﵁
أخرج له في الصحيحين مائة وعشرة أحاديث
المتفق عليه منها ثمانية وخمسون
وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بستة وعشرين
- ٢٤٤٦ -
الحديث الأول من المتفق عليه:
[عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لما كذبتني قريشن قمت في الحجر،
[ ٨ / ٢١٩ ]
فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه).
وفي رواية: (لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس )].
* هذا الحديث قد تقدم، وبينا أن الله ﷿ أزال معاذير قريش بما أوضح لهم من دلالة صدقه - ﷺ -.
* ومعنى: (طفقت أخبرهم): أخذت في الوصف؛ ولما كذبته قريش في أنه أسري به إلى بيت المقدس في بعض ليلة، وبلغ ذلك منهم، كما جاء في الحديث الذي تقدم، في قوله: (فبلغ ذلك مني)، فقال - ﷺ - في الحجر، وكان هذا القيام قيام صورة تدركه العيون، وقيام ببادية ما أرسل به تدركه بصائر أهل الحق.
فلما رآه الله ﷾ قائما بأمره في المعنى، قائما بصورته في العيان، أدركه بغوثه، فجلى له البيت المقدس، وهو في الحجر، فشاهده ورأى آياته، فأخبر بها عن معاينة طرية، فهي أبلغ مما لو كان قد علم - ﷺ - حين دخله في النوبة الأولى أن قريشا ستسأله، ويطوفه طواف مستثبت لأثاره؛ بل لما فوض إلى (٨٢/أ) الله ﷿، أتاه مبتغاه وقت حاجته إليه، فجلى له بيت المقدس وقت سؤالهم إياه، فجعل يخبرهم وهم لا يشاهدون.
[ ٨ / ٢٢٠ ]
* وفيه أيضا دليل على أن الله ﷾ إذا جلى عن مرئ صار ما بين الرأي وبينه من أجرام الجبال والجدر عدما.
* وفيه أيضا أن رسول الله - ﷺ - ذكر هذا، مشعرا به أمته، أن كل محق منهم إذا أتى بالحق، ونطق بالصدق، فكذبه مكذب، فإن عون الله ﷿ منه قريب، ونصره إياه سريع غير متراخ ولا مترتب، فإن أبي هو من قبل سوء ظنه، واضطرب قلبه هنالك، فإن الإيمان يناديه: لا تلم الغوث، إذا كنت غير مؤمن بسروعه، نزله قائمة إنما ينزل على كل موقن.
- ٢٤٤٧ -
الحديث الثاني:
[عن جابر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: (فبينا أنا أمشي، سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه رعبا، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله ﷿: ﴿يا أيها المدثر (١) قم فأنذر (٢) وربك فكبر (٣) وثيابك فطهر (٤) والرجز فاهجر﴾ قبل أن تفرض الصلاة، وهي الأوثان).
وفي رواية: (فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض).
وفيه: قال أبو سلمة (والرجز: الأوثان) قال: ثم حمى الوحي، وتتابع.
[ ٨ / ٢٢١ ]
وفي أول حديث عقيل، أن رسول الله - ﷺ - قال: (ثم فتر الوحي عني فترة، فبينما أنا أمشي ثم ذكر نحوه).
وفي رواية: (سألت أبا سلمة: أي القرآن أنزل قبل؟، قال: ﴿يا أيها المدثر﴾، قلت: أو ﴿اقرأ﴾ (٨٢/ب)، فقال جابرا: أحدثكم ما حدثنا رسول الله - ﷺ -، قال: (جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحدا، ثم نوديت، فرفعت رأسي، فإذا هو قاعد على عرش في الهواء - يعني جبريل ﵇ - فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا علي ماء، فأنزل الله ﷿: ﴿يا أيها المدثر (١) قم فأنذر (٢) وربك فكبر (٣) وثيابك فطهر﴾).
وفي رواية: (فإذا هو جالس على العرش بين السماء والأرض)].
* في هذا الحديث دليل على أن الوحي فتر عن رسول الله - ﷺ - بعد نزوله وتتابعه؛ ليشتد إليه شوقه، فيكون نزوله إليه يصادف شوقا منه.
* وفيه أيضا دليل على أنه - ﷺ - شاهد الملك على كرسي جالس بين السماء والأرض بعد أن كان جاءه بحراء على غير تلك الصورة.
[ ٨ / ٢٢٢ ]
* والذي أراه أن الله ﷾ أراد بذلك زيادة إكرام رسول الله - ﷺ - بحيث جعل الرسول إليه جالسا مجلس الملك على سرير، وهو أعظم صورة تكون لملوك الدنيا، ليكون الاحتفال بالرسول والرسالة مناسبا لهذا التعظيم.
* قوله: (فجثثت منه) أي: فرقت رعبا، أي: فزعا، فقلت زملوني، فكل ملتف بثوبه فهو متزمل، ولا أرى هذا الفزغ إلا لاستشعار ثقل ما يحمله - ﷺ - بحسب فخامة الأمر.
* وفيه دليل على أن الرجل إذا أصابه (٨٣/أ) فزع فأثر ذلك على بدنه، فإنه يفزع إلى الدئار، ولا يكون ذلك ناقصا في فضله.
* واصل المدثر: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لقرب مخرجهما، والغالب في حال المتدثر أن يكون قاعدا، فإنه يجتمع ليتمكن الدثار منه، فنودي بالقيام، فقيل له: قم فأنذر، والمعنى قم في الأمر، وليس المراد به القيام الذي هو الانتصاب؛ إنما هو القيام بالنذارة وعبر عن القعود الذي هو ضد هذا القيام بأحسن نطق، وهو قوله: ﴿يا أيها المدثر﴾.
* وقوله: (حمى الوحي، وتتابع) أي بعد هذا الأمر، فلما قام - ﷺ - بمقتضى ما أمر به من القيام، تتابع الوحي.
* وهويت: بمعنى سقطت.
* وقوله: (جاوزت بحراء) أي: أقمت فيه.
* وفيه دليل على أن حب الخلاء تعرضا لنفحات الخير من الله تعالى مظنة الإقبال، وأن الله جعل إنزال الوحي على رسول الله - ﷺ - عقيب تحنثه وانفرادته
[ ٨ / ٢٢٣ ]
لعبادته، واعتزاله أهل وقته من المشركين.
* وهذا الحديث يدل على أن قوله: ﴿يا أيها المدثر﴾ أول من أنزل من القرآن.
* وفي حديث عائشة أن أول ما أنزل: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ولما سمع رسول الله - ﷺ - الصوت نظر إلى الجهات المعهودة، فلما لم ير أحدا رفع رأسه، وكانت الإشارة في مناداته من فوقه أن الأمر نازل عليه من السماء وليس من الأرض.
* فأما كونه صبوا عليه ماء: فإنه - ﷺ - إنما أمرهم بالدثار، وإنما هم صبوا عليه الماء برأيهم.
* وفترة الوحي: انقطاعه، وأصل الفترة: السكون، والرجعة: الاضطراب.
- ٢٤٤٨ -
(٨٣/ب) الحديث الثالث:
[عن جابر، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بمر الظهران نجني الكباث، قال: (عليكم بالأسود منه، فإنه أطيب)، فقلت: أكنت ترعى الغنم؟ قال: (نعم)، قال: (وهل من نبي إلا رعاها؟)].
* مر الظهران: موضع. وقال الأصمعي: البرير، ثمر الأراك. والغض منه
[ ٨ / ٢٢٤ ]
المرد، والنضيج الكباث وأسوده أشده نضجا.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أنه يتعين النضج واختيار الأجود للمسلمين في كل شيء يدلون عليه، فإن رسول الله - ﷺ - دلهم على الأطيب.
* وقد سبق في مسند ذكر رعيه الغنم.
- ٢٤٤٩ -
الحديث الرابع:
[عن جابر قال: (إنه غزا مع رسول الله - ﷺ - قبل نجد، فلما قفل رسول الله - ﷺ - معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله - ﷺ -، وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله - ﷺ - تحت سمرة فعلق بها سيفه، فنمنا نومة، فإذا رسول الله - ﷺ - يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: (إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟، فقلت: الله - ثلاثا - ولم يعاقبه، وجلس).
وفي رواية: (كنا مع رسول الله - ﷺ - بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي - ﷺ -، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله - ﷺ - معلق بالشجرة، فاخترطه، فقال: تخافني؟ فقال: (لا) فقال: من يمنعك
[ ٨ / ٢٢٥ ]
مني؟ قال: (الله)، فتهدده أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائقة الأخرى ركعتين، فكان للنبي - ﷺ - أربع، وللقوم ركعتان).
وأول حديث أبان في رواية عفان عنه: (أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - حتى إذا كنا بذات الرقاع).
قال البخاري: وقال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل: غورث بن الحارث، وقاتل فيها محارب بن خصفة) لم يزد البخاري على هذا.
وقد ذكر أبو بكر الإسماعيلي متنه من حديث أبي عوانة عن أبي بشر عن سليمان بن قس عن جابر قال: قاتل رسول الله - ﷺ - محارب خصفة فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال: غورث بن الحارث، حيث قام على رأس رسول الله - ﷺ - بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: (الله)، فسقط السيف من يده، قال: فأخذ رسول الله - ﷺ - السيف من يده، فقال: من يمنعك مني؟ فقال: خيرا تجد، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلا سبيه، فأتى الصحابة، فقال: جئتكم من عند خير الناس ثم ذكر صلاة الخوف، وأنه صلى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين.
وقال البخاري: وقال بكر بن سوادة: حدثني زياد بن نافع، عن أبي موسى - وهو موسى بن علي - أن جابرا حدثهم قال: (صلى النبي - ﷺ - يوم محارب وثعلبة) لم يزد البخاري على هذا، حذف المتن، وهو أنه - عليه
[ ٨ / ٢٢٦ ]
السلام - (صلى صلاة الخوف يوم محارب وثعلية: لكل طائفة ركعة وسجدتين) كذا ذكر بعضهم، قاله أبو مسعود الدمشقي.
وأخرج البخاري حديث أبان تعليقا، وأخرجه مسلم من رواية عفان عن أبان مدرجا على أحاديث للزهري في ذلك قبله، وذكر منه أولن ثم قال: (بمعنى حديث الزهري) وليس في شيء مما قبله من الروايات عن الزهري ما في حديث أبان من صلاة الخوف، وعلمنا ذلك من إيراد البخاري كذلك، ثم وجدنا مسلما قد أخرجه بعينه متنا وإسنادا بطوله في الصلاة، ولم يدرجه، فصح أن مسلما قد أخرجه بعينه متنا وإسنادا بطوله في الصلاة، ولم يدرجه، فصح أن مسلما عني (بمعناه) في البعض، لا في الكل، وإن كان قد أهمل البيان.
وقال البخاري في كتابه في المغازي: وقال عبد الله بن رجاء: أخبرنا عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر: (أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه في الخوف: في غزوته السابعة غزوة ذات الرقاع) لم يزد.
وأخرجه مسلم بطوله، وفيه كيفية الصلاة بنحو ما مر آنفا في حديث أبان ابن يحيى، وافرد مسلم منه أيضا صلاة الخوف من رواية معاوية بن سلام عن يحيى، وأخرج البخاري منه تعليقا ذكر صلاة الخوف، فقال: قال: ابن إسحاق: سمعت وهب بن كيسان، سمعت جابرا قال: (خرج النبي - ﷺ - إلى ذات الرقاع من نخل، فلقي جمعا من غطفان، فلم يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضا فصلى النبي - ﷺ - ركعتي الخوف)].
[ ٨ / ٢٢٧ ]
* (٨٤/أ) ولكونه قد نقض بتخليه من عدون، فأخذ على وعد يجوز أن يفي به، ولأن الله تعالى جعل عاقبة ذلك الأعرابي الإسلام، وكان في ترك رسول الله - ﷺ - قتله إظهاره لعفوه عن قدره يشعر أنه على ثقة من الظهور فلا يحتاج إلى قتل المستضعفين، وليكون - ﷺ - حليما عن قدره.
* وقد مضى الكلام في صلاة الخوف.
- ٢٤٥٠ -
الحديث الخامس:
[عن جابر، أن عمر جاء يوم الخندق، بعدما غربت الشمس، فجعل
[ ٨ / ٢٢٨ ]
يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب؟ فقال النبي - ﷺ -: (والله ما صليتها)، فقال: فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب)].
* في هذا الحديث من الفقه: أنه - ﷺ - شغله المشركون عن ذكر صلاة العصر حتى غربت الشمس.
* وفيه أيضا: أن عمر ﵁ من شدة جزعه لما كاد يفوته من وقتها فقال قولا ذكر به رسول الله - ﷺ - الصلاة حتى قال له: (والله ما صليتها) فأقسم على ذلك، وفي قسمه - ﷺ - إشارة إلى أن غيظه اشتد على من شدهه عنها، فلذلك حلف مظهرا الشدة، الأمر الذي شدهه إذ ليس في هذا (٨٤/ب) ما كان يحتاج أن تثبيته بيمين، وإنما هو لشدة الغيظ على الكفار.
* وبطحان: كل مكان متسع.
* وإنما قدر لرسول الله - ﷺ - أنه صلى العصر بعد المغرب، بعذر يكون له من فاتته برسول الله - ﷺ -.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
- ٢٤٥١ -
الحديث السادس:
[عن جابر، قال: (قضى رسول الله - ﷺ - بالعمرى لمن وهبت له).
وفي رواية: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنه للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث).
وفي رواية: (من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر وعقبه).
وفي رواية: (إنما العمرى التي أجاز رسول الله - ﷺ - أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها) قال معمر: وكان الزهري يفتي بها.
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قضى فيمن أعمر له ولعقبه، فهي له بتلة، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا).
وفي رواية: (العمرى جائزة، وفي رواية: (العمرى ميراث لأهلها).
وفي رواية: (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمري فهي للذي أعمره حيا وميتا، ولعقبه).
وفي رواية عن أبي الزبير، قال: (أعمرت امرأة بالمدينة حائطا لها ابنا لها، ثم توفي، وتوفيت بعده، ونزل ولدا، وله أخوة بنون (٨٥/أ) للمعمرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته ومماته، فاختصموا إلى طارق - مولى عثمان - فدعا جابرا، فشهد إلى رسول الله - ﷺ -
[ ٨ / ٢٣٠ ]
بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره ذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق، فإن ذلك لبني المعمر حتى اليوم).
وفي رواية: (أن طارقا قضى بالعمرى للوارث، لقول جابر عن رسول الله - ﷺ -)].
* العمرى في العطايا، أن يقول الرجل لصاحبه: قد أعطيتك هذه الدار عمري، أو عمرك، وعقب الرجل: ولده وولد ولده.
قال أبو عبيد: كان الرجل يريد أن يتفضل على صاحبه بالشيء فيستمتع به ما دام حيا، فإذا هو الموهوب له لم يصل إلى ورثته منه شيء، فجاءت سنة النبي - ﷺ - تنقض ذلك، وحكم بأن من ملك شيئا حياته فهو لورثته من بعده.
* وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فذهب أحمد ﵁ أن العمري توجب تمليك رقبة الشيء، فإذا قال له: أعمرتك داري فقد ملكها المعمر، فإذا مات انتقلت إلى ورثته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
قال مالك: العمري تمليك المنافع، فإذا مات المعمر رجعت إلى المعمر،
[ ٨ / ٢٣١ ]
فإذا قال فيها ولعقبك فانقرض عقبه عادت إلى المعمر.
- ٢٤٥٢ -
الحديث السابع:
(٨٥/ب) [عن جابر قال: (كان النبي - ﷺ - يفرغ على رأسه ثلاثا).
وفي رواية عن أبي جعفر: (أنه كان عند جابر بن عبد الله، هو وأبوه، وعنده قومه، فسألوه عن الغسل؟ فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرا، وخيرا منك، ثم أمنا في ثوب).
وفي رواية عن أبي جعفر، قال: (أتاني ابن عمك يعرض بالحسن ابن محمد الحنفية، فقال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي - ﷺ - يأخذ ثلاثة أكف فيفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده، فقال الحسن: إني رجل كبير الشعر، فقلت، كان النبي - ﷺ - أكثر منك شعرا)].
* في هذا الحديث دليل عن أن رسول الله - ﷺ - كان كثير الشعر، وإنه كان يغتسل مع ذلك بالصاع، وإنه كان يؤم الناس في ثوب واحد.
[ ٨ / ٢٣٢ ]
* وفيه أيضا دليل على استحباب إفراغ ثلاث على الرأس.
* ويقال: إن الحسن هذا هو أول من قال بالإرجاء، فإن كان هاج به هذا لمرض، فقد كانت تبدر به نوابض رأي كونه أنه يقنعه في الاغتسال ما أقنع رسول الله - ﷺ -.
- ٢٤٥٣ -
الحديث الثامن:
[عن جابر، أن رسول الله - ﷺ -: (نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل).
وفي رواية: (أكلنا (٨٦/أ) زمن خيبر الخيل، وحمر الوحش، ونهى النبي - ﷺ - عن الحمار الأهلي)].
* في هذا الحديث ما يدل على جواز أكل لحوم الخيل، وقد سبق ذكر النهي عن الحمر الأهلية والكلام عليه في مواضع.
[ ٨ / ٢٣٣ ]
- ٢٤٥٤ -
الحديث التاسع:
[عن جابر قال: قال النبي - ﷺ -: (لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا، فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي - ﷺ -، فلما جاء مال البحرين، أمر أبو بكر ﵁ فنادى: من كان له عند رسول الله عدة أو دين فليأتنا، فأتيته، وقلت: إن النبي - ﷺ - قال لي كذا وكذا، فحثا لي حثية، فعددتها فإذا هي خمسمائة، فقال: خذ مثليها).
وفي رواية: (أن جابرا قال: فأتيت أبا بكر ﵁ فسألته فلم يعطني، ثم أتيته فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة، فقلت: سألتك فلم تعطني، ثم سألتك فلم تعطني، فإما أن تعطيني وإما أن تبخل عني، قال: قلت: تبخل عني ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك؟.
قال ابن المنكدر في روايته: وأي داء أدوأ من البخل؟)].
* قوله: (لو قد جاء مال من البحرين) فيه إشارة إلى أن ذلك لا يجيء وأنا
[ ٨ / ٢٣٤ ]
حي، ولو قال: إن جاء أعطيتك، دل على أنه يعيش إلى أن يجيء مال البحرين، فلما قال: (لو قد جاء مال البحرين) خلص الله نطقه إلا أن يكون كما قال.
* وفيه يدل على استحسان سماحة الإمام في وقت العطاء بترك (٨٦/ب) التشديد في التحقيق.
* وفيه: أنا أبا بكر ﵁ لما حثا حثية عدها وأعطى مثليها عددا ولم يعطه باقي الحثيات بيده من أجل أنه ﵁ حثى حثية أولى، وكان قدرها ذلك، وكان قادرا على التحقيق بها، ومن قبل الحثية الأولى ما كان قادرا.
فدل هذا على أنه مهما استطاع الإنسان التحقيق فلا يعدل إلى الحدس، ولأنه يدرك بالحثية الأولى حيث لم يكن منها بد، وجعل يده في مكان يد رسول الله - ﷺ - لكونه نائبا عنه لم يخلص من الحثيتين الأخرتين أن لا يزيد في بسط يديه فيكون في ذلك كالمائل على بيت مال المسلمين، أو بقبضها فيكون كالمائل على المعطي، فرأى أنه يعدل في التحقيق من عد الحثية الأولى، ثم اعطاؤه مثلها مرتين ليخلص من درك حثيتين حيث لم يتهيأ له أن يتخلص من درك الحثيات الثلاث منبها بذلك على الاحتراز في مثل هذا الحال لنفقة لها من احتياج إليها.
* والحثية: ما أخذ بالكف مبسوطة.
* وهذا الحديث يدل على حسن خلافة أبي بكر ﵁ رسول الله - ﷺ -، وإقامته سنته، وإنجازه وعوده، وسيره بسيرته - ﷺ -.
[ ٨ / ٢٣٥ ]
- ٢٤٥٥ -
الحديث العاشر:
[عن محمد بن عمرو، قال: (قدم الحجاج)، وفي رواية: (كان الحجاج يؤخر الصلوات، فسألنا جابر بن عبد الله؟ فقال: (٨٧/أ) كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانا يؤخرها، وأحيانا يعجل؛ إذا رآهم يجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح - كانو، أو - وكان النبي - ﷺ - يصليها بغلس)]،
* هذا الحديث يدل على أن الصلاة في وقتها أفضل.
* وقد سبق شرح هذا الحديث في مسند ابن مسعود.
* ويدل على أن مراعاة حضور الجيران أولى لقوله: (إذا رأهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر).
- ٢٤٥٦ -
الحديث الحادي عشر:
[عن جابر قال: كان النبي - ﷺ - في سفر فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه، فقال: ماله؟ قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله - ﷺ -:
[ ٨ / ٢٣٦ ]
(ليس من البر أن تصوموا في السفر).
وفي رواية: (ليس من البر الصوم في السفر)].
* قد ذكرنا في مسند أبي الدرداء، وفي مسند ابن عباس، وفي مسند أنس الصيام في السفر.
* وهذا الحديث يدل على استحباب الرفق بالنفس.
[ ٨ / ٢٣٧ ]
- ٢٤٥٧ -
الحديث الثاني عشر:
[عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: (من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا).
وفي رواية: (وليقعد في بيته، وإنه أتى بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحا فسأل؟ فأخبر بما فيها من البقول، فقال: (٨٧/ب) قربوها إلى بعض أصحابه، فلما رأوه كره أكلها، قال: كل، فإني أناجي من لا تناجي).
وفي رواية: (من أكل من هذه البقلة؛ الثوم، وقال مرة: البصل، والثوم، والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).
