أخرج له في الصحيحين ثمانية وثلاثون حديثًا.
المتفق عليه خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر.
-١٨٣ -
الحديث الأول: (من المتفق عليه)
[أخرجناه مختصرًا، وأخرجه البخاري بطوله من حديث جابر بن سمرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر ﵁ فعزله واستعمل عليهم.
[ ١ / ٣١٩ ]
عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - لا أخرم عنها، أصلي صلاة العشي فأركد في الأولين، وأخف في الأخريين: قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلا- أو رجالا- إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة؛ فلم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكني أبا سعدة. فقال: أما إذا نشدتنا، فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعدك أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن .. فكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.
قال الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق، يغمزهن.
وفي رواية: أما أنا فأمد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا ألو ما اقتديت به من صلاة رسول الله - ﷺ -، قال: صدقت؛ ذاك الظن بك؛ أو ظني بك.
وللبخاري في رواية: قال عبد الملك بن عمير: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة؟ قال: كبير مفتون أصابتني
[ ١ / ٣٢٠ ]
دعوة سعد].
* في (١٠٣/ أ) هذا الحديث من الفقه جواز أن يعزل الإمام العامل تطيبًا لقلوب رعيته، وإن غلب على ظنه تقولهم عليه؛ ألا تراه كيف عزل سعدًا بمجرد شكايتهم؛ مع كونه قال له: (ذاك الظن بك يا أبا إسحاق)؛ يعنى تجويد كل الأعمال؟
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا عزل الإمام العامل تطيبًا لقلوب رعيته؛ فإنه يتتبع كشف ما ذكروه عنه؛ ليكون العمل على يقين، ولتعلم الرعية أنه لا يهمل الكشف عما يقال له، فلا يحتجون في ترك مواجهتهم إياه بالحق بهيبة ولايته.
* وفيه أنهم لما رموه بكبير من الأمر من نسبته إلى الجهل بالصلاة، أرسل عمر لكشف ذلك مع كونه قال له: (ذلك الظن بك).
* وفيه أيضًا أن عمر ظن به الحسن الجميل ظنا يسوغ معه الاعتبار، إذ لو علم بطلان قولهم يقينًا لم يكن ليشرع في كشف ولا بحث.
وقوله: (أركد في الأوليين) يعني أثبت فيهما، وهذا من قول سعد تنبيه منه على ما عداه من أحكام الصلاة، وأن هذا من آدابها وسنتها، وهو أن يطيل الأوليين؛ من الظهر والعصر؛ لأن صلاتا العشي، ويقتصر في الأخريين على فاتحة الكتاب، فهو يعني: إني إذا كنت قد حفظت عليهم آداب الصلاة إلى هذا الحق فإن أحفظ غيرها من الأمور المكشوفة الظاهرة أولى وأحرى.
وأراد: إني لم أضع هذا القدر مع كوني ذا أشغال ومهمات، فإذا كنت مراعيًا للسنة من مقادير القيام والقراءة، فكيف أضيع ما فوقها؟
[ ١ / ٣٢١ ]
* وفيه أيًضا جواز أن يعتبر قول من شكا من الرعية بما عند غيرهم من أمثالهم؛ ألا تراه كيف طاف بسعد على المساجد؟!
* وفيه أيضًا أنه لا يسأل عنه إلا بحضوره ومشهده؛ لئلا يقال في حقه ما لا يوافق عليه، ولئلا يحتاج في الموافقة بينهم إلى تقدير مرة أخرى.
* وفيه أيضًا أن سعدًا لما قدح فيه أبو سعدة بما لم يكن كما قال من قوله: (إنه لا يسير بالسرية (١٠٣/ ب)، ولا يقسم بالسوية؟! لا يعدل في القضية)، لم يخلد في هذا إلى أن يقابله عليه بقولٍ ولا بسوطٍ؟ بل عدل إلى دعاء الله تعالى؛ واثقًا بأن الله ﷾ إذا دعاه المظلوم أجابه- وإن كان أميرًا- ليتبين صدق سعد وكذب أبى سعدة فيما بعد تلك الحال وإلى يوم القيامة، وكان سعدًا أراد أن يكون الله تعالى هو المزكي له والشاهد ببطلان ما قيل عنه بما أظهر من إجابة دعوته.
