦٤ ]
* وفيه من الفقه أن الرقية جائزة وتركها توكلًا على الله تعالى أفضل منها، وكذلك الكي فإنه جائز وتركه أحسن، وأما الطيرة فلا تحل بحال.
* وأما قوله: (هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا) فإنه يدل على أن السبعين ألفًا غير الذين رآهم، فكأن السبعين ألفًا لم يحضروا الموقف إذ لا حساب عليهم.
* وأما التداوي فليس في هذا الحديث أنهم لا يتداوون، وإنما قال: (لا يكتوون) أي لا يبلغ بهم التنطع في التداوي إلى الكي، وهو آخر الأدوية، على كونه - على ما يرى الأطباء - لا يفيد طائلًا (١٣/ب).
وأما التداوي بالعسل والحجامة وغير ذلك مما فعله رسول الله - ﷺ - أو أذن فيه، فإنه لا يقدح في توكل الإنسان، بل ربما كان فضيلة يفضل فعله تركه بالنية فيه؛ من أجل أن معرفة الطب باب واسع من أبواب معرفة الله تعالى بالاستدلال عليه بما في تركيب الآدمي ومنافع الأدوية ومقاديرها وغير ذلك، فلا يشرع في سد باب من أبواب معرفة الله ﷿.
* وقوله: (إلا من عين) أي هو من أصابه بالعين.
* وقوله: (الحُمة) قال ابن قتيبة: الحمة: هو سم الحيات والعقارب وما أشبهها من ذوات السموم.
* وقد تقدم الكلام في هذا الحديث في مسند عمران بن حصين وذكر عكاشة.
[ ٣ / ٦٥ ]
-١٠٣٥ -
الحديث الخامس والستون:
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾. قال: كان رسول الله - ﷺ - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه - فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله - ﷺ - يحركهما. فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما. فحرك شفتيه - فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به (١٦) إن علينا جمعه وقرآنه﴾.
قال: جمعه في صدر كريم فقرأه: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾. قال: يقول فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه جبريل ﵇ بعد ذلك استمع. فإذا انطلق جبريل قرأه النبي - ﷺ - كما أقرأه.
وفي رواية جرير: كما وعد الله ﷿).
* اعلم أن لسان العبد مخلوق، وما يقرأه من كلام الله ﷿ بلسانه لمخلوق، وكان النبي - ﷺ - يحرك شفتيه بما يسمعه من جبريل ﵇ قبل إتمام الوحي، فقال ﷿: ﴿إن علينا جمعه﴾ يعني في صدرك، وإلا فهو مجموع في علم الله ﷿ ﴿فإذا قرأناه﴾ أي قضي فاقرأه.
[ ٣ / ٦٦ ]
وقد دلت الآية على وجوب اتباع القرآن والإنصات إليه.
-١٠٣٦ -
الحديث السادس والستون:
(عن ابن عباس، قال: (أهدت (١٤/أ) خالتي أم حُفيد إلى رسول الله - ﷺ - سمنًا أو أقطًا وأضبًا، فأكل من السمن والأقط، وترك الضب تقذرًا. وأكل على مائدة رسول الله - ﷺ -، ولو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله - ﷺ -.
وفي رواية أم حفيد بنت الحارث بن حزن خالة ابن عباس: أهدت إلى رسول الله - ﷺ - سمنًا وأقطًا وأضبًا، فدعا بهن، فأكلن على مائدة رسول الله - ﷺ -، وتركهن كالمتقذر لهن، ولو كن حرامًا ما أكلن على مائدة النبي - ﷺ - ولا أمر بأكلهن.
وفي رواية عن ابن عباس: (دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - ﷺ - بيت ميمونة. فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله - ﷺ - بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله - ﷺ - بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله - ﷺ - يده، فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه) قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله - ﷺ - ينظر).
وفي رواية عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد: (أنه أخبره أنه دخل مع رسول الله - ﷺ - على ميمونة - زوج النبي - ﷺ -، وهي خالته، وخالة ابن عباس - فوجد عندها ضبًا محنوذًا، قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد - قال بعض الرواة: وكانت تحت رجل من بني جعفر - فقدمت الضب لرسول الله - ﷺ -.
[ ٣ / ٦٧ ]
وكان قلما يقدم من يديه لطعام حتى يحدث به، ويسمى له.
فأهوى رسول الله - ﷺ - بيده إلى الضب. فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله - ﷺ - بما قدمتن له. قُلنَ: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله - ﷺ - يده، فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه). قال: فاجتررته فأكلته، ورسول (١٤/ب) الله - ﷺ - ينظر، فلم ينهني).
وفي رواية لمسلم من حديث يزيد بن الأصم، قال: (دعانا عروس بالمدينة، فقرَّب إلينا ثلاثة عشر ضبًا، فأكل وتارك. فلقيت ابن عباس من الغد فأخبرته، فأكثر القوم حتى قال بعضهم: قال رسول الله - ﷺ -: (لا آكله ولا أنهى عنه، ولا أحرمه)، فقال ابن عباس: بئسما قلتم، ما بُعثَ نبي الله - ﷺ - إلا مُحلِلًا ومحرمًا. إن رسول الله - ﷺ -، بينما هو عند ميمونة، وعنده الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى، إذ قُربَ إليهم خوان عليه لحم، فلما أراد النبي - ﷺ - أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضب، فكف يده، وقال: (هذا لحم لم آكله قط) وقال لهم: (كلوا)، فأكل منه الفضل وخالد بن الوليد والمرأة. وقالت ميمونة: لا آكل من شيء إلا شيئًا يأكل منه رسول الله - ﷺ -).
[ ٣ / ٦٨ ]
* في هذا الحديث استحباب الهدية، وأن لا يحقر اليسير منها.
* والمحنوذ: هو المشوي، وأعافه: أكرهه.
* وفيه دليل على جواز أكل الضب، ودليل على أن ترك ما تعافه النفس مندوب إليه ولا ينسب ذلك إلى الترفه.
* وفيه استحباب أن لا يسبق الإنسان إلى أكل شيء حتى يعرفه ويسمى له.
* وقوله: (دعانا عروس)، العروس: هو الرجل المتزوج. والأقط: شيء يصنع من اللبن فيجفف.
-١٠٣٧ -
الحديث السابع والستون:
(عن ابن عباس، سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين؟ فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم).
* في هذا الحديث محتمل لما يتجاذبه الاختلاف في أولاد المشركين.
-١٠٣٨ -
الحديث الثامن والستون:
(عن ابن عباس قال: (ما صام رسول الله - ﷺ - شهرًا كاملًا قط غير
[ ٣ / ٦٩ ]
رمضان. وكان يصوم - إذا صام - حتى يقول القائل: لا، والله لا يفطر، ويُفطر - إذا أفطر - حتى يقول القائل: لا، والله لا يصوم.
وفي رواية: شهرًا متتابعًا حتى قدم المدينة.
ولمسلم عن عباد بن حنيف قال: سألت سعيد بن جبير (٥/أ) عن صوم رجب - ونحن يومئذ في رجب - فقال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم).
* في هذا الحديث ما يدل على أن عبادات رسول الله - ﷺ - كانت على سبيل الفتوح من الله ﷿ بحسب ما يقتضيه إخلاصه الصافي؛ فإن الاستمرار في عبادة لا يؤمن أن تكون النفس واقعة منها مع الاعتياد، فيمازج الإخلاص من ذلك شيء. وإذا كانت العبادة على ما ذكر عن رسول الله - ﷺ - كانت على الجدد القويم من الإخلاص.
-١٠٣٩ -
الحديث التاسع والستون:
(عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله - ﷺ - على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين
[ ٣ / ٧٠ ]
الشياطين وبين خبر السماء، وأرسل عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: وما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي - ﷺ -، وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبًا (١) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا﴾. فأنزل الله ﷿ على نبيه - ﷺ -: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾.
في آخر حديث موسى بن إسماعيل: (وإنما أوحي إليه قول الجن).
* في هذا الحديث ما يدل على أن الشهب لم تكن قبل مبعث رسول الله - ﷺ -؛ لقوله: (وأرسلت عليهم الشهب)، ومن خالف في هذا فليس له بينة؛ لأن الله تعالى يقول مخبرًا عنهم: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا﴾، فلو كان هذا معروفًا لكان المشركون يحتجون على رسول الله - ﷺ - بقوله في هذا (١٥/ب) ويقولون: كيف تقول: فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا، وهذه الشهب قد كانت تنقض من قبلك؟
[ ٣ / ٧١ ]
ولكنهم لم يمكنهم ذلك، بل كان مما تحدد عند مبعثه - ﷺ -، لكن لاشتهاره وكثرة معرفة أهل وقته به لم يكثر الرواية فيه لأجل معرفة الكل به كالأشياء المشهورة بين الكل؛ فإنها لاشتهارها لا يشتغل بنقلها؛ لأن العادة فيما ينقل ويكتب أن يكون مستطرفًا لا معتادًا.
-١٠٤٠ -
الحديث السبعون:
(عن ابن عباس: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾. قال: أنزلت ورسول الله - ﷺ - مُتوار بمكة، وكان إذا رفع صوته سمعه المشركون، فسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ أي: بقراءتك حتى يسمع المشركون، ﴿ولا تخافت بها﴾: عن أصحابك فلا تسمعهم، ﴿وابتغ بين ذلك سبيلًا﴾: أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن.
وفي رواية: ﴿وابتغ بين ذلك سبيلًا﴾ بين الجهر والمخافتة).
* في هذا الحديث دليل على أن المحق إذا خاف من ذكر الحق جهرًا أن يجلب أذى أو يقابله العدو بمنكر - أبيح له إخفاء قوله. وعلى هذا فالأولى سلوك الطريق الوسطى التي هي بين الجهر والمخافتة فإن الرافع صوته جدًا قد نهى
[ ٣ / ٧٢ ]
النبي - ﷺ - عنه، كما أن المخافت جدًا على نحوه في الخروج عن الاعتدال، وخير الأمور أوسطها.
-١٠٤١ -
الحديث الحادي والسبعون:
(عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة، فقال: هي الفاضحة، ما زالت تقول: ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لا تبقى أحدًا إلا ذكر فيها. قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير.
وفي حديث أبي عوانة، قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال، قل سورة النضير).
* وإنما سميت سورة التوبة الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، وفيها من الأحوال ما ينبغي لكل مؤمن أن يعتبر نفسه بتلك الأحوال، ولا يأمن على نفسه أن يكون منافقًا، فمن ذلك قوله ﷿: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾، ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ (١٦/أ) إلى غير ذلك.
[ ٣ / ٧٣ ]
* وقد ذكر العلماء أن لهذه السورة أسماء منها سورة التوبة، ومنها سورة براءة، وهذان الاسمان هما المشهوران. وقوله: (سورة الأنفال) نزلت في بدر) أي في ذكر غزاة بدر.
-١٠٤٢ -
الحديث الثاني والسبعون:
(عن ابن عباس قال: (إذ حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يُكفِّرُها) وقرأ: ﴿لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
وفي حديث الربيع بن نافع: إذا حرم امرأته ليس بشيء).
* اختلف العلماء فيما إذا حرم الرجل امرأته، فهذا الذي ذكرناه عن ابن عباس أنها يمين يكفرها. وهذا مروي عن أبي بكر وعائشة ﵄ إلا أنهما قالا: كفارتها كفارة الظهار. وعن أحمد بن حنبل ﵁ أنه يمين، وعنه أنه صريح في الظهار. وقال الشافعي ﵁: يرجع إلى نيته؛ فإن نوى اليمين كان يمينًا ووجبت عليه كفارة يمين، وإن لم ينو شيئًا فعلى قولين: أحدهما: لا شيء عليه، والثاني: عليه كفارة يمين.
[ ٣ / ٧٤ ]
-١٠٤٣ -
الحديث الثالث والسبعون:
(عن ابن عباس: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، إذ بعثه النبي - ﷺ - في سرية).
* في هذا الحديث ما يدل على وجوب طاعة الأمير وأرباب الولايات من قبل الأمير.
-١٠٤٤ -
الحديث الرابع والسبعون:
(عن ابن عباس قال: (سقيت رسول الله - ﷺ - من زمزم، فشرب وهو قائم).
وفي حديث شعبة: (واستسقي عند البيت، فأتيته بدلو).
وفي رواية: (فحلف عكرمة: وما كان يومئذ إلا على بعير).
* هذا الحديث يدل على جواز الشرب قائمًا.
وفي قول عكرمة بعد؛ لأن الراكب لا يقال له قائم.
[ ٣ / ٧٥ ]
-١٠٤٥ -
الحديث الخامس والسبعون:
(عن الشعبي قال: أخبرني من مر مع النبي - ﷺ - على قبر مَنْبُوذٍ، فأمهُم وصفهم خلفه، قال الشيباني: من حدثك بهذا يا أبا عمرو؟ قال: ابن عباس.
وفي رواية: (أتى رسول الله - ﷺ - قبرًا، فقالوا: هذا دفن - أو دفنت - البارحة. قال ابن عباس: فصفنا خلفه، ثم صلى عليها).
ومنهم من قال: (أنه - ﷺ - قال: أفلا آذنتموني؟). قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك (١٦/ب)، فقام فصفنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه).
وفي رواية: (انتهى رسول الله - ﷺ - إلى قبر رطب، فصلى عليه وصفوا خلفه، وكبر أربعًا).
* في هذا الحديث جواز الصلاة على القبر، وجواز إعادة الصلاة على الميت.
* وفيه أن التكبير على الجنازة أربع.
* والمنبوذ: هو المفرد عن القبور، ومن رواه مضافًا فجعله اسمًا لرجل فليس بشيء؛ لأنه لا يعرف في الصحابة من اسمه منبوذ.
[ ٣ / ٧٦ ]
-١٠٤٦ -
الحديث السادس والسبعون:
(عن ابن عباس قال: لا أدري: أنهى عنه رسول الله - ﷺ - من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حَرَّمهُ في يوم خيبر؟ يعني لحوم الحُمُر الأهلية).
* الحَمُولة: (بفتح الحاء) ما يحمل، والحُمولة (بضمها) الأحمال بعينها، وقد سبق الكلام في الحمر الأهلية.
-١٠٤٧ -
الحديث السابع والسبعون:
(عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - فيما روى عن ربه ﷿ - قال: (إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة، فإن هم بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة).
[ ٣ / ٧٧ ]
زاد جعفر بن سليمان: (أو محاها، ولا يهلك على الله إلا هالك).
* قوله: (كتب الحسنات والسيئات) أي قدر مبالغ تضعيفها، فعرفت الكتبة من الملائكة ذلك التقدير، فلا يحتاجون أن يستفسروا في كل وقت كيف يكتبون ذلك، بل قد شرع سبحانه ما تعمل الملائكة بحسبه، وأن الله ﷿ لما رحم هذه الأمة أخلف عليها، فقصر أعمارها بتضعيف أعمالها؛ فمن هم منهم بحسنة احتسبت له بتلك الهمة حسنة كاملة؛ لأجل أنها همة مفردة؛ لئلا يظن ظان أن ذلك ينقص الحسنة أو يُهضمها لكونها مجرد همة لم تظهر إلى الفعل، فبين ذلك بأن قال: (حسنة كاملة)، فإن هم بها وعملها فقد أخرجها من الهمة إلى ديوان العمل، فكتبت له بالهمة حسنة، ثم ضوعفت تلك الحسنة فصارت عشرة.
ثم قوله: (إلى سبعمائة ضعف) فإنما يعني على مقدار (١٧/أ) ما يكون فيها من خلوص النية وإيقاعها في مواضعها التي يزيدها حسنًا، كما قال ﷿: ﴿ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنًا﴾.
والمعنى في ذلك السبعمائة هو أن العرب تنتهي في الكثير من عقود الآحاد إلى سبعة، ولذلك أنهم متى أتوا بالثامنة عطفوا عليها بالواو، ويعنون أنه قد انتهى عدد القلة وخرجنا إلى عدد الكثرة. قال الله ﷿: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف﴾ فلما تمت
[ ٣ / ٧٨ ]
أوصاف سبعة عطف بالواو فقال: ﴿والناهون عن المنكر﴾. وقال ﷿: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم﴾ فلما ذكر السبعة قال: ﴿وثامنهم كلبهم﴾، وقال في الجنة لكونها ثمانية ﴿وفتحت أبوابها﴾ فإذا ضربت السبعة في عشرة كانت سبعين، فإذا ضربت السبعين في عشرة كانت سبعمائة.
ثم قال بعد ذلك: (أضعافًا كثيرة)، وكثيرة هنا نكرة وهي أشمل من المعرفة، فيقتضي هذا أن يحسب توخيه الكثرة على أكثر ما يمكن، ثم يقدر لتناول هذا الوعد الكريم بأن يقول إذا تصدق الآدمي بحبة بر فإنه يحسب له ذلك في فضل الله ﷿ أنه لو بذر تلك الحبة في أزكى أرض، وكان له من التعاهد والحفظ والري أوفى ما يقتضيه حالها ثم إنها إذا استحصدت نظر في حاصلها ثم قدر أن ذلك بذر في أزكى أرض، وكان التعاهد له على تلك الحال التي تقدم ذكرها ثم هكذا في السنة الثالثة، ثم يستمر له ذلك إلى يوم القيامة، فتأتي الحبة من البر أو الخردل أو الخشخاش وهي أمثال الجبال الرواسي وإن كانت مثال ذرة من جنس الأثمان فإنه ينظر إلى أربح شيء يشترى في ذلك الوقت ويقدر أنه لو بيع في أنفق سوق في أعظم بلد يكون ذلك الشيء فيه أشد الأشياء نفاقًا ثم يضاعف، وتردد هكذا إلى يوم القيامة، فأتى الذرة وربما تكون مقدارها على قدر عظم الدنيا كلها.
وعلى هذا جميع أعمال البر في معاملة الله ﷿ إذا خرجت سهامها
[ ٣ / ٧٩ ]
عن نية وأغرقت في نزع قوس الإخلاص (١٧/ب) كانت تلك السهام ممتدة لا تنتهي عن يوم القيامة، ومن ذلك أن فضل الله ﷾ يتضاعف بالتحويل في مثل أن يتصدق الإنسان على فقير بدرهم فيؤثر الفقير بذلك الدرهم بعينه من هو أشد فقرًا منه، فيؤثر به الثالث رابعًا، ويؤثر به الرابع خامسًا، والخامس سادسًا، وهكذا مما تطاول، فإن الله ﷾ يحسب للمتصدق عن كل درهم عشرة فإذا تحول إلى الثاني انتقل ذلك السعر الذي كان للأول إلى الثاني فصار للثاني عشرة دراهم، وللأول عن عشرته التي انتقلت عشرة إلا أنها عشرة معشرة؛ لأن له أجره، وأجر من عمل به فكل واحد بعشرة فصارت مائة.
فإذا تصدق بها الثاني صارت للثاني مائة وللأول ألف، وإذا تصدق بها الثالث صار له مائة وللثاني ألف وللأول عشرة ألف، فتضاعف إلى ما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى؛ وذلك لأن للمتصدق الأول بالدرهم أجره وأجر من عمل به، فكلما تحول من شخص إلى شخص ضوعف ذلك للمتصدق الأول في سعره من حيث أن له مثل أجره وأجر من عمل به بالسعر الذي ينتقل إليه.
* ومن ذلك أيضًا أنه إذا حاسب الله عبده المسلم يوم القيامة وكانت حسناته متفاوتات، فيهن الرفيعة المقدار التي وعد النبي - ﷺ - ألف ألف حسنة أو ألفي ألفي حسنة فإنه سبحانه بفضله وجوده يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا لأن جوده ﷻ أعظم من أن يناقش من رضي عنه في تفاوت سعرين حسنتين، وقد قال سبحانه: ﴿لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾، كما أنه إذا قال العبد في سوق من أسواق المسلمين: (لا
[ ٣ / ٨٠ ]
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) رافعًا بها صوته كتب الله له بذلك ألفي ألفي حسنة ومحى عنه ألفي ألفي سيئة، وبنى له بيتًا في الجنة على ما جاء في الحديث.
وهذا الذي ذكرناه إنما هو بمقدار معرفتنا لا على مقدار فضل الله سبحانه، فإنه فوق أن يحده أحد أو يحصره خلق.
* ثم قال: (ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها الله له حسنة) لأن الله تعالى يحتسب للعبد لرجوعه عن السيئة (١٨/أ) وفكه تلك العزيمة التي كان عزمها بحسنة، فإن هو عملها كتبها واحدة أو محاها.
والذي أرى في هذا أن (أو) هاهنا بمعنى الواو فإنه متى جاءت أو مخبرة عن فضل الله بشيء بين شيئين أحدهما يقتضي فضله والآخر يقتضي عدله لقول النبي - ﷺ -: (إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي).
* (ولا يهلك على الله إلا هالك) يعني أن من سمع هذا عن فضل الله ثم جبن عن متاجرته أو شح عن الإنفاق في سبيله فإنه هالك غير معذور.
[ ٣ / ٨١ ]
-١٠٤٨ -
الحديث الثامن والسبعون:
(عن ابن عباس قال: قال محمد - ﷺ -: (اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء).
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند عمران بن حصين.
-١٠٤٩ -
الحديث التاسع والسبعون:
(عن ابن عباس، يرويه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات، فميتة جاهلية).
[ ٣ / ٨٢ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أمر بالصبر عند رؤية المكروه من الإمام.
* وقوله: (شيئًا) الشيء يتناول القليل والكثير إلا أنه في هذا الموضع لا ينصرف إلى ما ينقم غالبًا. ثم إنه - ﷺ - لما رأى أن الإنكار على الإمام يفضي إلى الفرقة واختلاف الأمة أمر بالصبر على ذلك الشيء كراهية أن يتصل القول فيه إلى ما يفرق به الكلمة ويؤول إلى إراقة الدماء فقال: (من فارق الجماعة شبرًا) يعني به أنه من خرج من أرض عليها يد الإمام إلى أرض لا يد له عليها ولو مقدار شبر بنية المفارقة له فميتة جاهلية.
* وقوله: (فميتة جاهلية) أي أنه لما كان في أمره غير مؤتمر لإمام ولا مستند إلى خلافته، كان على مثل ما كانت عليه الجاهلية، وإنما خص الموت بالذكر فقال: (ميتة جاهلية) ولم يذكر الحياة، فيقول: حياة فاسدة؛ لأنه أراد أنه من وقت مفارقته الجماعة هو في حكم الأموات.
-١٠٥٠ -
الحديث الثمانون:
(عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك (١٨/ب) أنبت، وبك خاصمت اللهم أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تُضلني، أنت الحي الذي لا يموت،
[ ٣ / ٨٣ ]
والجن والإنس يموتون).
* في هذا الحديث من الفقه أن الإسلام درجة أولى والإيمان مقام وراء ذلك؛ لأنه - ﷺ - قال: (لك أسلمت) ثم أتبعه بقوله: (وبك آمنت)، فلما بدأ بالإسلام ثم ثنى بالإيمان لم يبق حينئذ إلا تبين ثمرة الإيمان، وهو التوكل على الله. فقال: (وعليك توكلت) ثم لما لم يخل بسر ما يقتضي الإنابة مع ذلك كله، قال بعده: (وإليك أنبت)، ثم لما استقر ذلك كله جاء بالحب في الله والبغض في الله فقال: (وبك خاصمت) وهذا أبلغ من قوله: (وفيك خاصمت)؛ لأن ذلك يتضمن نوع تزكية للنفس، ودعوى قوله: (وبك خاصمت) يتضمن صدق التوكل، والمعنى: أنت مستندي وتفويض الانتصار بالله تعالى، وأنه خاصم في الله بدليل أنه لا ينتصر بالله إلا فيما يخاصم به فيه.
* وقوله: (أعوذ بعزتك) العزة تحتمل وجهين: أحدهما: الامتناع، والثاني: ارتفاع القدر، فهو ﷿ عزيز في قلوب أوليائه، فيجوز أن يكون الإضلال فعلًا للعزة، فيكون المعنى: أعوذ بك أن تضلني عزتك أي تمنعني عظمتك واحتقاري لنفسي أن أسميك أو أصفك بما سميت به ووصفت به نفسك أو سماك ووصفك به رسلك.
ويجوز أن يكون الإضلال عائدًا إلى الله تعالى؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ويضل الله الظالمين﴾.
[ ٣ / ٨٤ ]
* وقوله: (أنت الحي الذي لا يموت) وذلك أن كل حي سواه فحياته عارية، وهو الحي الدائم.
-١٠٥١ -
الحديث الحادي والثمانون:
(عن ابن عباس (أن رسول الله - ﷺ - كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض لا إله إلا الله رب العرش الكريم).
* في هذا الحديث من الفقه أن الكرب والغم لا يزيله إلا الله، وهذه الكلمات إذا قالها عبد مؤمن عند مخافته؛ آمنه الله ﷿ من المخوف، فإذا قالها عند الخوف فقد عزل ذلك الشيء المخوف من رتبة أن يخاف لقوله: (لا إله إلا الله) ففي ضمن هذه أن لا يخاف غيره، وأن من يؤمن بهذه الشهادة فمن ضرورة الإيمان (١٩/أ) بها أن لا يخاف سوى الله ﷿؛ لأن من عداه قاصر أن يفعل شيئًا ما إلا بتسليط من لا إله إلا هو، فيكون الخوف والرجاء معنيين لمن لا يفعل شيء في الوجود إلا عن إذن منه أو إقدار لفاعله على فعله.