وفي رواية: (نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: (من أكل هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس)].
[ ٨ / ٢٣٨ ]
* قد سبق في مسند عمر ﵁، وفي مسند ابن عمر، وفي مسند أبي أيوب، وفي مسند أنس ﵃ النهي عن أكل الثوم والبصل لكراهية ريحه، وذلك يدل على أن الإنسان مأمور بتطييب ريحه واجتناب الريح الخبيثة، ولا سيما تطهير فمه، ولا سيما إذا أراد أن يناجي من له قدر من الخلق، فكيف بمن يناجي بالتلاوة للقرآن الحق ﷿. فأما إذا أميتا بالطبخ فزالت ريحهما لم يكره أكلهما.
* فأما قول النبي - ﷺ - للصاحب: (كل فإني أناجي من لا تناجي) فيجوز أن يكون أراد به - ﷺ - مناجاته لربه، ويجوز أن يكون أراد أنه يناجيه من الناس العدد الكثير في حوائجهم وأسرارهم وأشغالهم، فليس حكمه في ذلك حكم من لا يناجي إلا نادرا فيستحب اجتناب هاتين الشجرتين، ولا سيما لذوي الأقدار، ومن يكثر مناجاة الناس.
* وفي هذا الحديث (٨٨/أ) أن الملائكة تجد الريح، فكما أنه لا يستحب له أن يأكل الثوم لئلا تتأذى الملائكة بريحه، فكذلك يستحب له تعاهد مغابنه ومواضع نفض فضلات قلبه ودماغه وكبده، فإن منفضى القلب الإبطان والدماغ، وكذا الأذنان.
والكبد: الحالبان.
وإنما كانت هذه الأعضاء الرئيسية لشرفها وقوتها نفضت عنها المؤذي
[ ٨ / ٢٣٩ ]
ليكون في راحة منه فينبغي لكل مؤمن أن يتعاهد نفسه ولا ينزل بها أذى يتأذى به الملك ليكون حسن الصحبة لملائكة ربه، فإنهم غير قادرين على فراقه لأنهم مأمورون بملازمته.
* وقوله: (أتى بقدر)، كذا وقع في الكتاب، وهو تصحيف، والصواب: (ببدر)، وكذلك رواه أبو داود في السنن بالباء. قال ابن وهب: البدر: الطبق. وقال الخطابي: سمى الطبق بدرا لاستدارته وحسن اتساقه، تشبيها له بالقمر إذا امتلأ نورا.
- ٢٤٥٨ -
الحديث الثالث عشر:
[عن جابر، قال: كنا مع النبي - ﷺ -، فبعثني في حاجة، وهو يصلي على راحلته، ووجهه على غير القبلة، فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما انصرف، قال: (أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - كان يصلي التطوع وهو راكب على راحلته في غير القبلة).
وفي رواية: (كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة).
وفي رواية: (رأيت النبي صلى الله (٨٨/ب) عليه وسلم في غزوة أنمار
[ ٨ / ٢٤٠ ]
يصلي على راحلته متوجها قبل المشرق متطوعا).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يصلي).
وفي رواية: (وهو يسير، فسلمت عليه، فأشار إلي، فلما فرغ دعاني، فقال: (إنك سلمت آنفا وأنا أصلي، وهو موجه حينئذ قبل المشرق).
وفي رواية: (أرسلني رسول الله - ﷺ - وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته، فقال لي بيده هكذا وأومأ زهير بيده، ثم كلمته، فقال لي هكذا - وأومأ زهير بيده نحو الأرض - وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه، فلما فرغ قال: (ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت صلي)].
* في هذا الحديث جواز صلاة المصلي على راحلته حيث توجهت به.
* وقد سبق هذا في مسند ابن عمر ﵁.
* وفيه دليل على أن الرجل إذا كلم الرجل في السفر وهو يصلي عرفه إذا فرغ من صلاته أن الصلاة هي التي منعته من الكلام، فيجمع بذلك بين تطييب نفسه عن ترك الرد وبين أن يثير همته للاقتداء به.
[ ٨ / ٢٤١ ]
* وفيه جواز إشارة المصلي وهو في الصلاة.
- ٢٤٥٩ -
الحديث الرابع عشر:
[عن جابر، قال: (نهى النبي - ﷺ - عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وأن لا يباع إلا بالدينار والدرهم، إلا العرايا).
وفي رواية (٨٩/أ): (عن بيع الثمرة حتى تطعم).
وفيه قال عطاء: (فسر لنا جابر فقال: أما المخابرة، فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر، وزعم أن المزابنة: بيع الرطب في النخل بالتمر كيلا، والمحاقلة في الزرع على نحو ذلك ببيع الزرع القائم بالحب كيلا.
وفي رواية: (عن جابر، (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وأن يشتري النخل حتى يشقه، والإشقاه: أن يحمر، أو يصفر، أو يؤكل منه شيء.
والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة: أن يباع النخل بأوساق من في التمر، والمخابرة: الثلث والربع وأشباه ذلك، قال زيد: قلت لعطاء: أسمعت جابرا يذكر هذا عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم.
وفي رواية: (نهى عن بيع الثمر حتى يطيب).
وفي رواية: (عن بيع التمر حتى يشقح، قلت لسعيد: ما تشقح؟، قال:
[ ٨ / ٢٤٢ ]
تحمار، أو تصفار، أو يؤكل منها).
وفي رواية: (نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة -، قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة - وعن الثنيا، ورخص في العرايا).
وفي رواية: (نهى عن بيع السنين)].
* قد فسرنا المحاقلة والمزابنة في مسند ابن عباس، وفسرنا قوله: (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه) في مسند زيد بن ثابت، وهنالك فسرنا العرايا أيضا.
* فأما قوله: (نهى أن يشترى النخل حتى تشقه أو تشقح)، وفسره في الحديث، فقال: تحمار أو (٨٩/ب) تصفار. قال الخطابي: (إنما قال تحمار وتصفار لأنه لم يرد اللون الخالص، فإذا استقر اللون قيل: تحمر وتصفر، والمعاومة: هي بيع السنين، وذلك أن بيع الرجل ما يثمره النخلة أو النخلات سنتين أو ثلاث، وهذا غرر؛ لأنه يبيع شيء غير موجود).
[ ٨ / ٢٤٣ ]
* فأما الثنيا: فهو أن يبيع ثمر بستانه ويستثني منه جزءا غير معلوم.
- ٢٤٦٠ -
الحديث الخامس عشر:
[عن جابر، (أن رسول الله - ﷺ - صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قال: (قد توفي اليوم رجل من الحبش، فهلم فصلوا عليه، قال: فصففنا، فصلى النبي - ﷺ - ونحن).
وفي رواية: (كنت في الصف الثاني، وعن ابن جريح: اصحمه).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعا).
وفي رواية: (أن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه، قال: فقمنا فصفنا صفين)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند عمران بن حصين، وتكلمنا عليه.
[ ٨ / ٢٤٤ ]
- ٢٤٦٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن جابر، قال: كانت لرجال منا فضول أرضين، فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي - ﷺ -: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه).
وفي رواية: (ولا يؤاجرها إياه).
وفي رواية: (ولا يكريها) (٩٠/أ)، وفي رواية: (فإن أبى فليمسك أرضه).
وفي رواية: (نهى رسول الله - ﷺ - عن كراء الأرض وعن بيعها السنين، وعن بيع الثمر حتى يطيب).
وفي رواية: (نهى أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ).
وفي رواية: (نهى عن كراء الأرض).
وفي رواية لمسلم: (من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا تبتعوها، فقلت لسعيد: ما لا تبتعونها، يعني الكراء؟ قال: نعم).
وفي رواية: (كنا نخابر على عهد رسول الله - ﷺ - فنصيب من القصرى، ومن كذا، فقال رسول الله - ﷺ -: (من كانت له أرض فليزرعها أو فليحرثها أخاه وإلا فليدعها).
وفي رواية: (نهى عن بيع الأرض البيضاء سنتين أو ثلاث).
[ ٨ / ٢٤٥ ]
وفي رواية: (من كانت له أرض فليهبها أو ليعرها).
وفي رواية: (فليزرعها أو ليزرعها رجلا).
وفي رواية: (نهى عن كراء الأرض).
وفي رواية عن ابن عمر: (كنا نكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج).
وفي رواية عن جابر: (أنه سمع رسول الله - ﷺ - ينهى عن المزابنة والحقول، فقال جابر: المزابنة: الثمر بالثمر، والحقول: كراء الأرض).
وفي رواية: (نهى عن بيع السنين)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند رافع بن خديج، وبعضه أيضا تقدم في
[ ٨ / ٢٤٦ ]
مسند ابن عمر، وفسرنا في الحديث الذي قبله حديث النهي عن بيع السنين.
* والقصرى: على وزن الفعلاء لغة أهل الشام، وبعضهم يقول: قصرى على وزن فعلى، وقوم يقولون (٩٠/ب): القصارة: وهو ما سقي في السنبل من الحب بعدنا يداس.
والأرض البيضاء: هي التي لا شجر فيها ولا زرع.
[ ٨ / ٢٤٧ ]
- ٢٤٦٢ -
الحديث السابع عشر:
[عن جابر قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله - ﷺ - والقرآن ينزل).
وفي رواية: (أن رجلا أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: إن لي جارية هي خادمنا في النخل، وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل؟ فقال: (أعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها)، فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: (قد أخبرتكم أنه سيأتيها ما قدر لها).
وفي رواية: (أنه قال: يا رسول الله، حملت، قال: (أنا عبد الله ورسوله)].
* في هذا الحديث جواز العزل، إلا أنه يجوز للإنسان مع أمته من غير أن يستأذنها، ولا يجوز مع زوجته الحرة إلا بإذنها. والعزل لا يدفع ما قدر إنما هو يضعف فاعله على أن يفوت المرأة شطر لذتها؛ وذلك غير مستحب.
- ٢٤٦٣ -
الحديث الثامن عشر:
[عن جابر قال: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فأرخص لنا رسول الله - ﷺ -، فقال: (كلوا وتزودوا)، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: قال
[ ٨ / ٢٤٨ ]
جابر حتى جئنا المدينة، قال: نعم).
وفي رواية: (قال ابن جريج): قلت لعطاء: قال حتى جئنا المدينة، قال: لا).
وفي رواية: (كنا نتزود لحوم الهدي على عهد رسول الله - ﷺ - إلى المدينة).
(٩١/أ) وفي رواية: (كنا نتزود لحوم الأضاحي إلى المدينة على عهد رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا النبي - ﷺ - أن نتزود منها ونأكل منها، يعني فوق ثلاث).
وفي رواية لمسلم: (أن النبي - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فأمرنا النبي - ﷺ - ن ثم قال بعد: كلوا وتزودوا، أو ادخروا)].
* إنما امتنعت الصحابة عن ذلك بمنع النبي - ﷺ -، وإنما منعهم لأجل قوم من الفقراء قدموا المدينة فأراد أن يواسوهم، ثم أباحهم بعد ذلك.
* سيأتي هذا البيان في مسند عائشة ﵂ مشروحا إن شاء الله تعالى.
[ ٨ / ٢٤٩ ]
- ٢٤٦٤ -
الحديث التاسع عشر:
[عن جابر، أنه سمع رسول الله - ﷺ - عام الفتح وهو بمكة يقول: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام)، قيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنها يطلى به السفن، ويدهن بها الجلود، وتستصبح بها الناس؟ فقال: (لا، هو حرام) ثم قال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: (قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها، أجملوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)].
* بيع الخمر باطل بالإجماع، وثمنها حرام، وكذلك بيع الميتة وثمنها، والأصنام، ومن صور صورة فإنما يبيع صنما، فبيعها يحرم وابتياعها؛ (٩١/ب) وكذلك يحرم بيع شحوم الميتة.
* وأجملوها: اذابوها وقتئذ، بيناه في مسند عمر ﵁، وإن جمل وأجمل لغتان.
[ ٨ / ٢٥٠ ]
- ٢٤٦٥ -
الحديث العشرون:
[عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: (إذا استجنح الليل، أو كان جنح الليل، فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم، وأغلق بابك، واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك، واذكر اسم الله، وأوك سقاءك، واذكر اسم الله، وخمر إناءك، واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيء).
وفي رواية: (فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا).
وفي رواية: (وأطفئوا المصابيح، فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة، فأحرقت أهل البيت).
وفي رواية: (وخمروا الطعام والشراب، قال همام: أحسبه قال: ولو بعود).
وفي رواية لمسلم: (غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، واطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا، ويذكر اسم الله فليفعل، فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم).
وفي رواية: (ولا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء، فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس؛ حتى تذهب فحمة العشاء).
[ ٨ / ٢٥١ ]
وفي رواية: (غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه (٩٢/أ) وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء). قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول).
وفي رواية: جاء أبو حميد يقدح من لبن النقيع، فقال له رسول الله - ﷺ -: (ألا حمرته ولو أن تعرض عليه عودا).
وفي رواية: (كنا مع رسول الله - ﷺ -، فاستسقى، فقال رجل: يا رسول الله ألا نسقيك نبيذا؟ قال: (بلى)، فخرج الرجل يسعى، فجاء بقدح فيه نبيذ، فقال رسول الله - ﷺ -: (ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا)، قال: فشرب)].
* جنح الليل وجنحه: طائفة منه، والمعنى: إذا اشتدت ظلمته.
* وقوله: (فكفوا صبيانكم) يعني: أول الليل بعد صلاة العشاء، فإن الجن إذا صليت العشاء وانكفأ المصلون إلى منازلهم؛ فكأنهم رأوا أن الطريق قد أخليت لهم في ميقات يشبه بطواف الذين لم يبلغوا الحلم وما ملكت اليمين
[ ٨ / ٢٥٢ ]
في العورات الثلاث، فكأنهم ما دامت الصلوات الانتشار فيها يمتنعون من أجل وقت الصلاة، فإذا انقضت استخلوا الطرق فيسعوا فيها.
* والجن منقسمون إلى: مؤمن مأمون على من يلقاه، ومن لا يؤمن منهم لا يؤمن لكفره، ولا يؤمن على الأطفال والصبيان، لأن الصبي غير كامل العقل الذي لا يهوله التهويل، وليس عنده من أسماء الله ﷿ ما يتحصن به من كيد الشيطان غالبا، فأمر بكف الصبيان لذلك.
* وقوله: (إذا مضت ساعة من العشاء) فخلوهم لا أراه أشار بذلك إلا إلى الجن، والمعنى خلوهم والطرق.
* وأما قوله: (وأغلق بابك واذكر اسم الله) فإن ذلك ليأمن الإنسان (٩٢/ب) من يؤذي.
* وقوله: (فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا) فلعله مما قد شرطه عليهم رسول الله - ﷺ - ليلة لقيهم، على أنهم إنما يسلطون على كل سيء التدبير لتفريط في أمر، والمفرط لا يغلق بابه، ولا يخمر إناءه، ولا يؤكئ سقاءه، فيرونه بإهماله نفسه كالمبيح لهم التطريق إلى ما أهمله من أمره. فأما المحتاط باعتماد الصواب في أموره، فإنه بمقتضى ما يكون قد شرطه رسول الله - ﷺ - لا طريق لهم عليه.
* وقوله: (أطفئ مصباحك) فقد تقدم ذكر المراد منه في مسند ابن عمر ﵁.
* وأما قوله: (وأوك سقاءك) فإنه إذا نزل السقاء مكشوفا لم يأمن من أن يلج فيه بعض ذوات السموم.
[ ٨ / ٢٥٣ ]
* وأما تغطية الإناء فقد ذكرنا فيما سبق أنه ينبغي أن يحترس فيه حتى من الذر فإن في الذر داء.
* فأما ذكر اسم الله على هذه الأشياء كلها، فإن ذكر اسم الله بركة؛ وليكون كل فعل للعبد يقصد به ربه ﷿، وامتثال أمره، فيذكر اسم الله على كل شيء من ذلك فتصح له النية فيه؛ ولأن الشياطين يرجمون بشهب ذكر الله ﷿، فإذا أحسوا بشيء قد ذكر اسم الله عليه لم يقربوه.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أنه ليس لأحد أن يقول: إنني أترك بابي غير مغلق مدعيا أنه يفعل ذلك متوكلا؛ فإن ذلك مطية ولوج الشيطان إلى داره وإلى قلبه، وكذلك في الأسقية والأواني وغير ذلك؛ لأن الله ﷾ يقوم الأمور على قوانين انتهت إليها، فالتوكل إنما هو لمعالم حكمة (٩٣/أ) الله ﷿، فإذا أراد العبد أن يهدم معلما من معالم الله ﷿ بما توسوس له نفسه فيما يدعيه توكلا، لم يكن توكله ثمنا لما هدمه من الأمر المسبب في العالم.
* وقوله: (ولو أن تعرض عليه عودا) وهذا يجوز أن يكون لأن الذر يتجافى مثل ذلك، أو لأنه قد يصون ذلك العود ما يواريه من الإناء، فيكون هذا القول من رسول الله - ﷺ - على معنى إن استطعت أن تحفظ الكل بالتخمير وإلا فلا أقل أن تحفظ بعضه على وجه المبالغة والتأكيد.
* وقوله: (لا ترسلوا فواشيكم) الفواشي: كل منتشر من المال كالإبل، والبقر، والغنم السائمة، وأصل ذلك من قولك: فشا الشيء إذا ظهر.
[ ٨ / ٢٥٤ ]
* (وفحمة العشاء) (بكسر الحاء وسكونها): شدة سواد الليل وظلمته.
* وأما قول الليث: إن الأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول؛ فإنه يريد بذلك أن أرض الأعاجم شديدة البرد والوباء يكون في ذلك، ويجوز أن يكسب كل إناء لم يخمر تلك الليلة حالا وبية لمن يأكل ما في ذلك الإناء، فقد حذر الأطباء من قريس تبيت في سرادب أو سمك يصطنع بالخل ويترك في سرداب ليلة فإنه يعود كالسم، وليس ذلك إلا لاجتماع البرودات فيه، وكذلك حذروا من البزماورد إذا بات. ويجوز أن يكون بشدة حرص رسول الله - ﷺ - على تخمير الآنية لم يعين هذه الليلة ليكون الحذر من كشف الآنية كل ليلة يجوز أن تكون تلك الليلة.
- ٢٤٦٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن جابر، (أن رجلا أعتق غلاما من دبر، فاحتاج، فأخذه النبي صلى (٩٣/ب) الله عليه وسلم، فقال: (من يشتريه مني؟، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه).
وفي رواية: (أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما عن دبر؛ لم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم، ثم أرسل بثمنه إليه).
وفي رواية: (دبر رجل من الأنصار غلاما له، لم يكن له مال غيره، فباعه رسول الله - ﷺ -، فاشتراه ابن النحام عبدا قبطيا، مات عام الأول في إمارة
[ ٨ / ٢٥٥ ]
ابن الزبير).
وفي رواية: (أن رجلا أعتق عبدا له، ليس له مال غيره، فرده النبي - ﷺ -، فابتاعه منه نعيم بن النحام).
وفي رواية لمسلم: (أعتق رجلا من بني عذرة عبدا له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: (ألك مال غيره؟) قال: لا، قال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي، بثمانمائة درهم، فجاء بها إلى رسول الله - ﷺ - فدفعها إليه، ثم قال: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فللذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك فهكذا وكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك).
وفي رواية: (أن رجلا من الأنصار - يقال له: أبو مذكور - أعتق غلاما له عن دبر، يقال له: أبو يعقوب)].
* وذكره في هذا الحديث جواز بيع المدبر، ولا سيما إذا احتاج سيده.
[ ٨ / ٢٥٦ ]
* فأما قوله: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها) فقد سبق بيان هذا المعنى، وتدبير العبد: عتقه عن دبر من المعتق، أي بعد إدباره عن الدنيا بالموت.
- ٢٤٦٧ -
(٩٤/أ) الحديث الثاني والعشرون:
[عن جابر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الزبيب، والتمر، والبسر، والرطب).
وفي حديث جرير: أن النبي - ﷺ - نهى أن يخلط الزبيب، والتمر، والبسر).
وفي رواية: (نهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا هكذا)].
* قد سبق في مواضع.
[ ٨ / ٢٥٧ ]
- ٢٤٦٨ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن جابر، (أن النبي - ﷺ - خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة).
وعن ابن عباس وجابر قالا: (لم يكن يؤذن يوم الفطر).
زاد في رواية: (ثم سألته، يعني عطاء، بعد حين عم ذلك؟ فأخبرني عن الأذان قال: فأخبرني جابر: أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حتى يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذ، ولا إقامة).
وعن جابر (أن النبي - ﷺ - قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة).
قلت لعطاء: (أترى حقا على الإمام أن يأتي النساء فيذكرهن؟، قال: إن ذلك لحق عليهم، وما لهم أن لا يفعلوا؟).
وفي رواية: (شهدت مع النبي - ﷺ - يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس (٩٤/ب) وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، وقال: تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالك: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاية، وتكفرن العشير، فقال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في
[ ٨ / ٢٥٨ ]
ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن)].
* أما البداءة بالصلاة قبل الخطبة بالعيد، فالفرق بينها وبين الجمعة، وفيه تنبيه على أن صلاة العيد لا تجب على الأعيان؛ لأن الخطبة قبل الجمعة كالانتظار للناس، فلما لم يجب هذه على الأعيان بدئ بالصلاة.
* وأما باقي الحديث فقد تقدم في مسند ابن عباس وتكلمنا عليه.
* وذكر النساء بأنهن أكثر أهل النار قد تقدم في مسند ابن عباس وعمران بن حصين، وسيأتي في مسند أبي سعيد وأسامة بن زيد.