-١٨٤ -
الحديث الثاني:
[عن سعد قال: أعطى رسول الله - ﷺ - رهطًا، وأنا جالس فيهم، فترك رسول الله - ﷺ - منهم رجلا، هو أعجبهم إلي، فقمت فقلت: مالك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول الله - ﷺ -: (أو مسلمًا) ذكر ذلك سعد ثلاثًا، وأجابه بمثل ذلك، ثم قال: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار].
وفي رواية قال الزهري: فترى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل
[ ١ / ٣٢٢ ]
الصالح.
وفي رواية لمسلم: أن النبي - ﷺ - قسم قسمًا وترك رجلا].
* فيه من الفقه جواز أن ينبه الرجل الإمام على بعض ما عساه أن يحل به. ألا ترى سعدًا كيف راجع رسول الله - ﷺ - ثلاث مرار في ذلك فلم ينكر عليه؟!
* وفيه أن الإيمان درجة من وراء الإسلام، فأما الإسلام فحقيقة من حيث اللغة الاستسلام، فقد يكون عن معرفة صحة ما عليه من أستسلم له في الأكثر، وأنه يسلم نفسه راضيًا بما أسلم نفسه فيه عن علم بصحته، وقد يكون على نحو ما فعله الأعراب من إسلامهم مخافة القتل والحرب مع غير عقيدة متيقنة؛ قال الله ﷿ ﴿قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾، فأما الإيمان فأصله التصديق وهو درجات، ومذهب أهل السنة أنه قول وعمل، وهذا الحديث صريح في فرق النبي - ﷺ - بين الإسلام والإيمان.
* وفي هذا الحديث (١٠٤/ أ) من الفقه قوله - ﷺ -: (إني أعطى الرجل، وغيره أحب إلي منه)؛ ففيه جواز أن يكون الذي عليه خاف رسول الله - ﷺ - هو المعطي لعلمه - ﷺ - أنه كان الحرمان يرد به بعض موارد الهلكة من سوء ظنه في الله تعالى، أو من شكه في الإسلام أو سوء احتماله للفقر وغير ذلك، ويجو أن يكون المحذور عليه هو المحروم من كونه قد كان يعلم رسول الله - ﷺ - أنه إنما يصلحه فقره، فلو قد استغنى أبطره غناء أو شغله عن ربه، أو حلت به آفة من آفات سواء احتمال الغنى، وعلى هذا ينبغي لكل مؤمن أن يحسن الظن بربه ﷾ في قسمه الأرزاق بين عباده، وأنه سبحانه لم يضع من ذلك شيئًا
[ ١ / ٣٢٣ ]
إلا في موضعه ومحله، فإنه قال سبحانه: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء﴾.
-١٨٥ -
الحديث الثالث:
[عن سعد قال: جاءني رسول الله - ﷺ - يعودني عام حجة الوداع، من وجع كان اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، إني قد بلغ بي الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: (لا)، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: (لا) قلت: فالثلث؟ قال: (الثلث، والثلث كثير- أو كبير- إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تتفق نفقه تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك)، قال: فقلت يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: (إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله، إلا أرددت به درجة ورفعه، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن (١٠٤/ ب) خولة؛ يرثي له رسول الله - أن مات بمكة).
وفي رواية: (وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها).
وفي رواية لمسلم: أن سعدًا قال: (إني خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، فقال رسول الله - ﷺ -: (اللهم أشف سعدًا، اللهم أشف سعدًا، اللهم أشف سعدًا).
ومنه: (إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة،
[ ١ / ٣٢٤ ]
وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة).
* في هذا الحديث من الفقه استحباب عيادة المريض، ومن آداب العيادة أن تكون بعد ثلاث، لأن ما دونها لا يؤثر في الانقطاع تأثيرًا يقتضي العيادة.
* وفيه أيضًا جواز أن يخبر الرجل بشدة ألمه ولا يكون فلك شكوى، لقوله: (إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى) فلم ينكر رسول الله - ﷺ - عليه.
* وفيه أيضًا أن سعدًا لما قال لرسول الله - ﷺ -: (لا يرثني إلا ابنة لي)، فأجابه رسول الله - ﷺ - بقوله: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء)، فأشار رسول الله - ﷺ - بأنك لن تموت في هذه المرضة، وأنك ستبقى إلى أن يصير لك ورثة جماعة.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن الرجل إذا لم يكن له وارث، أن المستحب له أن يتصدق بما يتركه، لأن سعدًا اعتذر عند رسول الله - ﷺ - عن الصدقة بكل ماله بما ذكر من أن له بنتًا ترثه.