ثم أتبعها (بالتعظيم)، وكان هذا النطق تاليًا لما تقدم من التوحيد مشعرًا كل سامع بالعظمة التي لا يقوم لها شيء بحيث صغرت الخلائق والموجودات
[ ٣ / ٨٥ ]
كلها، والسموات والأرض عند ذكر هذه العظمة بحيث لم يبق لناطق جرأة على قول إلا بعد أن يتبع هذا النطق بقوله: (الحليم).
فهذا كله بقوله لنفسه أن عظمته التي لا يقوم لها شيء لا يوازيها إلا حلمه تعالى وجل جلاله، ويقتضي إتباع العظمة بذكر الحلم أيضًا أن الناطق بهذا القول يتخوف أن يكون قد عصى الله سبحانه وأغضبه لما خطر في قلبه خوف لغيره فخاف من سخطه فأتبع ذلك بما تداركه بقوله: (وهو العظيم الحليم).
* وفيه أيضًا أن المتجرئ عليك الذي أخافك إنما تجرأ عليك بحكم الله سبحانه لا أنه قدر أن يفعل ذلك مراغمة. وقد كنت عند عودتي من الحج سبقت أنا وأخوتي الناس في القفول فوصلنا إلى المعبر المعروف بصرصر وعليه خيمة مضروبة لجماعة من المكاسبين فحبسونا هناك من وقت ضحوة إلى بين صلاتي الظهر والعصر على شوقنا إلى أهلينا، وكوننا قد سبقنا الحاج مؤذنين بوصولهم ومخبرين بسلامتهم، فكان أصحاب المكس يتحيرون علينا غير مبالين بشيء من ذلك، وكنت أنا في أثناء ذلك أعجب من حلم الله ﷿ عنهم، وأقول من كلامي ما معناه: اللهم لا تعدم خلقك حلمك.
* فأما ذكر العرش؛ فلأنه أكبر المخلوقات وأعلاها، وكل مخلوق تحته ودونه، فإذا آمنت بأن الله رب العرش العظيم، فإن العرش قد اشتمل على جميع المخلوقات، فلما ذكر التوحيد والعظمة والحلم والعرش العظيم نزل إلى ذكر السموات والأرض، فأقر بأنه خالقهما، ثم عاد فصعد إلى أعلا المخلوقات، فقال: (رب العرض الكريم)، ولما وصف العرض بالعظم وصفه بالكرم،
[ ٣ / ٨٦ ]
وليس كل عظيم كريمًا فجمع له الوصفين؛ أي أنه (١٩/أ) عظيم الخلقة، وهو كريم على خالقه؛ وذلك لأنه ذكر الكون من جهته بقوله: (رب العرش العظيم)، ثم ذكر بعد ذلك (رب السماوات والأرض) أي رب التحت والفوق، ثم أعاد بعد ذلك فكرر ذكر العرش، وأنه كريم، وإذا قال هذه الكلمات موقن بها زال كربه، وأي كرب يبقى مع هذه الكلمات العزيزة.
-١٠٥٢ -
الحديث الثاني والثمانون:
(عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى) ونسبه إلى أبيه).
* في هذا الحديث من الفقه أنه عنى بذلك العبد نفسه، وقد قال - ﷺ -: (لا تفضلوني على يونس بن متى). قد سبق بيان هذا الحديث.
-١٠٥٣ -
الحديث الثالث والثمانون:
(عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: (من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خُفين).
[ ٣ / ٨٧ ]
وفي رواية: (يخطب بعرفات).
* في هذا الحديث جواز التعويض بالسراويل إذا لم يجد الإزار، والتعويض بالخفين إذا لم يجد النعلين، والإشارة بهذا إلى المحرم. وظاهر إطلاق الحديث أنه لا يجب عليه فدية بذلك.
-١٠٥٤ -
الحديث الرابع والثمانون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم.
وفي رواية: (في عمرة القضاء).
وفي رواية: (بنى بها وهو حلال، وماتت بِسَرِف).
* في هذا الحديث وهم، والصحيح أن لا يتزوج المحرم، وقد ذكرنا في مسند عثمان من كتابنا هذا أن النبي - ﷺ - قال: (لا تنكح المحرم) وسيأتي في مسند ميمونة أنها قالت: (تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان)
[ ٣ / ٨٨ ]
وميمونة أعرف بحالها ممن أخبر عنها.
وقد روى أبو داود في سننه عن سعيد بن المسيب أنه قال: (وَهِمَ ابن عباس في قوله: تزوج ميمونة وهو محرم).
* وإنما منع المحرم من عقد النكاح من أجل أن الحج عبادة يتلبس بها الإنسان على حاله إعراض عن الدنيا، فإن المحرم يغتسل كغسل الميت، وينزع المخيط كما يصنع بالميت، وينادي: (لبيك) (٢٠/أ)، كأنه يجيب داعيًا يدعوه كما يجيب الميت عند النشور، كأنه قد أقبل إلى الملك العظيم لابسًا كفنه مغربًا عن المشتهيات، ولذلك شرع كشف وجوه النساء في الإحرام على معنى أن الرجال في شغل عن النظر من أجل ما يكون في القيامة. فإذا عقد النكاح في الإحرام كان منافيًا لما وضع له، وإن كان النكاح في غير هذا الموضع عبادة إلا أن هذه الحال تنافي ذلك.
-١٠٥٥ -
الحديث الخامس والثمانون:
(عن ابن عباس: (أن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.
وفي حديث سفيان بن عيينة: صليت مع النبي - ﷺ - ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، قال عمرو: قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخْرَ الظهر وعجَّلَ العصر،
[ ٣ / ٨٩ ]
وأخر المغرب وعجَّلَ العشاء؟ قال: وأنا أظن ذلك).
وفي رواية لمسلم قال: (صلى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا من غير خوف ولا سفر).
زاد في رواية زهير بالمدينة قال: أبو الزبير، فسألت سعيدًا: لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أمَّته ..
وفي حديث قرة: أن رسول الله - ﷺ - جمع بين الصلاة في سفره سافرها، في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وفي رواية: كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء.
وفي رواية لمسلم نحو حديث زهير عن أبي الزبير، وقال: في غير خوف ولا مطر، وقال في رواية لمسلم: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أبا لك. ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جمع (٢٠/ب) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدَّق مقالته.
وفي رواية: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أمَّ لك! تُعلمُنَا بالصلاة؟ كنا
[ ٣ / ٩٠ ]
نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله - ﷺ -).
* مجموع هذه الأحاديث أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر من غير خوف ولا مطر.
* ويجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل المطر.
* وقوله: (أراد أن لا يحرج أمته) أي لا يضيق عليها في ترك الجمع لا في الحضر المعذر ولا في السفر.
-١٠٥٦ -
الحديث السادس والثمانون:
(عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - أريد على ابنة حمزة، فقال: (إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم). وفي لفظ: (ما يحرم من النسب).
* وقد سبق بيانه في مسند علي ﵁.
[ ٣ / ٩١ ]
-١٠٥٧ -
الحديث السابع والثمانون:
(عن ابن عباس: (أن النبي - ﷺ - وميمونة، كانا يغتسلان من إناء واحد).
وفي رواية، عن عمرو بن دينار أنه قال: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي، أن أبا الشعثاء أخبرني أن ابن عباس أخبره، أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة.
وفي رواية: (أخبرتني ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - من إناء واحد).
* في هذا الحديث من الفقه أن إدخال المرأة يدها في الماء لا يضره.
* وأنه إذا أفضلت المرأة ماء جاز للرجل الوضوء به.
* وفيه أن الجنب إذا غمس يده في الماء، فالماء طاهر مطهر.
-١٠٥٨ -
الحديث الثامن والثمانون:
(عن عبد الله ابن الحارث قال: (خطبنا ابن عباس في يوم ذي رَدَغ، فأمر المؤذن - لما بلغ حي على الصلاة - قال: قل: الصلاة في الرحال، فنظر بعضهم إلى البعض كأنهم أنكروا، فقال: كأنكم أنكرتم؟ ثم قال: إن هذا فعله من هو خير مني - يعني النبي - ﷺ - إنها عَزْمَةُ، وإني كرهت أن أحرجكم.
[ ٣ / ٩٢ ]
وفي رواية: (كرهت أن أؤثمكم، فتجيؤون تدوسون الطين إلى رُكبكم).
وفي رواية: إن الجمعة عزمةُ، وقال: كرهت أن تمشوا في الدَّحْض والزَّلَلِ).
* قوله: (إنها عزمة) (٢١/أ) يريد صلاة الجمعة، وقد دل عليها قوله: (خطبنا) وقد جاءت في بعض ألفاظ هذا الحديث مفسرة أن الجمعة عزمة.
* وهذا الحديث يدل على جواز التأخر عن الجمعة لأجل المطر.
* والرَّدَغ: هو الماء والطين. والدَّحْض: هو الزَّلق.
* ومعنى: (أحرجكم) أضيق عليكم.
-١٠٥٩ -
الحديث التاسع والثمانون: (حديث وفد عبد القيس):
(عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، ومنهم من قال: وكان يقعدني على سريره، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجرِّ، فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: (من الوفد؟ أو: من القوم؟) قالوا: ربيعة. قال: (مرحبًا بالقوم - أو: بالوفد - غير خزايا ولا ندامى). قال: فقالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شُقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَرَ، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام،
[ ٣ / ٩٣ ]
فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة.
قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: (هل تدرون ما الإيمان بالله؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خُمْسًا من المغنم)، ونهاهم عن الدَّباء والحنْتَم والنقير والمزفَّت.
قال شُعبة: وربما قال: (المُقيرِ). وقال: (احفظوه، وأخبروا به من ورائكم).
وفي رواية: (أنهاكم عما ينبذ في الدُّباءِ والمقير والحنتم والمزفت).
وفي رواية: قال رسول الله - ﷺ - للأشج - أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).
وفي رواية حماد بن زيد: أن لا إله إلا الله وعقد واحدة.
وفي حديث النضر: وسألوه عن الأشربة.
وفي حديث عمرو بن علي: وإنا لا نصل إليك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بجمل من الأمر إن عملنا (٢١/ب) به دخلنا الجنة، وندعو إليه من وراءنا.
وفي رواية: أن أبا جمرة قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة تنبذ لي فأشربها حلوًا، فإذا أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قد قدم وفد عبد القيس وذكره.
وفي رواية: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الدُّباء والمزفت والنقير، وأن
[ ٣ / ٩٤ ]
يخلط البلح بالزُهْو).
* في هذا الحديث من الفقه أنه يدل على أن الإيمان قول وعمل، وقد تقدم شرحنا لذلك، وإخلاله - ﷺ - بذكر الحج في الأركان، فقد تقدم قولنا عليه في حديث طلحة ﵁، وإنه إنما أخل بذكره لاشتهار أمره في الجاهلية، وأنهم كانوا عليه، وجاء الإسلام فزاده شدة فلم يحتج إلى ذكره لهم. لما كان السائلون أهل غزو عرفهم ما هم إلى بيانه محتاجون من أمر الخمس في الغنائم، وكذلك نهاهم عن الأنبذة المذكورة لكونهم ممن يخاف عليهم استعمالها.
* والخزايا، جمع خزيان. يقال: خزي الرجل إذا استحيا من فعل فعله على خلاف الصواب.
* والندامى: جمع ندمان على فعله.
* والشقة: السفر.
* وقوله: (فمرنا بأمر فصل) أي بين واضح ينفصل به المراد من غيره.
* والحنتم والحناتم: الجرار.
[ ٣ / ٩٥ ]
* والمزفت: السقاء الذي يطلي بالزفت وهو القار.
* والنقير: أصل النخلة ينقر فيتخذ منه ما ينبذ فيه، وإنما نهاهم عن هذه الأواني؛ لأن الشراب قد يغلي فيها.
* والأشج: لقب له، وإنما اسمه المنذر وقيل قيس.
* والحلم والأناة، الأناة: التأني والتثبت وترك العجلة إلى أن يتضح الصواب.
-١٠٦٠ -
الحديث التسعون:
(عن أبي جمرة، قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم. قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي: حج مبرور، ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس فحدثته، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم - ﷺ -.
وفي رواية: عمرة متقبلة، وحج مبرور.
وفي رواية لمسلم: تمتعت فنهاني ناس عن (٢٢/أ) ذلك، فأتيت ابن عباس فأمرني بها. قال: ثم انطلقت إلى البيت فنمت. فأتاني آت في منامي، فقال: عمرة متقبلة وحج مبرور، فأتيت ابن عباس فأخبرته فقال: الله أكبر، الله أكبر! سنة أبي القاسم - ﷺ -).
[ ٣ / ٩٦ ]
* قد مضى من هذا الحديث ما يرجع إلى المتعة، وفيه أن العبد الصالح إذا قال قولًا فرأى بعض المسلمين منامًا يعضد ذلك القول- قوي قلب قائله، وكان مبشرًا له.
* والهدي: ما أهدي إلى البيت، وإنما يكون من الإبل والبقر والغنم.
ويقال: فيه هدي (وهدِي بكسر الدال وتشديد الياء).
* وقوله: (أو شرك في دم) يدل على جواز أن يشترك السبعة في البدنة والبقرة سواء كان هديهم تطوعًا أو واجبًا، وسواء اتفقت جهات قربهم أو اختلفت، وكذلك إن كان بعضهم متطوعًا وبعضهم يؤدي ذلك عن واجب أو كان بعضهم متقربًا وبعضهم يريد اللحم. وهذا مذهب الشافعي وأحمد ﵄. وقال أبو حنيفة: إن كانوا متقربين صح الاشتراك أو كان بعضهم متقربًا وبعضهم يريد اللحم فلا يصح، وقال مالك: إن كانوا متطوعين صح الاشتراك، وإن كان عليهم هدي واجب لم يصح.
-١٠٦١ -
الحديث الحادي والتسعون:
(عن أبي جمرة: أن ابن عباس قال: (كانت صلاة النبي - ﷺ - ثلاث عشرة ركعة) يعني الليل).
[ ٣ / ٩٧ ]
-١٠٦٢ -
الحديث الثاني والتسعون: (في إسلام أبي ذر).
(عن ابن عباس، قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي - ﷺ - بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، واسمع قوله ثم ائتني، فانطلق حتى قدم مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت.
فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي - ﷺ - ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع، فرآه علي بن أبي طالب ﵇، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده (٢٢/ب) إلى المسجد، فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي - ﷺ - حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال: ما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه عليُّ ﵇ معه، ثم قال: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت، ففعل، فأخبره، فقال: فإنه حق، وهو رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل
[ ٣ / ٩٨ ]
على النبي - ﷺ - ودخل معه.
فسمع من قوله فأسلم مكانه. فقال له النبي - ﷺ -: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري) فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس ﵁ فأكب عليه، فقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام، - يعنى عليهم - فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه).
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند أبي ذر ﵁.
-١٠٦٣ -
الحديث الثالث والتسعون:
(عن سعيد بن أبي الحسن قال: (جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصَوِّرُ هذه الصور، فأفتني فيها. فقال: ادن مني، فدنا، ثم قال: ادن مني، فدنا، حتى وضع يده على رأسه، وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله - ﷺ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة
[ ٣ / ٩٩ ]
صورها نفسًا فتعذبه في جهنم). فقال: إن كنت لابد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له).
وفي رواية عن سعيد بن أبي الحسن، قال: (كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا العباس (٢٣/أ)، إني رجل، إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعته من رسول الله - ﷺ -، سمعته يقول: (من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها). فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجههن فقال: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح).
وفي رواية عن النضر بن أنس، قال: (كنت جالسًا عند ابن عباس، فجعل يفتي ولا يقول: قال رسول الله - ﷺ -، حتى سأله رجل فقال: إني رجل أصور هذه الصور. فقال له ابن عباس: ادنه، فدنا الرجل، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، وليس بنافخ).
* قد تقدم الكلام على الصور، وقوله: (كل مصور في النار يجعل له بكل صورة نفسًا) قد قدم قولنا: إن العذاب يكون على جنس الخطايا، وذلك
[ ٣ / ١٠٠ ]
أنه لما ضاهى هذا المصور بجهله خلق الله فعجز عن ذلك عدل إلى تشبيه مثال يشبه الظاهر من الجثة والبدن، فأثمر له سوء مقصده أن جعل الله له تلك الصورة بعينها نفسًا تعذبه يوم القيامة حتى يكون معذبًا بما صنعت يده، فمن شاء من المصورين فليقلل ومن شاء فليكثر.
* وقوله: (فربا الرجل)، الربو: ضيق الصدر وتتابع النفس، وأصله الانتفاخ.
-١٠٦٤ -
الحديث الرابع والتسعون:
(عن أبي البختري، أنه سأل ابن عباس عن بيع النخل؟ فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع النخل حتى يأكل منه، أو يؤكل، وحتى يوزن، قال: فقلت: ما يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يحرز).
* قد مضى الكلام في هذا الحديث، ويعني يوزن: يحرز، وهو الخرص. وذلك أنه إذا بلغ إلى أن يخرص فقد أمكن المشتري معرفة المقدار الذي يشتريه، وحينئذ يكون قد اشتد وصلح للأكل.
[ ٣ / ١٠١ ]
-١٠٦٥ -
الحديث الخامس والتسعون:
(عن ابن عباس قال: قدم النبي - ﷺ - (٢٣/ب)، وهم يُسْلِفُون في الثمار، السنة والسنتين. فقال: (من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم).
* السلف: السلم.
* وقد دل الحديث على أنه لا يجوز إلا في مقدار معلوم إلى أجل معلوم، ولا يجوز في أجل مجهول: كوقت الحصاد، وقدوم الحجاج.
[ ٣ / ١٠٢ ]
أفراد البخاري
-١٠٦٦ -
الحديث الأول:
(عن المسور بن مخرمة، قال: (لما طُعِنَ عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس، وكأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله - ﷺ - فأحسنت صحبته، ثم فارقك وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر ﵁ فأحسنت صحبته، ثم فارقك وهو عنك راض، ثم صحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون.
قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله - ﷺ - ورضاه، فإنما ذاك مَنٌ من الله تعالى به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ﵁ ورضاه، فإنما ذاك مَنٌ من الله به عليّ، وأما ما ترى من جزعي، فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا، لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه).
* قوله: (يجزعه) أي ينسبه إلى الجزع، وإنما قصد بذلك تقوية نفسه، وأن يحسن بالله ﷿ ظنه.
[ ٣ / ١٠٣ ]
* وقوله: (من أجلك وأجل أصحابك) يعني أن رسول الله - ﷺ - رضي عنه وأبو بكر ﵁ رضي عنه، فكأنه أراد: إنما لا أدري عنه فراقكم أترضون عني أم لا؟ فأخبره عن الحال التي هو فيها موعظة لهم، وأن من أشرف على الموت كان على هذا الوصف.
* وقوله: (قبل أن أراه) يحتمل أن يريد به العذاب، ويحتمل أن يعني به الله ﷿.
* وقوله: (صحبت رسول الله - ﷺ - فأحسنت صبحته) شهادة له بالصحبة وحسنها، وبرضى رسول الله - ﷺ - عن عمر حين فارقه، وكذلك أبو بكر، وأن عمر على جزعه صدقه في الأمرين جميعًا.
* (وطلاع الأرض): هو ما طلعت عليه الشمس.
-١٠٦٧ -
الحديث الثاني: (في صلاة الخوف):
(عن ابن عباس قال: (قام النبي - ﷺ - عليه (٢٤/أ) وسلم وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع الناس معه، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام الثانية، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه، الناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا).
[ ٣ / ١٠٤ ]
* هذه صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة.
* وقد سبق الكلام في صلاة الخوف في مسند سهل بن أبي خثمة.
-١٠٦٨ -
الحديث الثالث:
(عن ابن عباس قال: (يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بَدَّلوا ما كتب الله، وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا؟ أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ ولا والله، ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم).
* المحض: هو الخالص. والشوب: هو الذي يخلط به غيره.
* وفي هذا الحديث من الفقه: المنع من سؤال أهل الكتاب والرجوع إلى شيء مما معهم، وذلك أن الله تعالى قد شهد أنهم قد بدلوا وغيروا، فإذا استطلع مسلم أحدًا من أهل الكتاب عن شيء من التوراة لم يأمن أن يخبره بذلك
[ ٣ / ١٠٥ ]
المبدل المغير إذ كل شيء منه يجوز أن يكون التبديل قد أتى عليه، فلذلك منع منه.
* فأما قوله: (ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) فإنه يحتمل أن أهل الكتاب ليس عندهم احتفال بالدين، فلذلك لم يسئلوا عنه، ويحتمل أن يكون أنهم لم يروكم أهلًا للسؤال على ما أنتم عليه من أداء الأمانة والاستحقاق لذلك، فكيف تأمنوهم أنتم على ما أخبر الله سبحانه به عنهم من الكذب والتبديل والافتراء حتى عليه ﷻ.
-١٠٦٩ -
الحديث الرابع:
(عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى قيصر: (فإن توليت فعليك إثم الأريسيين).
* هذا بعض حديث سيأتي في شرحه.
* وقوله: (الأريسيين) قال الخطابي: كذا رواه البخاري اليريسيين، وهو في سائر الروايات الأيريسيين.
(٢٤/ب) قال ابن الأعرابي: الأريس: الأكَّار.
[ ٣ / ١٠٦ ]
-١٠٧٠ -
الحديث الخامس:
(عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه، فحسبت أن سعيد بن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله - ﷺ -: (أن يُمزقوا كل ممزق).
* كسرى: اسم ملك الفرس، كما أن قيصر: اسم ملك الروم.
* ومعنى قوله: (أن يمزقوا) أي يتفرق أمرهم وينقطع ملكهم، وكذلك كان. وهذه من دلائل نبوة نبينا - ﷺ -.
-١٠٧١ -
الحديث السادس:
(عن القاسم بن محمد أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله - ﷺ - وعلى أبي بكر ﵁.
وفي رواية: (استأذن ابن عباس على عائشة ﵂ قبل موتها، وهي مغلوبة، قالت: أخشى أن يثني عليّ، فقيل: ابن عم رسول الله - ﷺ - ومن
[ ٣ / ١٠٧ ]
وجوه الناس، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت، قال: فأنت بخير إن شاء الله، زوجة رسول الله - ﷺ -، ولم ينكح بكرًا غيرك، ونزل عُذرك من السماء. ودخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس، فأثنى عليَّ وودت أني كنت نسيًا منسيًا).
* وإنما دعا ابن عباس عائشة لكونها أم المؤمنين.
والفرط: المتقدم. وإضافة الفرط إلى الصدق مدح له، كقوله تعالى: ﴿أن لهم قدم صدق﴾.
* وقوله: (وهي مغلوبة) أي قد غلبها المرض.
* وفيه جواز التبشير للمريض لتقوى نفسه؛ لأن ابن عباس بشر عائشة.
* وفيه كراهية الإنسان الثناء عليه؛ لأن عائشة قالت: أكره أن يثني عليَّ.
* وقوله: (كيف تجدينك؟) فقالت: (بخير إن اتَّقَيْتُ)، إنما سألها عن حال بدنها، فأخبرته هي عن حال دينها. قال: (فأنت بخير إن شاء الله) يعني أنك من أهل التقوى.
* وقوله: (لم ينكح بكرًا غيرك) إنما خاطبها بحسن أدب، وإلا فالذي أراد لم ينكحك غيره، فكأنه قال: كأنك من الحور اللواتي لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان.
[ ٣ / ١٠٨ ]
* وقولها: (ليتني كنت نسيًا منسيًا). قال أبو بكر الأنباري: النَّسْيُ اسم لما ينسى بمنزلة البغض اسم لما يبغض، والنسيِ اسم لما نسيت. قال الشاعر:
(٢٥/أ) كأن لها في الأرض نسيًا تَقُصُّه على أثرها، وإن تكلمك تبلت
فمعناه: أنها تمنت أنها تكون لقا غير معتبرة ولا متوجهة، وإخال أن ذلك من يذكرها ما جرى بين المسلمين يوم الجمل، وأنها تذكرته فودت الخمول منه. وقد تقدم قولنا إنها كانت ﵂ مجتهدة لها أجر واحد، وكان علي ﵁ مجتهد له أجران لإصابته واجتهاده.
-١٠٧٢ -
الحديث السابع:
(عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن لم ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا.
* في هذا الحديث أن الله ﷾ لما أغضبه إنكار من أنكر البعث بعد
[ ٣ / ١٠٩ ]
الموت فقال سبحانه: (كذبني) فزعم أني لا اٌقدر على إعادته (ولم يكن له ذلك) يعني ﷻ: أن إيجادي لقائل هذا القول هو دليلي عليه، فنسي نفسه وشده عن حاله وأذهله باطله حتى جحد ما هو بعينه البينة فيه.
* وأيضًا فلأن من أنكر البعث فقد أعظم الفرية على الله ﷿ من وجوه:
- منها أنه نسب جلال الله المقدس المنزه المكرم عن كل سوء إلى ما لا يرضى به غواة السفهاء من كونه يجعل عاقبة المسلم كعاقبة المحرم، ومال الذين اجترحوا السيئات، كمال الذين عملوا الصالحات. وقد قال سبحانه: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ أي أنهم بعد الموت يستوون في أن لا يعودوا. فقال ﷻ: ﴿ما لكم كيف تحكمون﴾ أي كيف تحكمون بهذا القول على عدل الله وإنصافه، وأنه ﷻ قضى في الجزاء لكل محسن بإحسان فقال: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾، وقال: ﴿فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون﴾، ولو كان ما تخيله هؤلاء الكفار من لا بعث لكان المصلح والمفسد مستويي العاقبة، بل كان يفضل المفسد على المصلح بما استسلف من نيل شهواته وإنفاذ مآربه إلى غير ذلك.