- ٢٤٦٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن جابر بن عبد الله، قال: (كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، وكنت على جمل ثقال، إنما هو في آخر القوم، فمر بي النبي - ﷺ - فقال: (من هذا؟ فقلت: جابر بن عبد الله، قال: مالك؟ قلت: إني على جمل ثقال، قال: أمعك
[ ٨ / ٢٥٩ ]
قضيب؟ قلت: نعم، قال: (أعطنيه)، فأعطيته، فضربه فزجره فكان من ذلك المكان في أول القوم، قال: (بعنيه)، فقلت: بل هو لك يا رسول الله، فقال: (بل بعنيه)، قد أخذته بأربعة دنانير، (٩٥/أ) ولك ظهره إلى المدينة). فلما دنونا إلى المدينة أخذت أرتحل، قال: (أين تريد)؟ قلت: تزوجت امرأة قد خلا منها، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: إن أبي توفي وترك بنات، فأردت أن أتزوج امرأة قد خلا منها، قال: (فذلك) فلما قدمنا المدينة، قال: يا بلال، اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير، وزاده قيراطا، قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله - ﷺ -، فلم يكن القيراط يفارق قراب جابر بن عبد الله).
وفي رواية: (أنه قال له: قد أخذت جملك بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (غزوت مع رسول الله - ﷺ - فتلاحق بي النبي - ﷺ - وأنا علي ناضح لنا قد أعيى، قال: فتخلف رسول الله - ﷺ - ودعا له، فما زال بين يدي الإبل، قدامها يسير، فقال لي: (كيف ترى بعيرك؟) قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال: أفتبيعنيه؟ قال: فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، قال: فقلت: نعم!، قال: فبعته إياه، على أن لي فقار ظهره، حتى أبلغ المدينة، قال: فقلت: يا رسول الله، إني عروس، فاستأذنته، فأذن لي فتقدمت الناس إلى المدينة؛ حتى أتيت المدينة، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعت فيه؛ فلامني، قال: وقد كان قال لي رسول الله - ﷺ - هل تزوجت بكرا أم ثيبا، قلت: تزوجت ثيبا، قال: هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك؟
[ ٨ / ٢٦٠ ]
قلت: يا رسول الله، توفي (٩٥/ب) والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن، فتزوجت ثيبا، لتقوم عليهن وتؤدبهن، قال: فلما قدم رسول الله - ﷺ - غدوت عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه؛ ورده علي).
وفي رواية عن جابر: (أنه كان يسير على جمل له قد أعيى، فمر به النبي - ﷺ - فضربه ودعا له، فسار يسير ليس يسير مثله، ثم قال: (بعنيه بأوقية)، قلت: لا، ثم قال: (بعنيه بأوقية)، فبعته، واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على أثري فقال: (ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك، فهو مالك).
وفي رواية: (أفقرني رسول الله - ﷺ - ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (فبعته على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة).
قال عطاء وغيره: (ولك ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (وشرط ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (ولك ظهره حتى ترجع).
وفي رواية: (أفقرناك ظهره إلى المدينة).
وفي رواية: (تبلغ عليه أهلك)، قال البخاري: (الاشتراط أكثر، وأصح عندي).
وفي رواية: (أخذته بأربعة دنانير)، قال البخاري: (وهذا يكون أوقية، على حساب الدينار بعشرة).
[ ٨ / ٢٦١ ]
وفي رواية: (أوقية ذهب).
وفي رواية: (مائتي درهم).
وفي رواية: (أنه اشتراه بطريق تبوك، أحسبه قال: بأربع أواقي).
وفي رواية: (اشتراه بعشرين دينارا).
(٩٦/أ) وفي رواية لمسلم: (أنه كان يسير على جمل له قد أعيى فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي - ﷺ -، فدعا لي وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله، فقال: بعنيه بوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي).
وفي رواية: (خرجت مع رسول الله - ﷺ - في غزاة، فأبطأ بي جملي، فأتي علي رسول الله - ﷺ - فقال: يا جابر، فقلت: نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ بي جملي وأعيا فتخلفت، فنزل فتحجنه بمحجنه، ثم قال: اركب، فركبت، فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله - ﷺ -، فقال: أتزوجت؟ فقلت: نعم، ثم ذكر نحوه).
وفيه: (أما أنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس).
وفيه: (فاشتراه مني بأوقية).
وفيه: (قدمت بالغداة فجئت المسجد فوجده على باب المسجد فقال: الآن قدمت؟ قلت: نعم، قال: فدع جملك، وادخل فصل ركعتين، قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت، فأمر بلالا أن يزن لي أوقية، فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان، قال: فانطلقت، فلما وليت قال: ادع لي جابرا، فدعيت
[ ٨ / ٢٦٢ ]
فقلت: الآن يرد علي الجمل، ولم يكن شيء أبغض إلي منه، فقال خذ جملك وله ثمنه).
وفي رواية: (كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزاة فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب من خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفت، فإذا أنا برسول الله صلى (٩٦/ب) الله عليه وسلم، فقال: ما يعجلك يا جابر؟، قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بعرس، قال: أبكرا تزوجتها أم ثيبا؟ - فذكره - قال: فلما ذهبنا لندخل فقال: أمهلوا حتى ندخل ليلا - أي: عشاء - كي تمشط الشعثة، وتستحد المغيبة).
وفي رواية: (إذا قدمت فالكيس).
وفي رواية: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا).
وفي رواية: (نهى النبي - ﷺ - أن يطرق أهله ليلا).
وفي رواية: (لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم)، قال ابن مهدي عن سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا؟ يعني قوله: (يتخونهم ويطلب عثراتهم).
وفي رواية: (أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله - ﷺ - فأعيى جملي - وذكر نحوه - وفيه قال لي: بعني جملك هذا، قلت: لا، بل هو لك، قال: (بل بعنيه)، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قال: (بل بعنيه)، قلت فإن لرجل علي أوقية ذهب، فهو لك بها، قال: قد أخذته، فتبلغ عليه إلى
[ ٨ / ٢٦٣ ]
المدينة، فلما قدمت المدينة قال رسول الله - ﷺ - لبلال: (أعطه أوقية من ذهب وزده)، قال فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله - ﷺ -، فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرة).
وفي رواية: (كنا في مسير مع رسول الله - ﷺ -، وأنا على ناضح، إنما هو في أخريات الناس، فضربه رسول الله - ﷺ - (٩٧/أ) أو قال نخسه (أراه قال) بشيء كان معه، قال: جعل بعد ذلك يتقدم الناس، ينازعني حتى إني لأكفه، فقال رسول الله - ﷺ -: (أتبيعنيه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك؟ قال: قلت: هو لك يا نبي الله، قال: أتبيعنيه كذا وكذا والله يغفر لك؟ قال: قلت: هو لك يا نبي الله، قال ذلك ثلاثا، وقال لي: أتزوجت بعد أبيك؟ قلت: نعم وذكره، قال أبو نضرة: وكانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا وكذا والله يغفر لك).
وفي رواية: (فنخسه رسول الله - ﷺ - وقال لي: اركب بسم الله، وفيه: (ما زال يزيدني ويقول: والله يغفر لك).
وفي رواية: (أتى علي النبي - ﷺ - وقد أعيى بعيري، قال: فنخسه، فوثبت، فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه، فما أقدر عليه؛ فلحقني رسول الله - ﷺ - فقال: (بعنيه)، فبعته بخمس أواقي، قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال: فلما قدمت المدينة أتيته به، فزادني أوقية، ثم وهبه لي).
وفي رواية عن أبي المتوكل قال: (أتيت جابرا فقلت: أخبرني ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، قال: سافرت معه في بعض أسفاره. قال الراوي: - لا
[ ٨ / ٢٦٤ ]
أدري غزوة أو عمرة -، فلما أن أقبلنا، قال النبي - ﷺ -: (من أحب أن يتعجل إلى أهله فليتعجل)، قال جابر: فأقبلنا، وأنا على جمل لي أرمك ليس فيه شية والناس خلفي، فينما أنا كذلك إذ قام علي (٩٧/ب) فقال لي رسول الله - ﷺ -: (يا جابر استمسك) فضربه بسوطه فوثب البعير مكانه، فقال: أتبيع الجمل؟ قلت: نعم، فلما قدمنا المدينة ودخل النبي - ﷺ - المسجد في طوائف من أصحابه دخلت إليه، وعقلت الجمل في ناحية البلاط، فقلت له: هذا جملك، فخرج فجعل يطيف بالجمل ويقول: (الجمل جملنا)، فبعث النبي - ﷺ - إليه بأواقي من ذهب فقال: أعطوها جابرا، ثم قار: استوفيت الثمن؟ قلت: نعم، قال: (الثمن والجمل لك).
وفي رواية: (تزوجت، فقال لي رسول الله - ﷺ -: (ما تزوجت؟ فقلت تزوجت ثيبا، فقال: مالك وللعذارى ولعابها).
وفي رواية: (فأين أنت من العذارى ولعابها).
وفي رواية: (هلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟).
وفي رواية: (أتيت النبي - ﷺ -، قال: مشعر أراه، قال: فقال: صل ركعتين، وكان لي عليه دين فقضاني وزادني).
وفي رواية: (بعت من النبي - ﷺ - بعيرا في سفر، فلما أتينا المدينة قال: أئت المسجد، فصل ركعتين، فوزن، قال شبعة: أراه فوزن لي فأرجح، فما زال منها شيء حتى أصابها أهل الشام يوم الحرة).
وفي رواية: (اشترى مني النبي - ﷺ - بعيرا بوقيتين ودرهم، أو ردهمين،
[ ٨ / ٢٦٥ ]
فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبحت، فأكلوا (٩٨/أ) منها، فلما قدم المدينة، أمرني أن آتي المسجد فأصلي فيه ركعتين، ووزن لي ثمن البعير).
وفي رواية: (هلك أبي وترك سبع - أو تسع - بنات، فتزوجت امرأة، فقال النبي - ﷺ -: أتزوجت يا جابر؟ قلت: نعم، وذكر الحديث، واعتذاره عن نكاحه الثيب، قال: فبارك الله عليك).
وفي رواية: (أصبت).
وفي رواية: (تزوجت امرأة في عهد رسول الله - ﷺ - فلقيت النبي - ﷺ -، فقال: يا جابر: تزوجت؟ قلت: نعم، فقال: بكر أم ثيب؟، قلت: ثيب، قال: فهلا بكرا تلاعبها؟ قال: قلت: يا رسول الله، إن لي أخوات، فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، فقال: ذاك إذا، إن المرأة تنكح على دينها، ومالها، وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك).
حكى أبو مسعود فيه أنه رأى عليه أثر صفرة وليس ذاك فيما عندنا من كتاب مسلم)].
[ ٨ / ٢٦٦ ]
* قوله: (على جمل ثقال) البطيء السير، القليل الحركة.
* وقوله: (فمر رسول الله - ﷺ - فقال: ما لك؟) يدل على أنه كان - ﷺ - يعتبر الرفقة في ساقتهم؛ لأن الضعفة إنما تعتقد عند آخر القوم، فلذلك كان - ﷺ - معتربا حال الرفقة في الساقة، ولما رأى جابرا متأخرا قال: من هذا؟، فأراد سؤاله عنه أن يعلم حاله، وهل تأخره عن ضعف في حاله أم عن غير ذلك، فلما قال له: مالك؟، أراد أن يعلم إن كان تأخره عن اختيار منه للتأخر (٩٨/ب) أم لعرض عليه.
فلما شكى إليه بطء جمله، قال له: أمعك قضيب؟ يريد بذلك إن لم يكن معك قضيب فقد فرطت في ترك ما تسوق به الجمل، فلما قال له: نعم، قال: أعطنيه، فأراد - ﷺ - أن جابرا قد كان استعمل لتسوق الجمل آلته؛ لكن ما أخذ رسول الله ذلك القضيب بعينه فضرب الجمل فتقدم حتى كان أول الناسن ظهرت في ذلك لرسول الله - ﷺ - آية لم تكن لجابر ولا لغير جابر.
[ ٨ / ٢٦٧ ]
* فأما قوله: (بعنيه) فإنه لما رأى جابرا قد شكى بطء ذلك الجمل، وإنه تأخر به، أراد أن يشتريه منه، ويركبه إياه حتى إن عطب كان من مال رسول الله - ﷺ -.
* وقوله: (قد أخذته بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة) هذا يدل على أن الشرط في البيع صحيح لأنه اشتراه منه واشترط له ظهره إلى المدينة.
* وقد روى هشام بن عروة عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله - ﷺ - في حق بربرة: قد أبى أهلها إلا أن يشترطوا ولائها، فقال: (اشتريها فإنما الولاء لمن أعتق).
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - (نهى عن بيع وشرط).
فهذه الأحاديث الثلاثة تختلف. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، والذي أرى فيه أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع وشرط، وما قال: كل بيع، والمراد بذلك البيع الذي نافى صحته الشرط مثل (٩٩/أ) أن يبيعه دارا ويشترط سكناها، وكذلك حديث بربرة فإنهم لما شرطوا ولائها، والولاء إنما هو ثمرة الملك، كان ذلك كالمنافي للصحة في البيع، فحكم بصحة البيع دون ذلك الشرط الفاسد.
[ ٨ / ٢٦٨ ]
* وفي الحديث دليل على جواز تقديم القبول على الإيجاب لأنه قال: (قد أخذته بأربعة دنانير) إلا أنه بلفظ الماضي، فيدل على جواز تقديم الإيجاب على القبول، والقبول على الإيجاب، ولكن بلفظ الماضي.
* وقوله: (قد خلا منها) أي قد قضى من عمرها.
* وقوله: (فهلا بكرا) وذلك إنه اختار له الأجود والأفضل؛ ولأن أصلح ما قصد به في التزويج أن يلائم بين القرنين المتجانسين بعد حصول الدين أن ينكح الشاب الشابة، والكهل الكهلة، والحسيب الحسيبة، وهذا يدل أن جابرا كان شابا.
* وفي الحديث دليل على جواز ملاعبة الرجل المرأة، والمرأة الرجل، لأن في ذلك ألفة وغرس محبة.
* وفيه أيضا أنه لما سمع جابر من رسول الله - ﷺ - ذكر الأصلح، وكان عنده من العذر ما تنكب الأصلح لأجله، وهو أراد به امرأة تقوم بمصالح البنات، قال له رسول الله - ﷺ -: (فذاك) أي فذاك إذا عذر.
* وفيه أن الإنسان إذا اشترى شيئا في ذمته؛ فالمستحب له أن يوفي الثمن وزيادة ما كانت، وأن لا يخل بذلك ولو كان قيراطا، فإن رسول الله - ﷺ - لم يقل زده قيراطا وإنما قال له: (زده)، فكان تقدير الزيادة بالقيراط من بلال على معنى أن أهل الثمن (٩٩/ب) يناسبه أن تكون الزيادة على نحو القيراط.
* وفيه أن الرجل المؤمن قد يسره أن يزيد ماله ببركة ونمو، لقول جابر: لا
[ ٨ / ٢٦٩ ]
تفارقني زيادة رسول الله - ﷺ -) يعني أنها بركة ينمي بها ماله ويثرى.
* وأما قوله: (فأعطاني ثمنه ورده علي) والذي أراه أن رسول الله - ﷺ - لم يرد بذلك إلا أن يكون حث رسول الله - ﷺ - للبعير بحث جابر واقعا في ملك رسول الله - ﷺ - لئلا يكون قد حث بعيرا ليس له.
* وفيه أيضا أن رسول الله - ﷺ - لما رأى جابرا قد أزمع على تسيب البعير حين وقوفه عليه، ساقه له وابتاعه، وحمل عليه جابرا ورد له، وفي ذلك إشارة إلى أن كل ردية يرديها ركب فإنه لا ينبغي أن تهمل، بل يصبر عليها، ويرفق بها ويحسن التوصل إلى إيصالها، فيكون فعل رسول الله - ﷺ - في حمل جابر تعليما لمثله في كل ردية وظهر مقصر.
* فأما قوله: (إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها) أنه - ﷺ - قد أباح بهذا القول أن تنكح المرأة على جمالها وعلى مالها إلا أنه - ﷺ - عين أن ذات الدين أولاهن بالإيثار.
* وقوله: (تربت يداك) فإنه قول يحض به، وإن كان مخرجه مخرج الدعاء.
* وفيه أيضا: (أن ذات الدين خيرهن) فإن كانت جامعة للأوصاف، فهي من قرة الأعين؛ وإلا فدينها كاف عند ذي الدين.
* وقوله في هذا (١٠٠/أ) الحديث: (وأنا على ناضح) الناضح: ما استقى عليه ليسقي النخل والزرع.
[ ٨ / ٢٧٠ ]
* والأوقية: أربعون درهما وجمعها (أواقي) بالتشديد.
* وقوله: (أفقرني ظهره) أي أعارني فقاره لأركبه، والفقار: الظهر، والمحجن: عصا في طرفها انعقاف.
* وقوله: (فإذا قدمت فالكيس) قال ابن الأعرابي: الكيس: الجماع، والكيس: العقل، كأنه جعل طلب بالجماع عقلا. وقال أبو سليمان: ويحتمل أن يكون قد أمر بالتوفي والحذر من إصابة أهله إن كانت حائضا لطول غيبته. والبعير القطوف: البطيء المشي.
* وقوله: (وتستحد المغيبة) قال أبو عبيد: الاستحداد: الاستحلاق بالحديد، والمغيبة التي غاب عنها زوجها.
* قوله: (فلا يطرق أهله ليلا) الطروق: إتيان المنازل بالليل خاصة.
* وقوله: (لئلا تخونهم) أي تتبع خيانتهم.
* وقوله: (على جمل أرمك) الأرمك: الذي يضرب لونه إلى الكدرة.
* وقوله: (ليس فيها شية) أي لا لون فيه يخالف كدرته بل كله لون واحد.
* وقوله: (في ناحية البلاط) البلاط: كل شيء فرشت فيه المكان من حجر أو غير، ثم سمي المكان بلاطا لما فيه من ذلك على المجاز.
* وقوله: (فلما قدم ضرارا) وهو اسم موضع.
[ ٨ / ٢٧١ ]
- ٢٤٧٠ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن جابر، قال: (أهل النبي - ﷺ - وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - ﷺ - وطلحة، فقدم علي ﵁ من اليمن معه هدي، فقال: أهللت بما أهل به رسول الله - ﷺ -، فأمر النبي - ﷺ - (١٠٠/ب) أصحابه: أن يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا، إلا امن كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي - ﷺ -، فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)، وحاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، وقالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج).
وفي رواية عن جابر: (أمر النبي - ﷺ - عليا ﵁ أن يقيم على إحرامه، وذكر قول سراقة، وزاد في رواية: (أن النبي - ﷺ - قال له: (بما أهللت يا علي؟) قال: بما أهل به النبي - ﷺ -، قال: فأهل وامكث حراما).
وفي رواية عن أبي شهاب، قال: (قدمت مكة متمتعا بعمرة، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أناس من أهل مكة: تصير الآن حجتك مكية، فدخلت على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله أنه حج مع النبي - ﷺ - يوم ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد
[ ٨ / ٢٧٢ ]
سمينا للحج؟ فقال: افعلوا ما أقول لكم، فلولا إني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، ففعلوا).
(١٠١/أ) وفي رواية: (فقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة فأمرنا النبي - ﷺ - أن نطوف بالبيت، والصفا والمروة، ونجعلها عمرة، ونحل إلا من معه هدي، وذكره، وفيه قال: فلقيه بسراقة بن مالك وهو يرمي الجمرة. قال في حديث عبد الوهاب: بالعقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: بل للأبد) وذكر قصة عائشة واعتمارها من التنعيم.
وفي رواية عن عطاء: (قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناس معي قال: أهللنا أصحاب محمد بالحج خالصا وحده، قال عطاء: قال جابر فقدم النبي - ﷺ - صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل).
وفي رواية: (أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج، فلما قدمنا مكة، أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس، فقال: (أيها الناس، أحلوا، فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم)، قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما نفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج).
وفي رواية: (قدمنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله - ﷺ - فجعلناها عمرة).
[ ٨ / ٢٧٣ ]
وفي رواية عن جابر وأبي سعيد، قالا: (قدمنا مع النبي - ﷺ - ونحن نصرخ بالحج صراخا).
وفي رواية عن جابر: (أقبلنا مهلين (١٠١/ب) مع رسول الله - ﷺ - بحج مفردا وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال.
ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة ﵂ فوجدها تبكي فقال: (ما شأنك؟) قالت: (شأني، إني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن) فقال: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم؛ فاغتسلي ثم أهلي بالحج) ففعلت، ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: (قد حللت من حجك وعمرتك جميعا) فقالت: (يا رسول الله، وإني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت) قال: (فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم) وذلك ليلة الحصبة).
وفي رواية: (دخل النبي - ﷺ - على عائشة وهي تبكي، فذلك مثل حديث الليث).
وفي رواية: (وكان رسول الله - ﷺ - رجلا سهلا، إذا هويت الشيء تابعها عليه).
[ ٨ / ٢٧٤ ]
وفي رواية: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج، معنا النساء والولدان (١٠٢/أ)، فلما قدمن مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: (من لم يكن معه هدي فليحلل) وذكره، ثم قال: فلولا كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، وأمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشرك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة).
وفي رواية: (أمرنا رسول الله - ﷺ - لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح).
وفي رواية: (لم يطف النبي - ﷺ - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ -، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وابتوا نكاح هذه النساء؛ فلأن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة)،
وفي رواية: (فأفصلوا حجكم من عمرتكم؛ فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم).
وفي رواية: (استمعنا مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄)].