وقوله: (أن تذر ورثتك أغنياء)، خير دليل على أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير من تركهم فقراء إذا أمكنه؛ لأن الخلق عيال الله، وهذا المتصدق (فإنما) يخرج ماله إلى بعض عيال الله ﷿، وورثته (فهم) من بعض عيال الله ﷿، فإذا عزم على التصدق، فالأولى أن يبدأ بمن يجمع بين الصدقة عليه وبين صلة الرحم فيه من ورثته؛ ولأن الرجل كاسب لورثته في حال حياته، فقد سعي لهم مدة حياته؛ فإذا ترك لهم بعده شيئًا كان أيضًا كالساعي لهم بما ترك لهم من ماله في أيديهم، فلذلك قال رسول الله - ﷺ - (١٠٥/ أ) (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير).
[ ١ / ٣٢٥ ]
* وفيه أيضًا من الفقه أن رسول الله - ﷺ - جعل للرجل من ماله الثلث ليتصدق به في وجوه يراها أولى من ورثته لأنه قد يكون في الناس من يعرف ناسًا ذوي ضرورة ملحقة فهم في العاجل أولى من ورثته؛ فلو كان محظورًا على الرجل أن يتصدق من ماله بشيء لكان ذلك إضرارًا بأولئك المستحقين، كلما أنه لو كان مفسوحًا للرجل أن يتصدق بكل ماله لكان ذلك أضرارًا بورثته، فلما كان الأمر في ذلك من الجانبين اقتضت حكمة الله ما قدره رسول الله بالثلث؛ إلا أنه إنما قدر الثلث من حيث ترجيح الورثة بجانب الفاقة وجانب الرحم، فصار الورثة يدلون بسببين والفقراء غيرهم يدلون بسبب واحد، فلذلك صار الثلث للأجانب والثلثان للأقارب.
* وفيه من الفقه أنه ينبغي للرجل المؤمن أن لا ينفق نفقة في بيته وعلى أهله وزوجته وولده إلا لله ﷿؟ ألا تراه يقول: (إنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ﷿ إلا أحرت بها حتى ما تجعل في امرأتك)؟ وإنما خص المرأة بذلك لأنه ليس فيمن يطعمه من ولده من يمازج إطعامه له نوع شهوة إلا ما يجعله في امرأته، فهو يعني - ﷺ -: أنه إذا كان هذا ممتزجًا بنوع شهوة وأنت تثاب عليه، فما عداه أولى وأخرى.
* وفي الحديث أيضًا ما يدل على فقه سعد؛ فإنه فهم من كلام رسول الله - ﷺ - أنه ليس بميت في تلك المرضة فلذلك قال: (أخلف بعد أصحابي؟)، فإنما خاف سعد أن يكون تخلفه بعد أصحاب ناقصًا له من فضله، فعرفه - ﷺ - أن طول عمر المؤمن زيادة درجات له بمقتضى كل عمل يعمله في كل يوم وساعته ونفس، فإن المؤمن لا يستوي يوماه أبدًا بل هو في زيادة.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المؤمن كما ينتفع به المؤمنون فكذلك يستضر به الفاسقون والمجرمون؛ لأنه قاله (١٠٥/ ب): (ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون).
[ ١ / ٣٢٦ ]
* وفي هذا الحديث دليل على أن المهاجر لا يستغنى عن الدعاء له في إمضاء هجرته قبولا وارتضاه من الله سبحانه، لقوله - ﷺ -: (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم). وقوله: (ولا تردهم على أعقابهم) دليل على الخوف من الارتداد بعد الإيمان والنكوص على العقبين بعد الهجرة.
* وفيه أيضًا توجع رسول - ﷺ - لسعد بن خولة أن مات بمكة؟ بمعنى: كيف فاته الفضل في أن يموت بأرض هجرته؟!
* وفيه أيضًا دليل على أن استحباب الدعاء للمؤمن بطول البقاء مشروع؛ لقول رسول الله - ﷺ -: (اللهم أشف سعدًا، ثلاث مرات).
* وفيه دليل على أن نفقة الرجل على عياله تحسب له صدقة، وهذا إذا كان منفقًا ما ينفق من ذلك لله ﷿، لأن قول رسول الله - ﷺ - لسعد (إن نفقتك على عيالك صدقة)، لحسن ظنه بسعد ﵁، وأنه لا ينفق شيئًا على نفسه ولا على عياله إلا وهو يقصد بذلك وجه الله ﷿، وهكذا كل مؤمن إلا أن يغفل فيذكر فإذا هو مبصر إن شاء الله.