- ومنها أن الله ﷾ جعل القيامة مظهرة من قدرته لما لا يظهر إلا بذلك؛ فإنه ﷾ لما أنكر (٢٥/ب) المنكرون بعثه سبحانه الأجسام بعد كونها عظامًا ورفاتًا - اقتضت حكمته أن يغضب لقدرته غضبة انتصار لها
[ ٣ / ١١٠ ]
بحيث يزجر الوجود زجرة فيعود كل ما كان قد اقتطعته أيدي الفناء وتملكته صولة التلاشي، زجرة واحدة فإذا الخلائق منذ لدن آدم إلى حين قيام الساعة من جهنم وإنسهم فكل دابة وطاير يطير بجناحيه ونفس منفوسة وشيخ فان وصبي رضيع وسخلة لشاة وفصيل لبعير أو سقط ألقته أمه خداجًا أو حمل في بطن، وما كان من ذلك من طائر أكله آدمي ثم أكل الآدمي أسد ثم أكل الأسد أسود ثم ماتت الأسود فأكلتها السمك في الآجام ثم أكل الآدميون السمك ثم هكذا في التغلغل والتداخل، فإذا الكل زجرة واحدة قيام ينظرون يتعارفون بينهم؛ فحينئذ يثبت لأهل الإيمان بقدرة الله ﷿ عند مشاهدتهم هذا منها ما لم يكن قبل ذلك، وترى المؤمنين من فرح لذتهم بالظفر منهم بأعدائهم المنكرين لذلك، وأنهم كانوا ملومين عند الكفار فيقولون حينئذ بألسن أحوالهم: ذلكم الله الذي أرغمناكم فيه.
- ومنها أن الله ﷾ أنزل في نص كتابه من الآيات ما استحل بها ﷾ على عباده ووثق بها من نفسه ﷿ بمواثيق إذا فهمها عبد مؤمن استحيا أن يخطر في قلبه غير تجريد الإيمان بها كقوله: ﴿الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾ ثم تتبع ذلك قوله: ﴿ومن أصدق من الله حديثًا﴾، وكقوله سبحانه: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلي وربي لتبعثن﴾ الآية إلى آخرها. وقوله ﷿: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا
[ ٣ / ١١١ ]
الساعة قل بلى وربي لتأتينكم﴾.
وهذه كلها أقسام وأيمان فمن زعم من الخلق أن لا بعث فقد زاد على التكذيب بالقول إلى أن الله ﷾ قد أقسم بما يزعم الكافر أنه لا يبر قسمه ﷾ فيه.
- ومنها: أن القيامة وعد للمؤمنين، وإن تضمنت وعيدًا للكافرين، فإنه داخل في إنجاز وعد المؤمنين؛ لأنهم إنما عادوهم في الله ﷿ فكيف ينسب ناسب (٢٦/أ) خالق السماوات والأرض الذي لا يجوز عليه اضطرار أو حاجة إلى خلاف وعده لعباده المؤمنين، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
* ثم قال ﷿: (وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك) زعم أن لي ولدًا (فسبحاني) أي تنزهت (أن أتخذ صاحبة ولا ولدًا)، لأن اتخاذ الصاحبة يكون لأهل النقص لمن يموت فيكون خلفًا منه وأما الحق سبحانه فلا نقص عنده ولا خلف منه. فهذا القول هو الذي ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (٩٠) أن دعوا للرحمن ولدًا (٩١) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا (٩٢) إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا (٩٣) لقد أحصاهم وعدهم عدًا﴾ أي إن الإحصاء والحصر والعد لسواه ﷾ عن الأجسام والخلق.
-١٠٧٣ -
الحديث الثامن:
(عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة:
[ ٣ / ١١٢ ]
مُلحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه).
* في هذا الحديث من الفقه أن المعاصي تغلظ بمقارنة أحوال وقوعها في أماكن ومحال تزيدها غلظة وشرًا.
* الملحد: هو المائل عن الاستقامة؛ فإذا ألحد في الحرم - وهو موضع يقصده أهل الميل ليستقيموا فيه - فمال هو عن الحق في ذلك الموضع الذي يقوم لله فيه قاصد به - اشتد غضب الله عليه.
* قوله: (ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية) والسنة الجاهلية: مهجورة متروكة بما جاء الله به من الإسلام ومحاسنه، فإذا أراد الإنسان استبدال الحسن من سنن الإسلام بالقبيح من سنن الجاهلية أبغضه الله ﷿.
* وقوله: (ومطلب دم امرئ) المطلب: الطالب، والدم لو وجب لإنسان طلبه بحق لكان من شأن المسلم أن يعفو عنه، ويجبن عن إراقة دم امرئ مسلم إذا كان له العفو عنه، فكيف بمن يطلب إراقة دم امرئ مسلم بغير حق.
-١٠٧٤ -
الحديث التاسع:
(عن ابن عباس: (أنه توضأ فغسل وجهه، فأخذ غرفة من ماء، فتمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء، فجعل بها هكذا، أضافها
[ ٣ / ١١٣ ]
إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه، (٢٦/ب) ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمني ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ).
وفي رواية: (توضأ رسول الله - ﷺ - مرة مرة).
* قد سبق في ذكر الوضوء ما قد سبق، وبيننا الأفضل، وهذه المرة المذكورة هاهنا هي المجزئة، وكذلك تمضمضه واستنشاقه من غرفة واحدة، وإلا فالأفضل أن تفرد كل واحدة بغرفة.
-١٠٧٥ -
الحديث العاشر:
(عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: (كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا - يعني الكعبة).
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لابد من وقع ما أخبر به رسول الله - ﷺ - من ذلك إلا أنه حينئذ تكون آية لخراب الدنيا كلها؛ لأنه بعد انهدام الكعبة فعلى الدنيا العفاء، والقيامة تكون على أثر ذلك.
* والفحَجُ: تباعد ما بين الفخذين.
[ ٣ / ١١٤ ]
* ويريد بقوله: (يقلعها) يعني الكعبة.
-١٠٧٦ -
الحديث الحادي عشر:
(عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - مَرُّوا بماء، فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؛ فإن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتى قدموا إلى المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله).
* في هذا الحديث جواز أخذ الأجرة على القربات من الأذان والصلاة وتعليم القرآن وغير ذلك.
* واللديغ: السليم.
-١٠٧٧ -
الحديث الثاني عشر:
(عن ابن عباس: أنه قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير: (قلت: أبُوهُ الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وجده أبو بكر، وجدته صفية).
وفي رواية: (دخلنا على ابن عباس فقال: ألا تعجبون لابن الزبير، قام في أمره هذا، فقلت: لأحاسبن نفسي له حسابًا ما حاسبته لأبي بكر ولا
[ ٣ / ١١٥ ]
لعمر، وإنما كانا أولى بكل خير منه، فقلت: ابن عمة النبي - ﷺ -، وابن الزبير، وابن أبي بكر، وابن أخي خديجة، وابن أخت عائشة، فإذا هو يتعلَّى عليَّ ولا يريد ذلك، فقلت: ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي فيدعه، وإنما أراه يريد خيرًا، وإن كان لابد كأن (٢٧/أ) يَرُبَّني بنو عمي أحب إليَّ من أن يَرُبَّني غيرهم).
وفي رواية: (قال ابن أبي مليكة:- وكان بينهما شيء - فغدوت على ابن عباس، فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير، فتحل ما حرم الله؟ قال: معاذ الله، إن الله كتب ابن الزبير وبني أمَيَّة مُحلِّين، وإني لا أحله أبدًا.
قال ابن عباس: قال الناس: بايع لابن الزبير، فقلت: وأين لهذا الأمر عنه؟ أما أبوه فحواري النبي - ﷺ -، يريد الزبير، وأما جده: فصاحب الغار، يريد أبا بكر، وأمه: فذات النطاقين، يريد أسماء، وأما خالته: فأم المؤمنين، يريد عائشة، وأما عمته، فزوج النبي - ﷺ -، يريد خديجة، وأما عمة النبي - ﷺ - فجدته، يريد صفية، ثم عفيف في الإسلام، قارئ للقرآن، والله إن وصلوني وصلوني من قريب، وإن ربوني ربني أكفاء كرام، فآثر التويتات والأسامات والحميدات، يعني: أبطنًا من بني أسد: بني تويت، وبنو أسامة، وبنو أسد، إن ابن أبي العاص برز يمشي القُدَميَّة، يعني عبد الملك بن مروان، فإنه لوى ذنبه، يعني ابن الزبير).
[ ٣ / ١١٦ ]
* في هذا الحديث من الفقه: حسن ثناء الصحابة على من أغضبهم، وذكر أحسن ما يعرفه أحدهم لأخيه في وقت غبه، فإن هذا القول من ابن عباس ليس فيه إلا ما هو حسن جميل، وما نقمه من الأفعال فإنه تلطف في ذكرها على ماله مخرج.
* وقوله: (يَتَعَلَّى عليَّ) يعني يترفع. و(يَرُبَّني) بمعنى يكون أميرًا علي.
* وقوله: (بنو عمي) يريد أن عبد الملك من بني عبد شمس، وعبد شمس هو أخو هاشم.
* وقوله: (أبوه حواري رسول الله - ﷺ -) الحواري هو الناصر.
* وقوله: (ابن ذات النطا) سيأتي ذكره في مسند عاشئة ﵂ مشروحًا.
* وقوله: (برز يمشي القُدَميّة) قال أبو عبيد: يعني به التبختر، وهذا مثل، ولم يرد به المشي بعينه، ولكنه أنه ركب معالي الأمور وسعى فيها وعمل بها. وقال ابن قتيبة: يقال مشى فلان القُدَميَّة والتقدمية أي يقدم لهمته وأفعاله.
* وقوله: (وآثر التَّويتات والأسامات والحميدات) يعني أنه آثر قومًا من بني أسد (٢٧/ب) بني عبد العزى من قرابته، وكأنه صغرهم وحقرهم.
[ ٣ / ١١٧ ]
* وقوله: (فإنه لوَّى بذنبه) أي أنه لم يبرز للمعروف، ويبدي له صفحته، ولكنه راغ عن ذلك وتنحى.
-١٠٧٨ -
الحديث الثالث عشر:
(عن ابن أبي مليكة، قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فأخبره، فقال: (دعه فإنه قد صحب النبي - ﷺ -).
وفي رواية: (قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه).
* في هذا الحديث جواز الإيتار بركعة منفصلة مما قبلها.
* وفيه أيضًا شهادة ابن عباس ﵁ لمعاوية أنه فقيه، وشهادته حجة؛ لأن الفقيه إذا شهد لآخر بالفقه ثبت فقه المشود له، خلاف ما لو شهد له بذلك غير فقيه ولا سيما شهادة ابن عباس فإنه فقيه الأمة وحبرها، فإذا شهد لمعاوية بالفقه فناهيك بها شهادة.
-١٠٧٩ -
الحديث الرابع عشر:
(قال ابن عباس: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ خفيفة.
[ ٣ / ١١٨ ]
زاد في رواية البرقاني: كانوا بشرًا ضعفوا ونسوا، وظنوا أنهم قد كذبوا ذهب بها هناك وأومى بيده إلى السماء.
وفي رواية البخاري: ذهب بها هناك فتلا: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾، وقال ابن أبي مليكة: فلقيت عروة بن الزبير فذكرت ذلك فقال: قالت عائشة: (معاذ الله، والله ما وعد الله ورسوله من شيء إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم قال: وكانت تقرؤها: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ مثقلة).
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الله سبحانه سامح عباده بما تحدث في نفوسها عند الأشياء المزلزلة للإيمان، مما لا يمكن التعبير عنه بأكثر من الاعتراف له سبحانه بالعجز عن الشكر بمقدار ما يستحقه، إلا أن في هذا الحديث مما ذكرته عائشة جوابًا عما ذكره ابن عباس، وعلى ذلك فأن القراءة المشهورة هي تشديد الذال، وما ذكرته عائشة هو الصحيح.
* وفي (٢٨/أ) هذا الحديث ما يدل على أن ذلك الوقت الذي تتناهى فيه الشدة هو الوقت القريب من الفرج ونزول النصر لقوله سبحانه: ﴿جاءهم نصرنا﴾.
[ ٣ / ١١٩ ]
-١٠٨٠ -
الحديث الخامس عشر:
(عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: (في العسل والحجم الشفاء).
وفي رواية للبخاري عن ابن عباس قال: (الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي).
* في هذا الحديث ما يدل على أن التداوي بما ذكر سنة، وأن ما يجري مجراه من القياس عليه يفضل فعله تركه بالنية فيه، وقد تقدم ذكر ذلك.
[ ٣ / ١٢٠ ]
-١٠٨١ -
الحديث السادس عشر:
(عن ابن عباس: (أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يطوف بالكعبة بزمام أو غيره، فقطعه).
وفي حديث هشام: (يقود إنسانًا بخزامة في أنفه، فقطعها النبي - ﷺ -، ثم أمره أن يقود بيده).
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يجوز أن يقاد الآدمي بما يقاد به الدواب؛ لأن الله تعالى كرم بني آدم، فلا يجوز أن يخرم أنف أحدهم كما يخرم أنف البعير، وعلى هذا يقاس كل شيء من جنس الحبل فرقًا بين الآدمي والدابة.
-١٠٨٢ -
الحديث السابع عشر:
(عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربي﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل رسول الله - ﷺ -. فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي - ﷺ - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال: (إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة).
[ ٣ / ١٢١ ]
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله تعالى إنما أنزل الكتاب على رسوله ليبلغه إلى عباده، وأن قول الله ﷿: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربي﴾ ومعناه أنه أراد أن القربى التي بيني وبينكم يا معاشر العرب، هي التي حملتني على حرصي على إيمانكم أول الخلق، وتقديكم في الإنذار على جميع العالمين فهذا تأويل الآية على ما كان يقوله الشيخ محمد بن يحي ﵀، وهو يعني ما ذكر عن ابن عباس على أن حب آل رسول الله (٢٨/ب) - ﷺ - فريضة على كل مسلم، وقد تقدم شرحنا لذاك الحديث.
-١٠٨٣ -
الحديث الثامن عشر:
(عن ابن عباس، قال: (خلال من خلال الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنِّياحة، ونسي الثالثة. قال سفيان: ويقولون: الاستسقاء بالأنواء).
* في هذا الحديث ما يدل على أن كل واحد من هذه الخصال الثلاث حرمه، وقد رفع الله ﷿ سير الجاهلية بآداب الشريعة والحمد لله رب العالمين.
-١٠٨٤ -
الحديث التاسع عشر:
(عن ابن عباس قال: (دخل النبي - ﷺ - البيت، فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: أما هم، فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه
[ ٣ / ١٢٢ ]
صورة. هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم الله، والله ما استقسما بالأزلام قط).
وفي رواية: (إن رسول الله - ﷺ - لما قدم، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، فقال رسول الله - ﷺ -: (قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بهما قط) فدخل البيت، فكبر في نواحيه ولم يصل فيه).
* في هذا الحديث ما يدل على تحريم الصور؛ فإن رسول الله - ﷺ - امتنع من الدخول إلى البيت الحرام لكون الصور فيه فما ظنك بغير ذلك من البيوت.
* وفيه أيضًا تحريم الاستقسام بالأزلام.
* وفيه أيضًا حجة على أن تستعمل مكان ما لقوله - ﷺ -: (إنهما لم يستقسما بالأزلام قط) والأزلام قد فسرناه في مسند سعد بن أبي وقاص.
-١٠٨٥ -
الحديث العشرون:
(عن ابن عباس، قال: (ليس السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة سنة،
[ ٣ / ١٢٣ ]
إنما كان أهل الجاهلية يسعونها، ويقولون: لا نُجيزُ البطحاء إلا شَدًا).
* قد بينا أن الرمل والطواف بالبيت في الأشواط الثلاثة إنما كان لإظهار (٢٩/أ) الجلد. وذلك المعنى موجود في السعي لأدفع من فطنة المشركين بإيهان الحمى للمسلمين فيما خيف منه. وقد تقدم قولنا في هذا الأمر مما بقي حكمه بعد زوال سببه؛ ليكون ذلك مشيرًا إلى جواز استعمال مثله في غير الطواف والسعي إرغامًا للعدو وكيدًا له.
* فأما قول ابن عباس ﵁: (ليس السعي بين الصفا والمروة بسنة) يحتمل أن يكون أليس بسنة بإسقاط همزة الاستفهام يعني: أليس السعي بسنة؟ وما ذكره عن الجاهلية فإنه يعني فيما أرى أن فعل الجاهلية وإن كان موافقًا لما فعله المسلمون في الصورة فقد خالفه في القصد.
-١٠٨٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
(عن ابن عباس قال: (انطلق النبي - ﷺ - من المدينة، بعدما ترجل وادهن، ولبس إزاره ورداءه، هو وأصحابه، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزُر إلا المزَعْفَرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي الحُليْفة، فركب راحلته، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنته، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بُدْنه؛ لأنه قلدها، ثم نزل بأعلى مكة عند
[ ٣ / ١٢٤ ]
الحجون، وهو مُهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يقصروا رؤوسهم، ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال، والطيب والثياب).
وفي رواية: (قدم النبي - ﷺ - مكة فأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يحلوا، ويحلقوا ويقصروا).
* المزعفرة: التي تصبغ بالزعفران، ومعنى تردع الجلد: أي تصبغه وتنفض صبغها عليه، وأصل الردع الصبغ والتأثير، ويقال: ثوب رديع، أي مصبوغ.
وسيأتي ذكر حج رسول الله - ﷺ - في مسند جابر مشروحًا إن شاء الله تعالى.
-١٠٨٧ -
الحديث الثاني والعشرون:
(عن ابن عباس، قال: (يطوف (٢٩/ب) الرجل بالبيت ما كان حلالًا، حتى يُهلَّ بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هديه من الإبل أو البقر أو الغنم، ما تيسر له من ذلك، أي ذلك شاء، غير أنه إن لم يتيسر له فعليه ثلاثة أيام في الحج، وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه، ثم لينطلق حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام، ثم يدفعون إلى عرفات، فإذا أفاضوا حتى يبلغوا جمعًا الذي
[ ٣ / ١٢٥ ]
يتبرَّرُ فيه، ثم ليذكروا الله كثيرًا، ويكثروا من التكبير والتهليل قبل أن يصبحوا، ثم أفيضوا فإن كان الناس، وقال الله ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ حتى يرموا الجمرة).
* هذا الحديث طرف من حديث الحج وسيأتي في مسند جابر إن شاء الله تعالى.
-١٠٨٨ -
الحديث الثالث والعشرون:
(عن ابن عباس (أن النبي - ﷺ - بعث أبا بكر ﵁ على الحج، يخبر الناس بمناسكهم، ويبلغهم عن رسول الله - ﷺ -، حتى أتوا عرفة من قبل ذي المجاز، [فلم يقرب الكعبة ولكن شمر إلى ذي المجاز] وذلك أنهم لم يكونوا استمتعوا بالعمرة إلى الحج).
* وهذا طرف من حديث الحج وفي مسند جابر يشرح أحوال الحج مستوفيًا إن شاء الله على أنه قد سبق من ذكر الحج ما قد سبق.
[ ٣ / ١٢٦ ]
-١٠٨٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
(عن مجاهد قال: (قلت لابن عباس: أأسجد في (ص) فقرأ: (ومن ذريته داوود وسليمان﴾ - حتى أتى-: ﴿فبهداهم اقتده﴾ فقال: نبيكم - ﷺ - ممن أمر أن يقتدي بهم).
وفي رواية البخاري قال: (ليست (ص) من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد فيها).
* في هذا الحديث ما يدل على أن السجود في غير هذه السورة من العزائم؛ لأن رسول الله - ﷺ - سجد في (ص) وليست من عزائم السجود.
-١٠٩٠ -
الحديث الخامس والعشرون:
(عن ابن عباس قال: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء﴾ فالعفو: أن يقبل الرجل الدية من أخيه في العمد و﴿اتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ والإحسان: أن يطلب هذا بالمعروف، ويؤدي هذا بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ مما كتب على من كان قبلكم، ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ قتل بعد قبول (٣٠/أ)
[ ٣ / ١٢٧ ]
الدية).
* في هذا الحديث ما يدل على أن من جملة ألطاف الله سبحانه لهذه الأمة، أنه شرع العفو عن الدم وقبول التوبة من القاتل وذلك تخفيف من ربنا ورحمة.
قال سعيد بن جبير: يقال إنه كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد، ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه دية، فرخص الله لأمة محمد - ﷺ -، فإن شاء ولي المقتول عمدًا قتل، وإن شاء عفى، وإن شاء أخذ الدية عند الجمهور.
-١٠٩١ -
الحديث السادس والعشرون:
(عن ابن عباس: ﴿فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾. يقول: إني أريد التزويج، ولوددت أن تيسر لي امرأة صالحة).
* في هذا الحديث ما يدل على أن التعريض بذكر النكاح للمعتمدة من وفاة
[ ٣ / ١٢٨ ]
زوجها مباح، وإنما رخص الله ﷿ في التعريض لنكاحها إذا ما احتاط للميت بتطويل عدتها فإنه جعل عدتها أربعة أشهر وعشرًا.
والذي أرى أن الحكمة في تعيين هذا العدد لبراءة رحم المتوفى عنها زوجها بيقين، هو أن الله ﷾ لما شرع لبراءة الأرحام ثلاثة قروء، على اختلاف الناس في القروء وهل هي الأطهار أو هي الحيض؟ فإنه لا يتم ثلاثة قروء حتى تستكمل ستة ما بين طهر وحيض، فنظرت فإذا مذهب أهل الحجاز في أكثر الحيض أنه خمسة عشر يومًا. ومذهب أهل العراق في أكثر الطهر أنه سبعة وعشرون يومًا فإذا جمعنا أكثر الحيض عند من مذهبه الأتم في عدد أيامه وحسبنا الطهر على مذهب من مذهبه الأتم في عدد أيامه كان احتياطًا بالجمع بين المذهبين اللذين عليهما العمل مذهب أهل الحجاز ومذهب أهل العراق فاجتمع من ذلك عن كل قرء اثنان وأربعون يومًا، فإذا حسبنا ذلك ثلاث مرات كان مائة وستة وعشرين يومًا، فيكون هذا في الحساب أربعة أشهر وستة أيام فتبقى أربعة أيام مما نطق به القرآن وذلك لجواز أن تتوالى تلك الأشهر الأربعة نواقص فكملت بالأربعة أيام، فإذا جلست المرأة في عدة زوجها المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا (٣٠/ب) فقد اعتدت ثلاثة قروء على كمال المذهبين في تمام الطهر وتمام الحيض بيقين احتياطًا من الشرع المتوفى عنها زوجها لئلا يلتحق بالميت نسب غيره.
-١٠٩٢ -
الحديث السابع والعشرون:
(عن ابن عباس: ﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾ قال: رجل من قريش له زنمة مثل
[ ٣ / ١٢٩ ]
زنمة الشاة).
* في هذا الحديث ما يدل على نزول هذه الآية في شخص بعينه.
وجمهور العلماء على أنه الوليد بن المغيرة، وإن كان العتل على الإطلاق هو الغليظ الجاف، والزنيم: الدعي.
-١٠٩٣ -
الحديث الثامن والعشرون:
(عن ابن عباس: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾ حالًا بعد حال، قال هذا نبيكم - ﷺ -).
* هذا التفسير من ابن عباس إنما يقع على قراءة من فتح الباء، وهي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وابن عباس ﵁ قال في تفسيره: (لتركبن حالًا بعد حال).
وابن مسعود ﵁ قال: لتركبن سماء بعد سماء، فأما قراءة باقي السبعة فبضم الباء فهو خطاب لجميع الناس.
[ ٣ / ١٣٠ ]
-١٠٩٤ -
الحديث التاسع والعشرون:
(عن ابن عباس قال: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ قال: هم نفر من بني عبد الدار).
* هذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت في قوم متعينين، وإن كان حكم الآية يتناول كل من كانت حاله مثل حال هؤلاء الذين نزلت فيهم.
* قال المفسرون: الصم هو انسداد منافذ السمع، وهو أشد من الطرش، والبكم: الخرس. ولو لم يكن القوم صمًا ولا بكمًا في الصورة، ولكنهم أعرضوا عن سماع ما يهديهم وعن التكلم بما ينفعهم كانوا صمًا بكمًا في المعنى.
-١٠٩٥ -
الحديث الثلاثون:
(قال ابن عباس: (أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها، يعني قوله: ﴿وأدبار السجود﴾).
[ ٣ / ١٣١ ]
* في هذا الحديث ما يدل على الندب إلى التسبيح على أثر كل صلاة. روى مجاهد عن ابن عباس، قال: المراد به التسبيح باللسان في أدبار الصلوات.
وقال ابن زيد: المراد بها النوافل بعده المفروضات.
وفي ذلك من المعنى أن الصلاة عند المؤمنين وقت غنيمة لانقطاعهم، وخلوهم فيها بمحبوبهم، مفكرين في أذكارها متدبرين ما يقرأونه من كلام (٣١/أ) مولاهم الكريم فيها، فإذا قضوا فرائضهم منها لم يرض المؤمن لنفسه أن لا يكون مشرئبًا إلى النافلة منها بعد الفريضة ومتطلعًا إليها لأنها مقام في مواصلة، فإذا اقتصر منها على ما فرضه الله عليه أشعر بحاله أنه لو لم يفرض عليه ما فرض لم يكن واقفًا بهذا الباب الكريم تطوعًا من قبل نفسه فإذا أتبعها بالنوافل كان بذلك دالًا على تيقظه لما له في الصلاة من الخير، وهذا هو يكون شرح القول بأن النوافل خلف الفريضة أي السبحة بعد الصلاة.