[ ٨ / ٢٧٥ ]
* قد سبق حديث التمتع في الحج في مسند سعيد، وسبق قوله سراقة: (ألنا هذه أم للأبد) في مسند ابن عباس، وسبق قوله: (ابتوا نكاح هذه النساء) في مسند عمر ﵁.
* ومعنى (عركت): حاضت.
* وقول جابر: (استمتعنا مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر رضي الله (١٠٢/ب) عنهما، قد تأوله مسلم بن الحجاج على متعة النساء، ويدل على تأويله حديث سيأتي بعد خمس وستين حديثا من إفراد البخاري من هذا المسند، وهذا محمول ممن فعله على أنه لم يبلغه النهي عنه، وإلا فهذا منسوخ، وقد ذكرنا ذلك في مسند عمر ﵁.
* وقوله: (كان - ﷺ - سهلا)، وقوله: (كانت عائشة إذا هويت الشيء تعابعها عليه) فيه دليل على أن الخلق المحمود أن يكون الرجل سهلا، كما وصف جابر
[ ٨ / ٢٧٦ ]
رسول الله - ﷺ -، فقال: كان سهلا.
* وقوله: (كانت إذا هويت أمرا تابعها عليه) فإنه يكون تحريره إذا استأذنته في شيء نافع لها، أذن لها فيه؛ فإن عائشة ﵂ لم تكن تحب من الأمر إلا ما قرب إلى الله ﷿، كهذه الحال التي رواها في هذا الحديث، فإنها شكت إليه ما تعرض في صدرها وتحل من رحيلها عن الكعبة، ولما نطق قال: يا عبد الرحمن اذهب بها، وفي هذا ما يدل على شرف عائشة، فإن رسول الله - ﷺ - عرف منها إيثارها الحق وميلها إلى مقتضيات الإيمان والدين، فكان رسول الله - ﷺ - يتابعها في ذلك لعلمه بها وما جربه منها، ولم يكن - ﷺ - جبارا ولا جافيا للحق إذا أذكره به غيره، وليس ينصرف هذا من مقصود جابر في نطقه به أن عائشة كانت تهوي غير الحق، ولا أن رسول الله - ﷺ - كان يتابع أحدا في (١٠٣/أ) غير الحق.
- ٢٤٧١ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن جابر، قال: (جاء أعرابي النبي - ﷺ - فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محموما، فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فأبى، ثم جاء فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال النبي - ﷺ -: (إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها وينصع طيبها)].
[ ٨ / ٢٧٧ ]
* قد سبق فضيلة المدينة في مسند سعد وغيره.
* وقال أبو سفيان: قد قيل إن الكير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد على الحديد.
والكوز: ما كان مبنيا من طين يخلص، وناصع كل شيء: خالصه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه ليس لأحد خيار في ترك الحق والعود إلى الباطل، فإن هذا الأعرابي حين بايع رسول الله - ﷺ - على الحق لم يبق له خيار وخالف الكافر الذي لم يبايع على الإسلام، فإنه لو دخل بعهد أو ذمة وجاء إلى رسول الله - ﷺ - لم يحمله رسول الله - ﷺ - على الإسلام جبرا، فأما هذا فإنه حين أعطي صفقته لم يبق في ذلك إلا وفاؤه أو قتله إن ارتد.
* وفيه أيضا من الفقه أنه لا يحل أن يفك عن مثله ربقة الحق في ظاهره ما بقي في هذه الدنيا، وإن كانت أمارات نطقه دالة على أنه قد ارتد من جهة أنه أتى رسول الله - ﷺ - يستقيله البيعة من أجل أنه حم ليعود إلى الكفر، فلم يقله رسول الله - ﷺ -، مع أنه لم يقله في حالته تلك بهذه الردة؛ بل ترك ظاهره في قيد الحق شرعا ليفي إن فاء (١٠٣/ب)، وإلا فالنار من ورائه في الآخرة،
[ ٨ / ٢٧٨ ]
وهذا إنما يحمل على حال هذا من جاء إلى رسول الله - ﷺ - يلتمس فك العقد، فأما من أظهر الردة لنفسه وخلق الربقة من عنقه هو وارتد؛ فإنه يقتل.
* وفيه أيضا من الفقه أنه ليس ما يعرض من الأمراض والأوصاب والفقر والشدة على من يعرض له ذلك مما يدل على باطل، فإن ذلك الأعرابي لقلة فقهه ظن أن الحمى إنما أتته من حيث إنه دخل في الإسلام ولم يكن ذلك كذلك، فأرى أن كل من دخل في طريق من طرائق الخير فعرض له عارض ابتلاء فنفر من سلوك ذلك الطريق الذي دخل فيه، فإنه على نحو قلة فقه هذا الأعرابي الذي أراد أن يرتد عن الإسلام من أجل الحمى.
فقد حكي أن أبا طالب الأنصاري قال: دخلت على الشيخ محمد بن يحيى في سنة الجهد وقد بلغ الأمر من المسلمين من ضيق العيش إلى أنه لم يكن يلحق الزاد إلا نادرا، وكان الشيخ محمد بن يحيى حينئذ ذا عيال كثير، قال: فسمعته وهو يقرأ: ﴿نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون﴾.
* وفي هذا الحديث ما يدل على تحريم التشاؤم بأي شيء كان، فإن هذا الأعرابي أتى من تشاؤمه بالحمى التي تشاءم بالإسلام من أجلها، والمدينة تنفي خبيثها، وطيبها هو الناصع.
[ ٨ / ٢٧٩ ]
- ٢٤٧٢ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن جابر، قال: (ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئا (١٠٤/أ) قط فقال: لا)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه - ﷺ - لم يقل لسائل: لا.
* وأما لغير السائل فإنه إذا سأله سائل عما لا جواب له إلا (لا)، فإنه لا يدخل ذلك في هذا، والسائل إذا أطلق لم ينطلق إلا على الطالب، فهو الذي لا يقول لا. وهذا مما يدل على أن التوفيق في تجنب لا ما استطاع الإنسان أن يجعلها جوابا لإنسان. ومن مفهوم هذا الخطاب أنه بمقدار فتح لا في أجوبة المسائل يكون حسن نعم.
- ٢٤٧٣ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن جابر، قال: (ندب رسول الله - ﷺ - الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي - ﷺ -: إن لكل نبي حواري وحواري الزبير)، قال سفيان: الحواري: الناصر.
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - قال يوم الأحزاب: (من يأتينا بخبر القوم؟)
[ ٨ / ٢٨٠ ]
فقال الزبير: أنا، ثم قال: (من يأتينا بخبر القوم) فقال الزبير: أنا، ثلاثا، الحديث.
وفي رواية: (ندب النبي - ﷺ - الناس فانتدب الزبير)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن مسعود، وقد بينا في مسند ابن عمر أن يوم الخندق هو يوم قريظة فلا اختلاف من الألفاظ؛ لأن النبي - ﷺ - لما انقشع عنه عسكر المشركين يوم الخندق، قال: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة).
* وفيه من الفقه (١٠٤/ب) أن الزبير ﵁ لما سمع رسول الله - ﷺ - يستدعي الهمم بادر إلى إغشام السبق في ذلك، إلا أن رسول الله - ﷺ - لم يبعثه ضنا بمقامه؛ فإنه كان يصلح أن يعد في ملزومة العسكر، وإنما أراد رسول الله - ﷺ - رجلا يتخير له، وهذا الأمر يصلح له من هو دون الزبير، والموضع المعد له الزبير من كونه في ملزومة رسول الله - ﷺ - ولتبيته لا يصلح فيه كل أحد لنفسه على رسول الله - ﷺ - وحسن بلائه في المواطن.
* فأما المعنى في كون الزبير لم يكتف بأن النبي - ﷺ - لم يقبل منه ما بذله في
[ ٨ / ٢٨١ ]
أول مرة حتى بذل نفسه ثانية وثالثة، والذي أراه فيه الزبير ﵁ لما سمع رسول الله يندب الناس إلى ما ذكر معه، لأنه صار إجابته فرض كفاية، فلو لم يجب الزبير أثم الكل؛ لكنه أسقط الفرض عنهم بقوله: أنا، وكذلك لما لم يجيبوا في الثانية والثالثة، فلما رده رسول الله - ﷺ - ثلاث مرار تيقن حينئذ أنه ليس بباعثه.
- ٢٤٧٤ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (هل لكم من أنماط؟ قلت: وأنى يكون لنا الأنماط؟، قال: أما إنها ستكون لكم الأنماط، قال: فأنا أقول لها يعني امرأته - (١٠٥/أ) أخري عني أنماطك، فتقول: ألم يقل النبي - ﷺ -: (ستكون لكم الأنماط فادعها؟)].
* في هذا الحديث دليل على صحة نبوة محمد - ﷺ -، وأن الله تعالى أعلمه بما يفتح به على أمته، وأنه سيكون من الفتوح والخير ما يتكون منه الأنماط، وهي جمع نمط، وهي ضروب من البسط والفرش.
* وفيه أيضا دليل على أن الأنماط إذا كانت للمؤمن فلا تضره، لأن رسول الله - ﷺ - قال: (ستكون لكم أنماط) يشير إلى أصحابه، ولقول امرأة جابر: (ألم يقل
[ ٨ / ٢٨٢ ]
رسول الله - ﷺ - ستكون لكم أنماط؟).
- ٢٤٧٥ -
الحديث الثلاثون:
[عن جابر، قال: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾)].
* قد سبق الكلام في هذا الحديث، والحرث: حيث يزكو البذر.
- ٢٤٧٦ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن ابن المنكدر، قال: (رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدجال، فقلت: أتحلف بالله تعالى؟ قال: إني سمعت عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي - ﷺ - فلم ينكره النبي - ﷺ -)].
[ ٨ / ٢٨٣ ]
* قد سبق حديث ابن الصياد في مسند عمر ﵁ وغيره.
- ٢٤٧٧ -
[عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (رأيتني دخلت (١٠٥/ب) الجنة، فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر ابن الخطاب، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرا فيها، فبكى عمر، قال: أعليك أغار يا رسول الله؟)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الجنة مخلوقة، وأن جواريها خلقن، فهن يتقلبن في النعيم انتظارا لقدوم المؤمنين عليهن.
* وفيه ما يدل على أن القصور معروفة الأصحاب، وأن أهل ذلك القصر يعرفون صاحب قصرهم، ألا ترى إلى قول رسول الله - ﷺ -: (فقلت لمن هذا القصر؟) يعني أن القصور معينة لأصحابها، (فقيل لي: لعمر).
* وقوله: (فأردت أن أدخله)، فأرى أنه كان مراده أن يدخله ليصفه لعمر
[ ٨ / ٢٨٤ ]
﵁ عن مشاهدة، ثم ذكر أن في دخوله إياه يرى الحور على تبذلهن في مساكنهن فذكر غيرة عمر ﵁ فرجع.
* وأما قول عمر ﵁: (أعليك أغار؟) أراد أن الغيرة إنما تكون على من يجوز عليه ما لا يجوز عليك، وأما أنت فلا يغار منك، فأتى عمر ﵁ بحسن الأدب، وفعل رسول الله - ﷺ - ما فعل على طريق الاحتياط.
* وقد تقدم قوله: (في الخشفة) أنه من الضمنة وكثرة الحشمة.
- ٢٤٧٨ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن جابر، قال: (أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب (١٠٦/أ) عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني، ورسول الله - ﷺ - لا ينهاني، وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله - ﷺ -: (تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه).
وفي رواية: (لما كان يوم أحد جيء بأبي مسجى، وقد مثل به).
وفي رواية: (جيء بأبي يوم أحد مجدعا فوضع بين يدي النبي - ﷺ -)].
[ ٨ / ٢٨٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه أنه يجوز كشف الثوب عن وجه الميت ليتزود من نظره، وقد تقدم قولنا في القبلة له، ويجوز البكاء أيضا على الميت لقول جابر: (ورسول الله - ﷺ - لا ينهاني).
* وفيه دليل على أن بكاء المرأة على الميت من غير نياحة ولا ندب جائز إلا أنه على الشهيد غير مستحب من حيث إن الإيمان يشهد له بفوز لا يستحسن معه البكاء عليه.
* وقول رسول الله - ﷺ -: (تبكيه أو لا تبكيه) يعني أنها إن بكته فإن بكاها عليه لا تنقصه. وقوله: (أو لا تبكيه) يعني أن صبرها عنه في موضعه.
* وقوله: (ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه) فإن معناه تكنفه بأجنحتها، وتكون له سترا من الشمس، وانساله إلى أن جئتم إليه فرفعتموه، أي على السرير إلى قبره، وليس قوله: (حتى رفعتموه) يدل على أن إظلال الملائكة له انقطع، وإنما هو إشارة إلى ابتداء إظلالهم.
- ٢٤٧٩ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن جابر، قال: ولد الرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقلنا: (١٠٦/ب) لا نكنيك، حتى نسأل رسول الله - ﷺ -، فقال: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي).
[ ٨ / ٢٨٦ ]
وفي رواية: (فقالت الأنصار، لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا، فقال رسول الله - ﷺ -: (أحسنت الأنصار، تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي).
وفي رواية: (ولد لرجل من الأنصار غلام، فأراد أن يسميه محمدا).
وفي رواية: (أراد أن يسميه القاسم، فقال النبي - ﷺ -: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإني إنما جعلت قاسما أقسم بينكم).
وفي رواية: (ولد لرجل منا غلام فسماه محمدا، فقال له قومه: لا ندعك تسمي باسم رسول الله - ﷺ -، فانطلق بابنه حامله على ظهره، فذكر أنه ذكر له ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: (تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي فإنما أنا قاسم أقسم بينكم)].
* هذا الحديث قد تقدم، وقد فيل: إنما كره ذلك في زمن النبي - ﷺ - لئلا يقع الاشتباه.
[ ٨ / ٢٨٧ ]
- ٢٤٨٠ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن جابر، قال: (أتيت النبي - ﷺ - في دين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: (من ذا؟) قلت: أنا، فقال: (أنا، أنا!!) كأنه كرهها)].
* في هذا الحديث من الفقه كراهية أن يقول الرجل إذا طرق باب أخيه أو باب بيته، فقيل: من ذا؟ أن يقول: أنا، لأن قوله: أنا، كلمة تتناول كل طارق، فلم يرد على معنى طرقه الباب شيئا يستدل به عليه؛ فلذلك كرهه (١٠٧/أ) رسول الله - ﷺ -، والسنة أنه إذا طرق الباب أن يتبع ذلك اسمه حتى في بيته نفسه ليعلم به أهل داره فيتأهبوا لدخوله.
- ٢٤٨١ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن جابر، قال: (مرضت، فأتاني رسول الله - ﷺ - يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجداني أغمي علي، فتوضأ النبي - ﷺ -، ثم صب وضوءه علي، فأفقت، فإذا النبي - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله: كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجيبني بشيء حتى نزلت آية الميراث).
وفي رواية: (فعقلت، فقلت، لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض).
[ ٨ / ٢٨٨ ]
وفي رواية: (فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾.
وفي رواية: (جاءني النبي - ﷺ - يعودني ليس براكب بغل ولا برذون)].
* قد سبق ذكر الكلالة في مسند عمر.
* وفي هذا الحديث استحباب عيادة المريض، وأن يكون العائد ماشيا، وأن يعود المصحوب أصحابه ولا يتكبر عليهم في هذا.
- ٢٤٨٢ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)، زاد البخاري في رواية: فقال رجل لجابر: (فإن البراء يقول اهتز السرير؟ فقال: إنه يقول كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعت النبي - ﷺ - يقول: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ).
[ ٨ / ٢٨٩ ]
وفي رواية: (قال رسول الله - ﷺ - وجنازة سعد (١٠٧/ب) بن معاذ بين أيديهم: (اهتز لها عرش الرحمن)].
* اختلفوا في المراد بالاهتزاز على قولين، أحدهما: التحرك كاهتزاز التحرك بالفرح، والثاني: أنه بمعنى الاستبشار والسرور، يقال فلان يهتز للمعروف أي يستبشر ويسر، وإن فلانا لتأخذه هوة، أي ارتياح وطلاقة، قاله ابن قتيبة.
- ٢٤٨٣ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن جابر، قال: (لما بنيت الكعبة، ذهب النبي - ﷺ - والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي - ﷺ -: اجعل إزارك على رقبتك فخر إلى الأرض، فطمحت عيناه إلى السماء فقال: (أرني إزاري) فشده علي.
وفي رواية: (فسقط مغشيا عليه، فما رأي بعد ذلك عريانا)].
[ ٨ / ٢٩٠ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن الله حفظ رسوله - ﷺ - قبل مبعثه من الدنايا، وأنه لما انحل إزاره شخص إلى السماء حتى رد عليه إزاره كرامة له - ﷺ -.
* وقوله: (طمحت عيناه) يقال: طمح بصره، أي علا، وكل مرتفع طامح.
- ٢٤٨٤ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن جابر، قال: قال رجل للنبي - ﷺ - يوم أحد: أرأيت إن قتلت، فأين أنا؟، قال: في الجنة، قال: فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل)].
* هذا الحديث يدل على قوة إيمان الصحابة وحرصهم على الآخرة، وتصديقهم بوعد الله ووعيد رسول الله - ﷺ -، وانظر إلى استعجال (١٠٨/أ) هذا الرجل في طلب الآخرة، وإنما حثه إيمانه وكأنه شاهد ما وعده به رأي عين.
- ٢٤٨٥ -
الحديث الأربعون:
[عن جابر، قال: عزونا مع النبي - ﷺ -، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا، حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يال للأنصار؟، وقال
[ ٨ / ٢٩١ ]
المهاجر: يال للمهاجرين؟، فخرج النبي - ﷺ - فقال: (ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟) فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي - ﷺ -: (دعوها فإنها خبيثة)، وقال عبد الله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث - لعبد الله - فقال النبي - ﷺ -: (لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه).
وفي رواية: (فأتى النبي - ﷺ - فسأل القود؟ فقال: دعوها، فإنها منتنة).
وفي رواية لمسلم: (اقتتل غلامان: علام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر - أو المهاجرون - يال للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يال للأنصار، فخرج النبي - ﷺ -، فقال: (ما هذا، دعوى الجاهلية؟) قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر، فقال: (لا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإنه له نصر، وإن (١٠٨/ب) كان مظلوما فلينصره)].
* في هذا الحديث ما يدل على سوء مغبة اللعب؛ لأنه وإن كانت بدايته ما
[ ٨ / ٢٩٢ ]
تجلب الضحك، فإنه ينتهي إلى ما يكون عاقبته أشد البكاء.
* وفيه أيضا أن دعوى الجاهلية، وقول القائل: فلان يجيب؟ تكون إجابة الداعي لأجل الأنساب أو الدار أو الحال الجامعة مع الإعراض عن ذكر الله تعالى، وأن يكون إجابة الداعي لأجله وفي سبيله من جملة الكلم الخابث، فينبغي أن لا يقر على ذلك قائل يقول شيئا منه.
* وكسع: بمعنى ضرب دبره بيده أو رجله، وتداعوا: استغاثوا بالقبائل إلى الأباء يستنصرون بهم في ذلك، والدعوى: الانتماء، وكانت الجاهلية تنتمي في الاستعانة إلى الأباء فيقولون: يا آل فلان، وذلك من العصبية، وإنما ينبغي أن يكون الاستعانة بالإسلام وحكمه، فإذا وقعت بغيره فقد أعرض عن حكمه.
* وفي هذا الحديث دليل على قبح قتل الملك أصحابه؛ لأنهم أولى الناس منه بالرفد، فكيف يحسن منه قتلهم، لكن إذا رأى من أحدهم خيانة، فذلك الخائن هو الذي أتى على نفسه السوء، فتجافى رسول الله - ﷺ - عن قتل صاحب مسيء كراهية أن يؤثر عنه ذلك من غير تفصيل، وذلك أن قتل الملك أصحابه ينيل عدوه مناه في ناصريه وقد أعدوه في أبوابه، وأيضا لأن قتل الإنسان صاحبه مشعر بلوم في غدر مع جبن؛ لأن هذه إذا ثبتت كانت مما نزه الله سبحانه رسوله - ﷺ - (١٠٩/أ) عنها.
[ ٨ / ٢٩٣ ]
- ٢٤٨٦ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن جابر، عن النبي - ﷺ -: (الحرب خدعة)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند علي ﵇ وفي مسند غيره.
- ٢٤٨٧ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن جابر، قال: (دخل رجل يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: صليت؟، قال: لا، قال: فصلي ركعتين).
وفي رواية: (قم فاركع).
وفي رواية: (قم فصلي الركعتين).
وفي رواية: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليركع ركعتين).
وفي رواية: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي).
وفي رواية: (جاء سليك الغطفاني ورسول الله - ﷺ - بخطب فجلس).
وفي رواية أن النبي - ﷺ - قال له: (أركعت ركعتين؟) قال: لا، قال: (فقم واركع).
[ ٨ / ٢٩٤ ]
وفي رواية: فقال له: (يا سليك! قم فاركع ركعتين، ولتتجوز فيهما)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه يستحب لمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، ويدل على أن الكلام في حال الخطبة لا يحرم على الخطيب.
* وقوله: (وتجوز فيهما) أي خففهما ولا تطل؛ لأجل استماع الخطبة.
- ٢٤٨٨ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن جابر، قال: (أتى رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي، بعدما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه (١٠٩/ب) ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، والله أعلم، قال: وكان كسا عباسا قميصا).
وفي رواية: (وكان على رسول الله - ﷺ - قميصان، فقال له ابن عبد الله: يا رسول الله، ألبس عبد الله قميصك الذي يلي جلدك، قال سفيان: فيرون أن رسول الله - ﷺ - ألبس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع).
