أخرج له في الصحيحة تسعة أحاديث.
المتفق عب منهما حديثان، وباقيها للبخاري
-١٧٤ -
الحديث الأول: (من المتفق عليه)
[(٩٩/ ب) عن الزبير: أن رجلا خاصم الزبير عند رسول الله - ﷺ - في شراج الحرة التي يقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - للزبير: (أسق
[ ١ / ٣٠٩ ]
يا زبير ثم أرسل إلى جارك)؛ فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: (أسق يا زبير ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر). فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية﴾.
وفي رواية البخاري: (فاستوعى رسول الله - ﷺ - للزبير حقه، وكان رسول الله - ﷺ - قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي، أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله - ﷺ - استوعى للزبير حقه في صريح الحكم)].
* في هذا الحديث من الفقه جواز أن يكون السقي للأول ثم للذي بعده، إلا أن هذا في النخل خاصة وما يجري مجراه. فأما الزرع وما لا يصبر على العطش أكثر من جمعة ونحو ذلك فإن الماء يتناصف فيه بالسوية. قال الله ﷿: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾.
* وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - خفف عن الأنصاري بترك شيء من حق الزبير معه، فإن الزبير من رسول الله - ﷺ - يحكم في حقوقه، فلما جهل الأنصاري ذلك وظن الأمر بخلاف ما كان عليه استوعى حق الزبير؛ ليعلم الأنصاري سر الأمر ويتأدب عن أن يسيء ظنه برسول الله - ﷺ -، وأخذ حق الزبير كله فلم يظلم الأنصاري حقه. والجدر: هو أصل الجدار. والشراج: طريق الماء إلى النخل.
[ ١ / ٣١٠ ]
الحديث الثاني:
[عن ابن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت -أنا وعمر بن أبي سلمة- مع النساء، يعني نسوة النبي - ﷺ - في أطم حسان بن ثابت، فنظرت فإذا أنا بالزبير (١٠٠/ أ) على فرسه يختلف إلى بني قريظة. فلما رجع قلت: يا أبت، رأيتك تختلف؟ قال: أو هل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: أما والله لقد جمع لي رسول الله - ﷺ - أبويه فقال: (فداك أبي وأمي).
قال بعض الرواة فيه: كان رسول الله - ﷺ - قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟)، فانطلقت، فلما رجعت جمع لي أبويه].
* في هذا الحديث من الفقه جواز حراسة الأطفال والصبيان عن أن يشهدوا موطن الحرب.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - جمع للزبير بين أبويه في النداء.
وقد سبق ذكر ذلك في حديث علي بن أبي طالب ﵁ في حق سعد بن مالك، وجمعه له بين أبويه- أنظر الصفحة ٢٥٢، الحديث رقم ١٢٦.
[ ١ / ٣١١ ]
-١٧٦ -
من أفراد البخاري:
الحديث الأول:
[عن ابن الزبير قال: لما وقف الزبير ﵁ يوم الجمل، دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئًا؟ ثم قال: يا بني، بع مالنا، فأقض ديني؛ وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه- يعني لبني عبد الله- قال: فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء، فثلثه لولدك.
قال عبد الله بن الزبير: فجعل يوصيني بدينه، ويقول: يا بني، إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاي. قال: فو الله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت، من مولاك؟ قال الله؛ قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه، فقال: فقتل الزبير ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين، منها الغابة، وإحدى دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر.
قال: وإنما كان دينه الذي كان عليه: أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه. فيقول الزبير: لا، ولكن هو سلف، وإني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجًا، ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوة مع رسول الله - ﷺ - (١٠٠/ ب) أو مع أبي بكر وعمر وعثمان.
قال عبد اله بن الزبير ﵄: فحسبت ما كان عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا بن أخي، كم على أخي من الدين؟ قال: فكتمته وقلت: مائة ألف.
[ ١ / ٣١٢ ]
فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع هذه.
فقال عبد الله: أرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا؟ فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي.
قال: وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف، ثم قام فقال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة، قال: فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا، قال، فإني شئتم جعلتموها (فيما) تؤخرون إن أخرتم، فقال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة.
قال: فقال عبد الله: لك من ههنا إلى ههنا. قال: فباع عبد الله منها فقضي دينه وأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف.
قال: فقدم على معاوية، وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، قال: فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم بمائة ألف. قال: كم بقي منها، قال: أربعة أسهم ونصف؛ فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت منها سهمًا بمائة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، قال: فقال معاوية: كم بقي؟ قال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف.
قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف. قال: فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: أقسم بيننا ميراثنا. قال: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان (١٠١/ أ) له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه، قال: فجعل كل سنة ينادي في الموسم، فلما مضي أربع سنين، قسم بينهم، ورفع الثلث؛ قال: وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف. قال: فجميع ماله خمسون ألف
[ ١ / ٣١٣ ]
ألف، ومائتا ألف).
* في هذا الحديث من الفقه أن الزبير ﵁ رأى أنه يوم الجمل مقتل مظلومًا، وقد كان ما جرى يوم الجمل على ما قد تناهت به الأخبار، ألا أن الحق في ذلك أن الكل كانوا مجتهدين، وكان علي ﵁ مجتهدًا مصيبًا فله أجران، وكان الآخرون مجتهدين غير مصيبين فلهم أجر واحد. وقد روى سفيان أن علي ابن أبي طالب ﵁ سئل عن القتلى في يوم الجمل من الجانبين فقال: كلهم في الجنة.