فأما الوجه الآخر الذي هو التسبيح بالأذكار من غير صلاة؛ فإن المؤمن في صلاته تقتضي حاله عند كل فعل من أفعال الصلاة أن يأتي بذكر من الأذكار المشروعة التي يضيق عنها زمن الصلاة؛ فإذا فرغ من الصلاة واستدرك من الأذكار بتكرير التسبيح والتهليل والتحميد وقول: لا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم وسؤال ما يسأل من فضل الله تعالى مما يتبعه صلاته في وقت لا يختلف في جواز قوله إياه فيه.
-١٠٩٦ -
الحديث الحادي والثلاثون:
(عن ابن عباس ﴿الذين بدلوا نعمت الله كفرًا﴾ قال: هم كفار قريش. قال
[ ٣ / ١٣٢ ]
عمرو: هم قريش، ومحمد - ﷺ - نعمة الله، ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: النار، يوم بدر. وفي رواية عن ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة).
* في هذا الحديث ما يدل على أن نزول هذه الآية في أهل مكة، وقد ذكر بيان قوله: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم﴾ وحكم هذه حكم تلك.
-١٠٩٧ -
الحديث الثاني والثلاثون:
(عن مجاهد ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ قال: كانت هذه العدة، تعتد عند أهل زوجها واجب، فأنزل الله ﷿: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف﴾ [البقرة: ٢٤٠].
قال: فجعل الله تمام السنة وصية إن شاءت سكنت (٣١/ب) في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: ﴿غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾، والعدة كما هي واجب عليها. يرغم ذلك ابن أبي نجيح عن مجاهد.
وقال ابن أبي نجيح، وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غير إخراج﴾.
قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت
[ ٣ / ١٣٣ ]
لقول الله ﷿: ﴿فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن﴾. قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها].
* في هذا الحديث ما يدل على أن المنسوخ حكمه بالكتاب العزيز في الآية الأخرى.
-١٠٩٨ -
الحديث الثالث والثلاثون:
(عن ابن عباس يقرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾. قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا).
* هذا المذكور هو مذهب ابن عباس في هذه الآية، والجمهور على أنها منسوخة بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.
[ ٣ / ١٣٤ ]
-١٠٩٩ -
الحديث الرابع والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع).
* في هذا الحديث من الفقه أن العمل على ما انتهى عليه الأمر أخيرًا فإنه خرج عباده في فرض الفروض عليهم بما اقتضته حكمته إلى أن استقرت الأمور على ما لا نسخ له إلى يوم القيامة.
-١١٠٠ -
الحديث الخامس والثلاثون:
(عن ابن عباس، قال: (صارت الأوثان التي كانت لقوم نوح في العرب تعبد، أما (ود) فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما (سُواعُ) فكانت لهذيل، وأما (يغوث) فكانت لمراد، ثم لبني غُطيف بالجرف عند سبأ، وأما (يعوق) فكانت لهمدان، وأما (نسر) فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعْبَد،
[ ٣ / ١٣٥ ]
حتى إذا (٣٢/أ) هلك أولئك، وتنسخ العلم عُبِدت).
* فيه من الفقه ما يدل على أن الله ﷿ أنقذ العرب بمحمد - ﷺ - من هلك كان قد تفاقم بهم على عبادة الأصنام واتخاذ الأوثان، فمن الله على الخلق عامة وعلى العرب خاصة.
* وفيه أيضًا أن الشيطان توصل إلى ذلك من طريق تصور الصور.
-١١٠١ -
الحديث السادس والثلاثون:
(عن عطاء عن ابن عباس: كان المشركون على منزلتين من النبي - ﷺ - والمؤمنون، كانوا مشركي أهل حرب، يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركو أهل عهد، لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طَهُرتْ حَلَّ لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدَّتْ إليه، وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حُران، ولهما ما للمهاجرين، ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد: وإن هاجر عبدًا أو أمة من أهل العهد لم يردوا، ورُدَّت أثمانهم. وقال عطاء: عن ابن عباس: كانت قريبة بنت أبي أمية عند عمر بن الخطاب، فطلقها فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وكانت أم الحكم بنت أبي سفيان تحت عياض بن غنم الفهري،
[ ٣ / ١٣٦ ]
فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي).
* في هذا الحديث ما يدل على الحال التي كانت بين رسول الله - ﷺ - ومن معه من المؤمنين ومن المشركين، وأن المؤمنات كن إذا هاجرن امتحن فإذا أعلمن مؤمنات لم يرجعن إلى الكفار وهن مؤمنات لم يؤمن أن يوطأن فتحمل المؤمنة من كافر، فيعود ذلك مانعًا لها مما هاجرت له، فلسن في ذلك كالرجال لأنه لا نخاف على الرجال ما نخاف على النساء من ذلك ثم شرع الله ﷿ رد ما أنفق الكفار على المؤمنات، يعني من المهور لأنه لم يعن بالنفقة في هذا الموضع إلا المهور.
-١١٠٢ -
الحديث السابع والثلاثون:
(عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿ليس عليكم جناح (٣٢/ب) أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ في مواسم الحج. قرأها ابن عباس).
[ ٣ / ١٣٧ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن التجارة في الحج مباحة.
-١١٠٣ -
الحديث الثامن والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ فكتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة. وقال سفيان - غير مرة - أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت: ﴿الآن حفف الله عنكم﴾ الآية، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين. زاد سفيان مرة: نزلت: ﴿حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ قال سفيان: وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا.
وفي رواية: لما نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ شق ذلك على المسلمين، حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم].
* في هذا الحديث من الفقه أن الحكم كان في أول الإسلام وجوب ثبوت المؤمن لعشرة من المشركين وأن لا يفر منهم، وكان هذا مناسبًا للإيمان بالله
[ ٣ / ١٣٨ ]
واليوم الآخر؛ لأن المؤمن يقاتل بصدق عزمه وقوة قلبه فيبين أمارة اعتضاده بربه وثقته بنصره غير أن الله تعالى لما علم أن في المؤمنين القوي والضعيف أراد اللطف بالضعيف وأن لا يكلفه الوقوف في مقام القوي فحط درجة القوي إلى الضعيف فوضع من العشرة ثمانية فبقي كل مؤمن إزاء كافرين فلا يحل له أن يفر من اثنين إذ لا يليق بالحال أن يجعل بإزاء المؤمن كافر أبدًا.
* وقوله: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا﴾ لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، والمعنى: تقاتلوا مائتين فعرض على الرجل أن يثبت لرجلين فإن زادوا جاز له الفرار، وعلى هذا فإنه مباح للواحد أن يحمل ويلقى نفسه على العشرة والمائة والألف إذا رأى أن في ذلك إظهار العزة للإسلام وشدًا لقلوب المؤمنين، فإن غلب على ظنه أنه إن قتل في حملته تلك أن ذلك يعود بوهن ما على الإسلام لم يستحب (٣٣/أ) له ذلك.
* وفي الحديث أيضًا ما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن يجتنب أهله في مكابدته ما يجتنبه المجاهدون وأن لا يرجعوا لقلة عن كثرة، لكن إذا أمكن رفع ذلك إلى الإمام وولى الأمر أو خيف من أن يفرق فيه كلمة يكون المنكر فيها أعظم أمسك.
* وفيه أيضًا أن الله سبحانه يلقي صبره على عبده بمقتضى ما يكون من عزمه وجده، فإن زاد زيد له وإن نقص من عزمه فبحسب ذلك.
-١١٠٤ -
الحديث التاسع والثلاثون:
(عن عمرو قال: قرأ ابن عباس: ﴿ألا إنهم يثنون صدروهم ليستخفوا منه ألا
[ ٣ / ١٣٩ ]
حين يستغشون ثيابهم﴾، قال: وقال غيره: عن ابن عباس: أنه قرأ: ﴿ألا إنهم تثنوني صدروهم﴾. قال الراوي: فسألته عنها، قال: كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم).
* في هذا الحديث من الفقه إعلام الله ﷿ عباده أنه لا يخفى عليه شيء من سرهم ولا نجواهم، وأن الذين يثنون صدروهم أو يثنوني صدروهم بالسرار والقول الخفي فإنه يسمعه الله ويعلمه، وأرى التحذير في هذه الآية من أن يثني الإنسان صدره لنجوى أحد إلا فيما يستحسن أن يسمعه ربه فإن قوله تعالى: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾، فإنه عنى ﷾ إنما تستر الأثواب من الآدمي في الليل والنهار من العورة فإنه باد لله ﷿، وإنما يستره ثوبه من مثله، وهذا فهو انكشاف من معذور فيه لأنه ليس من كسبه، فأما الانكشاف بعورة من قوله فإنه غير معذور فيه؛ لأنها من كسبه ولاسيما وهو يجمع فيها بين ذل أو فاحشة المناجي عن أن يجهر بها لخصمه وبين أن يجاهر بها ربه.
* وفيه أيضًا دليل على كراهية أن يعرى الرجل في الليل عند جماعه لأهله
[ ٣ / ١٤٠ ]
مفضيًا (٣٣/ب) بفرجه إلى السماء.
* وأما قراءة من قرأ: ﴿تثنوني صدروهم﴾ على وزن تفعوعل.
* المصدور: ومعناه المبالغة في تثني الصدور.
-١١٠٥ -
الحديث الأربعون:
(حديث إبراهيم ﵇ وهاجر أم إسماعيل ﵉. عن أيوب بن أبي تميمة السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة،- يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: (أول ما اتخذ النساء المنطق: من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا.
وقال الأنصاري عن جريج، قال: أما كثير بن كثير: فحدثني قال: إني وعثمان بن أبي سليمان جلوس مع سعيد بن جبير، فقال: ما هكذا حدثني ابن عباس ولكنه قال: أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمه وهي ترضعه، معها شنة - لم يرفعه- ولم يزد الأنصاري على هذا.
وفي أول الحديث عن البرقاني: من حديث عبد الرزاق عن معمر عن أيوب، وكثير، ولم يذكره البخاري (أن سعيد بن جبير، قال: سلوني يا معشر الشباب، فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم، فأكثر الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله، أرأيت هذا المقام، أهو كما كنا نتحدث؟ قال: وما كنت نتحدث؟ قال: كنا نقول: إن إبراهيم ﵇ حين جاء عرضت
[ ٣ / ١٤١ ]
عليه امرأة إسماعيل النزول، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر، فقال: ليس كذلك).
من هاهنا ذكر البخاري بهذا الإسناد المتقدم في أول الترجمة عن أيوب، وكثير عن سعيد بن جبير، قال سعيد: قال ابن عباس: (أول ما اتخذ النساء المنطق: من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتُعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا، فتتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم (٣٤/أ) ﵇ حتى إذا كان عند الثنية - حيث لا يرونه- استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات فرفع يديه فقال: يارب ﴿إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع- حتى بلغ- لعلهم يشكرون﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من
[ ٣ / ١٤٢ ]
الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت، سعي الإنسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت، هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: (فلذلك سعى الناس بينهما)، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه- تريد نفسها- ثم تسمعَت فَسَمِعَتْ صوتًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غُواثُ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، -أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول: بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف- وفي رواية أخرى: بقدر ما تغرف-.
قال ابن عباس: قال النبي صلي الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم- أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا) قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه، وعن شماله، فكانت كذلك، حتى مرت بهم رُفْقَة من جُرهُمَ، مقبلين من طريق كداء (وقد روي بضم الكاف وفتحها) فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريَّيْن فإذا هم بالماء، فرجعوا وأخبروهم فأقبلوا، (٣٤/ب) وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: لتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم.
[ ٣ / ١٤٣ ]
قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: (فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس) فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجُوهُ امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل.
فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يسعى لنا. وفي رواية إبراهيم بن نافع: ذهب يصيد، ثم سألها عن عيشهم؟ فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي ﵇، وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك وأخبرته أنا في جهد وشدة، فقال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى.
فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، قالت: خرج يسعى لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله تعالى. قال: فما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي - ﷺ -: (ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه). قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
وفي رواية إبراهيم بن نافع: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت امرأته: ألا تنزل فتطعم وتشرب قال: وما طعامكم وما
[ ٣ / ١٤٤ ]
شرابكم؟ فقالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم - ﷺ -: (بركة دعوة إبراهيم ﵇). قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني (٣٥/أ) عنك؟ فأخبرته، فسألني كيف عيشتنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنتِ العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: (فاصنع ما أمرك ربك) قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتًا هاهنا- وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها-، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾.
وفي حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين
[ ٣ / ١٤٥ ]
أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة من ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فَيَدُّر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعهما عند دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فأتبعته أم إسماعيل، حتى لما بلغوا كداء، نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله.
قال: فرجعت تشرب من الشَّنَّة، ويدرُّ لبنها على صبيِّها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا، قال: فذهبت فصعدت الصفا فنظرت، ونظرت هل تُحِسَّ أحدًا، فلم تحسَّ أحدًا، فلما بلغت الوادي سعت، وأتت المروة، وفعلت ذلك أشواطًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت.
* ما يفعل الصبي؟ فذهبت، فنظرت، فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقر نفسها، فقالت: لو ذهبت، فنظرت.
لعلي أحس أحدًا، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت، ونظرت (٣٥/ب) فلم تحس أحدًا حتى إذا تمت سبعًا، قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل، قال: فقال بعقبه هكذا -وغمز بعقبه على الأرض- فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحفن،- وفي أخرى: تحفر-، وذكر الحديث بطوله نحوه أو قريبًا منه.
والأول أتم إلى قوله: فوافى إسماعيل من وراء زمزم يُصلحُ نبلًا له. فقال يا إسماعيل: إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا. قال: أطع ربك، قال: إنه أمرني أن تعينني عليه، قال: إذن أفعل،- أو كما قال-، قال: فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام،
[ ٣ / ١٤٦ ]
فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾.
وأخرج البخاري طرفًا منه عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: (يرحم الله أم إسماعيل، لولا أنها عجلت، لكان زمزم عينًا معينًا).
وفي حديث إبراهيم بن نافع، فقال أبو القاسم - ﷺ -: (لو تركته كان الماء ظاهرًا).
* في هذا الحديث من الفقه أن أول من اتخذ النطاق أم إسماعيل ﵇، والنطاق: هو ثوب تشد به المرأة وسطها بالزيادة تحصن، وإنما فعلته أم إسماعيل لتسحبه على الأرض فيعفي أثرها على سارة.
* وفيه أيضًا أن الغيرة من النساء قد كانت في النساء منذ ذلك الزمان.
* وفيه أيضًا دليل على أن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه إنما ترك أهله بالوادي بأمر الله ﷿، فلا يشرع لغير الأنبياء أن يتركوا أحدًا في مضيعة ولا في مثل ذلك الوادي.
* وقوله: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ فإنه شرح حالهم ودعا لهم، فأراد بشرح حالهم أن يخبر أني قد امتثلت ما أمرت به فيهم، وبالدعاء لهم استيداعهم والإيصاء بهم.
[ ٣ / ١٤٧ ]
* وقول أم إسماعيل: (أالله أمرك بهذا؟) فقال: نعم. فرجعت راضية (٣٦/أ) لأنه من أحيل على ملي فليحتل. والتلوي: التلفت.
* وفي الحديث دليل على أن السعي والطلب مشروع، فإن أم إسماعيل سعت تطلب لولدها. وقولها: (صه)، اسم فعل يقتضي الأمر بالإمساك فقولها: (هل عندك غواثُ) يعني فرجًا. قوله: (تحوضه) أي تجعله له حوضًا، ولو أنها تركت الماء على ما فتح الله ﷿ لكان معينًا ولكنها قصرت طمعها على كفاية لنفسها فوقف الأمر، والمعين: الظاهر الذي تبصره العيون، والسقا: القربة، والجريُّ: الرسول. وقوله: (أنفسهم) أي أعجبهم لنفاسته.
* وفيه أيضًا أن الولد يتخذ كسبًا وهو من خير الكسب.
* وفيه أن المرأة مسرعة إلى الشكوى لم يكن حالها ملائمة أن تكون زوجة نبي، وبضدها الراضية الشاكرة، فلذلك أمر إبراهيم ولده إسماعيل بمفارقة الأولى وإقرار الثانية.
* وفيه أيضًا أن اللحم والماء بمكة دون غيرها من البلاد طعام صالح تستثمر به الأبدان وتصلح عليه.
* وفيه أيضًا دليل على أن الإدمان على أكل اللحم مكروه.
* وفيه أيضًا أن حسن الهيئة دليل خير ولقول زوجته عن إبراهيم: (أتانا شيخ حسن الهيئة).
* وفيه دليل على أن بري النبل من خير صنائع المسلم للرمي، فإنه ينكأ العدو.
[ ٣ / ١٤٨ ]
* وفيه جواز اشتراط الوالد على ولده الإعانة إذا كان بالغًا.
والدوحة: الشجرة. والربوة: هو المكان المرتفع.
* وفيه أيضًا أن الحجر لان لقدم إبراهيم حين ضعف كبرًا.
قوله: (ينشع للموت) فإنه يفتح فاه كهيئة من ينزع.
قوله: (تحقن): أي تجمع الماء.
-١١٠٦ -
الحديث الحادي والأربعون:
(عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام). قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء).
* في هذا الحديث من الفقه فضيلة العشر الأول من ذي الحجة، وأنه كذلك من حيث أنه أول شهر حرام بين شهرين حرامين فيه أيام الإحرام من الحاج، وأيام رفع (٣٦/ب) الأصوات بالتلبية وقصد الناس بيت الله الحرام للحج الذي جعل الله فيه لمن شهده منافع.
وذكر المنافع بلفظ الجمع للمنكر، وهذا يشتمل على منافع غير محصورة؛ فإن القرآن العظيم إذا شهد بمنفعة فهي التي لا تتعقبها مضرة، وهذا لا يكمل إلا بدخول الجنة إن شاء الله تعالى.
وأعمال الحاج لهم وأما غير الحاج فإن أعمالهم في سبل البر التي تمكنهم
[ ٣ / ١٤٩ ]
سلوكها راجين أن يلحقهم الله بثواب الحاج والمعتمرين، وهذا يتضح بأن صيام يوم عرفة يعدل عامين إلا أنه لا يستحب صيامه للحاج، فيدل على أن عمل الحاج غير عمل من ليس بحاج.
-١١٠٧ -
الحديث الثاني والأربعون:
(عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ قالوا: هو فتح المدائن والقصور، قال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: أجل أو مثل ضرب لمحمد - ﷺ -، نعيت إليه نفسه.
وفي رواية: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال: فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله ﷿: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، قال لي: بذلك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلمه، فقال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.
وفي رواية: كان ابن الخطاب يُدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أبناء مثله، فقال: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ قال: أجل رسول الله - ﷺ - أعلمه إياه،
[ ٣ / ١٥٠ ]
قال: ما أعلم منها إلا ما يعلم).
* هذا الحديث يدل على أن فهم الرجل يلحقه بذوي الأسنان وإن كان حدثًا، وقد يبرز عليهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن العلم هو في تدبر القرآن واستنباط معانيه.
* وهذا الحديث يوحد طريقًا مهيعًا لمتدبري كتاب الله في حمله على (٣٧/أ) كل شيء يتناوله نطقه الشريف.
-١١٠٨ -
الحديث الثالث والأربعون:
(عن ابن عباس قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم ﴾).
* في هذا الحديث دليل على أن التحريم من جهتين: من جهة النسب ومن جهة السبب، وأن هذا سبع وهذا سبع.
[ ٣ / ١٥١ ]
-١١٠٩ -
الحديث الرابع والأربعون:
(عن ابن عباس: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾. قال: ورثة. ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾. كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي آخاها النبي - ﷺ - بينهم، فلما نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ نسختها. ثم قال: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ إلا النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له).
* في هذا الحديث دليل على أن ما كان من توارث الأخوين من الأخوة التي آخى النبي - ﷺ - بين الصحابة فيها نسخ؛ لأن ذلك لضعف المهاجرين، فلما فتح الله الأرض وأغناهم نسخ بالميراث ما كان، فبقيت الوصية والرفادة مستحبتين، وبقي النصر والنصيحة لا ينسخان أبدًا.
-١١١٠ -
الحديث الخامس والأربعون:
(عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: فتزوج؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء).
[ ٣ / ١٥٢ ]
* إنما فضل أكثر هذه الأمة نساءً؛ لأن النكاح يشتمل على مصالح كثيرة: فأولها طلب الولد الذي يجوز أن يكون وليًا لله ﷿، يحفظ به عباده، ويعمر به بلاده: مثل عبد الله بن عباس ﵁، ويكون عالمًا مثل عبد الله بن عباس ﵁ الذي حفظ الله سبحانه الأرض بعلمه، وإبقاء ذريته حفظه للأرض، ومن فيها في خلافة رسوله - ﷺ - بالقيام بأمر الله سبحانه فيهم والدأب في مصالحهم إلى يوم القيامة، ويكون عالمًا مجاهدًا عبادًا.
* وقد جاء في الحديث: (من غرس شجرة فإنه لا يأكل منها طائر أو يستظل بظلها شخص إلا كتب لغارسها حسنات) فكيف بمن يغرس عبدًا مؤمنًا يصلح به الدنيا كلها، ويهدي إلى الآخرة، ويكون غيظًا لأعداء الله وسرورًا لأولياء الله، أخذًا من الشيطان بلطمة، يقر به أعين المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهذا (٣٧/ب) من أكبر فوائد النكاح.
* ومن ذلك عشرة النساء، وذلك يتضمن تعليم الرجل لهن، فإن النساء عورات، وفي تعرضهن لطلب العلم من غير أزواجهن خطر من جهة خوف الفتنة، فإن كان المؤمن عالمًا وكثر نساؤه كان مغنيًا لنسائه ولمن يعلمهن نساؤه من الناس أن يحتجن عن أن يتعلمن من رجل غير ذي محرم.
* ومن ذلك أن النساء كما وصفهن رسول الله - ﷺ - ضلوع عوج، وإن الخلق
[ ٣ / ١٥٣ ]
الحسن من المؤمن يعتبر بصبره عليهن، ولاسيما إذا كثرن وقايته لما يصلح في مداراتهن والتوصل في الجمع بينهن على رضي الله ﷿ وطلب ما عنده ﷿ ومن ذلك إعفافه نفسه وإعفافه إياهن عن الطموح بما يؤتيه الله ﷿ من فقه في معاشرتهن.
* ومن ذلك تحمله نفقاتهن وصبره على كلفتهن.
* ومن ذلك أن كثرة النساء للرجل دليل على ذكوريته، فلما كثرن دلت كثرتهن على رجوليته وذكوريته، وقلتهن يدل على قلة ذلك.
-١١١١ -
الحديث السادس والأربعون:
(عن ابن عباس، قال: (هم أهل الكتاب، جزؤوه أجزاء، فقاموا ببعضه وكفروا يبعضه).
وفي رواية عن ابن عباس: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض؛ اليهود والنصارى).
* الذي كفروا به أهل الكتاب من كتابهم هو ما جحدوه منه، كالإيمان بمحمد - ﷺ -، وكآية الرجم وغير ذلك.
-١١١٢ -
الحديث السابع والأربعون:
(عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق
[ ٣ / ١٥٤ ]
الثلاثين ومائة من سورة الأنعام: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم﴾ إلى قوله: ﴿قد ضلوا وما كانوا مهتدين﴾).
* في هذا الحديث من الفقه تنبيه ابن عباس على أن يتعرف جهل من جهل من العرب ليحذر ما وقعوا فيه، وليعلم هذه الآيات فيمن نزلت.
-١١١٣ -
الحديث الثامن والأربعون:
(قال ابن عباس: توفي رسول الله - ﷺ - وقد قرأت المحكم.
وفي حديث هشيم: جمعت المحكم في عهد رسول الله - ﷺ -، فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل).
* هذا الحديث يدل على أن ابن عباس لم يكن يحفظ جميع القرآن في عهد رسول الله - ﷺ -، وإنما حفظه بعد رسول الله - ﷺ -، ومات رسول الله - ﷺ - ولابن عباس ثلاث عشرة سنة (٣٨/أ).
* وقد سبق في مسند ابن مسعود ذكر المفصل.
[ ٣ / ١٥٥ ]
-١١١٤ -
الحديث التاسع والأربعون:
(عن ابن عباس، قال: إن أناسًا يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس بها، وهما واليان: قال: وال يرث، وذلك الذي يرزق، ووال لا يرث، وذلك الذي يقول بالمعروف. ويقول: لا أملك لك أن أعطيك.
وفي رواية للبخاري عن ابن عباس: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة).
* اختلف المفسرون في هذه القسمة على قولين:
أحدهما: أنها قسمة ميراث بعد موت الموروث، والخطاب للوارثين، وهذا قول الجمهور.
والثاني: أنها وصية الميت قبل موته، فيكون مأمورًا بأن يعين لمن لا يرثه شيئًا. قاله ابن زيد. وعلى ما ذكره ابن عباس يكون المشار بأولي القربى إلى من يرث من القرابات، ويكون قوله: ﴿فارزقوهم﴾ عائدًا إلى الوارث وقوله: ﴿وقولوا لهم قولًا معروفًا﴾ عائدًا إلى من لا يرث.