وفي رواية: (لما كان يوم بدر أتي بأسارى، وأتي بالعباس ولم يكن عليه
[ ٨ / ٢٩٥ ]
ثوب، فنظر النبي - ﷺ - قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه، فكساه النبي - ﷺ - إياه، فلذلك نزع النبي - ﷺ - قميصه الذي ألبسه)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن حسن المكافأة يلتزم بها الكريم حتى إن فاته محسن فإن سبق عليه الموت اجتهد في مكافأته، ولو بعد موته، كمثل هذه الحال، فكسى هذا الشخص قميصا بعد موته، كما كسا العباس حال حياته.
* وفيه ما يدل على أن الصنيعة على عمر الرجل صنيعة إليه.
- ٢٤٨٩ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن جابر بن عبد الله، قال: (بعثنا رسول الله - ﷺ -، ونحن ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر، فأصابنا جوع شديد، حتى أكلنا الخبط، فسمي جيش الخبط، فألقى لنا البحر دابة، يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر (١١٠/أ) وأدهنا من ودكها، حتى ثاب أجسامنا، قال: فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل، فحمله عليه فمر تحته، قال: وجلس في حجاج عينه نفر، قال: وأخرجنا من عينه كذا
[ ٨ / ٢٩٦ ]
وكذا قلة ودك، قال: وكان معنا جراب من تمر، فكان أبو عبيدة يعطي كل رجل منا قبضة قبضة، ثم أعطانا تمرة تمرة، فلما فني وجدنا فقده).
وفي رواية: (وكان فينا رجل، فلما اشتد الجوع نحر ثلاث جزائر ثم نهاه أبو عبيدة).
وفي رواية: (فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله).
وفي رواية: (فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة).
زاد في رواية هشام: (ونحن ثلاثمائة، نحمل زادنا على رقابنا).
وفي رواية: (بعث رسول الله - ﷺ - بعثا إلى أرض جهينة، واستعمل عليهم رجلا).
وفي رواية: (بعثنا رسول الله - ﷺ -، وأمر علينا أبا عبيدة، نلتقي عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر، لم يجد لنا غيره، وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة)].
* وهذا الحديث مذكور بطوله في مسند أبي عبيدة، وقد سبق الكلام عليه هناك.
[ ٨ / ٢٩٧ ]
- ٢٤٩٠ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن جابر، قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية: (أنتم اليوم خير أهل الأرض، وكنا ألفا وأربعمائة، قال جابر: ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة)].
* قوله: (أنتم خير أهل الارض) فهذا يدل على أن أهل بيعة الرضوان لا يلحقهم غيرهم في فضل بحال.
- ٢٤٩١ -
الحديث السادس والأربعون:
[(١١٠/ب) [عن جابر، قال: (مر رجل بسهام في المسجد، فقال له رسول الله - ﷺ -: أمسك بنصالها).
وفي رواية: (مر رجل بسهام في المسجد قد بدا نصولها فأمر أن يأخذ بنصولها لا يخدش مسلما).
وفي رواية لمسلم: (أنه أمر رجلا كان يتصرف بالنبل في المسجد أن لا يمر
[ ٨ / ٢٩٨ ]
بها إلا وهو آخذ بنصالها).
* نصال: السهام، ونصولها: حديدها.
* وقوله: (كان يتصرف بالنبل) (هكذا كتب الحميدي) والصواب: (كان يتصدق بالنبل)، وكذلك ذكره أبو سعيد الدمشقي وغيره.
- ٢٤٩٢ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: (يخرج قوم من النار بالشفاعة، كأنهم البعارير)، قلت: وما البعارير؟ قال: (الضغابيس).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - قال: (إن الله يخرج ناسا من النار فيدخلهم الجنة).
وفي رواية: (أن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة)].
[ ٨ / ٢٩٩ ]
* هذا الحديث يدل على الشفاعة، وقد تقدم الكلام في الشفاعة.
والبعارير والضغابيس: صغر القثاء.
- ٢٤٩٣ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن جابر، قال: (كان معاذ يصلي مع النبي - ﷺ - العشاء، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي - ﷺ - العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بـ: ﴿سورة البقرة﴾، فانحرف رجل مسلم ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا: إنما نافقت يا فلان، قال: لا والله، ولآتين رسول الله - ﷺ - فأخبرنه (١١١/أ)، فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وأن معاذا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بـ ﴿سورة البقرة﴾، فأقبل رسول الله - ﷺ - على معاذ، فقال: يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا، أو اقرأ بكذا).
قال سفيان: فقلت لعمرو ﵁: وإن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: اقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾، و﴿والضحى﴾، و﴿والليل إذا يغشى﴾ و﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فقال عمرو: ونحو هذا).
وفي رواية: (أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافق معاذا يصلي - فذكر نحو - وقال في آخره: فلولا صليت بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾،
[ ٨ / ٣٠٠ ]
﴿والشمس وضحاها﴾، ﴿والليل إذا يغشى﴾؟ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة) أحسب في الحديث.
وفي رواية: (قرأ معاذ في العشاء بـ ﴿البقرة﴾.
وفي رواية: (أن معاذا كان يصلي مع النبي - ﷺ - عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة)].
* في هذا الحديث دليل على أن المفترض إذا ائتم من تنفل صحت صلاته ولم ينقص ذلك من فضلها، وهو مذهب الشافعي ﵁.
* وفيه من الفقه ما يدل على أن تطويل الإمام للصلاة تعريض للمأمومين بالفتنة، ووجه الفتنة أنه يعرض العبادة للضجر منها، فينبغي للإنسان أن يجتنب ذلك.
[ ٨ / ٣٠١ ]
* وفي معناه: القارئ إذا أتى قوما عاكفين على حديث قد شرعوا فيه فقرأ عليهم من القرآن في حال هم عنه معرضون؛ فإني أخاف أن يكون ذلك القارئ متعرضا (١١١/ب) لعقاب الله ﷿، كيف عرض كلام الله تعالى لأن يعرض عنه، أو ينتظر الفراغ من قراءته، بل يمسك حتى إذا فرغوا ما كانوا فيه بسبيله قرأه عليهم على مكث كما قال الله ﷿، ومعنى مكث: أي يقرأوه على ترتيل وتثبت ليتمكن سامعوه من تدبيره.
* وفيه أيضا وجه آخر، وهو أن يكون معنى القراءة على مكث على أمن، إذا ليس فيه بحمد الله ومنه ما يتناقض ولا يتنافى ولا يزيده التفسير والتتبع من أهل الحق إلا نورا، وفيه وجه آخر أيضا، وهو أنه يقرأه على مكث أي على حاله ساكنة من سامعيه، وهذا يعود إلى معنى الوجه الأول.
- ٢٤٩٤ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن جابر، قال: (نزلت هذه الآية فينا: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾، بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله ﷿ يقول: ﴿والله وليهما﴾)].
[ ٨ / ٣٠٢ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن جابرا فهم من قول الله ﷿: ﴿والله وليهما﴾ ما عرف أنه يرجح بما كان من إزماعها على القتل.
- ٢٤٩٥ -
الحديث الخمسون:
[عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟)، قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: (نعم)، قال: إئذن لي فلأقل، قال: (قل)، فأتاه، وقال له وذكر ما بينهم، وقال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة، وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضا والله (١١٢/أ) لتملنه، قال: إنا قد ابتعناه الآن، ونكره أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره؟ قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترهنني؟ ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أرهنك نساءنا، قال له: ترهنونني أولادكم؟، قال: يسب ابن أحدنا، يقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك الأمة - يعني السلاح -، قال: نعم.
وواعده بأن يأتيه بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر، قال: فجاءوا، فدعوه ليلا، فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو، قالت له امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد ورضيعه أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل، نزل وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه؟، قال: نعم، فسم، فتناول، فشم
[ ٨ / ٣٠٣ ]
منه ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه، ثم قال: دونكم فقتلوه).
وفي رواية: (إنما هو محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة فقتلوه، ثم أتوا النبي - ﷺ - فأخبروه، قال: وقد جاء محمد بن مسلمة معه برجلين، وقال غير عمرو، وأبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر)].
* (كان كعب بن الأشرف من رؤساء اليهود، وكان شاعرا يهجو رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وبكى قتلى قريش يوم بدر، وكان قد حرضهم على (١١٢/ب) القتال بالشعر، وكان أبو نائلة واسمه سلكان بن سلامة بن وقش الأشهلي، أخا كعب من الرضاعة).
* وقوله: (إنما هذا محمد ورضيعه) إنما قال كعب: ورضيعي فقال الراوي: (ورضيعه) وهذا مبين من الرواية الأخرى التي ذكرناها، وإنما أمر النبي - ﷺ - بقتله لنقضه العهد.
[ ٨ / ٣٠٤ ]
- ٢٤٩٦ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن محمد بن عباد، قال: (سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله - ﷺ - عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت).
وفي رواية: (أن ينفرد بصومه)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في مسند أبي هريرة.
- ٢٤٩٧ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: (إن كان في شيء من أدويتكم شفاء، ففي: شرطة محجم، أو لدغة بنار، وما أحب أن أكتوي).
وفي رواية: (إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم، أو شربة من عسل، أو لدغة بنار).
وفي رواية: (أن جابر بن عبد الله عاد المقنع بن سنان، فقال: لا أبرح حتى تحتجم، فإني سمعت النبي - ﷺ - يقول: (إن فيه شفاء).
وفي رواية لمسلم: (بعث رسول الله - ﷺ - إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع منه
[ ٨ / ٣٠٥ ]
عرقا، ثم كواه عليه).
وفي رواية: (رمي سعد بن معاذ في أكحله، فحسمه النبي - ﷺ - (١١٣/أ) بيده بمشقص، ثم ورمت، فحسمه الثانية)].
* قوله: (إن كان في أدويتكم) ولم يقل في الأدوية، يريد بذلك ما كانوا يتداوون به مما لم يرتضي منه.
* الأشرطة: حجام، ثم قال: أو لدغة بنار، ثم عقبها بقوله: (وما أحب أن أكتوي) لما قدمنا ذكره في مسند عمران بن حصين، وقد تكلمنا هنالك في الكي.
* وقوله: (فحسمه) قال أبو عبيد: أصل الحسم القطع، وإنما أراد بالحسم أنه قطع الدم عنه.
والمشقص: نصل السهم إذا كان طويلا وليس بالعريض، فإذا كان عريضا وليس بالطويل فهو معبله.
[ ٨ / ٣٠٦ ]
- ٢٤٩٨ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن جابر، قال: (مرت جنازة، فقال لها رسول الله - ﷺ -، وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله، إنها يهودية، فقال: إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا).
وفي رواية: (قام النبي - ﷺ - وأصحابه لجنازة يهودي حتى توارت)].
* قد سبق الكلام في أن هذا القيام منسوخ.
- ٢٤٩٩ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن جابر، قال: (بينما نحن نصلي مع النبي - ﷺ - إذ أقبلت عير تحمل طعاما، فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي - ﷺ - إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾.
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - كان يخطب قائما، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها).
[ ٨ / ٣٠٧ ]
وفي رواية: (١١٣/ب) (بينما النبي - ﷺ - قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، منهم أبو بكر وعمر، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾، زاد أبو مسعود: فقال رسول الله - ﷺ -: (لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا).
وفي رواية: (فلم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن البيع والشراء بعد النداء للجمعة غير جائز، فأما قبل ذلك وبعده فجائز، إلا أن المستحب للمسلم أن يوقر يوم الجمعة أو يعظمه على عبادة الله ﷿ من صلاة الجمعة وغسلها وآدابها.
- ٢٥٠٠ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن جابر، قال: (عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله - ﷺ - بين يديه ركون، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه).
[ ٨ / ٣٠٨ ]
وفي رواية: (جهش الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما لكم؟) قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ما نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: فوضع النبي - ﷺ - يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة).
وفي رواية: (كم كنتم يومئذ؟ (١١٤/أ) قال: ألفا وأربعمائة).
وفي رواية للبخاري: (أن جابرا قال: قد رأيتني مع النبي - ﷺ -، وقد حضرت العصر، وليس معنا ماء غير فضله، فجعل في إناء، فأتى النبي - ﷺ - فأدخل يده فيه، وفرج بين أصابعه، وقال: (حي على أهل الوضوء، والبركة من الله تعالى)، فقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه، فتوضأ الناس وشربوا، فجعلت لا آلوا ما جعلت في بطني منه، وعلمت أنه بركة، فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وأربعمائة).
وفي رواية: (خمس عشرة مائة، الذين بايعوا النبي - ﷺ - يوم الحديبية).
وفي رواية، أن ابن المسيب قال: (نسي جابر، كانوا خمس عشرة مائة)].
[ ٨ / ٣٠٩ ]
* قد سبق هذا الحديث في مسند سلمة بن الأكوع وتكلمنا عليه، وأشير إليه ها هنا فأقول فيه: إن من السر في تفجر الماء بين أصابعه - ﷺ - أن الله ﷾ جعل يده المباركة مادة ريهم، وكانت يده تعطيهم ما تحوي عليه، فلما لم تكن في ذلك الوقت فيها من الأعراض ما يدفع ضرورة ذلك الوقت أجرى الله العيون منها نفسها، فلم يزل رزقهم عنها، وقد أجاد القائل في هذا حيث يقول:
بنانه خلج تجري وغرته ستر من الله مسبول على الحرمم
* وقد تقدم قولنا أن هذا أفضل مما وقع من انفجار الماء من حجر موسى على نبينا وعليه السلام، إذ الحجارة قد تتفجر منها الأنهار ويشقق منها ما يخرج الماء منه، فأما يد بشر، فإنه (١١٤/ب) لم تنفجر منه الماء إلا يد رسول الله - ﷺ -.
* وفيه أيضا أن يده - ﷺ - كانت على مثل هذا تجري منها العيون من الجود في المعنى دائما، فلما كثر ذلك منها ظهر في صورتها بقدرة الله ﷿ فتفجرت منها العيون والناس ينظرون.
* وفيه أيضا جواز تقديم الشرب على الوضوء، العطاش، وذلك في كل مقام؛ لأن الوضوء منوب عنه التيمم، حتى إذا اشتد به العطش ومعه ما شربه وتيمم؛ لأن التيمم يقوم مقام الوضوء وشرب الماء لا يقوم مقامه شيء.
* وفيه أيضا أنه لم يقل ادخرنا منه؛ ولكن دفعوا الضرورة الحاضرة من الشرب والوضوء لأن من يرى تلك الآية لا يحسن به حمل الماء.
* وفيه أن جابرا لما سأله السائل عن عدتهم، فهم مقصود السائل بهذا
[ ٨ / ٣١٠ ]
السؤال، وأنه أراد أن ينظر هل العدة كانت تلائم ما كان مقدار في الركوة، فقال له قولا يقطع نوابض توهمه الفاسد؛ لأنه قال: (لو كنا مائة ألف لكفانا).
ثم قال له: (كنا ألف وأربعمائة أو خمس عشرة مائة)، وهذا العدد فإنه يشتمل من الشرب والوضوء على ما يرجع إلى ألفي رطل على أقل الأحوال، وهذا لا يخفى على آدمي أن ركوة لا تسع وضوء ثلاثة وشربهم فلذلك قال: (لو كنا مائة ألف لكفانا) وكونه فرج - ﷺ -، إنما فعله؛ ليبين كيف يخرج الماء منها لكل من ينظر إلى ذلك حتى لا يتمارى فيه اثنان.
* وفيه أيضا دليل على أن كل واحد منهم كان يستكثر منه البركة (١١٥/أ) وظهور الآية فيه لقول جابر: (فجعلت لا آلوا ما جعلت في بطني منه) وعلمت أنه بركة.
- ٢٥٠١ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم يحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)].
[ ٨ / ٣١١ ]
* قد سبق بيان هذا الحديث من مسند حذيفة، وفي مسند أبي ذر، وفي مسند أبي هريرة، وأشير إليه فأقول: إنه - ﷺ - ذكر هذه الخمس مشعرا بها أن كلا منها لم يعطها نبي قبله، فهي زيادة له غير مما أعطيه الأنبياء قبله، بهذه الخمس يخصص بها وحده غير ما شارك الأنبياء فيه ﷺ وعليهم، وهذه الخمس فهي جامعة شاملة:
* أولها: أن الله تعالى نصره - ﷺ - بالرعب، وهو أنه جعل جنده في قلوب أعدائه، وهو الرعب، فخذلهم وهزمهم، وبينه وبينهم مسيرة شهر مسافة، لا يصلها سهم ولا ينالها رمح، ولا يدركها عدو جواد من الخيل، وهي زهاء ثلاثمائة فرسخ.
وكان في قوله - ﷺ - مخبرا لنا بهذا الحديث أن لله جنودا منها ما يرى صورته، ومنها ما يرى أثره، ومنه الرعب الذي نصر به نبيه.
فأما مسيرة شهر فالذي أراه فيه: أنه لما سخر الله الريح (١١٥/ب) لسليمان فكان غدوها شهر ورواحها شهر، أي مسيرة شهر، إلا أن الرعب الذي يكون مسيرة شهر لرسول الله - ﷺ - أفضل، لأن مسيرة شهر من بلده إلى وقت الرواح مسيرة شهر عند انتهاء وصولها.
وذكر رسول الله - ﷺ - كان حين يذكره الأعداء يقع رعبه في القلوب في
[ ٨ / ٣١٢ ]
الحال، فحاله أتم، فقد فضلت حاله على سليمان من هذا الوجه، ومن وجه آخر، وهو أن سليمان كان يصل إلى الأعداء الذين يقاتلهم وقلوبهم لهم، ورسول الله - ﷺ - كان يصل إلى الأعداء وقد سبقه الرعب فصارت قلوبهم له، فهذا معنى قوله - ﷺ -: (لم يعطهن أحد قبلي) ثم عقب ذلك بقوله:
* (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) يعني أن الله سبحانه أباحه الأرض شرقها وغربها، وأنها جعلت له مسجدا، وهذا مما يدل على كل عاقل أن الله تعالى علم كثرة أمته، وأنه لا يسعهم مسجد ولا جامع فجعل الأرض لهم كلها مسجدا، فأباح الله ﷾ الصلاة في كل موضع من الأرض.
ثم لما علم الله ﷿ من حرص أمته على الطهور واهتمامهم بصلواتهم، أباحهم البسيطين، الثرى والماء، لطهورهم، فأوجب عليهم الطهارة بالماء إذا وجدوه، والتراب إذا عدموه، فلما نصروا بالرعب وأقاموا الفريضة ذكر إحلال الغنائم فقال:
* (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي) هذا يذكره - ﷺ - (١١٦/أ) مبينا به فضل أمته، فإنه يعني أن إيمان أمته زاد وصدق إلى أن لا يضره تناول الغنيمة في إخلاصهم في الجهاد، فإن من كان قبلهم إنما كانت الغنائم تأكلها النار؛ من أجل إيمان من تقدم لم يكن في قوة إيمان هذه الأمة؛ إذ الغنائم لا يؤثر تناولها في إخلاصهم في جهادهم وإرادتهم به وجه مولاهم وخالقهم.
وكان ذلك لنزول إيمان من تقدم عن درجة إيمان أصحاب رسول الله - ﷺ - كانت تأكلها احتياطا للغزاة، حينئذ جاهدوا من أجل الغنائم، من أجل الغنائم لأمة محمد يشير أن مقامهم أشرف من أن يكون جهادهم لأجل الغنائم.
[ ٨ / ٣١٣ ]
ثم ذكر الشفاعة وهي شفاعة في الجمع كله، أولهم الأنبياء، وهذه الشفاعة العظمى تشمل كل مرسل، ومرسل إليه، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث إلى الناس عامة، يعني - ﷺ - إني بعثت إلى الأسود والأحمر، والجن والإنس، مشيرا بهذا القول إلى كل من طلعت عليه الشمس في فج من فجاج الأرض إذا بلغته دعوة محمد - ﷺ - ولم يؤمن به فهو من أهل النار.
- ٢٥٠٢ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن جابر، قال: (لما حفر الخندق رأيت بالنبي - ﷺ - خمصا؛ فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله - ﷺ - خمصا شديدا، فأخرجت إلى جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن، فذبحتها وطحنت (١١٦/ب) ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: لا تفضحني برسول الله - ﷺ - ومن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي - ﷺ -: (يا أهل الخندق، إن جابرا قد صنع لكم سورا فحيهلا بكم، وقال رسول الله - ﷺ -: (لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء).
فجئت، وجاء رسول الله - ﷺ - يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت؟ فأخرجت عجيننا، فبصق فيه وبارك،
[ ٨ / ٣١٤ ]
ثم عمد إلى برمتنا فصق وبارك، ثم قال: (ادع لي خابزة فلتخبر معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف) فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، فإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا لتخبز كما هو).
وفي رواية: (أتيت جابرا فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: (أنا نازل)، ثم قام وبطنه معصوب - ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا - فأخذ النبي - ﷺ - المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل.
فقلت: يا رسول الله، إئذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت النبي - ﷺ - شيئا، ما في (١١٧/أ) ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي - ﷺ - والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي، قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.
قال: (كم هو؟) فذكرت له، قال: (كثير طيب)، قال: (قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا) فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك، جاء النبي - ﷺ - بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: ادخلوا، ولا تضاغطوا.
فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، يقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل ويكسر ويغرف حتى شبعوا،
[ ٨ / ٣١٥ ]
وبقي منه، فقال: (كلي هذا وإهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة)].
* الخمص: الجوع، المخمصة: المجاعة.
وقوله: (فانكفأت إلى امرأتي) أي رجعت، والداجن: ما يحبس في البيت من الغنم، والسويقة: الطعام.
* وفي قوله: (فحي أهلا بكم) هذه كلمة تقال عند الحث على الشيء.
* وقوله: (فقالت: بك وبك) كناية عن اللوم والسب.