* في هذا الحديث جواز شغل الرجل الصالح ذمته بالدين االواسع إذا كانت حاله مثل حال الزبير.
* وفيه أيضًا ما يدل على غزارة دينه وثقته بالله ﷿ في أمره ولده بأن يستعين بمولاه الكريم في قضاء دينه.
* وفيه أيضًا جواز ابتياع الأرض واقتناء الضيعة من غير كراهية، فقد الكراهية لم ترد إلا في اقتناء الضيعة من سواد العراق لكراهية الدخول في أداء الخراج والانقياد للمذلة من أجل ذلك.
* وفيه جواز تأخير قسوة االميراث احتياطًا لقضاء الدين كما فعل عبد الله بن الزبير.
* وفيه أيضا ما يدل على كلام عبد الله بن جعفر في مبادأئه بأن يضع عن الزبير حقه، وهو ذلك المال الجم، حيث لم يجبه الوصي إلى وضع ما عليه؛ فجعل ذلك آخر ما يقضي.
* وفيه ما يدل على كرم حكيم بن حزام ببذله الإعانة في قضاء دين الزبير ابتداءً منه.
[ ١ / ٣١٤ ]
-١٧٧ -
الحديث الثاني:
[عن عبد الله بن الزبير قال: قلت للزبير: ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت؛ ولكن سمعته يقول: (من كذب على فليتبوأ مقعده من النار)].
* في هذا الحديث من الفقه أن قوله: (لم (١٠١/ ب) أفارقه) يعني: مفارقة مباينة، وليس يريد مفارقة جسدين إذ لم يكن ينام مع رسول الله - ﷺ -.
* وفيه أيضًا التحذير من الكذب على رسول الله - ﷺ - فإنه قد أتى الوعيد ههنا مطلقًا مثل حديث علي: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)، هكذا مطلقًا من غير تقييد بتعمد.
-١٧٨ -
الحديث الثالث:
(عن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه- وفي رواية: فيستعين بثمنها- خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه).
[ ١ / ٣١٥ ]
في هذا الحديث استحباب الكسب ما كان- حتى بالاحتطاب- فإنه خير من المسألة-
* وفيه أيضًا كراهية المسألة لن يقدر على الاكتساب أعطي أو حرم
-١٧٩ -
الحديث الرابع:
[عن الزبير قال: لقيت يوم بدر عبيدة (ويقال عبيدة) بن سعيد بن العاص، وهو مدجج، لا يرى منه إلا عيناه، وكان يكني أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته ي عينه فمات. قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطأت، فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها.
وقال عروة: فسأله إياها رسول الله - ﷺ - فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر سألها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت إلى آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل).
* فيه من الفقه ذكر شدة الزبير وقوة بطشه، لأنه تمطى حتى استخرج العنزة، وهي الحربة، من أبي ذات الكرش وهو مدجج، والمدجج: الغائض في الحديد.
* وفيه أيضًا أن هذه العنزة أخذها رسول الله - ﷺ - ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان
[ ١ / ٣١٦ ]
(١٠٢/ أ) ثم آل علي ثم عبد الله تبركًا بمكانها، من حيث إن الله ﷿ قتل بها عدوًا، ونصر بها وليًا.
-١٨٥ -
الحديث الخامس:
[عن عروة: أن أصحاب النبي ﷺ قالوا للزبير بن العوام يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ قال: إني إن شددت كذبتم؟ قالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر.
قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير.
قال عروة: وكان معه عبد الله، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس، ووكل به (رجلا)]
* في هدا الحديث من الفقه ستة بأس الزبير، وأنه لما أغراه قوم بالحملة ولاح له أنهم لا يشدون معه، حمل إذ عزم، وأنه شق الصفوف حتى تجاوزها، ويدل على ذلك عودة من ورائها حين ضرب ضربتين على عاتقه، كان بينهما ضربة ضربها يوم بدر، وأن ذلك كان من الآثار المستحسنة؛ حتى قال عروة بن الزبير: (كنت أدخل يدي فيها ألعب بها).
* وفيه جواز أن يدخل الصبي في الحرب، ولكان في حالة يحتاط عليه فيها كيلا
[ ١ / ٣١٧ ]
يهجم بغرته فيصاب فيهوهن المسلمون به.
وقوله: (إن شددت كذبتم؟)، فإني لا أراه إلا على نحو الاستفهام، يعنى به: إن شددت، أنا أتفعلون أنتم التأخر؟.
-١٨١ -
الحديث السادس:
[عن الزبير قال: ضربت للمهاجرين يوم بدر بمائة سهم].
* في هذا الحديث جواز عد السهام التي يرمي بها في سبيل الله ﷿؛ ولا يكون عدها خارجًا خرج الإعجاب بل على وجه تعديد النعم، فقد جاء في الحديث أنه: (من رمى بسهم في سبيل الله فيبلغ- أخطأ أو أصاب- كان كتحرير رقبة من ولد إسماعيل).
-١٨٢ -
الحديث السابع:
(عن هشام بن عروة قال: قال عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة، وكان سيف عروة محلة بفضة).
* (١٠٢/ ب) في هذا الحديث جواز تحلية السيف بالفضة.
[ ١ / ٣١٨ ]
٨