[ ٣ / ١٥٦ ]
والأكثرون من المفسرين قالوا: المراد بأولي القربى هاهنا من لا يرث.
قال الحسن والنخعي: يعطون من المال ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق بورك فيكم، وهو القول المعروف.
-١١١٥ -
الحديث الخمسون:
(عن سعيد بن جبير أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يزعمون أنه من نهر في الجنة؟ فقال سعيد: الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه).
* الكوثر: فوعل من الكثرة، والواو زائدة.
وقد ثبت أن لرسول الله - ﷺ - نهرًا أعطاه الله إياه، وسيأتي ذكره في مسند أنس ﵁.
-١١١٦ -
الحديث الحادي والخمسون:
(عن ابن عباس: ﴿إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى﴾. قال عبد الرحمن ابن عوف: وكان جريحًا).
[ ٣ / ١٥٧ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن الجريح يسمى مريضًا، فكل جريح مريض، وليس كل مريض جريحًا.
-١١١٧ -
الحديث الثاني والخمسون:
(عن ابن عباس، قال النبي - ﷺ - للمقداد: (إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) (٣٨/ب).
* في هذا الحديث ما يدل على التحذير من قتل من يقول: لا إله إلا الله، وذلك أن المقدار خرج في سرية فلقي رجلًا فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - أخبروه بذلك، فسأل المقداد: (أقتلت رجلًا قال: لا إله إلا الله؟ فكيف لا إله إلا الله؟)، ولأجل هذا قال له رسول الله - ﷺ - ما ذكره ابن عباس.
-١١١٨ -
الحديث الثالث والخمسون:
(سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي - ﷺ -؟ قال: أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك.
[ ٣ / ١٥٨ ]
وفي رواية: قبض النبي - ﷺ - وأنا ختين).
* قد ذكرنا أن ابن عباس كان له عند قبض رسول الله - ﷺ - ثلاث عشرة سنة؛ وذلك لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين.
وفي هذا الحديث دليل على جواز رواية الصبي للحديث.
* وفيه أن الأولى أن لا يختن الصغير، بل يترك إلى حالة الكبر.
-١١١٩ -
الحديث الرابع والخمسون:
(عن ابن عباس: أنه دفع مع رسول الله - ﷺ - يوم عرفة، فسمع النبي - ﷺ - وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا للإبل وراءه، فأشار بسوطه إليهم، وقال: (أيها الناس، عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع).
* في هذا الحديث استحباب أن يدفع الناس من عرفات وعليهم السكينة؛ وهي الرفق بهم وبظهرهم، وأهنأ في ذكرهم لربهم.
والبر: الطاعة. والإيضاع: هو الإسراع.
-١١٢٠ -
الحديث الخامس والخمسون:
(كان رسول الله - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين: (أعيذكما بكلمات الله
[ ٣ / ١٥٩ ]
التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، ويقول: (إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق).
* في هذا الحديث من الفقه أن التعوذ بالقرآن يدفع الله به المكروه، وأن كلمات الله التامة، وهي القرآن لقوله ﷿: ﴿وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا﴾.
* وقد قيل: إن كلمة الله التامة هي قوله: (كن).
* وفي (الهامة) قولان: أحدهما: أنها كل نسمة تهم بسوء، قاله ابن الأنباري. والثاني: أن الهامة واحدة الهوم، والهوام هي الحيات، وكل ذي سم يقتل، فأما ما له سم إلا أنه لا يقتل غالبًا فهي السوام: كالعقرب والزنبور. فأما ما يؤذي وليس بذي سم فهي كالقنافد والخنافس.
وقد يقع الهامة على كل ما يدب من الحيوان، ومنه قوله ﵊ لكعب: (أيؤذيك (٣٩/أ) هوام رأسك) يعني القمل.
* وقوله: (من كل عين لامة) قال أبو عبيد: أصلها من ألمت إلمامًا فأنا مُلم،
[ ٣ / ١٦٠ ]
كأنه أراد أنها ذات لمم.
وقد روي عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه احتج بهذا الحديث على من قال بخلق القرآن، وقال: ما كان رسول الله - ﷺ - يستعيذ بمخلوق.
-١١٢١ -
الحديث السادس والخمسون:
(عن سعيد، قال رجل لابن عباس: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي؟ قال: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾، ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾، ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾، ﴿ربنا ما كنا مشركين﴾، وقد كتموا في هذه الآية، وقال: ﴿أم السماء بناها﴾ إلى قوله: ﴿دحاها﴾ فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ فجعل في هذه الآية خلق الأرض قبل خلق السماء.
[ ٣ / ١٦١ ]
وقال: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ﴿عزيزًا حكيمًا﴾ ﴿سميعًا بصيرًا﴾، فكأنه كان ثم مضى؟
فقال: ﴿فلا أنساب﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ﴿فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم قال في النفخة الآخرة: ﴿أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾.
وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾ ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾: فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، يقول المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتنطق أبدانهم، فعند ذلك عُرف أن الله لا يكتم حديثًا، وعنده: ﴿يود الذين كفروا﴾ لو كانوا مسلمين.
وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، و﴿دحاها﴾ أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والأشجار والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين.
﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ سمى نفسه بذلك، وذلك قوله: إني لم أزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلًا من عند الله.
[ ٣ / ١٦٢ ]
وفي رواية البرقاني أن ابن عباس جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ؟ فقد وقع ذلك في صدري، فقال ابن عباس: أتكذيب؟ فقال الرجل: ما هو بتكذيب ولكن (٣٩/ب) اختلاف.
قال: فهلم ما وقع في نفسك. فقال له الرجل: أسمع الله يقول: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾. وقال في آية أخرى: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾. وقال في أخرى: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ فقد كتموا في هذه الآية.
وفي قوله: ﴿أم السماء بناها (٢٧) رفع سمكها فسواها (٢٨) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (٢٩) والأرض بعد ذلك دحاها﴾ فذكر في هذه الآية خلق السماء قبل الأرض، وقال في الآية الأخرى: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين (٩) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (١٠) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾، وقوله: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ ﴿وكان الله سميعًا
[ ٣ / ١٦٣ ]
بصيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: هات ما في نفسك من هذا؟ فقال السائل: إذا أنبأتني بهذا فحسبي.
قال ابن عباس: قوله: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ فهذا في النفخة الأولى ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾.
وأما قول الله ﷿: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾، وقوله: ﴿لا يكتمون الله حديثًا﴾، فإن الله تعالى يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم لا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركًا، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، تعالوا نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: (أما فكتموا الشرك فاختموا على أفواههم) فختم على أفواههم، فتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن الله تعالى لا يكتم حديثًا، فكذلك قوله: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا﴾.
وأما قوله: ﴿أم السماء بناها (٢٧) رفع سمكها فسواها (٢٨) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (٢٩) والأرض بعد ذلك دحاها﴾ فإنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، ثم استوى إلى السماء (٤٠/أ) فسواهن في يومين آخرين. يعني
[ ٣ / ١٦٤ ]
ثم دحى الأرض، ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل، وخلق الجبال والرمال والآكام وما فيها في يومين آخرين، فلذلك قوله: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ - وقوله: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين (٩) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وجعلت السموات في يومين.
وأما قوله: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾، ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾، ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ فإن الله تعالى جعل نفسه ذلك، وسمى نفسه ذلك، ولم ينحله أحدًا غيره، وكان الله أي لم يزل كذلك.
قال ابن عباس: احفظ عني ما حدثتك، واعلم أن ما اختلف عليك من القرآن أشباه ما حدثتك، فإن الله تعالى لم يزل شيئًا إلا قد أصاب به الذي أراد، ولكن الناس لا يعلمون، ولا يختلفن عليك القرآن فإن كلًا من عند الله ﷿).
* في هذا الحديث من الفقه أن للعالم الرباني يحدث الناس من العلم على قدر ما يعلم من اختلاف عقولهم له؛ فذكر ابن عباس لهذا السائل على نحو ذلك، وإلا فما يعلمه ابن عباس من علوم هذه الآيات وما كان في كل شيء منها إلا لدحض لشبهة السائل، لو قد كان ممن يصلح فهمه لاحتمال ذلك من علم ابن عباس ما كان مقنعًا كافيًا شافيًا؛ فإن نافع بن الأزرق
[ ٣ / ١٦٥ ]
سوال غير عربي ولا موفق؛ لأنه كان من الخوارج.
-١١٢٢ -
الحديث السابع والخمسون:
(عن ابن عباس قال: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾، كان الرجل يقدم للمدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء).
* في هذا الحديث ما يدل على أن المؤمن لا يجعل إيمانه رهنًا على ما يناله من الدنيا أو يفوته منها، ولكن الله ﷿ قد وعد أن يبارك لمن أطاعه بقوله ﷿: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾، وأنه قد يهلك حرث من ظلم نفسه (٤٠/ب) لقوله ﷿: ﴿أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾؛ إذ الدنيا والآخرة له، وقد يضاعف الأجر لبعض عباده -كما قال ﷿:- ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ يعني في الدنيا والآخرة. وقال ﷿: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ فهو سبحانه أعلم
[ ٣ / ١٦٦ ]
بعباده، وما يصلحون عليه من صحة وسقم، وغنى وفقر، وعز وذل. فيكون مجمل الحديث على من كان عبد الله تعالى على حرف لمعنى يريده من هذه الدنيا، طالبًا أن يغلب الله سبحانه تدبيره فيجعلها دار الجزاء، فلما أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة.
* فأما من يعبد الله تعالى لطلب رضاه وإرادة للآخرة، ولأنه لا يستحق العبادة سواه - فآتاه الله ﷿ أجرين؛ أجرًا في الدنيا وأجرًا في الآخرة، فليس هذا ممن كان عبد الله تعالى على حرف، ولكن عبد الله تعالى على الإخلاص، فأضعف الله سبحانه له.
ولقد علم الله ﷿ أنني ليلة شاهدت في السماء بابًا مفتوحًا، وأنا قائم على قدمي، وكانت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، فدعوت دعاء كثيرًا في زمان وطال علي، ولا والله لا أحق أنني طلبت في تلك الليلة من الدنيا شيئًا قط؛ لا إمارة ولا وزارة مما أنعم الله تعالى به، ولكن الله سبحانه أنعم من ذلك بما شاء كما شاء.
-١١٢٣ -
الحديث الثامن والخمسون:
(عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي ابن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جامًا من فضة مُخَوَّصًا بذهب، فأحلفهما رسول الله - ﷺ -، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه، فحلفا:
[ ٣ / ١٦٧ ]
لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾).
* إنما كانت شهادة أهل الكتاب في السفر حيث لا يوجد غيرهم، وقول الله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ فدل على أن غيرنا ليسوا بعدول.
وقوله: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنًا (٤١/أ) ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله﴾ وإنما أكدت هذه الشروط عليهم واستظهر عليهم في ذلك لتكونوا على خوف من المخلوقين وتعييرهم؛ لأن خوفهم من الخلق ورجاء لهم إذ لا معرية عندهم الله ﷿، ثم قال: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا﴾ أي خانا ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ أي استحق عليهم الإثم، قوله: ﴿الأوليان﴾ أي فآخران يقومان وهما الأوليان.
* فأما الرجل السهمي المذكور في الحديث فاسمه بزيل بن أبي مارية (بالزاي).
* والمخوص بالذهب: هو أن يجعل عليه صفائح كالخوص.
[ ٣ / ١٦٨ ]
-١١٢٤ -
الحديث التاسع والخمسون:
(عن ابن عباس قال: قال النبي - ﷺ - لجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا؟) فنزلت: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾).
* في هذا الحديث ما يدل على أن جبريل غير محكم في نفسه، وأنه لا يمكنه أن ينزل نزلة ولا يرقى رقيًا إلا بإذن الله ﷿.
وللمفسرين في قوله: ﴿له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾ قولان:
أحدهما: أن ما بين أيدينا هو الآخرة، وما خلفنا الدنيا. قاله سعيد بن جيبر.
والثاني: على عكس هذا قاله مجاهد.
-١١٢٥ -
الحديث الستون:
(عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري، حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله - ﷺ - إذا قال فعل، صلى الله على نبينا وعليه).
[ ٣ / ١٦٩ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن موسى ﵇ احترز في نطقه بما لو قضى معه أدنى الأجلين لم يكن مخالفًا لما وعد به، ثم إنه قضى الأفضل، فجمع في ذلك بين احترازه لقوله وبين وفائه بأكمل وعديه؛ وذلك أن هذه الآيات مما تدل على أن القرآن قول فصل وليس بالهزل، وذلك قوله ﷿: ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس﴾، ولم يقل وجد عليه قومًا؛ لأن الأمة تشمل الرجال والنساء والصغار والكبار والشيوخ والشبان.
* وقوله: ﴿ووجد من دونهم امرأتين﴾ فذكرهما بنطق دال على بلوغهما مبلغ النكاح بقوله: ﴿امرأتين﴾، ولم يقل: جاريتين ولا صبيتين (٤١/ب)، ثم قال: ﴿تذودان﴾ أن تمنعان الغنم عما يرديان خيارهن عنه، وفي قوله: ﴿تذودان﴾ دليل على كمال صحتهما. فعجب موسى من كون هاتين المرأتين قد اعتزلتا تلك الأمة، وتفرس ذلك أنه لمخالفة ومباينة في العقيدة أو في الدين، فقال: أترى المرأتين قد تنزهتا أن ينكحهما رجلان من تلك الأمة، أم الأمة قد تنزهت أن ينكح رجلان منهم هاتين المرأتين.
فرأى أن هذا مما له شأن، فقال: ﴿ما خطبكما؟﴾ والعادة في هذه الكلمة- وهي الخطب- أنها تستعمل في كل أمر مستفخم ومستهول، فأجابتها بأن قالتا: ﴿لا نسقي حتى يصدر الرعاء﴾ وقولهما: ﴿لا نسقى﴾ أبلغ من أن لو قالتا: لم نسق، فإن قولهما: ﴿لا نسقى﴾ أي هذا دأب لنا وعادة، ﴿حتى يصدر الرعاء﴾ أي يعود الرجال عن هذا الماء، ويخلو الماء لنا خلوًا نتمكن فيه من سقي الغنم غير محامتين عن نظر من ينظر إلى ما يبدو من أجسامنا عند معالجة سقي الغنم.
* ثم قالتا له: وأيضًا ﴿وأبونا شيخ كبير﴾ فأعلمتاه بهذا القول أننا ليس لنا أزواج؛ إذ لو كان لنا أزواج لكانوا هم الذين يكفونا ذلك، إذ لو كان أبونا ذا
[ ٣ / ١٧٠ ]
جلد لكان يقوم عنا فيه، ولكنه شيخ كبير، فأشارتا إليه بهذا النطق أنهما من أهل دين فيه ستر العورة ومجانبة المرأة الرجال، ومن أهل مروءة لو كان لنا رجل فكفينا الرعاية لما نريد لما برزنا لذلك، فحينئذ رأى موسى - ﷺ - أنه قد يغتن عليه إردافهما بأن تصدق عليهما بفضل قوته: ﴿فسقى لهما﴾ ثم انصرف عنهما إلى الظل- كما قال الله ﷿.
ففي ذلك ما يدل على أنه سقى لهما بغير أجر ولا شرط، وأنه بقدر ما كفا فيما كانتا محتاجتين إليه من سقي الغنم تولى عنهما ولم يمكث ولا أدنى مكث فيتعرض بوقوفه إلى طلب ثواب لذلك السقي، ولو بأن يسقياه شيئًا من لبن شياهمها، ثم أخبر ﷿ أن فعل ذلك على شدة جوع منه وفقر إلى ما ينزل الله إليه من خير، فلم يستفزه جوعه ولا خدشت ضرورته وجه مروءته، بل تولى إلى (٤٢/أ) الظل، وهنا يدل على أن الظل أفضل من الكون في الشمس ولاسيما لمثل موسى وقد أجهده ما عاناه من السقي؛ ليكون حسن الرعاية لبدنه أيضًا بتوديعه إياه إذ الكون في ظل يستدعي النوم فيرد عليه من قواه ما يستعين به على طاعة ربه.
* ثم قال حين انفصل عن المرأتين، واستقر في الظل: ﴿رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير﴾، فهذا دعاء إلى الله ﷿ ينطق الماضي ويراد به المستقبل، إلا أن في ذلك فائدة، وهي أنه لشدة إيمانه أن الله تعالى لا يغفله وأن رزقه سيأتيه صار المستقبل عنده في حكم الماضى، فقال: ﴿إني لما أنزلت إلى من خير فقير﴾، و﴿خير﴾ هاهنا نكرة من أي خير كان، فإن حاجتي بلغت إلى أن لا أتشوف ولا أريد الخير المعهود بالألف واللام، ثم
[ ٣ / ١٧١ ]
قال: ﴿فقير﴾ نكرة أيضًا، يعني فقيرًا في هذا الخير خاصة، وليست الفقير، والألف واللام الذي تنصرف إلى غير هذا في وقته ذلك.
* ثم قال: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ ففي هذا النطق لأن إحسان الظن بأهله مستحب؛ لأن شعيبًا ﵇ لما أخبرتاه بحال موسى وهيئته تفرس فيه الإيمان. ولذلك أرسل إليه إحدى ابنتيه، ولم يرسل معه غيرها اتهامًا.
وقوله ﷿: ﴿تمشي على استحياء﴾ أي أنها استحيت من أنها امرأة غريبة وهو رجل غريب منها. ويجوز أنها استحيت أن يأتي إلى منزل أبيها فيراه منزل قوم فقراء فاستحيت من ذلك، ويجوز أن يكون استحياؤها من أنها بالغت في وصفه لأبيها، فخافت أن لا يصدق موسى مخبره خبرها عنه، فاستحيت من أن يراها أبوها وقد استخفها حال حتى أفرطت في الوصف فوق المستحق.
* وقوله ﷿: ﴿قالت إن أبي يدعوك﴾ ولم تقل قم إلينا أو إلى دعوتنا؛ فما كان موسى (٤٢/ب) ﵇ ينصرف مع امرأة ليست بذات محرم منه، ولكن قالت له: ﴿إن أبي يدعوك﴾ فأوجبت عليه المجيء معها إجابة للداعي؛ فإن إجابة الداعي متعينة، ثم قالت: ﴿يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ يعني إنك قد سعيت بالإحسان فأسلفت المعروف فقم لتقضي حقك، وهذا مما يدعوه إلى القيام، ثم فيه من حسن تأتيها أنها لم تستجرء أن تقول: قم إلى كرامتنا وهو قد سبق بالإكرام، ولكن قالت: ﴿ليجزيك
[ ٣ / ١٧٢ ]
أجر ما سقيت لنا﴾ ليكون أتى في قضاء ما سلف لك من الإحسان أولًا، ثم حينئذ تكون الكرامة- أي منا- إن كانت. ففي هذا ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن ينسى الحق عليه ويذكر الحق له.
فيقال إنه قال لها: إني أمشي بين يديك وكوني دليلتي من وراءي لتذكري لي الطريق يمينًا وشمالًا كراهية أن يمشي وراء امرأة فتصف الريح بدنها، وهذا يدل عليه نص القرآن في قوله ﷿: ﴿فلما جاءه وقص عليه﴾ أي كان هو أولهما لقاء له، وقوله: ﴿وقص عليه القصص﴾ يعني موسى فعرف شعيب أن موسى قد خرج مهاجرًا إلى الله وخائفًا من أعداء الله، فعلم شعيب أن كل خارج إلى الله وخائف من عدو من أعداء الله منجيه ومؤمنه، فقال له: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾، ويجوز أن يكون قال له: ﴿لا تخف﴾ في مستقبل الحال؛ فإنك قد نجوت من القوم الظالمين.
* ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره﴾ وهذا من قولها يدل على أن أباها متطلع إلى وجود شخص يصلح لصحبته ليستأجره فيصون به ابنتيه عن البذلة، فقالت: ﴿يا أبت استأجره﴾ فأمرته أمرًا لا يصلح أن يكون إلا عن علم بأنه قد كان مزمعًا عليه مريدًا له، ثم وصفت موسى بأحسن وصف يوصف به رجل؛ وهو الجمع بين القوة والأمانة، فإنهما خلتان قلما اجتمعتا في رجل إلا وكان عالمًا في وقته؛ وذلك أن القوة قد يعوزها كثيرًا من الأمانة فيشيبها الخيانة، كما أن الخيانة يعوزها القوة فيشيبها الضعف، فإذا أجمعت القوة والأمانة ازدانت كل منهما بالآخر.
فقالت: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ فقال هو حينئذ لموسى:
[ ٣ / ١٧٣ ]
﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ فبدأه بالخطبة (٤٣/أ) فدلك ذلك على جواز أن يخطب الرجل ابنته من الآخر قبل أن يبدأه الرجل بذلك، ولذلك فعل عمر؛ خطب حفصة إلى أبي بكر ثم عثمان ﵃ كما تقدم.
* وقال: ﴿إحدى ابنتي هاتين﴾ ولم يعين واحدة منهما ليجعل التخيير إليه، وليعلمه أنه ليس له حاجة إلى تزويج واحدة منهما دون الأخرى، وإنما الغرض فيك وفي مصاهرتك، إلا أنه أشار له في هذا النطق الذي يأتي إلى أمر سر عظيم ومقصد كريم؛ وذلك أنه لما جازاه رأى عنده دلائل النبوة، فقال: إن هذا فيه من أمارات النبوة ما لم يبق في استثنائي لها إلا بأن أذكر له حال النكاح ما أخيره فيه بين أمرين متى اختار أحدهما دخل ذلك عليه بوهن، فإن هو خرج منهما فهو نبي حقًا.
* فقال: ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ أي تكون أجيرًا إلى ثماني حجج أو تعطيني أجر بضع ابنتي ثماني حجج من رعايتك، ﴿فإن أتممت عشرًا فمن عندك﴾، وذلك أولى لأنه إن كان قد قال موسى أجيبك على أن تكون المدة ثماني سنين لا سيبخله، وقال: أخيره في أمرين أحدهما أجود لي والآخر هو أجود له، فيختار الأجود له على الأجود لي، فهذا مما يستدل به على البخل أو لو أظهر إجابته إلى المدة الكاملة لاستجهله، وقال: أخيره بين أمرين أحدهما أقصر مدة والآخر أطول فيختار الأطول مطاوعًا فيه اتباع الأمل وترك الاحتياط لنفسه فهذا يدل على الجهل، فلما حرج موسى من ذلك بأن ﴿قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي﴾؛ عرف
[ ٣ / ١٧٤ ]
حينئذ أن هذا جواب نبي كريم ثم قال: ﴿والله على ما نقول وكيل﴾، ثم قال ﷿: ﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ فكان قضاءه الأكثر، مع كونه اشترط شرطًا يحتاط فيه للأول أحسن من أن لو اشترط الأكثر فأتى به أو ذكر الأول فزاد عليه.
-١١٢٦ -
الحديث الحادي والستون:
(عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي - ﷺ - آية الربا).
* هذا الحديث يدل على أن تحريم الربا؛ لأنه (٤٣/أ) نزل أخيرًا فلم يعقبه تغيير، ثم هذا المذكور هو مذهب ابن عباس.
وقد روي عن أبي سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطية، ومقاتل: أن آخر آية نزلت: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى اللهْ﴾.
وقد روي عن البراء بن عازب: أن آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتتيكم في الكلالة﴾.
وروي عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾.
[ ٣ / ١٧٥ ]
-١١٢٧ -
الحديث الثاني والستون:
(عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - لابن صياد: (أخبأت لك خبأ) قال: فما هو؟ قال: (الدُّخُّ) قال: (اخْسأ).
* قد ذكرنا تفسير هذا في مسند ابن مسعود.
-١١٢٨ -
الحديث الثالث والستون:
(عن أبي الشعثاء قال: ومن تتقي شيئًا من البيت؟ وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنه لا يُستلم هذان الركنان، فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن.
وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال: لم أر رسول الله - ﷺ - يستلم غير الركنين اليمانيين).
* السنة المعمول عليها استلام الركنيين اليمانيين، وأن رسول الله - ﷺ - لو استلم
[ ٣ / ١٧٦ ]
الركنين الآخرين لأخرج الحجر من البيت، وقد قال: (الحجر من البيت).
-١١٢٩ -
الحديث الرابع والستون:
(عن عمرو قال: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لحوم الحُمُرِ الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم عمرو بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر عن ابن عباس، وقرأ: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرمًا﴾).
* قد سبق الكلام في هذا الحديث.
-١١٣٠ -
الحديث الخامس والستون:
(عن ابن جمرة الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم؛ فإن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء. أو قال: بماء زمزم).
[ ٣ / ١٧٧ ]
* هذا الحديث قد سبق تفسيره.
والتداوي بماء زمزم شربه.
-١١٣١ -
الحديث السادس والستون:
(عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت، بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ -، في مسجد عبد القيس، بجواثا من البحرين)
* في هذا الحديث ما يدل على فضيلة جواثا؛ إذ كانت تابعة للمدينة في التجميع بها
-١١٣٢ -
الحديث السابع والستون:
(٤٤/أ) (عن ابن عباس ﵁ أن عليًا ﵇ خرج من عند رسول الله - ﷺ - في وجعه الذي توفى فيه فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله - ﷺ -؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا).
* قد تقدم المتن بطوله في مسند علي ﵇، وكذلك سبق الكلام
[ ٣ / ١٧٨ ]
فيه.
-١١٣٣ -
الحديث الثامن والستون:
(عن ابن عباس قال: اشتد غضب الله على من قتله نبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبي الله - ﷺ -).