* وقوله: (بسق فيه) أي بزق، يقال بسق، وبزق، وبصق، وفي هذا دليل على إظهاره البصاق.
* وقوله: (إن برمتنا لتغط) أي يغلي بما فيها، والكدية: القطعة من الأرض الغليظة الصلبة.
* وقوله: (وبطنه معصوب) أي مشدود بالعصابة من الجوع.
* وقوله: (فعاد كثيبا: أهيل) (١١٧/ب)، الأهيل: المنهار الذي لا يتماسك.
* وقوله: (ادخلوا ولا تضاغطوا) أي لا تزاحموا.
[ ٨ / ٣١٦ ]
* وفيه من الفقه أن جابرا لما استكشف من حال رسول الله - ﷺ - مخمصة اهتم بها إلا أنه لم يبدأ بأن يذكر لرسول الله - ﷺ - في ذلك شيئا حتى ذهب إلى أهله وسأل عما عندهم، فلما أخبرته بطعام يكفي الواحد أو الاثنين، رأى أنه يسد به خصاصة رسول الله - ﷺ - ولم يكن جابر يدعو ذلك الخلق كله على طعامه ذلك، وإنما أعلم رسول الله - ﷺ - بما عنده وأنه كاف للرجل أو الاثنين، فاستصحب رسول الله - ﷺ - الناس كافة، فكانوا أضياف رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - ضيف جابر فيما بلغه وسعه، والخلق ضيف رسول الله - ﷺ - فيما يناله وسعه.
* فأما قوله - ﷺ -: (كم هو؟) فإنني لا أراه إلا أن رسول الله - ﷺ - أراد بسؤاله عنه لجابر أن يطيبه عنده ويكثره، ولا يكون جابر على انكسار ولا خجل، إذا رأى ذلك الخلق عنده.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - أمره أن لا ينزع البرمة ولا الخبز من التنور، فيجوز أن تكون البرمة على الأثافي، وفي ذلك أنه إذا لم ينزل القدر ولم يظهر الخبز من التنور نال الضيف ذلك وهم سخن، فيكون في هذا نوع (١١٨/أ) فائدة لأكله من حيث علم البدن.
* وفيه أيضا أنه لفرق ما بين الاتجاد والعدم، فإن ذلك لو كان قد دفعت الحجر، وكان قد قطع عنها مادة ما ولو كان الخبز رفع من التنور، لكان قد فرغ منه، وعلم عدده، لم يقطع مادة الاتجاد، ولو اطلع على ذلك لعلم عدده، فلما كان باقيا على حاله جعل سترا بين الاتجاد والعدم، وإلا فما يخفى على الآدمي أن قدر بهيمة وصاع شعير مما يستحيل أن يأكل منه ألف.
[ ٨ / ٣١٧ ]
* ثم يقول - ﷺ -: (كلي هذا، واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) ثم يكون الطعام كأنه لم يصب منه، ولأن أبقاه على ذلك الحال يجعله عند التناول على سخونته.
* وفيه أن الكدية التي عرضت لرسول الله - ﷺ - مستصعبة حتى ضربها رسول الله - ﷺ - بالمعول فانهالت، لا أراه إلا أن الله ﷾ أذنه بانهيال الأمر وتسهله بعد صعوبته، وأن الخندق لم يبق بعده شدة، وأن الصعوبة تسهلت.
* وفيه أيضا أن المؤمن ينبغي له أن يكون متفقدا لأحواله وخطراته، وذهابه وإتيانه، وكل شخص يلقاه ويكلمه ناظرا إلى أن الله سبحانه هو محرك حركات الوجود، والعالم بخطراتهم وحركاتهم، وإن ذلك قد يكون منه ما يخاطب به العبد، ويناجي به بإشارة ورموز على وجه يكون الحاضرون حوله ما فيهم من يدري ما يجري على نحو انهيال الكدية بعد صعوبتها.
فهذا من أحسن السر وأصونه، وهذا لا أراه إلا في اليسر (١١٨/ب) لأنها لو تصعبت عليه لم يستدل بذلك على صعوبة لأن ذلك يكون تشاؤما والأول تفاؤلا، فإن تم على أحد شيء من ذلك نادرا، فإن ذلك إنما فعل ليعتبر به إيمانا.
- ٢٥٠٣ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن جابر بن عبد الله، قال: قال النبي - ﷺ -: (مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، وجعل الناس يدخلونها
[ ٨ / ٣١٨ ]
ويعجبون، ويقولون: لولا موضع اللبنة).
وفي رواية: (فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي هريرة وتكلمنا عليه، وأشير إليه فأقولك إنه - ﷺ - لما يقدمه الأنبياء والمرسلون ما يقدموا به، شبههم - ﷺ - ببناء دار بنيت حتى لم يبق فيها إلى موضع لبنة، حتى إن تلك اللبنة إذا وضعت لم يبق فيها محل لأن يعمل فيها شيء، فكان خبر النبي - ﷺ - هذا مشعرا أنه ختم الأنبياء كما ختمت تلك اللبنة ذلك البناء، فلم يبق بعده لبان عمل لأنه - ﷺ - تمم البناء.
- ٢٥٠٤ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن ابن المنكدر، قال: (دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب، ملتحفا به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن يرني الجهال مثلكم، رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي كذلك).
(١١٩/أ) وفي رواية: (صلى بنا جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب، فقال له قائل: يصلي في إزار واحد؟ قال: إنما
[ ٨ / ٣١٩ ]
صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله - ﷺ -؟).
وفي رواية سعيد بن الحارث، قال: (سألت جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد؟)، فقال: خرجت مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره، فجئت مرة لبعض أمري فوجدته يصلي، وعلى ثوب واحد، فاشتملته وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: (ما السرى يا جابر؟) فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت، قال: (ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟) قلت: كان في ثوب واحد، قال: (فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به).
وفي رواية: (كنت مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فانتهينا إلى مشرعة، فقال: ألا تشرع يا جابر؟، قلت: بلى، قال: فنزل رسول الله - ﷺ - وأشرعت، قال: ثم ذهب لحاجته ووضعت له وضوءا، قال: فجاء فتوضأ، ثم قام فصلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه، فقمت خلفه، فأخذ بأذني، فجعلني عن يمينه).
وفي رواية: (رأيت النبي - ﷺ - يصلي في ثوب واحد متوشحا به).
وفي رواية عن أبي الزبير: (أنه رأى جابر بن عبد الله يصلي في ثوب واحد متوشحا به، وعنده ثيابه، وقال جابر: إنه رأى النبي - ﷺ - يصنع ذلك)].
[ ٨ / ٣٢٠ ]
* في هذا (١١٩/ب) الحديث جواز الصلاة في ثوب واحد مع القدرة على ثوبين.
والمشجب: أعواد متداخلة يجعل عليها الثياب.
* وقوله: (ما السرى يا جابر؟)، السرى: سير الليل، والمعنى لأي شيء كان مسراك الليلة.
* وقوله: (ما هذا الاشتمال) الاشتمال: الالتفاف بالثوب حتى يشمله فلا يخرج منه يده، فلهذا أنكره عليه.
* قوله: (ألا يشرع) معناه: ألا يورد الإبل المشرعة.
- ٢٥٠٥ -
الحديث الستون:
[عن جابر، قال: (بينما رسول الله - ﷺ - يقسم غنيمة بالجعرانة، إذ قال له رجل: أعدل، فقال: لقد شقيت إن لم أعدل).
وفي رواية لمسلم: (أتى رجل بالجعرانة - منصرفة من حنين - وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله - ﷺ - يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد، أعدل، فقال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟، لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل) فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: (معاذ الله أن يحدث أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
[ ٨ / ٣٢١ ]
الرمية).
وفي رواية: (أنه ﵇ كان يقسم مغنم حنين بنحوه)].
* أما هذا الرجل فيقال له ذو الخويصرة، والثاني شقيت (مفتوحة) لأن المعنى أنك إذا اتبعت من لم يعدل فقد شقيت.
* (١٢٠/أ) وقوله: (يمرقون من الدين) قد سبق شرحه في مسند أبي ذر ﵁.
* * *
أفراد البخاري
- ٢٥٠٦ -
الحديث الأول:
[عن جابر، قال: (قضى النبي - ﷺ - بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)].
[ ٨ / ٣٢٢ ]
* هذا الحديث يدل على وجوب الشعفة فيما لم يقسم وهو المشاع، وقد نفاها عن ما قد قسم، وعند أحمد ومالك والشافعي: أن الشفعة لا تستحق بالجوار، وقال أبو حنيفة: تستحق بالجوار.
- ٢٥٠٧ -
الحديث الثاني:
[عن جابر، (أن إهلال رسول الله - ﷺ -: من ذي الحليفة، حين استوت به راحلته)].
* قد سبق هذا الحديث في مواضع.
- ٢٥٠٨ -
الحديث الثالث:
[عن جابر، قال: (لما حضر أحد، قال: دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي
[ ٨ / ٣٢٣ ]
أعز علي منك، غير نفس رسول الله - ﷺ -، وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه).
وفي رواية: (فجعلته في قبر على حده)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الشهداء لا سبيل للبلى عليهم، ولو كانت صورة جسم أحدهم قد يطرق عليها ما فرق أجزاءها لم يكن ذلك إلا لزيادة في كرامة (١٢٠/ب) الشهيد، فإنه يستطيب كل ما زاد ما يناله من الأذى في سبيل الله.
* وفيه أنه قال: (أعز علي منك) ولم يقل أحب؛ لأنه لم يكن يظن به أنه يحب إلا الله، وكان أفاضل أصحاب رسول الله - ﷺ - أحب إليه، كما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: (اللهم إن عمر أحب الناس إلي)، ثم قال: اللهم أغزو، وألو، لك الوطء.
* وفيه جواز أن يغزو الغازي وعليه دين فيوصي بقضائه.
* وفيه جواز أن يكون للرجل البنات الشديدي الحاجة إلى بقائه؛ فيؤثر على القيام عليهن الجهاد في سبيل الله.
* والرجل الذي دفن معه: عمرو بن الجموح، ولا أرى كون جابرا أراد إفراد أبيه عن عمرو بن الجموع على علو قدريهما إلا إيمان جابر ﵁ حقق
[ ٨ / ٣٢٤ ]
عنده وجود الحور العين عند كل واحد منهما، وعرف أن اجتماعهما مع وجود زوجاتهما في قبر واحد يضر بأنسهما الكامل، فأراد أن يفرد إباه عن عمرو بن الجموح، ليكون كل منهما خاليا مع زوجاته من الحور العين، فإن رسول الله - ﷺ - لما دفن بعض الشهداء أعرض وقال: (رأيتهن ناديات سوقهن)، يشير إلى الحور.
- ٢٥٠٩ -
الحديث الرابع:
[عن جابر، قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن من حلق قبل أن يذبح ونحوه، فقال: (لا حرج، لا حرج)].
* قد سبق هذا في مسند ابن عباس وغيره.
- ٢٥١٠ -
الحديث الخامس:
(١٢١/أ) [عن جابر، قال: لما رجع النبي - ﷺ - قال لأم سنان
[ ٨ / ٣٢٥ ]
الأنصارية: (ما منعك من الحج؟) قالت: ليس لنا إلا ناضحان، أو فلان - تعني زوجها - حج على أحدهما، والآخر: يسقي أرضا، قال: (فإن عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي)].
* قد سبق في مسند ابن عباس.
* فأما كون العمرة في رمضان تعدل حجة، فيجوز أن يكون المعتمر فيه يكون صائما، فيعبد الله من طريقين وينالهن إن شاء الله تعالى من بابين.
- ٢٥١١ -
الحديث السادس:
[عن جابر، قال: قال النبي - ﷺ -: (كل معروف صدقة)].
* قد سبق الكلام عليه في مسند حذيفة، ونشير إليه فنقول: إنما أشعر - ﷺ - بهذا القول المتصدق أنه ليس الصدقات مقصورة على الأموال التي ربما لا يقبلها إلا غنيا؛ إن الصدقة قد تكون كلمة حكمة فيتصدق بها على الجهال، وفي هدايتك الطريق لمن لا يعرفها، وإن كان الملك فإنك متصدق عليه بالهداية
[ ٨ / ٣٢٦ ]
وهذا هو.
وإن كان في طريق السعي بالأقدام صدقة فإنه في طريق السعي إلى الحق صدقة فوق هذه الصدقة، وهكذا إذا تصدقت على رجلين متنازعين في مسألة حساب لا يعرفان كلمة للفصل بينهما؛ فأتيتهما بها، وفصلت بينهما بذكرها كنت متصدقا عليهما بقضاء يفصل بينهما، وكذلك إذا رأيت أخاك المؤمن وقد استشاط به غضبه ألهاه عن معرفة الصواب في سبيل يسلكها من القول وأشرت له إلى (١٢١/ب) الإناة، وحررت له قولا يخلصه فيه من حوادث الغضب الشديد كنت متصدقا عليه بذلك.
وكونك إذا رأيت المسلم وقد ذهب به إسلامه ونهض في إسلامه إيمانه إلى أن حمل نفسه من أعباء العبادة ما لم يندبه المشرع إليه تصدقت عليه تبصرنه الحق، وأن من صدقتك عليه أمره بالرفق كنت في ذلك متصدقا، وكذلك إذا رأيت أخاك المسلم قد كشف بسوء تدبيره شيئا من أسرار حاله؛ الصالح له كتمها وسترها، فمددت دليل حلمك وعقلك على ما كشفه خرقه، فسترت ذلك منه كنت متصدقا عليه بصدقة، وعلى ذلك فكل معروف صدقة يقبلها من لا يقبل المال، ويتصرف في مواطن لا يغني كثير المال ما يغني القليل من هذه فيها.
[ ٨ / ٣٢٧ ]
- ٢٥١٢ -
الحديث السابع:
[عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (رحم الله رجلا سمحا، إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)].
* قد سبق في مسند أي مسعود البدري فضل التجاوز والتساهل، ووجه هذا أن المشاحة في البيع والشرى أمارة على البخل، ودليل على الشح ولا سيما مع الإخوان من المسلمين؛ الذين ينبغي إيثارهم بالشيء، وتقتضي المروءة إعطاءهم بلا ثمن، فإذا باعهم بثمن فلا أيسر من أن يقف على أنه سيكون سمحا بائعا، وسمحا مشتريا، وسمحا متقضيا، فإنه إذا استبدل السماحة العسر في كل ذلك دالا من شيمه على أنه ليس (١٢٢/أ) تناله دعوة الرسول - ﷺ -.
- ٢٥١٣ -
الحديث الثامن:
[عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمد الوسيلة والفضيلة،
[ ٨ / ٣٢٨ ]
وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)].
* النداء ها هنا: الأذان، والوسيلة: قد سبق شرحها، والمقام المحمود الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف.
قال ابن مسعود: هو الشفاعة للناس يوم القيامة، وذلك أن هذه الدعوة هو سنها، وعلى لسانه ذكرت، فكل قائل يقولها فثوابها له إلى يوم القيامة، فيكون قول القائل: (اللهم آت محمدا الوسيلة) جزاء لمحمد - ﷺ - وحسن مكافأة.
* وقوله: (آت محمدا الوسيلة) فإن الوسيلة قد روي فيها ما روي، إلا أنها في وضع اللغة: هي التي يدلي بها الطالب، فيكون سؤال الناس لرسول الله - ﷺ - الوسيلة سؤال لنفوسهم؛ فإن الوسيلة والمقام المحمود والدرجة الرفيعة كله ليستنزل ويسأل الصفح عنهم والعفو.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن وقت الأذان قمن بالإجابة.
- ٢٥١٤ -
الحديث التاسع:
[عن جابر، قال: كان النبي - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما
[ ٨ / ٣٢٩ ]
يعلمنا السورة من القرآن، يقول: (إذا هم أحدكم (١٢٢/ب) بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسلك من فضلك العظيم، فإنه تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي أو يسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، قال: ويسمي حاجته].
* في هذا الحديث دليل على طلب الخيرة من الله ﷾ قبل الشروع في الأمر، والاستخارة أن يسأل الله خير الأمرين.
* ومعنى: (فاقدره لي) وقدره وقيضه، وقد علم رسول الله - ﷺ - المستخير أحسن لفظ ينطق به في الاستخارة.
* وقوله: (أستخيرك بعلمك) فيه أن النبي - ﷺ - طلب الخيرة من الله، ثم علق ذلك بعلم الله، وأشار فيما أرى بهذا، إلى قوله: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو
[ ٨ / ٣٣٠ ]
خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾.
فلما كانت عواقب الأمور لا يعلمها العبد، قال: (أستخيرك بعلمك) أي ما تعلم أنت أن عاقبته لي الخيرة مقدما علم الله سبحانه واختياره على حد مبلغ علم آدمي واختياره لنفسه.
* وقوله: (أستقدرك بقدرتك) (١٢٣/أ) فإنه يعني أنه بعد أن سأله أن يختار له سبحانه بمقتضى علمه في عواقب الأمور، أي فقد سألتك أن تقديري على ما يقتضيه علمك في ذلك الأمر ولا تقدرني على ما ليست عاقبته جميلة، أي لا تبسط قدرتي إلا على ما هو الخيرة في علمك.
ثم عقب ذلك بأن قال: (فأسألك من فضلك) أي لما عرفت أن الخيرة بعلمك والقدرة مني بقدرتك حينئذ سألتك من فضلك العظيم، ولما لم يعين عند سؤاله من الفضل جنسا من الفضل، كان هذا الفضل متناول كل جنس من الفضل، ولما كان ذلك راجعا إلى إنعام الله وصفه بأنه عظيم.
ثم قال: (فإنك تقدر ولا أقدر) أي أنت تقدر، وحالي أنا إني لا أقدر، فأما تأخير ذكر العلم وتقديم ذكر القدرة على خلاف أول الكلام، ويجوز أن يكون من أجل أن آخر الكلام الثناء على الله بعلم الغيب، فختم ذلك بما يناسب العلم، ويجوز أن يكون حث بدأ بذكر العلم عند قوله: (أستخيرك بعلمك) حتى يذكر العلم أيضا؛ لأن الاستخارة تتعلق بالعلم، والله أعلم بما أراد رسوله - ﷺ -.
[ ٨ / ٣٣١ ]
* وأما قوله: (إن كنت تعلم أن هذا الأمر حير لي في ديني ومعاشي)، فإنه لم يذكر اسم الدنيا وإنما ذكر اسم المعاش، وذلك أن إصلاح المعاش معونة على العيشة، وعيشة العبد في الدنيا لعبادة ربه، فطلب إصلاح ما يقوم به العبادة عبادة، وكذلك عاجل أمري وآجله.
* وقوله: (فاقدره لي) أي كونه ثم طلب (١٢٣/ب) التيسير والتسهيل في ذلك التكوين.
* وقوله: (فاصرفه عني) يعني اصرفه عني، فلا تطرقه إلي، واصرفني عنه فلا أنظر إليه.
* وقوله: (رضني به) أي إذا قدرت لي الخير، فاحمي قلبي من أن يستزيد بعد أو يرى أنك لم تختر لي الأفضل، ولم يقل صبرني عليه، ولكن قال: (رضني به) أي اجعلني من الراضين فإن مقامه فوق مقام الصبر، فينبغي له إذا صرف عنه الأمر أن لا يتأثر بالصرف، كما أنه ينبغي له إن حصل له أن يكرهه، وهذا طريق واضح على طلب الخيرة، إلا أن الذي أنزله الله تعالى في القرآن أعم وأشمل وهو قوله تعالى: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (٣٩) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب﴾.
فإذا نهض العبد في أمر فإنه يعلم عاقبته من هاتين الاثنين؛ لأنه إن كان دينا علم أن عاقبته السلامة، وإن كان سيئة علم أن عاقبته الندامة، وهذه الأقسام تشمل جميع ما يتحرك العبد فيه. وهذا مما كان الشيخ محمد بن
[ ٨ / ٣٣٢ ]
يحيى ﵀ يقوله.
- ٢٥١٥ -
الحديث العاشر:
[عن جابر، قال: (اصطبح الخمر يوم أحد ناس، ثم قتلوا شهداء)].
* الاصطباح: شرب أول النهار، والخمر إنما حرمت بعد وقعة أحد.
- ٢٥١٦ -
الحديث الحادي عشر:
(١٢٤/أ) [عن جابر، قال: (لما أنزل على رسول الله - ﷺ -: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ قال: (أعوذ بوجهك)، ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ قال: (أعوذ بوجهك)، ﴿أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال: (هاتان أهون أو: أيسر)].
[ ٨ / ٣٣٣ ]
* قد مضى معنى (العوذ) وأنه في لغة العرب: العظم، وكأن المستعيذ بالله يتحصن من وجوه السوء، يحصن المخ في داخل العظم، فلما عظم عند رسول الله - ﷺ - ما نزل من هذه الآية عرف أن هذا حيث نزل به القرآن عليه لا يعيذ منه إلا أجل الأشياء وهو وجه خالقها سبحانه، فقال: (أعوذ بوجهك) فهذه أفضى غايات العوذ لكل مستعيذ.
* فأما قوله: (هاتان أهون) فإنه يشعر بهذا أن هذه العوذة لا ينبغي أن تبذل في كل ما صح احتمال، ولكن إنما يستعاذ بها عند تفاقم الأمر.
* وأما قوله: (من فوقكم) فيجوز أن يكون المكان ويجوز أن يكون المراد به القدرة.
* وقوله: (أعوذ بوجهك) هو على معنى: بعفوك من عقوبتك، إلى أن قال: (أعوذ بك منك)، إلا أن فيه إشارة إلى أن الآفات والمخاوف وكل شيء يحذر إذا كان العائذ منه وجه الله ﷾، تقاصرت المخوفات كلها عن أن تدنوا أو تقارب أو تكون موجودة عند جلاله وعظمته، فإذا قال المستعيذ: أعوذ بوجهك فقد استجاش بما لا تثبت له مخلوقات، فإنه سبحانه لما تجلى للجبل جعله دكا.