* في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - بعث رحمة، فإذا عند عليه من آمنه من يقتله بيده- فقد اشتد غضب الله على المقتول.
* ولذلك ينبغي أن يكرم وجه رسول الله - ﷺ -، فإذا أدت قومًا شقوتهم إلى أن دموه- فقد اشتد غضب الله عليهم.
-١١٣٤ -
الحديث التاسع والستون:
(عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾).
[ ٣ / ١٧٩ ]
* في هذا الحديث دليل على أن التزود للسفر متعين، ومن قال: إني أسافر متوكلًا بغير زاد- كما تدعي طائفة من المتصوفة- فإنه على خلاف الشرع، فإن رسول الله - ﷺ - تزود لخروجه إلى الكفار إلى المدينة.
والتوكل: إنما هو اعتماد القلب على الله ﷿، لا أنه رفض الأسباب في الظاهر، بل لو قد رأى رجل مؤمن الأسباب تكسبه سكونًا إليها أو اعتمادًا عليها فخاف من ذلك فرفضها لكان أفضل، كمن خاف بكاء طفل له فطرده عنه، ولو دارى الصبي ليصحب ويعطى مقادته لكان أفضل له.
وهكذا فإن النفوس إذا سكنت للأسباب، فالسنة أن تعالج من استصحاب الأسباب؛ ليجمع بين مجهادة النفس في ترك السكون إلى سبب، وبين اتباع السنة في اتخاذ الزاد وحمل السلاح وغير ذلك.
فقد حدثني الشيخ محمد بن يحي﵀- فقال: خرجت من زبيد مع شيخ أعجمي اسمه (محمد) من الصالحين حتى ركبنا في البحر، وذكر قصة عجيبة إلى أن قال: فصعدنا في ساحل البحر بالسرين، ولم يكن معنا إلا كوز من ماء للشيخ وعبية فيها دقيق للشيخ أيضًا (٤٤/ب)، قال: فطفق الجراية الدقيق بالساحل لمكس من يصل من الحاج مطوفون لذلك. قال: فجلس الشيخ وجلست إزاءه، فأغفينا وغمضت عيني، ثم فتحتها ولسنا في الموضع الذي كنا فيه، وكان يقول: لا أرى إلا أن الله تعالى أعد منها بحيث كنا ولو وجدنا في الموضع الذي صرنا إليه فإن الحال كانت أشد سرعة من أن يكون بنقل أو تحويل، قال: فعطشت قال: فجعلت أستسقي من الله الماء، قال: فالتفت
[ ٣ / ١٨٠ ]
الشيخ إليَّ غضبًا، وقال: يا محمد، أي شيء هذا؟ سوء الأدب، ثم مد يده إلى الأرض فاستل لي قرصًا، فقلت: ما أصنع بالطعام؟ وإنما أريد الماء.
قال الشيخ محمد بن يحي: فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت في الحال سقيفة تصورت علي وعليها مرشوشة فيها سقاء مترع ملآن. فقال لي: اشرب فشربت. قال الشيخ محمد بن يحي: ثم قال لي الشيخ: نرجع إلى حيث كنا، ونأتي بالعبية والكوز. قال الشيخ محمد بن يحي: ولا أراه أمرني بذلك لئلا يترك السنة في حمل الزاد، وإلا فمن هذه حالهم ما يصنع بالعبية والكوز، وذكر بقية الحال التي جرت لهما. وقد حصل مقصودنا منها في هذا القدر الذي اقتضبناه.
-١١٣٥ -
الحديث السبعون:
(عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾. قال: هي رؤيا عين، أريها للنبي - ﷺ - ليلة أسري به إلى بيت المقدس ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾ هي شجرة الزقوم).
* قد سبق الكلام في الإسراء، وإنما كانت هذه الرؤيا فتنة لأن من آمن بالله سلم، ومن كفر هلك.
[ ٣ / ١٨١ ]
فإن قال قائل: لو كانت رؤية بالعين لقال الرؤية، فلما قال: الرؤيا دلت على أنها كانت في النوم. فقد أجاب عن هذا أبو بكر الأنباري، فقال: المختار في هذا أن تكون الرؤيا يقظة، ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين.
-١١٣٦ -
الحديث الحادي والسبعون:
(عن ابن الأسود محمد بن عبد الرحمن قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين (٤٥/أ) على عهد رسول الله - ﷺ - يأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿إن اللذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ الآية).
* في هذا الحديث من الفقه أنه نهاه أن يكون مكثرًا للسواد في الفتنة.
[ ٣ / ١٨٢ ]
-١١٣٧ -
الحديث الثاني والسبعون:
(عن ابن عباس قال: خرج رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه بملحفة، وقد عصب رأسه بعصابة دسماء، حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس كمنزلة الملح في الطعام، فمن تولى منكم شيئًا يضر فيه قومًا وينفع آخرين، فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئتهم، فكان آخر مجلس جلسه النبي - ﷺ -.
وفي حديث أحمد بن يعقوب: رأسه ملحفة متعطفًا بها على منكبيه.
وفي حديث إسماعيل بن أبان: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس إليّ) فقاموا إليه، ثم قال: (أما بعد، فإن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس) ثم ذكره نحوه).
* فيه من الفقه أن المريض قد يخرج للحاجة.
* وفيه أن التحاف المريض أصون له، والدسماء هي السوداء.
* وفيه ما يدل على فضيلة الأنصار وتشبيههم بالملح لأنه يطيب كل طعام.
* وفيه إشارة مفهومة إلى أن الأنصار ليس لهم في الأمر شيء؛ لأن النبي - ﷺ -
[ ٣ / ١٨٣ ]
أوصى بهم المهاجرين، وقال: (من تولى منكم شيئًا فليقبل من محسنهم) ولم يوص إليهم.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - لطف بهم في إخراجهم من الأمر بهذا لطفًا. خرج أحسن مخرج بحيث فهمه أهل العلم عنه في تأكيد الحفظ لهم؛ ولأنه يقطع التجاذب في الأمر بعده من المهاجرين والأنصار.
* وقوله: (يقلون ويكثر الناس) يجوز أن يكون أراد به في العدد، ويجوز أن يكون فيه إشارة إلى أنهم يلون شيئًا.
-١١٣٨ -
الحديث الثالث والسبعون:
(عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: (هذه وهذه سواء) يعني الخنصر والإبهام في الدية).
* قال أبو سليمان الخطابي: هذا الحديث أصل في كل شيء من الجنايات لا يضبط، فيعلم قدره ويوقف على كميته؛ فإنه إذا كان كذلك ولم يكن اعتباره من طريق المعنى، كان الحكم منه معتبرًا من طريق الاسم كالأصابع والأسنان (٤٥/ب) وإن اختلف جمالها أو منافعها.
ومعلوم أن الإبهام من القوة والمنفعة ما ليس للخنصر، ثم جعلت ديتها سواء، والعلة في ذلك أنه لا يضبط ولا يوقف على دقائق معانيه، فحمل الأمر
[ ٣ / ١٨٤ ]
على الاسم.
* ولا أرى هذا كما ذكروا، وأي شيء لاتفاق المسمى في إيجاب الديات، وإنما عندي أن ذلك لأن كل واحد من الأصبعين الكبرى لا يتمكن من عملها إلا بوجود الصغرى معها، فلو قد عدم الخنصر لما أمسك الإبهام، كما لو عدم الإبهام أمسك الخنصر، فلما كانت هذه في طرف وهذه في طرف وكل واحدة منهما بها قوام الأخرى جعلت ديتهما واحدة ليعلم الخلق أن خلق الله سبحانه ما فيه من تفاوت.
-١١٣٩ -
الحديث الرابع والسبعون:
(عن ابن عباس قال: رأيته عبدًا- يعني زوج بريرة- وكأني أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة، يبكي عليها.
وفي رواية للبخاري: كان زوج بريرة عبدًا أسود، يقال له مُغيثُ، عبدًا لبني فُلانٍ، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة.
وفي رواية: أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له المغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي - ﷺ - للعباس: (يا عباس، ألا تعجب من حُب مغيث بريرة، ومن بُغض بريرة مغيثًا)، فقال النبي - ﷺ -: (لو راجعتيه؟) فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: (إنما أشفع). قالت: لا حاجة لي فيه).
[ ٣ / ١٨٥ ]
* هذا طرف من حديث بريرة، وسيأتي الكلام فيه مشروحًا إن شاء الله.
-١١٤٠ -
الحديث الخامس والسبعون:
(عن عكرمة قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سنة أب القاسم - ﷺ -.
وفي رواية: رأيت رجلًا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس، فقال: أو ليس تلك صلاة رسول الله - ﷺ -، لا أم لك؟).
* هذه الإشارة إلى التكبيرات التي تكون في الصلاة الرباعية، ومجموع التكبيرات في الصلوات الخمس هي أربع وتسعون تكبيرة.
-١١٤١ -
الحديث السادس والسبعون:
(عن ابن عباس قال: لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
وفي رواية: لعن رسول الله - ﷺ - المخنثين من الرجال (٤٦/أ) والمترجلات من النساء، وقال: (أخرجوهم من بيوتكم). وأخرج النبي - ﷺ -
[ ٣ / ١٨٦ ]
فُلانة، وأخرج عمر ﵁ فُلانُا).
* في هذا الحديث ما يدل على تحريم التخنيث، وأن يدخل المخنث على النساء، وذلك أن الله ﷾ جعل الخلق زوجين اثنين: ذكرًا وأنثى، فجعل الذكر حالة البروز والسعي والحرب، وجعل النسوان ذوات قرار في بيوتهن ونهاهن عن التبرج؛ وذلك لأن شغلهن البيوت، فهن يخلفن الرجال في ذلك، كما يقوم الرجال عليهن في الكسب والحرب وحماية الذمار وغير ذلك. فإذا أخلف أحد الرجال في التشبه بالنسوان كان ذلك مخالفًا لما خلقه الله له وكذلك المرأة.
-١١٤٢ -
الحديث السابع والسبعون:
(قال ابن عباس: قد أحصر رسول الله - ﷺ -، فحلق، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عامًا كاملًا).
* هذا طرف من حديث الحديبية سيأتي ذكره.
-١١٤٣ -
الحديث الثامن والسبعون:
(عن ابن عباس قال: أقام النبي - ﷺ - تسعة عشر يقصر الصلاة، فنحن
[ ٣ / ١٨٧ ]
إذا سافرنا فأقمنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتمننا).
* هذا رأي انفرد به ابن عباس والعمل على غيره.
-١١٤٤ -
الحديث التاسع والسبعون:
(عن عكرمة ﴿وكأسًا دهاقًا﴾ قال: ملأى متتابعة. قال: وقال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: أسقنا كأسًا دهاقًا).
* الدهاق: الملأى. وقد زاد من عنده: إنها متتابعة، والذي يدل على ما استدل عليه من تتابعها أنه لما رأى امتلاءها دل على أخذها من شيء واسع لا يقف على حصر استدعى سرعة عودها إليها لتملى فلذلك قال: متتابعة.
-١١٤٥ -
الحديث الثمانون:
(عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (هي في العشر، في تسع يمضين، أو في سبع يبقين) يعني ليلة القدر.
وفي رواية: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى).
[ ٣ / ١٨٨ ]
وفي رواية: (التمسوها في أربع وعشرين) موقوف).
* قد مضى الكلام في ليلة القدر في مواضع.
-١١٤٦ -
الحديث الحادي والثمانون:
(عن ابن عباس: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾، الآية. قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته؛ إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاء زوجوها (٤٦/ب)، وإن شاء لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية في ذلك).
* هذه سيرة كانت للجاهلية، فأزالها الله ﷿ بهذه الآية.
[ ٣ / ١٨٩ ]
-١١٤٧ -
الحديث الثاني والثمانون:
(عن ابن عباس قال: نهى النبي - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة).
* قال أبو عبيد: (المحاقلة: بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، وهو مأخوذ من الحقل، وهو الذي يسميه أهل العراق القراح).
* والمزابنة: هو بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر.
* وإنما جاء النهي في هذا؛ لأنه في الكيل وليس يجوز شيء من الكيل والوزن إذا كانا من جنس واحد إلا مثلًا بمثل ويدًا بيد، وهذا مجهول لا يعلم أيهما أكثر.
-١١٤٨ -
الحديث الثالث والثمانون:
(عن عكرمة، قال: أتى عليٌ ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، قال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله - ﷺ - قال: (لا تعذبوا بعذاب الله). ولقتلتهم؛ لقول رسول الله - ﷺ -: (من بدل دينه فاقتلوه).
[ ٣ / ١٩٠ ]
* في هذا الحديث دليل على أن الحدود لا تستوفى بالنار، فإن رأى الإمام أن اعتماد ذلك يزيد الإمام فخامة في قلوب الزائغين، فقد روي أن أبا بكر ﵁ قذف بعض أهل الردة في النار.
* وفيه أن الزنادقة قد بدلوا دين الله، فكل من ينكر البعث فحكمه حكم الزنديق. قال ابن دريد وقال أبو حاتم: الزنديق فارسي معرب.
-١١٤٩ -
الحديث الرابع والثمانون:
(عن ابن عباس قال: قرأ النبي - ﷺ - فيما أمر وسكت فيما أمر ﴿وما كان ربك نسيًا﴾، و﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾).
* هذا محمول من ابن عباس على الجهر والإخفات في الصلوات، وأن رسول الله - ﷺ - جهر في صلاة الليل ولم يجهر في صلاة النهار والراتبة؛ وذلك لأن قولنا قد سبق في أن سلطان السمع ينفد ليلًا كما أن سلطان البصر ينفد نهارًا فكان السمع فيه أبلغ في تأتيه إلى القلب، ولما كان النهار مظنة اشتغال الناس.
* وفيه نفاذ البصر كان الإسرار فيه أنسب لحاله، وأما صلاة الجمعة والعيدين فإن كلًا من ذلك يجتمع له ولا يتكرر فعله في كل يوم، فأما صلاة الجنازة فإن الإخفات فيها على أن (٤٧/ أ) الغالب فيها يكون نهارًا إلا من ضرورة
[ ٣ / ١٩١ ]
فأشبهت صلاة النهار.
-١١٥٠ -
الحديث الخامس والثمانون:
(عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ - (لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي).
وفي رواية: (ولكن أخوة الإسلام أفضل).
وفي رواية: خرج رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إنه ليس من الناس أحد أمن عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في المسجد، غير خوخة أبي بكر).
وفي رواية عن أيوب: أما الذي قال رسول الله - ﷺ -: (لو كنت متخذًا من هذه الأمة خليلًا لاتخذته، ولكن خلة الإسلام أفضل - أو قال: خير-، فإنه أنزله أبًا، أو قال: قضاه أبًا - يعني الجد -).
* قد سبق هذا في مسند ابن مسعود.
[ ٣ / ١٩٢ ]
* وقوله: (سدوا عني كل خوخة) الخوخة: باب صغير، وهذا تمييز لأبي بكر ﵁ لأمنه إياه.
* وقوله: (فإنه أنزله أبًا) يعني أن مذهب أبي بكر ﵁ أن الجد في مقام الأب في الميراث.
-١١٥١ -
الحديث السادس والثمانون:
(عن ابن عباس قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إني ما أعتب عليه في خلق ولا في دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله - ﷺ -: (أتردين عليه حديقته) قالت: نعم، فقال رسول الله - ﷺ -: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة).
* هذا الحديث هو أصل في الخلع ورد ما أخذته المرأة.
* وهو أول خلع في الإسلام. واختلف العلماء هل يجوز للزوج أن يأخذ من التي تطلب الخلع أكثر مما أعطاها. فقال عمر، وعثمان، وابن عباس، ومجاهد، والنخعي، والشافعي: يجوز. وقال علي، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وابن جبير، والزهري، وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين: لا يجوز.
-١١٥٢ -
الحديث السابع والثمانون:
(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - سجد (بالنجم) وسجد معه المسلمون
[ ٣ / ١٩٣ ]
والمشركون، والجن والإنس) (٤٧/ ب).
* والسجدة في هذه السورة من عزائم السجود إلا عند مالك.
-١١٥٣ -
الحديث الثامن والثمانون:
[عن ابن عباس قال: انتشل النبي - ﷺ - عرقًا من قدر، فأكل ثم صلى، ولم يتوضأ.
وفي لفظ: تعرق النبي - ﷺ - كتفًا، ثم قام فصلى ولم يتوضأ).
* قد سبق بيان هذا وفسرنا العرق، ومعنى (انتشل): أي أخذه قبل تمام النضج، وقد بينا أن هذا ناسخ لقوله: (توضأوا مما مست النار).
-١١٥٤ -
الحديث التاسع والثمانون:
(عن ابن عباس قال: بينما النبي - ﷺ - يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل
[ ٣ / ١٩٤ ]
عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم.
فقال النبي - ﷺ -: (مُرهُ فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه).
* أما أبو إسرائيل فاسمه قيصر العامري، وليس في جميع الصحابة من كنيته أبو إسرائيل غيره، ولا من اسمه قيصر سواه، ولا له ذكر إلا في هذا الحديث. وإنما أمضى رسول الله - ﷺ - من فعله الصوم خاصة ورد باقي ذلك.
-١١٥٥ -
الحديث التسعون:
(عن أيوب قال: ذكر عن عكرمة شر الثلاثة فقال: قال ابن عباس: أتى رسول الله - ﷺ - وقد حمل قُثم (٣) بين يديه، والفضل خلفه، أو قُثم خلفه، والفضل بين يديه، فأيهم شرٌ، أو أيهم خير؟
وفي رواية: لما قدم النبي - ﷺ - مكة، استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل
[ ٣ / ١٩٥ ]
واحدًا بين يديه والآخر خلفه).
* قد سبق الكلام في هذا، وقد تقدم أن النبي - ﷺ - أردف وراءه وبين يديه.
* وقوله: (شر الثلاثة) شيء تقوله العامة لا أصل له.
-١١٥٦ -
الحديث الحادي والتسعون:
(عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين، وإن لم يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون- صُبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عُذب، وكُلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ).
* المستمع إلى حديث من لا يحب استماعه سارق، إلا أنه لم يسرق بتناول دراهم فكانت تقطع، ولكنه تناول ذلك عن باب السمع، فصب فيه الآنك.
والآنك: نوع من الرصاص فيه صلابة.
* فأما كون المحلم في نومه يكلف العقد بين شعيرتين (٤٨/أ)، فكأنه الذي
[ ٣ / ١٩٦ ]
أرى عينيه ما لم تريا مكلف عمل ما لا ينعمل عذابًا له من جنس ذنبه.
-١١٥٧ -
الحديث الثاني والتسعون:
(عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عن النبي - ﷺ - بشريك بن سحماء، فقال النبي - ﷺ -: (البينة أو حدٌ في ظهرك) قال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي - ﷺ - يقول: (البينة وإلا حَدٌ في ظهرك).
فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إن كان من الصادقين﴾ فانصرف النبي - ﷺ - فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي - ﷺ - يقول: (إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب) ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة.
قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي - ﷺ -: (أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأيتين، خذلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء)
[ ٣ / ١٩٧ ]
فجاءت به كذلك، فقال النبي - ﷺ -: (لولا ما مضى من كتاب الله ﷿، لكان لي ولها شأن).
* قد مضى الكلام في هذا الحديث.
* وقوله: (إنها موجبة) المعنى أن هذه المرة توجب عذاب الله تعالى.
* وتلكأت أي تباطأت عن إتمام اللعان.
* والسبوغ: التمام.
* والخدلج: هو الممتلئ الساقين.
* وقوله: (لولا ما مضى من كتاب الله) يعني قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد﴾، (لكان لي ولها شأن﴾ يعني الرجم.
-١١٥٨ -
الحديث الثالث والتسعون:
(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - جاء إلى السقاية فاستقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول الله - ﷺ - بشراب من عندها. فقال: يا رسول الله - ﷺ -، إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: (اسقني) فشرب منه،
[ ٣ / ١٩٨ ]
ثم أتى زمزم، وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: (اعملوا، فإنكم على عمل صالح)، ثم قال: (لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل (٤٨/ب) على هذه) يعني عاتقه).
* في هذا الحديث دليل على استحباب الشرب من حيث يشرب المسلمون، ويضعوا أيديهم فيه فإنه يزيده بركة، إلا أن هذا ينصرف إلى المسلمين الذين تعلم منهم الطهارة، فأما من يخاف منه أن لا يبالي بالنجاسة فإن من تحرج عما يمسه لم ألمه إلا أنه مباح ما لم يتيقن نجاسة.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن ترك العمل الفاضل لخوف أن يتأذى منه مضرة جائز؛ لأن النبي - ﷺ - عرفهم فضيلة العمل وعرفهم عذره كيف لم يعمل.
* وقد دل الحديث على فضل سقي الماء، وأنه من أفضل القربات.
-١١٥٩ -
الحديث الرابع والتسعون:
(عن ابن عباس قال: نهى النبي - ﷺ - أن يشرب في السقاء).
* هذا الحديث يتضمن الإشفاق على الشارب؛ لأنه ربما كان في الإناء دبيب وقد لا يتهنا بالشرب.
[ ٣ / ١٩٩ ]
-١١٦٠ -
الحديث الخامس والتسعون:
(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قال: وهو في قبة يوم بدر: (اللهم، أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد هذا اليوم)، فأخذ أبو بكر ﵁ بيده فقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، فخرج في الدرع، وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر).
* قد سبق الكلام في هذا في مسند عمر ﵁.
* وإن معنى (إن تشأ): ما تشاء لا تعبد.
* وقوله: (ألححت على ربك): يدل على أن الإلحاح في الدعاء جائز.
-١١٦١ -
الحديث السادس والتسعون:
(عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - دخل على أعرابي يعوده، فقال: (لا بأس عليك، طهور إن شاء الله). فقال الأعرابي: طهور؟! بل حُمَّى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال النبي - ﷺ -: (فنعم إذًا).
وفي حديث مَعلَّي بن أسد: دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي - ﷺ -
[ ٣ / ٢٠٠ ]
إذا دخل على مريض يعوده قال: (لا بأس، طهور إن شاء الله) فقال: قلت: طهور؟! بل حُمَّى تَفُورُ، على شيخ كبير، تزيره القبور).
* في هذا الحديث ما يدل على أن المسلم إذا قال له أخوه المسلم كلمة بشرى وحمل حالًا له على محمل - فينبغي أن يتقبل ذلك ويرى أن الله تعالى أنطق ذلك المتكلم.
* وفيه أيضًا دليل (٤٩/أ) على أنه لم يقبل البشرى وتأول الكلام على الحالة السوآى كان له ما اختار لنفسه؛ لأن النبي - ﷺ - قال: (فنعم إذًا) أي لما حملت أنت الأمر على الحال السيئة كان ذلك.
-١١٦٢ -
الحديث السابع والتسعون:
(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - طاف بالبيت، وهو على بعير، فلما أتى الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبر).
* قد مضى الكلام على هذا الحديث.
[ ٣ / ٢٠١ ]
-١١٦٣ -
الحديث الثامن والتسعون:
(عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: (هذا جبريل أخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب).
* إن كان يريد بهذا أن جبريل كان راكبًا، ففي هذا تعليم للغزاة أن لا يهمل الراكب رأس فرسه، وإن كان جبريل كان آخذًا برأس فرسه يقوده، فهو تعليم للناس تر فيه مراكبهم إلى زمان الحاجة إلى القتال.
* وأداة الحرب: آلاته.
-١١٦٤ -
الحديث التاسع والتسعون:
(عن ابن عباس قال: (إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حُرمَتْ عليه) موقوف).
* وهذا لأنه ليس للمشرك أن ينكح مسلمة.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
-١١٦٥ -
الحديث المائة:
(عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله ﷿ للنساء).
* هذه كلمة طيبت قلوب النساء وحرست عرض رسول الله - ﷺ - من ظنون الجاهلين، وتثبت أن رسول الله - ﷺ - لا يأمر إلا بمعروف.
-١١٦٦ -
الحديث الأول بعد المائة:
(عن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت النبي - ﷺ - وأصحابه لا يفعلون ذلك).
* في هذا الحديث حسن التعليم للمتعلمين، وأن من آفة التعليم إكثاره حتى تعجز القلوب عن أن تعيه، ولهذا قال: (حدِّث الناس في كل جمعة مرة،
[ ٣ / ٢٠٣ ]
فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات)، يعني أن من تغب يومًا وتحدثهم يومًا؛ وذلك أنهم يتفكرون فيما (٤٩/ب) سمعوا، ويردون قولك ليحفظوه، فعلى الإكثار تغب يومًا وتحدث يومًا دون يوم الجمعة، فإنه خارج من هذه الوظيفة لأجل التشاغل بالجمعة إلا أن هذا إنما قاله في قوم ذوي رغبة في العلم، فتداوى به فرط رغبتهم ليرد أمر تعليمهم إلى الاعتدال النافع، فأما إذا مُني بقوم لا يستطيعون سمعًا ويهجرون ذكر الله أنهم ممن قال الله: ﴿يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا﴾، فكانوا ممن قال الله ﷿ فيهم: ﴿وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم﴾ الآية.
فإن هؤلاء بكل حال يصدع لهم بالحجة، وينطق بالحق في وجوههم وإن كرهوا، وإن زعموا، قال الله ﷿: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾.
* وفي هذا الحديث كراهية التكلف للسجع، فإن السجع داعية التكليف لكن ممن يأتي بالقول الحسن فانساق إلى قرائن، وما فيه نوع استجلاب للفهم مما يزيده حسنًا فلا بأس.