* وفي قوله: (أو من تحت (١٢٤/ب) أرجلكم) معنيان:
أحدهما: من تحت الأرض، والثاني: من التحوت أي يأتيكم العذاب
[ ٨ / ٣٣٤ ]
ممن لا قيمة له، ويدل على هذا التأويل أنه لما قال: ﴿أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال: (هاتان أهون)؛ لأن المعنى إن كان عذابا كان بيد الأكفاء والأمناء.
- ٢٥١٧ -
الحديث الثاني عشر:
[عن جابر، قال: (الذي قتل حبيبا ابو سروعة)].
* قد سبق هذا في مسند أبي هريرة ﵁.
- ٢٥١٨ -
الحديث الثالث عشر:
[عن جابر، قال: (شهد بي خالاي العقبة، قال ابن عيينة: أحدهما البراء بن معرور، وفي رواية: أنا وأبي وخالي من أهل العقبة)].
* في هذا الحديث جواز إخبار الرجل عن مناقب أهله؛ ليكون في ذلك ذاكرا
[ ٨ / ٣٣٥ ]
من مناقبهم ما يجعله طريقا إلى قول روايتهم فيما يرونه وحسن اتباعهم فيما يعتمدونه؛ وليكون أيضا ذاكرا ما يأمن معه المتأخرون الألباس من تشبه غيرهم فيه بهم؛ ولأن ذكر ذلك تذكير للنعم وتحدث بها، وذلك من الشكر.
- ٢٥١٩ -
الحديث الرابع عشر:
[عن جابر: (أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله - ﷺ - ليشفع إليه، فجاءه رسول الله - ﷺ -، فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخلة بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله - ﷺ - النحل، فمشى فيها، ثم قال لجابر: (جد له (١٢٥/أ) فأوف الذي له) فجده بعدما رجع رسول الله - ﷺ -، فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضل له سبعة عشر وسقا، فجاء جابر رسول الله - ﷺ - ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، قال: (أخبر بذلك ابن الخطاب)، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله - ﷺ - ليباركن فيها).
وفي رواية عن جابر: (توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له، فقال: إذا جددته فوضعته في المربد آذني؛ فلما جددته فوضعته في المربد، آذنت رسول الله - ﷺ -، فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه ودعا بالبركة فيه، ثم قال: ادع غرماءك فأوفهم، فما تركت أحدا له دين على أبي إلا قضيته، وفضل ثلاثة عشر وسقا، سبعة عجوة، وستة لون - أو ستة عجوة
[ ٨ / ٣٣٦ ]
وسبعة لون - فوافيت رسول الله - ﷺ - المغرب، وذكرت له ذلك فضحك، وقال: ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما فقالا: قد علمنا إذ صنع رسول الله - ﷺ - ما صنع أن سيكون).
وفي رواية: (توفي عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دين، فاستعنت بالنبي - ﷺ - في غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب إليهم، فلم يفعلوا، فقال النبي - ﷺ -: اذهب فصنف تمرك أصنافا: العجوة على حدة، وعذق زند (١٢٥/ب) على حدة، ثم أرسل إلي، ففعلت، ثم أرسلت إليه فجلس على أعلاه، أو في وسطه، ثم قال: كل للقوم، فكلت لهم حتى أوفيتهم الذي لهم، وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء).
وفي رواية: (فما زال يكيل لهم حتى أدى).
وفي رواية: (أصيب عبد الله وترك عيالا ودينا، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضا، فأبوا، فأتيت النبي - ﷺ - فاستشفعت به عليهم، فأبوا، فقال: صنف تمرك، كل شيء على حدة، ثم أحضرهم حتى آتيك، ففعلت، ثم جاء فقعد عليه، وكال لكل رجل حتى استوفى، وبقي التمر كما هو كأنه لم يمس، وغزوت مع النبي - ﷺ - على ناضح لنا، فأزحف الجمل فتخلف علي، فوكزه، ثم ذكر نحو ما تقدم من أمر الجمل، وبيعه وسؤاله عما تزوج وجوابه، وإتيانه أهله، ولوم خاله له، وفي آخره: فلما قدم النبي - ﷺ - غدوت إليه بالجمل، فأعطاني ثمن الجمل والجمل، وسهم مع القوم).
وفي رواية عن جابر: (أن أباه استشهد يوم أحد، وترك ست بنات، وترك عليه دينا، فلما حض جداد النخل أتيت، فقلت: يا رسول الله، قد علمت
[ ٨ / ٣٣٧ ]
أن والدي استشهد يوم أحد وترك دينا كثيرا، وأحب أن يراك الغرماء، قال: (اذهب فبيدر كل تمر على ناحية) ففعلت، ثم دعوته، فلما رأوه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: (ادع أصحابك)، فما زال الكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راض أن يؤدي الله (١٢٦/أ) أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم الله البيادر كلها، حتى إني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله - ﷺ - كأنه لم ينقص منه تمرة واحدة).
وفي رواية: (أن أباه توفي وعليه دين، قال: فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: إن أبي ترك عليه دينا، وليس عندي إلا ما يخرج نخله؛ ولا يبلغ ما يخرج سنتين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر، فدعا، ثم أخر، ثم جلس عليه، ثم قال: تمزعوه، فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم).
وفي رواية: (أن أباه قتل يوم أحد شهيدا، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبي - ﷺ - فكلمته، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي، ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم رسول الله - ﷺ - حائطي، ولم يكسره لهم، ولكن قال: سأغدو عليك، فغدا علينا حين أصبح، وطاف في النخل، ودعا في تمرها بالبركة، فجددتها فقضيتهم حقوقهم، وبقي لنا من تمرنا بقية، ثم جئت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بذلك، فقال رسول الله - ﷺ - لعمر وهو جالس: اسمع يا عمر، فقال عمر: ألا يكون قد علمنا انك لرسول الله، والله إنك لرسول الله)].
[ ٨ / ٣٣٨ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أنه قد يكون على الرجل الصالح الدين ويبقى إلى أن يموت.
* وفي أيضا جواز الانتظار للغريم.
* وفيه جواز التكليم لصاحب الدين في حق الغريمة.
* وفيه دليل على حرمان الكافر (١٢٦/ب) البركة لسوء مخالفته رسول الله - ﷺ -.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - لما لوم اليهودي ولم يحترم خطاب رسول الله - ﷺ -، التمس رسول الله - ﷺ - الفضل من ربه لجابر، فوفى اليهودي وأسقط منته عن رسول الله - ﷺ - ولم يجعل له عنده يدا، وأفضل لجابر فضلة لم يكن يأملها، وأما فضل سبعة عشر وسقا فكان سبعة عشر تزيد على نصف الثلاثين، وثلاثة عشر ينقص عن النصف باثنين، فلما كانت الفضلة زائدة عن النصف باثنين أو ناقصة باثنين، أراد الله أن يكشف في هذا أن الزيادة كانت عن بركة أوجدها عن مشي رسول الله - ﷺ - في الحائط، إذ مثل هذه الزيادة التي هي النصف من
[ ٨ / ٣٣٩ ]
الأصل زائدا وناقصا لا يخفى مثلها؛ إن لو كانت قبل ذلك فلم يكن اليهودي يمنع من أخذ ذلك بدينه، وهو ثلاثون وسقا حتى كشف الله سبحانه ذلك.
* وقوله: (أعلم عمر)، وفي رواية (أئت أبا بكر وعمر) فإنه يدل على أن المؤمن وإن كان صديقا فإنه تزيده دواعي ودلائل الحق إيمانا فوق إيمانه، وخيرا على خير لقوله: (أعلم أبا بكر وعمر ﵄) ليزدادا بذلك من الإيمان وليسرهما بذلك - ﷺ -.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - احتفل بشأن جابر حتى جاء بنفسه بيدرة.
* وفيه أن رسول الله صلى الله عليه (١٢٧/أ) وسلم قال له: (صنف تمرك) أي بينه، فكأنه - ﷺ - أمره بالكشف ونزهه عن الغش، فلما أتى بالصدق ووفى لإيمانه، وفى الله ﷿ عنه دين أبيه، وفضلت له فضلة.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - لم يقل له أعلم بذلك الناس كافة؛ ولكن كانت هذه الآية مفهومة بدركها ذوو الألباب تخص بها رسول الله - ﷺ - خيار المؤمنين مثل أبي بكر وعمر ﵄، وهذه حالة يفهمها ذوو الألباب والأصفياء.
- ٢٥٢٠ -
الحديث الخامس عشر:
[عن جابر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها)].
[ ٨ / ٣٤٠ ]
* قد سبق في مسند أبي هريرة، ووجه الحكمة في ذلك الحذر من قطع القرابة والرحم.
- ٢٥٢١ -
الحديث السادس عشر:
[عن جابر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الظروف، فقالت الأنصار: لا بد لنا منها، قال: فلا إذا)].
* قد سبق البيان بأنه إنما نهى عن الظروف لخوف الاشتداد فيها، ثم أطلق المنع لكل مشتد فلم يبق للظروف حكمه.
- ٢٥٢٢ -
الحديث السابع عشر:
[عن جابر، قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا)].
* المراد بالصعود: العلو على المكان المرتفع، والتكبير يناسب الصعود فيكون المعنى أنه أكبر من كل عظيم، فإذا نزل سبح (١٢٧/ب) فنزه الله عن كل
[ ٨ / ٣٤١ ]
نقص.
- ٢٥٢٣ -
الحديث الثامن عشر:
[عن جابر، قال: (جاءت ملائكة إلى النبي - ﷺ - وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مائدة، وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المائدة، فقالوا: أولوها يفقهها، فقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فالدار الجنة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله، ومن عصى محمد فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس).
وفي رواية: خرج علينا النبي - ﷺ - فقال: (إني رأيت في المنام كأن جبري عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا الحديث)].
* في هذا الحديث أن الراوي قد ذكر هذه الحال تارة عن النبي - ﷺ -، وتارة بصيغة نطقه؛ فيعدل إلى صيغة نطق رسول الله - ﷺ - وهو قوله: (كأن جبريل عند رأسي) فإنه يفضي على تقديم جبريل على ميكائيل، وكذلك قدمه الله
[ ٨ / ٣٤٢ ]
﷿ في قوله: ﴿وجبريل وميكال﴾.
وهذا الإتيان من جبريل في منام رسول الله - ﷺ - مع كونه كان إيتائه إياه صلى الله (١٢٨/أ) عليه وسلم دالة في اليقظة.
فالذي أراه في ذلك أنه جاءه مناما هو وميكائيل بإيتائه يضرب هذا المثل؛ فإن هذا مثل متصور من اثنين ولو قد جاء يقظة لكانت الرسالة شركة بين جبريل وميكائيل، وقد كان جبريل مخصوصا بالرسالة في اليقظة، فلما كانت حاله منام نزل مع جبريل غيره.
* وإنما ضرب الله هذا مثلا لأنه أراد به ذكر الآخرة، فالناس في الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا، والمراد أن هذه الدار التي بناها الله لخلقه فنصب فيها مائدة، وأن الداعي إليها رسول الله - ﷺ -، إلا أنه لم يذكر في هذا الحديث أن الله خلق نارا، وجعل البذارة محذرة منها؛ لأنه قد تقدم قولنا إن النار إنما خلقت كرامة لأهل الجنة؛ لأنه لولا وجود العذاب ما حلت النعمة ولا انتصر مظلوم فاشتفى قلبه.
* أما قول الملائكة: (العين نائمة، والقلب يقظان) فإنه الحق، وفيه دليل على أن غيره - ﷺ - ينام قلبه على إثر نوم عينه، فامتاز هو بأن قلبه لا ينام إذا نامت عيناه.
وأما كونه عنى بالدار الجنة، فإن الله تعالى لما بنى الجنة على بناء لم يكن يستغرق وصفه القول أحب ﷻ أن تراها عباده، وأن يدعو إليها
[ ٨ / ٣٤٣ ]
أولياءه، لينظروا ما أعد ﷻ فيها، فأرسل داعيا هو رسول الله - ﷺ -، وأنزل على لسانه ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ (١٢٨/ب)، فمن أجاب هذا الداعي إلى تلك الدار فقد أمده الله بتوفيقه، وناهيك من دار الله ﷿ بانيها، والدالي إليها محمد - ﷺ -.
* وأما قوله: (فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله)؛ لأن محمد - ﷺ - ليس له إرادة غير ما كان لله، وأيضا فإن الله أمر بطاعة رسوله فمن أطاع رسول الله - ﷺ - أطاع الله، وكذلك من عصى رسوله فقد عصاه.
* وقوله: (محمد فرق ين الناس) أي يفرق بين الكافر من المسلم والطائع من العاصي؛ فهو فرق بين الناس.
- ٢٥٢٤ -
الحديث التاسع عشر:
[عن جابر، قال: (كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب ثم يقول: (أيهم أكثر أخذا للقرآن؟) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم)].
* أما تقديم أكثرهم قراءة؛ فلأنه جعله كالإمام للآخر، والحديث: (يؤم
[ ٨ / ٣٤٤ ]
القوم أقرأهم)، وما فعله رسول الله - ﷺ - من تكفين الرجل في الثوب الواحد، يدل على جواز مثل ذلك في مثل تلك الحال من ضيق الأماكن وقلة الأكفان؛ كما كان مقتضى ذلك في تلك الحال، ويكون ما جرى من فعل رسول الله - ﷺ - ذلك تعويلا على قدرة الله من اتصال النعم ولقاء الحور إلى كل شخص وحده بخلاف ما تقدم من نقل جابر (١٢٩/أ) فإنه فعل ما في وسعه من نقل أبيه.
* وأما قوله: (أنا شهيد) فالمعنى أنا شهيد فعيل معنى فاعل شاهد. والذي أراه أنه دل بهذا الكلام على أن الشهداء في وقته وبحضرته فوق الشهداء بعد ذلك. فقوله: (أنا شهيد على هؤلاء) أي إنهم قتلوا بين يدي في سبيل الله، في موطن أنا شاهده تكريما لهم وتفضيلا.
* وأما ترك الغسل فلوجهين:
أحدهما: أن الشهيد إنما استشهد في مواطن يضيف مثلها عن الغسل وشغل الأحياء بذلك عما هو أهم إليهم من ناصعة العدو.
الثاني: أن كلومهم تأتي يوم القيامة على هيئتا، فإذا غسل الدم عنها، كان ذلك على نحو إزالة الحلية عن العروس.
* وأما الصلاة عليهم فإن الصلاة على الميت مشروعة في الميت، والشهيد
[ ٨ / ٣٤٥ ]
فحاله أرفع من أن يشفع فيه غيره، فهذا يخبرك أن الله رفع منزلة الشهداء أن يحضر من ليس بشهيد، فيقول: جئنا شفعاء فيه؛ فإن لسان حاله يناديه أن الواحد من قد شفع في الأمة منكم ما من ليس بشهيد.
- ٢٥٢٥ -
الحديث العشرون:
[عن جابر، قال: (كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري إلى الجداد، وكانت لجابر الأرض التي بطريق الرومة، فحبست الفحل عاما، فجاءني اليهودي عند الجداد، ولم أجد منها شيئا، فجعلت أستنظره إلى قابل، فأبى، فأخبر بذلك النبي - ﷺ -، فقال لأصحابه: (امشوا، نستنظر لجابر من اليهودي) فجاؤوني في (١٢٩/ب) نخلي، فجعل النبي - ﷺ - يكلم اليهودي فيقول: أبا القاسم لا أنظره، فلما رآه النبي - ﷺ - قام فطاف في النخل، ثم جاءه فكلمه؛ فأبى، فقمت فجئت بقليل رطب، فوضعته بين يدي النبي - ﷺ -، فأكل، ثم قال: (أين عريشك يا جابر؟) فأخبرته، قال: (افرش لي فيه) ففرشته فدخل فيه فرقد، ثم استيقظ، فجئته بقبضة أخرى، فأكل منها، ثم قام فكلم اليهودي، فأبى عليه فقام الرطاب والنخل الثانية، ثم قال: (يا جابر جد واقض) فوقف في الحداد، فجددت منها ما قضيته، وفضل لي مثله، فخرجت حتى جئت النبي - ﷺ - فبشرته، فقال: (أشهد أني رسول الله)].
[ ٨ / ٣٤٦ ]
* قد سبق هذا الحديث قبل ستة أحاديث.
* وقوله: (فحبست الفحل عاما واحدا) يعني النخل أي تأخرت عن قبول الآبار، ولم يؤثر فيها التأثير الكامل، فلم يستكمل حملها.
* وقوله: (اين عريشك؟)، العريش: مثل الخيمة يعمل يعمل خشبا أو من قصب وحشيش ونحو ذلك يستظل به.
* وقول النبي - ﷺ -: (أشهد أني رسول الله) يشير إلى كل مسلم أن الله تعالى إذا أوجد له نعمة أو أظهر له كرامة، فإنه ليست باتفاق ولا عن مصادفة؛ بل إن الله ﷿ أظهر له ذلك ليزداد به إيمانه؛ فإن رسول الله - ﷺ - على كونه رسول الله - ﷺ - لما رأى هذه البركة قال: (أشهد أني رسول الله) فكان هذا مما بقي (١٣٠/أ) سنة إلى يوم القيامة للمسلمين؛ أنهم إذا رأوا شيئا من ذلك أيقنوا أنه من الله، يجدد إيمانهم.
- ٢٥٢٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن جابر، قال: (كان جذع يقوم إليه النبي - ﷺ -، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي - ﷺ - فوضع يده عليه).
وفي رواية: (كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي - ﷺ -
[ ٨ / ٣٤٧ ]
إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر، فكان عليه سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي - ﷺ - فوضع يده عليه فسكن).
وفي رواية: (أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله: ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا، قال: (إن شئت)، قال: فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي - ﷺ - على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق).
وفي رواية: (فصاحت النحلة صياح الصبي، فنزل النبي - ﷺ - حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت، حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر، وفي مسند انس، وتكلمنا عليه، وأشير إليه فأقول: إن حنين الجذع الذي سمعه أصحاب رسول الله - ﷺ - على كونه كان آية صادعة (١٣٠/ب) وبينة ظاهرة على نبوته - ﷺ -؛ فإنه فيه تنبيه لأصحابه على زيادة حبهم له، وحنينهم لفراقه واستيحاشهم لتخلفهم
[ ٨ / ٣٤٨ ]
ساعة واحدة عن صحبته، وما كان رسول الله - ﷺ - يطلب وقت التذكير عن الجذع، كان الجذع موطئا يطلب منه ويعرف به حالة التذكير، فكان ذلك الدولة للجذع، فلما رأى الجذع أن دولته قد تغيرت بانتقال رسول الله - ﷺ - إلى المنبر حن.
- ٢٥٢٧ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن جابر، (أن النبي - ﷺ - دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم النبي - ﷺ - على صاحبه فرد الرجل، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وهي ساعة حارة، وهو يحول في حائط له، يعني الماء، فقال النبي - ﷺ -: (إن كان عندك ماء بات في شنة، وإلا كرعنا) فقال الرجل: يا رسول الله عندي ماء بارد، فانطلق إلى العريش، فسكب في قدح ماء، ثم حلب عليه من داجن له، ثم شرب النبي - ﷺ -، ثم أعاد فشرب الرجل الذي جاء معه)].
* في هذا الحديث ما يدل على إيثار الماء البارد بقوله: (إن كان عندك ماء بات في شنة، وإلا كرعنا) يعني إن لم يجد البارد شربنا من الحار، وذلك أن الماء البارد أفضل إذا وجد؛ لأنه فيه من صالح البدن أنه يجزئ منه القليل، فالشربة من الماء البارد (١٣١/أ) التي يشربها الرجلان لو قد كانت من غير الماء
[ ٨ / ٣٤٩ ]
البارد لشربها الواحد، وأيضا فإن الماء البارد ينزل على المعدة فيجمعها فيستولي على ما فيها من الطعام فيهضمه، والماء السخن يرخي المعدة فلا تشتمل على ما فيها من الغذاء.
* فأما قوله: (إن كان ماء بات في شنة) فإن تبيت الماء في الشنة مع كونه يبرد له ذلك فإنه يصفيه من ريقه.
* وقوله: (فإن لم يكن عنده وإلا كرعنا) ولم يقل مصصنا؛ فإن المص يكون للماء البارد الذي كلما مصه قليلا قليلا نزل فعمل عمله؛ فأما الماء الحار فليس كذلك.
- ٢٥٢٨ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن جابر، قال: (كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم عيد خالف الطريق)].
* قد سبق هذا في مسند أبي هريرة، وتكلمنا عليه.
[ ٨ / ٣٥٠ ]
- ٢٥٢٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن سعيد بن الحارث، أنه سأل جابرا عن الوضوء مما مست النار؟ فقال: (لا، قد كنا زمن النبي - ﷺ - لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا كفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ)].
* هذا الحديث عليه العمل؛ وأنه لا يتوضأ مما مست النار.
* * *
أفراد مسلم
- ٢٥٣٠ -
الحديث الأول:
[عن أبي جعفر، عن جابر أنه سأله: متى كان رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة؟، قال: (كان يصلي، ثم نذهب (١٣١/ب) جمالنا فنزيحها حين تزول الشمس، يعني الناضح)].
* هذا الحديث يدل على التبكير لصلة الجمعة في أول وقتها.
[ ٨ / ٣٥١ ]
- ٢٥٣١ -
الحديث الثاني:
[عن جابر، قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب: احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين؛ ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي).
وفي رواية: (كانت خطبة النبي - ﷺ - يوم الجمعة بحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - يخطب الناس: بحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)].