-١١٦٧ -
الحديث الثاني بعد المائة:
(عن ابن عباس: سُئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون والأنصار، وأزواج النبي - ﷺ - في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله - ﷺ -:
[ ٣ / ٢٠٤ ]
(اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي) طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: (من قلد الهدي لا يحل حتى يبلغ الهدي محله)، ثم أمرنا عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تم حَجُّنا وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾: إلى أمصاركم، الشاة تجزئ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه، وسنة نبيه - ﷺ -، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾. وأشهر الحج التي ذكر الله تعالي: شوال (٥٠/أ) وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر، فعليه دم أو صوم. والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء).
* قد سبق الكلام في هذا الحديث وشرحنا ما يتعلق به.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
-١١٦٨ -
الحديث الثالث بعد المائة:
(عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي - ﷺ - فقال: (لو فعله لأخذته الملائكة).
زاد أبو مسعود: (لأخذته الملائكة عيانًا).
قال: وقال ابن عباس: ولو تمنى اليهود الموت لماتوا، ولو خرج الذين يباهلون النبي - ﷺ - لراجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا).
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن أمر محمد - ﷺ - بلغ من الكافر كل مبلغ، كما أن الشدة تناهت برسول الله - ﷺ - من أذى المشركين إلى أقصى غاية.
* وفيه أيضًا: أن الله سبحانه لا يذل نبيه ولا يسلط عليه أعداءه؛ لأن النبي - ﷺ - قال: (لو فعله لأخذته الملائكة عيانًا).
* وفيه أيضًا: أنهم لو باهلوا النبي - ﷺ - لراجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا.
ومن أكبر الدليل على صدقه - ﷺ - أنهم لم يتجاسروا على مباهلته،
[ ٣ / ٢٠٦ ]
ولولا علمهم بصدقه ما توقفوا.
-١١٦٩ -
الحديث الرابع بعد المائة:
(عن ابن عباس قال: لما أتى ماعزُ النبي - ﷺ - قال له: (لعلك قبلت أو غمزت، أو نظرت؟) قال: لا يا رسول الله، قال: (أنكتها؟) لا يكني، فعند ذلك أمر برجمه.
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال لماعز بن مالك: (أحق ما بلغني عنك؟) قال: وما بلغك عني؟ قال: (بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان). قال: نعم، فشهم أربع شهادات ثم أمر به فرجم).
[ ٣ / ٢٠٧ ]
* قد سبق الكلام في قصة ماعز.
-١١٧٠ -
الحديث الخامس بعد المائة:
(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوم النحر فقال: (يا أيها الناس، أي يوم هذا؟) قالوا: يوم حرام، قال: (فأي بلد هذا؟) قالوا: بلد حرام، قال: (فأي شهر هذا؟) قالوا: شهر حرام. قال: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم (٥٠/ ب) هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: (اللهم بلغت).
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصية إلى أمته: (فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض).
[ ٣ / ٢٠٨ ]
* هذا الحديث قد تقدم شرحنا له.
-١١٧١ -
الحديث السادس بعد المائة:
(عن النبي - ﷺ - قال: (لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن).
زاد إسحاق بن يوسف: (ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن). قال عكرمة: فقلت لابن عباس: كيف يُنزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبَّك بين أصابعه، ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبَّك بين أصابعه).
* هذه الواو في قوله: (وهو مؤمن) واو حال؛ كقوله تعالى: ﴿وإذا قتلتم نفسًا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾.
* وقد دل الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، وخروجه من العبد وعوده إليه.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
-١١٧٢ -
الحديث السابع بعد المائة:
(عن ابن عباس: ﴿لرادُك إلى معادٍ﴾ قال: إلى مكة).
* المعاد: المراد، وإذا أطلق انصرف إلى القيامة. وقد فسره ابن عباس العود إلى مكة، فقد حصل النبي - ﷺ - الفوز بسعادة الأمرين.
-١١٧٣ -
الحديث الثامن بعد المائة:
(عن سفيان التمار من قوله: أنه رأى قبر النبي - ﷺ - مُسنمًا).
* هذا الحديث يدل على أن السنة تسنيم القبور.
-١١٧٤ -
الحديث التاسع بعد المائة:
(عن ابن عباس قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لقينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم، استأجر رجلًا من قريش من فخذ أخرى، فانطلق
[ ٣ / ٢١٠ ]
معه في إبله، فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي، لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالًا فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا أعلقت الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما بال هذا البعير لم يعقل بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ فحذفه بعصا كان فيها أجله.
فمر رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ فقال: ما أشهد وربما شهدته، فقال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فإذا أنت شهدت الموسم (٥١/أ) فناد: يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم، فإذا أجابوك، فسل عن أبي طالب فأخبره: أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر.
فلما قدم الذي استأجره. أتاه أبو طالب: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، ووليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينًا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم، قال: يا آل قريش، فقالوا: هذه قريش، قال: يا بني هاشم؟ قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: وهذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلانًا قتله في عقال.
فأتاه أبو طالب فقال: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، وإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فأخبرهم فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم، كانت عند رجل منهم، قد ولدت منه، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجير ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان؛ ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلًا يحلفوا
[ ٣ / ٢١١ ]
مكان مائة من الإبل، فيصيب كل رجل منهم بعيران، هذان الصغيران فاقبلهما مني، ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان، فقبلهما، وجاء بثمانية وأربعون فحلفوا. قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما حال الحول، ومن الثمانية والأربعين عين تطرف).
* قوله: (قتلني في عقال) أي لأجل عقال.
* وقوله: (أن تجير ابني) أي تأن له في ترك اليمين، و(اليمين الصبر) التي يلزمها المأمور بها.
* في هذا الحديث ما يدل على تغليظ الحنث في اليمين، وأن الله تعالى لم يمهل عنها من حنث في الجاهلية، ليستدل المؤمن على أنه من حنث بعد إقراره بالحق واعترافه بالرب ﷾، فإنه أغلظ ذنبًا وأفحش جرمًا، وأعظم استهدافًا لأليم العقوبة.
-١١٧٥ -
الحديث العاشر بعد المائة:
(عن طلحة بن عبد الله قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: ليعلموا أنها سنة).
* الظاهر من ابن عباس جهر حتى سمع المأموم، والجهر في الجنازة مذهب
[ ٣ / ٢١٢ ]
ليس بالمعمول عليه.
-١١٧٦ -
الحديث الحادي عشر بعد المائة:
(عن ابن عباس (٥١/ ب) قال: قال النبي - ﷺ -: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
* أراد - ﷺ - أن من أصح الله جسمه وفرغه من شواغل هذه الدنيا، فلم ينفق صحته الواقعة في طرف من الزمان فارغ عن شاغل له في أربح التجائر وأعلى المكاسب من معاملة الله ﷾ في أعلى المقامات التي وعد عليها سبحانه بأنه يحب أهلها، ويكرمهم، ويقدمهم منه فإنه مغبون.
* وفيه دليل على أن الصحة نعمة فلا ينبغي أن يختار عليها البلاء.
*وفيه أيضًا دليل على أن الفراغ نعمة فإذا فتح به فلا ينبغي أن يختار عليه عمل دنيا، فإذا أنعم الله تعالى على عبد من عباده بصحة في بدنه وفراغ في وقته، فلم ينفق هذه الصحة في هذه الفراغ لله سبحانه فقد غبن، ومن ذلك أنه إذا خلا في وقت دون وقت، فينبغي له أن ينفق ذلك الوقت الفارغ من شغل الدنيا في شغل الآخرة، ولا ينتظر بعمل الآخرة أن يتفرغ له في كل أوقاته، ولذلك فإن أعوزته الصحة التامة فلينفق مما آتاه الله منها، ولا يقفل بقية النعمة عنده.
[ ٣ / ٢١٣ ]
-١١٧٧ -
الحديث الثاني عشر بعد المائة:
(عن ابن عباس قال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾: عن بدر والخارجون إلى بدر).
* هذا الكلام، وإن كان متعينًا في أهل بدر، فيه دليل على أن كل ناهض إلى الجهاد لا يستوي والقاعدة عنه.
-١١٧٨ -
الحديث الثالث عشر بعد المائة:
(عن ابن عباس قال: ﴿اللات والعزى﴾ كان اللات رجلًا يلُتُّ سويق الحاج).
* هذا الحديث يدل على العاقل على أن لا يعطي الأشياء فوق حقها؛ فإن كثيرًا من الجُهَّال يطفون بالعالم فيعظمونه ويتوهمون فيه الأوهام، ثم إذا مات اتخذوا قبره وثنًا من الأوثان وذلك غير جائز.
-١١٧٩ -
الحديث الرابع عشر بعد المائة:
[ ٣ / ٢١٤ ]
(عن ابن عباس: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾).
* من قال بلسانه حسبي الله فينبغي أن يوقن بذلك الذي نطق به، فإن أضطربت نفسه في ذلك فقال: إذن ونعم الوكيل. وقد اتفق على هذه الكلمة نبيان عظيمان: محمد الحبيب وإبراهيم الخليل صلى الله عليهما.
* ويعني بالوكيل أنه كلما يغيب عنه العبد فإن الله سبحانه (٥٢/أ) شاهده، فمن اتخذ ربه وكيلًا كما قال تعالى: ﴿فاتخذه وكيلًا﴾، فإن من شرط هذا الاتخاذ أنه إذا قضى لعبده قضاء يكون راضيًا بالقضاء في تلك الوكالة محسنًا ظنًا غير مسي له؛ فإن الله تعالى لا يختار له إذا اتخذه وكيلًا إلا الأفضل والأجود، لا سيما وقد جربت أيها الإنسان كيف يتنكب القدر اختياراتك الدنية وأبدلك بها الأمور العلية غير راض أن يجعل إحسانه إليك تابعًا لسوء اختيارك.
-١١٨٠ -
الحديث الخامس عشر بعد المائة:
(عن أبي يعفور العبدي، قال: تذاكرنا عند أبي الضُّحى فقال: حدثنا ابن
[ ٣ / ٢١٥ ]
عباس قال: أصبحنا يومًا ونساء النبي - ﷺ - يبكين، عند كل امرأة منهن أهلها، فخرجت إلى المسجد، فإذا هو ملآن من الناس، فجاء عمر بن الخطاب، فصعد إلى النبي - ﷺ - وهو في غرفة له، فسلم فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، فناده، فدخل على النبي - ﷺ - فقال: أطلقت نساءك؟ قال: (لا، ولكن آليت منهن شهرًا) فمكثن تسعًا وعشرين، ثم دخل على نسائه).
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند عمر ﵁.
-١١٨١ -
الحديث السادس عشر بعد المائة:
(عن عبد العزيز بن رفيع، قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي - ﷺ - من شيء؟ فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال: ودخلنا على ابن الحنفية فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين).
* هذا الحديث يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يترك من العلم شيئًا سرًا ولا مكتومًا.
[ ٣ / ٢١٦ ]
* وقوله: (بين الدفتين) فاعلم أنه من فهم عن الله ﷿ ما في كتابه من العلوم ثم علمه فإن عليًا ﵇ يقول: إلا رجلًا آتاه الله ﷿ فهمًا في كتابه.
-١١٨٢ -
الحديث السابع عشر بعد المائة:
(عن ابن عباس: ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾ قال: كنا نرفع الخشب ثلاثة أذرع أو أقل للشتاء، فنسميه القصر، ﴿كأنه جمالت صفر﴾ حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال).
* في هذا الحديث ما يدل على عظم جهنم، وأن شررها لم يشتبه إلا بالقصر، وهو أصول (٥٢/ب) النخل المقطوعة، وإنما شبهت بهذا ولم تشبه بالصخر لأنها نظير لحفتها. وقوله: ﴿كأنه جمالت صفر﴾ أي أنه الجمال، والمعنى أنها تأتي جملة ثم تتفرق.
* قال المفسرون: الصفر هاهنا هي السود.
-١١٨٣ -
الحديث الثامن عشر بعد المائة:
(عن ابن عباس قال: كان أقوام يسألون رسول الله - ﷺ - استهزاءً، فيقول
[ ٣ / ٢١٧ ]
الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي. فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ حتى فرغ من الآية كلها).
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لا ينبغي أن يسأل العالم إلا لطلب فائدة مستجلبة أو لحل عقدة في القلب.
-١١٨٤ -
الحديث التاسع عشر بعد المائة:
(عن أبي الجويرية قال: سألت ابن عباس عن الباذق فقال: سبق محمد - ﷺ - الباذق: (فما أسكر فهو حرام) قال: عليك بالشراب الطيب الحلال، ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث).
* الباذق: نوع من الشراب.
* وقوله: (سبق محمد - ﷺ - الباذق) أي سبق إلى كلام يشتمل على الباذق وغيره، وهو أن كل ما أسكر فهو حرام.
[ ٣ / ٢١٨ ]
-١١٨٥ -
الحديث العشرون بعد المائة:
(عن أبي السفر قال: سمعت ابن عباس يقول: يا أيها الناس، اسمعوا مني ما أقول لكم، وأسمعوني ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس: من طاف بالبيت، فيلطف من وراء الحجر، ولا تقولوا الحطيم، فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف، فيلقي سوطه أو نبله أو قوسه.
زاد البرقاني: وأيما صبي حج به أهله فقد قضت حجته عنه مادام صغيرًا وإذا بلغ فعليه حجة أخرى. وأيما عبد حج به أهله فقد قضت حجته عنه مادام عبدًا، فإذا عتق فعليه حجة أخرى).
* في هذا الحديث أن العالم ينبغي أن يفصح فيما يذكره ولا يحجم القول ولا يخفض الصوت إلا لحال يقتضي ذلك، كما أن السائل ينبغي له أن يصدع بالقول ويحسن السؤال.
* وقد دل الحديث أن الحجر من البيت.
* وقوله: (فقد قضت حجته) أي صحت إلا أنها صادفت زمانًا لم يفرض
[ ٣ / ٢١٩ ]
عليه فيه الحج فكانت نافلة، فإذا فرض عليه الحج (٥٣/أ) استأنف حجه لتعلق الفرض به فيما بعد، والعبد مثل الصبي في ذلك.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
أفراد مسلم
-١١٨٦ -
الحديث الأول:
(عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف، ومشي أربعة أطواف. أسنةٌ هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة.
قال: فقال: صدقوا وكذبوا. قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله - ﷺ - قدم مكة. فقال المشركون: إن محمدًا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال. وكانوا يحسدونهم، قال: فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يرملوا ثلاثًا. ويمشوا أربعًا.
قال: قلت له: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: صدقوا وكذبوا. قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله - ﷺ - كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمد، هذا محمد - ﷺ - حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله - ﷺ - لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والسعي والمشي أفضل.
وفي رواية فقلت لابن عباس: إن قومك يزعمون أن رسول الله - ﷺ - رمل بالبيت. وبين الصفا والمروة. وهي سنة. قال: صدقوا وكذبوا. ولم يزد.
وفي رواية عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أراني قد رأيت رسول الله - ﷺ -، قال: فصفه لي. قال: قلت: رأيته عند المروة على ناقة وقد
[ ٣ / ٢٢١ ]
كثر الناس عليه. قال: فقال ابن عباس: ذاك رسول الله - ﷺ - إنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكرهون).
* في هذا الحديث أن الإمام ينبغي أن لا يدفع الناس عنه ولا يكرهون إلا أن يخاف على نفسه فله الدفع عن نفسه.
* وقد مضى الكلام في هذا الحديث.
-١١٨٧ -
الحديث الثاني:
(عن عبيد الله بن عبد الله، قال: قال لي ابن عباس: تدري آخر سورة من القرآن نزلت جميعًا؟ قلت: نعم: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾. قال: صدقت).
* هذا الحديث يدل على أن آخر سورة أنزلت: ﴿إذا جاء نصر الله﴾.
وقد روى في حديث البراء أن آخر (٥٣/ب) سورة نزلت براءة.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
-١١٨٨ -
الحديث الثالث:
(عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: (الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها).
وفي رواية: (والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها). قال: وربما قال: (وصمتها إقرارها).
* هذا الحديث يحتج به أبو حنيفة ﵀ في جواز نكاح المرأة بغير ولي، ووجه احتجاجه أن النبي - ﷺ - قال: (الأيم أحق بنفسها) فشارك بينها وبين الولي في ثبوت الحق ثم قدمها بقوله: (أحق). وأحق في لغة العرب في زون (أفعل) ولا يكون أحق إلا ممن له حق.
-١١٨٩ -
الحديث الرابع:
(أن أبا الصهباء، قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك. فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.
وفي رواية: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من
[ ٣ / ٢٢٣ ]
خلافة عمر ﵁ طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم.
وفي رواية: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم).
* هذا الحديث قد ورد هكذا وعمل الأمة على خلافه، وما عمله عمر قد تلقته الأمة بالقبول فأجمع الناس عليه إلا من لا يعتد بخلافه.
-١١٩٠ -
الحديث الخامس:
(عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه. فقال رسول الله - ﷺ -: (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).
* في هذا الحديث دليل على وجوب طواف الوداع، وأن ينزل الحاج البيت
[ ٣ / ٢٢٤ ]
آخر مفارق، وذلك أجدر أن يكون من صفة للحنين.
-١١٩١ -
الحديث السادس:
(عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، فإذا استغسلتم فاغلسوا).
* أراد النبي - ﷺ - أن العين قد يصيب بها الإنسان صاحبه وذلك واقع حقًا، جعله الله سببًا لما يريد إنفاذه (٥٤/أ) فيه.
* وقوله: (ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) فالذي أرى في ذلك أن الأصل فيه أن الله ﷾ خلق عباده ففضل بعضهم على بعض كما شاء، والمفضول يعرضه الحسد، والمتعين على الفاضل أن لا يتعرض لغيظ أخيه المفضول بإكثار عليه رؤية ما يغيظه من فضله أو ما يزيده من حسده إياه، ولكن ليكن ذلك على حسن تدبير، وليحرص في أن يتجاف هذه الحال مع الأقرب فالأقرب من أهله ومعارفه فإنهم له أحسد إلا من وقى الله، فإذا تظاهر الفاضل في حال أو جمال أو مال بما من الله تعالى به عليه غائظًا به المفضول تعرض من الله تعالى لإزالة ذلك الشيء، فيكون رؤية ذلك الناظر له قد كانت سببًا لأن غضب الله فأزال ذلك الذي كان الحاسد يحسد فيه. فإن العين لا تنال ذلك إلا من هذه الطريق.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
* وعلى هذا أرى قوله تعالى: ﴿وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد﴾؛ لأنه أراد أنكم إذا دخلتم وأنتم أحد عشر ولدًا ذكرًا في مرة كان ذلك جالبًا لتذكر الناس بالتعجب منكم، فإنكم ولد رجل واحد، فإذا دخلتم من أبواب متفرقة لم يكن ذلك من المثير لحسد الناس كما يكون إذا دخلتم من باب واحد، ﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم﴾ كان ذلك لبركة قبولهم منه داعية إلى زيادتهم وجدان يوسف فإنه جاءهم ملكًا، ولو قدر لهم أن يخالفوا يعقوب ﵇ كانوا أقرب إلى النقص؛ فهذه الآية في العين.
* وقوله: (فإذا استغسلتم فاغسلوا) يعني أن العين إذا نظر بها الشخص نظره إلى ذلك الحسن الذي قدمنا ذكره انتشرت من باطنه على ظاهره وأثرت في جميع أحواله، فإذا استغسل بالماء بردت زفرة حسرته. فقد روي في الحديث: (إذا اشتد غضب الإنسان فليغتسل)، وإنما كان ذلك ليذهب الغلي عنه فوضع الماء على الناظر تبريد لما غلى به قلبه فانتشر على بدنه وأعصابه، ثم أخذ ذلك ورميه على المنظور فيه نوع ألفة لأن النظر كان عن نوع فرقة فجمع الماء بينهما.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
-١١٩٢ -
الحديث السابع:
(عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا (٥٤/ب) التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. فكان يقول: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله).
* التحية في لسان العرب الملك، فلما ذكر التحيات وصفها فقال: (المباركات)، ثم عقبها وقال: (الصلوات)، ثم زاد في وصفها فقال: (الطيبات)، ثم قال: (لله) واللام هي لام الملك.
* وقوله: (السلام علينا) لما كان الإنسان يدعو له في الصلاة كأنه قد أذن تغيبه عن الخلق ولقائه للأنبياء وعباد الله الصالحين، فيكون سلامه عليهم كأنه رآهم، ولذلك جعل في الجلوس من الصلاة فإن القراءة وتعظيم الله ﷿ أكثره في القيام، فإذا أسلم للخروج من الصلاة فكأنه أدهم القدوم من تلك الغيبة.
-١١٩٣ -
الحديث الثامن:
(عن ابن عباس، أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله - ﷺ -
[ ٣ / ٢٢٧ ]
فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال: (أهلي بالحج، واشترطي أن محلي حيث حبستني. قال: فأدركت).
وفي رواية: أن ضباعة أرادت الحج فأمرها النبي - ﷺ - أن تشترط ففعلت ذلك عن أمر رسول الله - ﷺ -).
* في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - علم هذه المرأة ما تحتاط به.
* وعند الشافعي وأحمد أن من شرط في ابتداء إحرامه أنه إذا مرض تحلل جاز له التحلل عند وجود الشرط.
وعند أبي حنيفة ومالك أن اشتراطه لا تأثير له. فأبو حنيفة يقول: لا يحل إلا بالهدي، ومالك يقول: لا يستفيد التحلل أصلًا. والحديث حجة حلية لأحمد والشافعي رحمة الله عليهما.
-١١٩٤ -
الحديث التاسع:
(عن طاوس قال: قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين. فقال: هو سنة. قلنا: فإننا نرى أن ذلك من الجفاء إذا فعله الرجل. قال: بل هو سنة نبيكم - ﷺ -).
[ ٣ / ٢٢٨ ]
* الإقعاء: أن يضع إليتيه على عقبيه ويقعد مستوفزًا غير مطمئن إلى الأرض، وكذلك إقعاء السباع، إنما هو أن تقعد على مآخيرها وتنصب أفخادها. قال طاوس: رأيت العبادلة (٥٥/أ) ابن عباس وابن عمر وابن الزبير يفعلون ذلك.
وقال أحمد بن حنبل: أهل مكة يستعملون الإقعاء.
وقد روي عن ابن عمر أنه قال لبنيه: لا تقتدوا بي في الإقعاء؛ فإني إنما فعلته حين كبرت.
قال الخطابي: ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخًا؛ لأنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - من طرق أنه قعد بين الجلستين مفترشًا قدمه اليسري. والعمل على ما ذكره الخطابي.
-١١٩٥ -
الحديث العاشر:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، قولوا: (اللهم، إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
* قد سبق تفسير هذا الحديث وبينا معنى الاستعاذة.
-١١٩٦ -
الحديث الحادي عشر:
(عن كريب عن ابن عباس: أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان. فقال: يا كريب! انظر ما اجتمع له من الناس. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له. فأخبرته. قال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم. قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه).
* هذا الحديث يدل على أن المصلين على الميت شفعاء فيه، وأنهم كلما كثروا كان أفضل عند الله ﷿ وما أخبر به رسوله - ﷺ - أكثر.
وقد قال ابن عباس: (إن الله حييٌ كريم).
وفي حديث آخر: (إن الله يستحي أن يمد العبد يده إليه فيردها
[ ٣ / ٢٣٠ ]
صفرًا). فإذا رأى الله ﷿ أربعين من عباده المؤمنين يشفعون في بعض عباده استحى أن لا يشفعهم.
-١١٩٧ -
الحديث الثاني عشر:
(عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - لقي ركبانًا بالروحاء. فقال: (من القوم؟) قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ فقال: (رسول الله - ﷺ -)، فرفعت إليه امرأة صبيًا فقالت: ألهذا حجٌ؟ قال: (نعم، ولك أجر).
* في هذا الحديث من الفقه أن صوت المرأة ليس بعورة، وأن للصبي حجًا.
* وفيه اغتنام أوقات (٥٥/ب) العلماء، وسؤال العالم على قدر ما يحتمل الوقت.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - لما سألته عن شيء أجاب وضم إليه غيره. فقال: (نعم، ولك أجر).
-١١٩٨ -
الحديث الثالث عشر:
(عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده) فقيل للرجل- بعد ما ذهب رسول الله - ﷺ -: خذ خاتمك لتنتفع به. قال: لا، والله لا
[ ٣ / ٢٣١ ]
آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله - ﷺ -).
* في هذا الحديث من الفقه تحريم خاتم الذهب.
* وفيه دليل على أن من رأى منكرًا في يد شخص جاز له نزع المنكر من يده، وإنما استجاز طرحه من مكان لا يعدم ملتقطًا ينتفع به؛ إذ لو كان رميه إياه في مضيعة لا يراه آدمي أو في بحر لا يمكن استخلاصه لم يجز لأنه مال، وقد نهى النبي - ﷺ - عن إضاعة المال.
-١١٩٩ -
الحديث الرابع عشر:
(عن كريب، عن ابن عباس قال: كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله - ﷺ - اسمها جويرية. وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة).
* إنما كره رسول الله - ﷺ - ذلك لأن البر يدخل عليه، ولا يخرج عنه.
-١٢٠٠ -
الحديث الخامس عشر:
(عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام،
[ ٣ / ٢٣٢ ]
فقضيت حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأن بالشام، فرأيت الهلال يوم الجمعة، وقدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه يوم الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت ولا يزال الصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه. فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -. شكَّ يحيى في: نكتفي أو تكتفي).
* في هذا الحديث ما يدل على أن لكل إقليم حكمه.
-١٢٠١ -
الحديث السادس عشر:
(عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة).
* هذا الحديث يحتج به أبو حنيفة؛ لأن عنده أن القصر متعين على المسافر ولا يجوز له الإتمام (٥٦/أ). من خالفه أجاب بجوابين:
[ ٣ / ٢٣٣ ]
أحدهما: أن هذا من رأي ابن عباس لا من روايته.
والثاني: أن الصلاة في السفر ركعتان فرض من اختار القصر.
وعند أحمد والشافعي أن المسافر إذًا مخير بين القصر والإتمام.
-١٢٠٢ -
الحديث السابع عشر:
(عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. يعني قوله: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾.
وفي رواية قال: رآه بفؤاده مرتين).
* معنى قوله: (رآه بقلبه) أي أن قلبه كان ثابتًا وقت رؤية العين، وكذلك قوله: (رآه بفؤاده) أي كان فؤاده ثابتًا وقت الرؤية؛ وهذا لأن قلب الرائي إذا كان غائبًا لم يدر البصر ما يرى فإذا ثبت علم.
-١٢٠٣ -
الحديث الثامن عشر:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا
[ ٣ / ٢٣٤ ]
ينفع ذا الجد منك الجد).
* قد سبق تفسير هذا في مواضع.
-١٢٠٤ -
الحديث التاسع عشر:
(عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قضى بيمين وشاهد).
* قد سبق الكلام في هذا الحديث.
-١٢٠٥ -
الحديث العشرون:
(عن ابن عباس، قال: أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي - ﷺ - رجل حمار وحش.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وفي حديث شعبة: عجز حمار وحش يقطر دمًا.
وفي رواية: شق حمار وحش فرده.
وفي رواية: أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي - ﷺ - حمار وحش وهو محرمٌ. قال: فرده عليه. وقال: (لولا أن محرمون لقبلناه منك).
* قد مضى الكلام في هذا الحديث، وبينا أن رسول الله - ﷺ - إنما رده عليه لأنه صاده لأجله، ولولا ذلك لقبله كما سبق في حديث أبي قتادة.
-١٢٠٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿آلم (١) تنزيل﴾ السجدة، و﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾، وأن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين).
* هذا الحديث يدل على استحباب القراءة بهاتين السورتين، وقراءة السجدة و﴿هل أتى﴾ في الفجر يوم الجمعة يناسب الشكر لله على ما خص به (٥٦/ب) آدم ﵇ من سجود الملائكة بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا،
[ ٣ / ٢٣٦ ]
ولأنه خُلق يوم الجمعة، وقراءة الجمعة والمنافقين تتناسب مع ذكر الجمعة وذم المتخلفين عنها.
-١٢٠٧ -
الحديث الثاني والعشرون:
(عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به).
* أراد أن الله تعالى يظهر عنه ما ينطوي عليه من فتح السريرة. نقول: سمعت بالشيء إذا أشعته ففشى في الإسماع، وسمعت بالرجل إذا أشهرته.
وفي معنى هذا من راءى راءى الله به.
وقد سبق هذا الحديث بأتم من هذا.
-١٢٠٨ -
الحديث الثالث والعشرون:
(عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يُعيرُني تطوافًا؟ تجعله على فرجها. وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
فنزلت هذه الآية: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾).
* هذا شرح حال من قبائح أحوال الجاهلية التي أزالها الله ﷿ ونهى عنها.
* وفيه حث على ستر العورة.
-١٢٠٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: (لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا).
* إنما نهى عن ذلك لإكرام ذوات الأرواح، وإنما أبيح الذبح للحاجة، وذلك بما يحصل الفائدة على وجه الرفق لا على وجه العنف. والغرض هي المرمى.
-١٢١٠ -
الحديث الخامس والعشرون:
(عن ابن عباس، قال: بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء يفتح لم يفتح قط إلا اليوم،
[ ٣ / ٢٣٨ ]
فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك؛ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته).
* في هذا الحديث ما يدل على تكريم هذه الآيات بأن فتح لها باب لم يفتح قبل، وأرسل بها ملك لم يرسل قبل، وتسميتها بنورين وأنه لم يؤتها نبي قبل محمد - ﷺ -.
* والنقيض: هو الصوت.
* وفي الحديث إثبات الحرف لقوله: (لن تقرأ بحرف منهما).
-١٢١١ -
الحديث السادس والعشرون:
(عن ابن عباس، لما نزلت هذه الآية: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه (٥٧/أ) يحاسبكم به الله﴾ دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي - ﷺ -: (قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا) قال: (فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله ﷿: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال: قد فعلت،
[ ٣ / ٢٣٩ ]
﴿واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا﴾ قال: قد فعلت).
* في هذا الحديث دليل على إجابة الدعاء، وقد سبق الكلام في هذه الآيات.
-١٢١٢ -
الحديث السابع والعشرون:
(عن ابن عباس قال: كان رجل من أزد شنوءة يقال له (ضماد)، وكان يرقي ويداوي من الريح، فقدم مكة، فسمع السفهاء يقولون لرسول الله - ﷺ -: (المجنون، المجنون) ثم قالوا: لو أتيت هذا الرجل فداويته لعل الله أن يشفيه وينفعه على يديك، فأتاه فقال: يا محمد إني رجل أداوي من الريح، فإن أحببت داويتك.
قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد). فقال: أعد عليَّ، فما سمعت مثل هذا الكلام، لقد بلغ قاموس البحر، فهات فلأبايعك على الإسلام. قال رسول الله - ﷺ -: (وعلى قومك؟) فقال: وعلى قومي، فبعث رسول الله جيشًا بعد مقدمه المدينة، فمروا بقلب البلاد، فقال أميرهم: هل أصبتم شيئًا؟ قال رجل منهم: إداوة. قال: ردوها، هؤلاء قوم ضماد).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن العاقل إذا كان خطيبه وجلساؤه أهل جهل ظنوا عقله جنونًا إلا أن العاقبة له؛ فإن ضماد جاء ليداوي- بزعم الجاهلية- داء رسول الله - ﷺ -، فداواه رسول الله - ﷺ - من دائه وشفاه من مرض مهلك شنعاء لم يغادر سقمًا أبد الأبد.
* وقاموس البحر: هو وسطه.
-١٢١٣ -
الحديث الثامن والعشرون:
(عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال (٥٧/ب) فلقينا ابن عباس، فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه).
وفي حديث شعبة: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلًا إلى ابن عباس يسأله. فقال ابن عباس: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله قد أمده
[ ٣ / ٢٤١ ]
لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة).
* معنى الحديث أن رسول الله - ﷺ - مد الصوم إلى رؤية الهلال.
-١٢١٤ -
الحديث التاسع والعشرون:
(عن ابن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله - ﷺ - رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (ما كنتم تقولون في الجاهلية، إذا رمي بمثل هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم.
فقال رسول الله - ﷺ -: (فإنها لا يرمي بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا- تبارك اسمه- إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم. قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا. فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون فيما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون).
وفي رواية يونس بن يزيد: رجال من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فزاد
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وقال الله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ [سورة سبأ: الآية: ٢٣]).
* هذا المعنى قد سبق ما قد تبين وثبت، وأن القرآن نزل بالدلالة على أن الكواكب إنما نقضت في زمان رسول الله - ﷺ -، وهذا قد ذكره عن رجل ولم يسمه، فإن صح فالمراد قوله: (وما كنتم تقولون في هذا؟) أي في هذا الجنس من الآيات، فلما قالوا: كنا نقول كذا وكذا وشرح لهم موجب انقضاض الكواكب بعد مبعثه.
* وقوله: (يقرفون فيه) أي يزيدون فيه. ومعنى (٥٨/أ) ﴿فزع عن قلوبهم﴾ خفف عنها الفزع.
-١٢١٥ -
الحديث الثلاثون:
(عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في ركعتي الفجر: في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية التي في البقرة، وفي الآخرة: ﴿آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾.
وفي رواية: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما
[ ٣ / ٢٤٣ ]
أنزل ﴾ والتي في آل عمران: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾)
* إنما اختار النبي - ﷺ - هاتين الآتيين لما فيهما من الإيمان.
-١٢١٦ -
الحديث الحادي والثلاثون:
(عن يزيد بن هُرْمُز: أن نجدة بن عامر الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خصال. فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه. كتب إليه نجدة: أما بعد، فأخبرني هل كان رسول الله - ﷺ - يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس: لمن هو؟
فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني هل كان رسول الله - ﷺ - يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحي، ويحذين من الغنيمة. وأما بسهم، فلم يضرب لهن.
وإن رسول الله - ﷺ - لم يكن يقتل الصبيان، فلا تقتل الصبيان.
وكتبت تسألني: متى ينقضي يُتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليُتم.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
وكتبت تسألني عن الخُمس لمن هو؟ وإنَّا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك.
وفي حديث خالد بن إسماعيل: فلا تقتل الصبيان إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل.
وفي رواية: فتُميز المؤمن وتقتل الكافر وتدع المؤمن.
وفي رواية: كتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم، هل تُقْسَمُ لهما؟ وذكر باقي المسائل نحوه.
فقال ابن عباس ليزيد: اكتب إليه، فولا أن يقع في أحموقة (٥٨/ب) ما كتبت إليه. اكتب: تسألني عن المرأة والعبد يحضران المغنم، هل يقسم لهما بشيء؟ وإنه ليس لهما شيء إلا أن يُحْذيا. وهل في اليتم أن لا ينقطع عنه اسم اليتيم حتى يبلغ ويؤنس منه رشده. والباقي نحوه).
* في هذا الحديث من الفقه أن ابن عباس أجاب الحروري على كونه خارجيًا إجابة رآها لأنه سأله عن العلم، والعلم لا يسغ منعه، ولكنه أجاب مثله لأن العلم ينتقل من السائل إلى غيره.
* وقوله: (إن كنت تعلم ما علم الخضر) المعنى أنك لا تعلم ذلك ولا يجوز لك القتل، فمنعه بذلك عن القتل. و(الأحموقة) من الحمق.
-١٢١٧ -
الحديث الثاني والثلاثون:
(عن ابن عباس أنه قال: نهيت أن أقرأ وأنا راكع.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
وفي رواية: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة- والناس صفوف خلف أبي بكر- فقال: (أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له. ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا. فأما الركوع: فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم).
وفي رواية: كشف رسول الله - ﷺ - الستر، ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: (اللهم هل بلغت؟ - ثلاث مرات- إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو تُرى له) ثم ذكر مثله).
* قد سبق الكلام في هذا الحديث.
-١٢١٨ -
الحديث الثالث والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع- يعني يوم عاشوراء-).
وفي رواية عن ابن عباس، قال: حين صام رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال
[ ٣ / ٢٤٦ ]
رسول الله - ﷺ -: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع). قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ -.
وفي رواية: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسِّد رداءه في زمزم فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدُد وأصبح يوم التاسع صائمًا. قلت: هكذا كان محمد - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم).
* وقد سبق الكلام (٥٩/أ) في يوم عاشوراء.
* ومذهب ابن عباس أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع.
قال الأزهري: كأنه أخذه من ورد الإبل، فإنهم يقولون: أوردنا الإبل عشرًا إذا أوردوها يوم التاسع.
-١٢١٩ -
الحديث الرابع والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: رأى رسول الله - ﷺ - حمارًا موسوم الوجه، فأنكر ذلك. قال: فوالله لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه، وأمر بحماره فكُوي في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين).
[ ٣ / ٢٤٧ ]
* السنة أن يكوى الغنم في آذانها، والإبل على أفخاذها، وأن لا يكون الوشم في الوجه.
-١٢٢٠ -
الحديث الخامس والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: مُطِر الناس على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة من الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا). قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ حتى بلغ: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾).
* قد سبق بيان هذا الحديث في مسند أبي طلحة.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
-١٢٢١ -
الحديث السادس والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي - ﷺ - يا نبي الله، ثلاث أعطينهن. قال: (نعم). قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها. قال: (نعم). قال: ومعاوية، تجعله كاتبًا بين يديك. قال: (نعم). قال: وتُؤمِّرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال: (نعم).
قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي - ﷺ - ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يسأل شيئًا إلا قال: (نعم).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
* في هذا الحديث وهم من بعض رواته بلا شك؛ لأن أهل التواريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت عند عبيد الله بن جحش، وولدت له وهاجر بها إلى الحبشة وهما مسلمان، ثم تنصر وثبتت على دينها، فبعث رسول الله - ﷺ - فتزوجها، وذلك في سنة سبع من الهجرة.
* ولا خلاف أن أبا سفيان أسلم في فتح مكة، ولا نحفظ أن النبي - ﷺ - أمر أبا سفيان.
-١٢٢٢ -
الحديث السابع والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك (٥٩/ب) لك. فيقول رسول الله - ﷺ -: (قدْ قَدْ) إلا شريكًا هو لك، تملكه وما مَلَكَ، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت).
* قول: (قَدْ قَدْ) أي حسبكم، لأنه قد علم أنهم يقولون بعد هذا: إلا شريكًا هو لك.
-١٢٢٣ -
الحديث الثامن والثلاثون:
(عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - خرج من الخلاء. فأتي بطعام فذكر له
[ ٣ / ٢٥٠ ]
الوضوء، فقال: (أريد أن أصلي فأتوضأ؟).
وفي حديث سفيان بن عيينة أنه - ﷺ - قال: (لم؟ أأصلي فأتوضأ؟).
وفي رواية: قضى حاجته من الخلاء، وقرب إليه طعام، فأكل ولم يمس ماء.
وفي رواية: إنه قيل له: إنك لم تتوضأ؟ فقال: (ما أردت صلاة فأتوضأ).
* فيه جواز أكل الطعام على غير وضوء، وأن الوضوء إنما هو للصلاة واستدامة الطهارة فضيلة وعزيمة، وفعل رسول الله - ﷺ - هذا دليل على جواز ذلك.
-١٢٢٤ -
الحديث التاسع والثلاثون:
(عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إذا دُبغ الإهاب فقد طهر).
وفي حديث أبي الخير، قال: رأيت على ابن وعلة السبئي فروًا فمسسته فقال: مالك تمسه؟ قد سألت عبد الله بن عباس، فقلت: إنا نكون ومعنا البربر والمجوس، يؤتى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتونا بالسقاء يجعلون فيه الوَدَكَ؟. فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله - ﷺ - عن ذلك،
[ ٣ / ٢٥١ ]
فقال: (دباغُهُ طهوره).
* هذا الحديث يحتج به من يرى طهارة جلد الميتة بالدباغ، وهذا لا يمكن العمل بإطلاقه إلا عند أبي يوسف وداود؛ فإن عندهما أن كل إهاب دبغ فقد طهر. فأما الشافعي ﵀ فإنه يستثني جلد الكلب والخنزير. وأبو حنيفة ﵀ يستثني جلد الخنزير، وإذا لم يكن العمل بعمومه حمل على غير الميتة.
* ويكون معنى طهارته بالدباغ: أن إزالة الأوساخ بدبغه مجزئ عن غسله بالماء.
* وقوله: (يؤتى بالسقاء يجعلون فيه الودك) من الجائز أن يكون بين المجوس من قد أسلم أو من أهل الكتاب، فاحتمل أن يكون ذلك الجلد من المذبوح.
-١٢٢٥ -
الحديث الأربعون:
(عن ابن عباس أن رجلًا أهدى لرسول الله راوية خمر. فقال له رسول الله - ﷺ -: (هل علمت أن الله حرمها؟) فقال: (٦٠/أ) لا، فسار إنسانًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: (بِمَ سارَرْتَهُ) فقال: أمرته ببيعها. فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
* في هذا الحديث دليل على أن من أهدى المحرم لم تقبل منه.
* وفيه أنه إذا رأى الرجل رجلًا يُسار في مجلسه أن يسأله عما ناجى به.
* وفيه دليل على تحريم ثمن الخمر.
* وفيه أن الشراب الحرام يهراق.
* والمزاد: جلد محروز على هيئة ما يحمل الماء كالقربة والسقا.
-١٢٢٦ -
الحديث الحادي والأربعون:
(عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: (أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه).
* هذا الحديث يدل على أن أبا طالب قد خفف الله عنه من أجل مدافعته عن النبي - ﷺ - إلا أن شركه بالله أبقى عليه باقي العذاب، ولما كان أسه على فساد لم ينتفع كل الانتفاع.
-١٢٢٧ -
الحديث الثاني والأربعون:
(عن موسى بن سلمة قال: انطلقت أنا وسنان بن سلمة معتمرين، قال:
[ ٣ / ٢٥٣ ]
فانطلق سنان معه ببدنة يسوقها، فأزحفت عليه بالطريق، فعيي بشأنها، إن هي أبدعت كيف يأتي بها؟ لئن قدمت يأتي البلد لأستحفين عن ذلك، قال: فأصبحت، فلما نزلنا البطحاء قال: انطلق إلى ابن عباس نتحدث إليه. قال: فذكر له شأن بدنته، فقال: على الخبير سقطت، بعث رسول الله - ﷺ - ست عشرة بدنة مع رجل وأمَّرهُ فيها. قال: فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله! كيف أصنع بما أبدع عليَّ منها؟ قال: (انحرها، ثم اصبغ نعلها في دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رُفقتك).
* قوله: (أزْحفت) أي وقعت من الإعياء. وقوله: (عيي بشأنها) أي أنه لم يدر ما يصنع، يقال: عيي فلان بكذا إذا تحير فلم يدر كيف المخرج منه. وقوله: (لأستحفين في السؤال عنها) أي لأستقصين في السؤال عنه، والحفي بالشيء هو المعتني به والمستقصي في البحث عنه.
وقوله: (فأصبحت) أي انقادت.
وقوله: (فلما نزلنا البطحاء) البطحاء والأبطح كل مكان متسع منفسح تجعل فيه الحصى الصغار يُبطح به.
وقوله: (اصبغ نعلها في دمها) أي اغمسه فيه، وألطخه به، ثم اجعله على صفحتها (٦٠/ب) ليكون ذلك علامة يعرف بها الناظر أنها هدي.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
* وفي هذا الحديث أن ما يقف من الهدي يصنع به الإنسان كذلك ثم يتركه للفقراء.
* والنعال: هي أطراف القرب، وهي إذا قطعت لم تصلح لشيء.
* وفيه تنبيه على أن ما لا يصلح لأشغال الناس قد يصلح في وقت لشيء ما.
-١٢٢٨ -
الحديث الثالث والأربعون:
(عن موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة، إذا لم أصل مع الإمام، قال: ركعتين سنة أبي القاسم - ﷺ -).
* كأن الإشارة إلى قصر الصلاة في السفر.
-١٢٢٩ -
الحديث الرابع والأربعون:
(عن ابن عباس قال: صلي النبي - ﷺ - الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج).
* قال أبو عبيد: إشعار الهدي هو أن يطعن في أسنمتها في أحد الجانبين
[ ٣ / ٢٥٥ ]
بمبضع أو نحوه بقدر ما يسيل الدم. وأصل الإشعار: العلامة، وكان ذلك إنما يفعل بالهدي ليعلم أنه قد جعل هديًا.
-١٢٣٠ -
الحديث الخامس والأربعون:
(عن بكر بن عبد الله قال: كنت جالسًا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي، فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن، وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن حاجة بكم أم من بُخلٍ؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا حاجة ولا بخل. قدم النبي - ﷺ - على راحلته وخلفه أسامة، فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب، وسقى فضله أسامة، وقال: (أحسنتم- أو: أجملتم- كذا فاصنعوا) فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله - ﷺ -).
* هذا النبيذ هو تمر ينبذ في ماء، وليس بمسكر، وقد كانت المياه بمكة متغيرة فكانوا يطيبونها بالتمر.
-١٢٣١ -
الحديث السادس والأربعون:
(عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ -: نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير).
[ ٣ / ٢٥٦ ]
* المخلب للطائر وللسباع الظفر، وإنما سمي مخلبًا لأنه يخلب به، والخلب الشق والقطع.
* وفي هذا الحديث دليل أن الشيء يذكر بأقوى أسبابه؛ ولذلك ذكر في هذين النوعين أقوى ما فيهما، وهو الذي يفترس به.
-١٢٣٢ -
الحديث السابع والأربعون:
(عن ابن عباس (٦١/أ) قال: أهلَّ النبي - ﷺ - بعمرة وأهلَّ أصحابه بحج، فلم يحل النبي - ﷺ - ولا من ساق الهدي من أصحابه وحَلَّ بقيتهم، وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحل.
وفي رواية: فكان مِمَّن لم يكن معه هدي طلحة بن عبيد الله ورجل آخر، فأحلا).
* قد سبق الكلام في هذا الحديث.
-١٢٣٣ -
الحديث الثامن والأربعون:
(عن يحيى بن عبيد قال: سأل قوم ابن عباس عن بيع الخمر وشرابها
[ ٣ / ٢٥٧ ]
والتجارة فيها، فقال: أمسلمون أنتم؟ قالوا: نعم. قال: فإنه لا يصلح بيعها ولا شراؤها ولا التجارة فيها. قال: فسألوه عن النبيذ. فقال: خرج رسول الله - ﷺ - في سفر ثم رجع وقد نبذ ناس من أصحابه في حناتم ونقير ودُباء، فأمر به فأهريق، ثم أمر بسقاء فجعل فيه زبيب وماء فجعل من الليل فأصبح فشرب منه يومه ذلك وليلته المستقبلة ومن الغد حتى أمسى، فشرب وسقى، فلما أصبح أمر بما بقي منه فأهريق.
وفي حديث معاذ العنبري عن شعبة: (كان رسول الله - ﷺ - يُنْبذُ له أول الليل، فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد والليلة الأخرى، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم، أو أمر به فَصُبَّ).
وفي حديث غندر: (كان رسول الله - ﷺ - ينتبذ له في سقاء. قال شعبة: من ليلة الاثنين، فيشربه الاثنين والثلاثاء إلى العصر، فإن فضل منه شيء سقاه الخادم أو صَبَّه).
وفي حديث الأعمش: (كان رسول الله - ﷺ - ينقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى أو يُهراق).
* إنما أمر به فأريق لأنه اشتد أو قارب، فكأنه كان إذا خاف منه مقاربة الاشتداد سقاه أو أراقه، ولو أنه تيقن اشتداده لم يجز أن يسقى منه أحدًا.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
-١٢٣٤ -
الحديث التاسع والأربعون:
(عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله - ﷺ - فتوازيت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطْأةً، وقال: (اذهب فادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل. قال: ثم قال لي: (اذهب فادع لي معاوية)، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال (٦١/ب): لا أشبع الله بطنه).
الحطأ: الدفع. قال ابن قتيية: المعنى ضربني بيده مبسوطة.
وفي الحديث قال محمد بن المثنى: قلت لأمية بن خالد: ما (حطأني)؟ قال: قفدني قفدة، وهذا نحو حطأني إلا أنه بالتواء رسغ الكف إلى الجانب الوحشي من الإنسان، والجانب الوحشي هو الذي فيه الخنصر، والأنسي هو الذي فيه الإبهام.
* وقد جعل مسلم بن الحجاج هذا الحديث من فضائل معاوية - ﵀ - لأنه أخرج متصلًا به الأحاديث في دعاء النبي - ﷺ - لمن سبه من رواية أبي هريرة وجابر وأنس أن النبي - ﷺ - قال: (اللهم إنما محمد بشر يغضب كما
[ ٣ / ٢٥٩ ]
يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنه. فأيُّما مؤمن آذيته، أو سببته، أو جلدته فاجعلها له كفارة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة).
والذي أراه أنا في ذلك أن هذا من الرسول - ﷺ - لا يخرج مخرج الفضيلة، ولكنه يكون سؤال رسول الله - ﷺ - في كل من سبه أو نهره أو ضربه فإنه يجعل ذلك كفارة لفعله الذي اقتضى ما فعل رسول الله - ﷺ -.
* وقوله: (قربة) يعني أنه بعد تكفيره بذلك الفعل عنه ما أوجب نيله به، فإنه يقرب من الله تعالى ويذهب عنه البعد، إلا أن مسلمًا وإخراجه لهذا في مخرج الفضيلة فما أراه ﵁ إلا شدة عن موضع الفضيلة من هذا الحديث لمعاوية، أو لأنه لم يثبت السامع منه ما حوله عنه؛ فإن الفضيلة لمعاوية في هذا الحديث هو تكرير استدعاء رسول الله - ﷺ - إياه، وإفراده بالاستدعاء عن غيره، وهذا يدل على أنه كان ذا حال خاصة منه.
* وقوله: (لا أشبع الله بطنه) فقد يحتمل أن لا يكون دعاء عليه من حيث أن المؤمنين يستحب فيهم قلة أكل بحيث يبلغ الشبع، وأن رسول الله - ﷺ - أراد به حال خواص المؤمنين، فقد روي لنا ما يدل على أن هذه الدعوة أجيبت فيه؛ فإن معاوية قال فيما بلغنا عنه: ما كنت أحسب أن مؤمنًا يشبع. ومعنى هذا الشبع المكروه: هو الذي لا يمكن فوقه تناول الطعام، فإن شبع المؤمنين غير الجوع، وكونهم لا يأكلون غالبًا إلا مع الإخوان والأضياف (٦٢/أ) بالمواساة، فإنهم لا يكاد يشبع أحدهم حتى لا يمكنه أن يتناول طعامًا آخر.
(آخر مسند ابن عباس ﵁)
[ ٣ / ٢٦٠ ]