* في هذا الحديث ما يدل على جواز تهيؤ الرجل للقول الذي يناسب فيه بين قوله وحاله، فإن رسول الله - ﷺ - كان إذا خطب علا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش، وذلك لأن القول أصل وضعه (١٣٢/أ) إرادة إفهام السامع ما
[ ٨ / ٣٥٢ ]
يكون في قلب الناطق، فإذا كان القول مما شأنه الجد لم يناسب ذلك أن يكون في صورته نوع إهمال ولا فتور، كما أنه إذا شرع في نطق بمقتضى التدقيق والتلطيف لم يناسب ذلك أن يكون صورته على حالة غضب ولا دفع صوت فذلك يكون في الحالين زيادة إفهام للمعنيين.
* وفيه أن الواعظ والمحدث إذا أتى من صورته وحاله بما يتكلفه ليفهم السامعين؛ لم يكن ذلك رياء.
* وقوله: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) الحديث، وهذا يدل على ما ذكرنا في مسند أبي هريرة، أي إن قضاه في الفيء.
* وقوله: (خير الحديث) يعني القول كتاب الله، وخير الهدي: هدي محمد، والهدي: السمت والدال، ويعني بهذا أنه من ذهب في سمته وداله ولبسته ومشيته إلى غير ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، فإن الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - هو الحق.
* وقوله: (وشر الأمور محدثاتها) يعني كل ما أحدث بعده في كل شيء إذا كان مخالفا لما شرعه - ﷺ -. وكذلك قوله: (كل بدعة ضلالة) إذا كانت مخالفة أيضا، وأصل البدعة من حيث الاشتقاق: الانفراد، فصاحبها ينفرد بها من جهة أنه ابتدأها، ومنه قوله: أبدع بي أي أفردت، فلما لم يرها المسلمون حسنة، كانت ضلالة.
* وقوله: (أنا والساعة (١٣٢/ب) كهاتين) يعني ليس بيننا شيء إلى الساعة، فأما تزول وتنتهي؛ فإنه يدعو إلى محمد - ﷺ -.
[ ٨ / ٣٥٣ ]
- ٢٥٣٢ -
الحديث الثالث:
[عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام؟ فقال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة).
وفي رواية: (فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيها فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر)].
* في هذا الحديث جواز إفطار المسافر بعد أن نوى الصيام، والفطر له أفضل من الصوم؛ والصوم جائز.
* وقد سبق ما يدل على ما قلنا في مسند أنس، سبق نحو حديث جابر في مسند ابن عباس.
* فأما قوله: (أولئك العصاة) فلأنه إذا أمر أمرا يجب امتثاله، وتارة يأمر بمقاله، وتارة يأمر بفعاله، فلما أفطر كان أمرا بلسان الحال قاصدا بذلك الرخصة؛ ليقوى بالفطر على ما نهض له من الجهاد، فلما حمل أقواما بتطلعهم على أن يرغبوا عن فعله كانوا على غاية الغلط؛ لأنهم إن ظنوا أن
[ ٨ / ٣٥٤ ]
صومهم أفضل من فطر رسول الله - ﷺ - فحسبك بهذا خطأ ونقصان فهم، وإن كانوا لم يعلموا أن فطرهم أقوى لهم على الجهاد فإنه سوء فهم أيضا (١٣٣/أ)، وكذلك كل من شرع في تعبد يخالف أمر الشرع، فلذلك سموا عصاة من حيث إن فعلهم ذلك؛ تجاوزوا فيه الشرع ولم يلينوا لقبوله.
- ٢٥٣٣ -
الحديث الرابع:
[عن جابر، في حديث أسماء بنت عميس، حين نفست بذي الحليفة: (أن رسول الله - ﷺ - أمر أبا بكر ﵁ فأمرها أن تغتسل وتهل)].
* فيه دليل على أن الغسل يخفف من الحدث، ويناسب لبس النظيف من الثياب.
- ٢٥٣٤ -
الحديث الخامس:
[عن محمد بن علي، قال: (دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع يده بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك، يا ابن أخ!، سل عما شئت، فسألته، وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها كلما وضعها على
[ ٨ / ٣٥٥ ]
منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب.
فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله - ﷺ -، فعقد بيده تسعا، فقال: إن رسول الله - ﷺ - مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن رسول الله - ﷺ - حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - ﷺ -، ويعمل مثل عمله.
فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، (١٣٣/ب) فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ -: كيف أصنع؟، قال: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).
فصلى رسول الله - ﷺ - في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يزد عليهم رسول الله - ﷺ - شيئا منه، ولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾،
[ ٨ / ٣٥٦ ]
فجعله المقام بينه وبين البيت فكأن أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي - ﷺ - وكان يقرأ في الركعتين ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾.
ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ (أبدأ بما بدأ الله به)، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت (١٢٤/أ) فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة).
فقال سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: (دخلت العمرة في الحج) مرتين، (لا؛ بل لأبد الأبد).
وقدم علي ﵁ من اليمن ببدن النبي - ﷺ -، فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى
[ ٨ / ٣٥٧ ]
رسول الله - ﷺ - محرشا على فاطمة؛ للذي صنعت، مستفتيا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكر عليها، فقال: (صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟) قال: قلت: اللهم، إني أهل بما أهل به رسولك، قال: (فإن معي الهدي فلا تحل).
قال: فكان جماعة الهدي الذي (١٣٤/ب) قدم به علي ﵁ من اليمن؛ والذي أتى به النبي - ﷺ - مائة، فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله - ﷺ -، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله - ﷺ - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية.
فأجاز رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، وقال:
(إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،
[ ٨ / ٣٥٨ ]
ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن علكم رزقهن (١٣٥/أ) وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، قال باصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات).
ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله - ﷺ - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص.
وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله - ﷺ -، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا، حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا.
ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا.
فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله - ﷺ - مرت به ظعن يجرين،
[ ٨ / ٣٥٩ ]
فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله - ﷺ - يده على (١٣٥/ب) وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله - ﷺ - يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، حتى الخذق رمى من بطن الوادي.
ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا ﵁ فنحر ما غبر وأشركه في هديه من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله - ﷺ - فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتي بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: (انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) فناولوه دلوا فشرب منه.
وفي رواية: (وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري، فلما أجاز رسول الله - ﷺ - من المزدلفة بالمشعر الحرام، لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثم، فأجاز ولم يعرض له، حتى أتى عرفات فنزل).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قال: (نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت (١٣٦/أ) ها هنا، وجمع كلها موقف).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعا).
[ ٨ / ٣٦٠ ]
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - رمل الثلاثة الأطواف من الحجر إلى الحجر الأسود).
وفي رواية: (رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف)].
* في هذا الحديث دليل على أنه يستحب للرجل إذا دخل عليه قوم أن يتعرفهم، فإن كان ذا بصر فيبصره، ويسأل عن من لم يعرفه ليعرف، وإن كان ضريرا يسأل عنهم؛ ليعطي كل إنسان من التفاته وقربه وحديثه ما يستحقه؛ لأن حال كل إنسان تطالبه بمبلغها من القول القرب والخطاب، ولهذا لما عرف جابر، محمد بن علي احتفل به وأكرمه.
* فأما مد يده إليه وحل إزاره فذلك ليبسطه، فإن الإنسان إذا دخل بيت نفسه حل إزاره، فأراد جابر أن يعرفه أنك في مثل منزلك، وإنما وضع يده على صدره ليؤنسه ويبسطه ليسأل عما بدا له من غير احتشام؛ ولأنه أراد أن يمر يده التي جاهد بها في سبيل الله، وصافح بها رسول الله - ﷺ - على صدره ليكرمه بذلك.
* وقوله: (فقام في نساجة) وهي ضرب من الملاحف المنسوجة، والمشجب: أعواد مركبة يوضع عليها الرحل والثياب، وهذا يدل على أنه يعد رداءه للخروج إلى الناس.
* وانظر إلى توفيق الله هؤلاء الجماعة الذين حضروا عند جابر، كيف
[ ٨ / ٣٦١ ]
حضروا عنده (١٣٦/ب) وقت صلاة، ليكون جامعا لهم مايحدثموه وبين صلاته ليقتدوا به؛ لأنه صاحب رسول الله - ﷺ -.
* وأما قوله: (من صغرها) فإنه يعني أنه إذا تركها على منكبه وأدارها من تحت يده لم يكن طولها بحيث يتمكن من وصولها إلى ظهره وصولا مسترسلا بمنعها من أن تعود.
* وقوله: (فعقد بيده تسعا) أي مضت تسع سنين من الهجرة، وهذا لم يسله عنه السائل، ولكنه من حسن فهم المسئول؛ أنه إذا سئل عن شيء أتى به وبأطرافه التي يمكن فيها الخبر، يوسع فيها نطق القول.
* وفيه دليل على جواز العقد بالأصابع في الحساب، وظاهر هذا الحديث يدل على أن الحج فرض عليه في السنة التاسعة، وأنذر الناس بالحج في السنة العاشرة، وقد يحتج بهذا من يرى وجوب الحج على التراخي وهو الأشبه.
* وفيه أيضا حرص المؤمنين على الائتمام برسول الله - ﷺ - والتعلم منه مناسك الحج وأركانه وواجباته ومسنونناته نظرا لفعله إذ هو أثبت في القلب من حفظه عن النطق.
* وفيه جواز خروج الحامل المقرب إلى الحج؛ لقوله: (فولدت أسماء محمد ابن أبي بكر).
* وفيه أن النفساء إذا أرادت الإحرام اغتسلت؛ ليناسب الشطف ما يلبسه من ثياب إحرامها، وتفعل ما يفعله المحرم من التلبية واجتناب ما يجتنبه.
* (١٣٧/أ) وفيه أن المرأة إذا نفست وهي محرمة، فالاحتياط لها في خيطها أشد من غير المحرمة لقوله: (استثفري بثوب)، وقوله: (فصلي في المسجد) يدل على أنه ابتدأ الصلاة قبل الإحرام.
[ ٨ / ٣٦٢ ]
* وقوله: (أهل بالتوحيد راكبا) الظاهر أن المراد بالتوحيد توحيد الله ﷿؛ لأنه لو أراد إفراد الحج لقال: الإفراد ..
* وفيه أن التلبية إذا ذكر فيها توحيد الله ﷿ نحو قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ونحو ذلك؛ فإن ذلك جائز لقوله: (وأهل الناس بهذا الذي يهلون) وقد ذكر أن رسول الله - ﷺ - لم يرد عليهم شيئا منه.
* وقوله: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة) يعني أن أفردنا الحج.
* وقوله: (استلم الركن) أي مسحه بيده.
* وقوله: (فرمل ثلاثا) أي أسرع، والرمل من الشعر ما يقارن أجزاؤه.
* وقوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) يدل على أن الصلاة هناك بعد الطواف.
* وفيه دليل على أنه قد قدم وأخر في قوله: فقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فإنه إنما كان يقدم ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وقرأ هاتين السورتين في الصلاة على معنى قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ فإن التبرء من الكفر على معنى التبرء من الطاغوت، وسورة الإخلاص على معنى الإيمان بالله، فأما استلامه ثانيا؛ فإن المستحب أن لا يمر بالحجر إلا ويستلمه.
* فأما قوله: (أبدأ بما بدأ الله (١٣٧/ب) به) فإن الله بدأ بالصفا قبل ذكر المروة، وأرى فيه أنه إذا خرج عن مقام إبراهيم قاصدا إلى الصفا كانت الكعبة عن يمينه ولو قصد المروة أولا فجعل الكعبة عن يساره.
[ ٨ / ٣٦٣ ]
* وقوله: (فرقى عليه حتى رأى البيت) هذا يدل على أن رؤية البيت عبادة.
* فأما قوله: (لا إله إلا الله) فقد سبق تفسير الكلمات كلها.
* وقوله: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة). فقد أبان بهذا أنه انكشف له في ثاني الأمر ما لم يكن ما رآه الأولى، وذكر - ﷺ - مشعرا بذكره للناس هذه الحال، لئلا يحجم أحد عن فعل الصواب إذا استبان له من ثاني الحال، وقد كان خفى عليه في أولها.
* وقوله: (دخلت العمرة في الحج) قد سبق تفسيره في مسند ابن عباس.
* وقوله: (وقدم علي ﵁ من اليمن ببدن رسول الله - ﷺ -) يعني بهديه الذي ساقه في ذلك العام.
* وقوله: (وكانت فاطمة ﵍ مما حل) يعني أنها نزعت الإحرام من أجل أنها جعلته عمرة، والثياب الصبيغ: المصبوغة، وفي هذا ما يدل على فسخ الحج إلى العمرة، وإنكار علي على فاطمة ﵄ لما رآها قد فسخت الحج إلى العمرة فأنكر ذلك على مقدار ما وصل إليه.
فلما قالت له: إن أبي أمرني بذلك، تعني قوله - ﷺ -: (من لم يكن معه هدي فليحل) يعني أنه أمر بأمر عام كنت فيمن دخل فيه، فمضى علي ﵁ محرشا عليها، والتحريش الإغراء، ولا أراه (١٣٨/أ) ذهب إلى النبي - ﷺ - شكا في خبرها، بل لم يرض أخذها بأمر عام للناس مع قدرتها من قرب رسول الله - ﷺ - على الاستثياب، وقول رسول الله - ﷺ -: (صدقت صدقت)
[ ٨ / ٣٦٤ ]
أي أني أمرت بأمر دخلت فيه هي وغيرها.
* وقوله: (إني أهل بما أهل به رسول الله - ﷺ -) فيه دليل على أنه علق إحرامه على إحرام رسول الله - ﷺ -، وأن رسول الله - ﷺ - أمضى له ذلك.
* قوله: (أمر بقبة من شعر) فيه جواز دخول المحرم القبة، وفيه أن رسول الله - ﷺ - لم يعتمد ما كانت الجاهلية تعتمده من وقوفها في الحرم؛ بل خرج إلى عرفة.
* وقوله: (إن دماءكم حرام) قد مضى تفسيره، وأما وضع رسول الله - ﷺ - دماء الجاهلية؛ لأنها دما نفوس مشركة لا دية ولا قود فوضعها رسول الله - ﷺ - لئلا يثير شرا بين المسملين.
* وقوله: (إن أول دم أضع دم ابن ربيعة) وربيعة هو ابن عم رسول الله - ﷺ -، وهو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقد شهد ربيعة مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة والطائف وثبت معه يوم حنين.
أما ابن ربيعة فاختلفوا في اسمه على ثلاثة أقوال:
أحدها: إياس، والثاني: تمام، والثالث: آدم، وكان هذا الولد قد استرضع في هذيل، فقتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم، كان يحبو أمام البيوت فرضخوا رأسه (١٣٨/ب) فأهدر رسول الله - ﷺ - دمه، وأسقط الربا، وابتدأ بربا العباس وأراد أني إنما أبدأ باستعمال ما أمرت به في أهلي، فأضع دم ابن عمي وربا عمي.
* وقوله: (بأمان الله) أي بعهده، وهذا لأن المرأة عند الرجل أمانة، فنفس
[ ٨ / ٣٦٥ ]
تسليمها إليه نفسها مقتض أنه قد أمنها من جوره وظلمه؛ لأنها رحلت من نصارها وحماتها إلى عقوة زوجها، وتوارت عنده بالخدر أو السجوف، يفعل بها ما يشاء، ويسير بها كيف يشاء، فلذلك كانت عنده بأمان الله.
* وقوله: (استحللتم فروجهن بكلمة الله) يعني بالكلمة نفس العقد الذي تنشأ من كلمتي إيجاب وقبول من الولي والزوج، فلما أوصى بهن ذكر ما عليهن فقال: (أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه) وذلك أنه لما كانت العادة في العرب أن النساء يأذن للرجال، فأراد لا يدخلوا بيوتكم من تكرهونه ولا ينصرف هذا إلى الزنا؛ فإنه لم يكن ليقنع في جوابه بضرب غير مبرح وهو وإن لم ينصرف إلى الزنا، فهو يعرف قدر عظم الزنا؛ لأنه إذا نهين عن إدخال رجل يكره دخوله؛ فما ظنك بما وراء ذلك.
* وقوله: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) على قدر الحال الذي ينفق فيها ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله.
* وقوله: (تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به) يدل على أن كتاب الله سبب الهدى؛ فمن تمسك به لم يضل.
* (١٣٩/أ) ومن كتاب الله قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، فالتمسك بكتاب الله يوجب التمسك بكل ما صح عن رسول الله - ﷺ -.
* وقوله: (إنكم تسألون عني فماذا تقولون؟) ففهموا من قوله ما يريد بقوله ماذا يقولون؟ يعني أيقولون: إني بلغتكم ما أرسلت به، فأجابوه: إنا نقول: بلغت وأديت، فأشار بيده إلى السماء بذلك على أن ربهم هو الأعلى.
[ ٨ / ٣٦٦ ]
* قوله: (وينكبها إلى الناس) أي يميلها إليهم، يشهد الله عليهم، وقد كان تيقين أن الله قد سمع وشهد، وإنما أراد أن يعلمهم أنه قد استحفظ الله سبحانه تلك الشهادة واستودعه إياها، وإنما ذكر رسول الله - ﷺ - هذه الوصايا في خطبته يوم العيد، مغتنما اجتماع الخلق وحضور الناس، فذكر فيها كل أمر يتعلق بعموم الناس، ليذهب به سامع إلى قومه فينشر ذلك عنه - ﷺ - في سائر الآفاق.
* وفي الحديث أن وقت الدفع عن عرفات بعد غروب الشمس، وذلك لأنه بغروب الشمس يستكمل اليوم كله في الحج؛ فإذا دفع الناس من عرفات قبل أن يكملوا يومهم؛ كان ذلك قادحا في إيفائهم حق الوقوف فيكونون على نحو من يركع فلم يطمئن، أو يسجد فلم يطمئن، فلذلك ما كان من تمام الوقوف أن لا يدفع الحاج من عرفات إلا بعد غروب الشمس.
* وقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) الحبل: ما استطال من الرمل.
* وقوله: (قد شنق القصواء الزمام) يقال: شنق الرجل زمام ناقته إذا ضمه إليه (١٣٩/ب) كفا لها عن الإسراع، وأراد بذلك أن يملك رأسها ليكون سيرها على السكينة عند الدفع من عرفات؛ لئلا يخرج الناس من ذلك سراعا، فيدل إسراعهم حين الخروج على نوع قلة خيرة يسرق الوقوف هنالك، فإنه الله ﷾ يباهي بهم ملائكته، فإذا رأتهم الملائكة سراعا متفلتين إلى المفارقة لم يكن ذلك مما يحسن أن يؤثر عنهم.
* وقوله: (ليصب مورك رحله) مورك الرجل: ما يكون بين يدي الرحل يضع الراكب رجله عليه. وإنما كان يرخي للناقة عند الحبال المتهلية؛ لأنه
[ ٨ / ٣٦٧ ]
إعانة للناقة، وليكون سيرها في الحبل مع الإرجاء على نحو شنقها في الجلد.
* وفيه أن يدفع الحاج من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، وذلك لأنه كما يوفي الوقوف بعرفة جملة اليوم؛ فكذلك يوفي المبيت جملة الليل بمزدلفة.
* وفيه دليل على أن رسول الله - ﷺ - أردف ابن عمه وراءه، وفيه أنه لما خاف عليه من نظره إلى الظعن لوى عنقه، فإذا كان هو ابن عم رسول الله - ﷺ - ولم يبلغ الحلم، فصرف رسول الله - ﷺ - وكهه، وفي هذا رد على من شط من الجهال إلى رؤية النسوان، ويقول للمرأة أنت أختي لا يضرني رؤيتك، ولا الخلوة بك.
* فأما إسراعه في وادي محسر، فإذا أراه إلا لضيق ما بين الجبلين لئلا يحمل الناس البطء في السير على شدة الزحام.
* فأما رمي الجمرات فإنه مما جعل الله آية، من جهة أن الحجاج يرمون فيه الجمار، ثم لبس (١٤٠/أ)، ثم ما يقتضي أن يكون هو المرمي فيها مع كون كل حاج لا بد أن يرمي إحدى وعشرين حصاة كل يوم، وذلك على طول السنين، فلولا أن الله يرفع منه ما يقبله لكانت كل جمرة كالجبل، فإن في أماكن يرجمها بعض الحاج لا الكل، وليست من المناسك، وقد اجتمع عليها ما قد أصارها على نحو الجبل، وهذا من آيات الله ﷿.
* وقوله: (فنحر ثلاثا وستين بدنة) فقد أشار إلى سر هذا العدد سعيد بن المسيب فقال: ذلك على عدد سني عمره. فأما أمره: (من كل بدنة ببضعة أن يطبخ)، فالذي أرى فيه أنه أحب أن يتمثل قوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ فلم
[ ٨ / ٣٦٨ ]
يترك نسيكة إلا وقد أكل منها جزءا.
* قوله: (انزعوا يا بني عبد المطلب) أي استقوا من زمزم ليشر الناس، وأراد بذلك أن يكون الناس في ضيافتهم بماء زمزم، وأن يريحوا الناس من الاستقاء.
* وقوله: (لولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم) يريد أن هذا الفعل عبادة وإنما شرب من الماء الذي استقوه ليعلم أن الشارب من ماء استقاه غيره لا ينقصه من ثواب ما لو استقاه.
* وفيه دليل على أن عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وفي ذلك من الحكمة أن الله ﷾ جعل للنحر مكانا غير مكان الوقوف، فإن وقوف الناس بعرفات نزه عن أن يجعل مسفكا للدماء ومجمعا للفروث؛ ولكنهم إذا انصرفوا عن الموقف إلى مكان عين للنحر نحروا به.
والحمد لله حق حمده.
* * *
[ ٨ / ٣٦٩ ]