- ١٨٦ -
الحديث الرابع:
[عن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته)].
* في هذا الحديث من الفقه لتحذير من فضول القول وكثرة السؤال على طريق التعنت، ولاسيما في مقامات تعتريها خطرات من يرى نفسه متدينًا، فيرى
[ ١ / ٣٢٧ ]
التضييق على عباد الله في دينهم مستصوبًا، فلا يكون ممن شرح الله صدره للإسلام، بل ممن قال فيه ﷾: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء﴾، ويرى بضيق عين بصيرته أن الله ﷾ لم ينعم على عباده (١٠٦/ أ) إلا بحسب ما عبدوه؛ فيتعرض لكل ما فيه تشديد وتضييق، فذلك المراد بهذا الحديث؛ ألا تراه - ﷺ - يقول: (إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته)؟ وإنما عظم جزمه لأنه جنى على المسلمين بما طرقه عليهم، ويجوز أن يكون جرمه من حيث رده لفيض كرم الله ﷾ على عباده.
-١٨٧ -
الحديث الخامس:
[عن سعد قال: ما سمعت رسول الله - ﷺ - قال لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت هذه الآية ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ الآية].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على فضل عبد الله بن سلام، وما يحض على قبول أخباره؛ لأن رسول الله؛ قال: لأن رسول الله - ﷺ - قال: (إنه من أهل الجنة)، وإنما نال الجنة لأنه أقبل على الحق حين أرتد عنه أهل الكتاب، فكان في معنى شخص يكون في صف المسلمين فينكسرون فيثبت وحده، أو في صف المشركين فيصرون على
[ ١ / ٣٢٨ ]
كفرهم، ويثبت بمفرده.
ومعنى قوله: ﴿شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ أي مثل ما جاء به رسول الله - ﷺ -، والمعنى أن رسول الله - ﷺ - لم يأت ببدع لم يأت به المرسلون قبله.
-١٨٨ -
الحديث السادس:
[عن سعد قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر).
وفي أفراد مسلم: من أكل سبع تمرات، مما بين لابتيها، حين يصبح، لم يضره سم حتى يمسي].
* الذي أراه في هذا الحديث أن التصبح بالتمر على الإطلاق فيه بركة؛ لأنه إذا أكله المؤمن مفكرًا في قدره في ﷿ التي أخرجته من حيث أخرجته، فقد أتى من الإيمان ما تذرع به قلبه عن أن يعمل فيه سحر، وكذلك إذا كان أول طعام يتناوله فإنه يدفع الله به السم؛ لأن السموم مخلوقة على مضادة أجزاء (١٠٦/ ب) الإنسان، وما خلقه الله تعالى في التمر على مناسبة أجزاء الإنسان، وشاهدت في بعض الكتب أن كل بلد يكثر فيها التمر لا يعرض فيه الجذام البتة، وليس من الثمار ما يمكن أن يتخذ قوتًا يعايش عليه دهرًا سوى التمر.
* وفيه أيضًا أن ثمرة مدينة الرسول - ﷺ - من أشد التمور نشفًا وجفافًل، فهي إلى أن تكون أبلغ في العمل من غيرها أولى، ويجوز أن يكون هذا مما خص الله به تمر المدينة لجوار رسول الله - ﷺ -، وإن الإيمان بالبركة في التمرات التي تؤخذ من
[ ١ / ٣٢٩ ]
النخلات التي هي في جوار النبي - ﷺ - إذا انتشر على أجزاء الإنسان في باطنه وظاهره دفع عنه كل سم وسحر.
* وفي هذا الحديث أن المؤمن أكله من التمرات في الغالب هو هذا العدد إذا تصبح به، فإنه على سبيل اللهنة وهي تمسك فؤاد الجائع؛ والفقه في أنه يتصبح بالتمرات أنه يريد به جلاها عن الفؤاد لأن التمر إن صادف على معدة من أكله شيئًا جلاه، وإن صادف معدة الأكل خالية غذاها، والرطب في ذلك كله أفضل ما يفطر عليه الصائم؛ فإن لم يكن فالتمر، فإن لم يكن فالماء.
واللابة: هي الحجارة السود، فالمدينة بين لابتين أي حرتين في جانبيها.
-١٨٩ -
الحديث السابع:
[عن سعد قال: استأذن عمر على النبي - ﷺ -، وعنده نسوة من قريش يكلمنه- وفي رواية: يسألنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوته- فلما استأذن عمر فمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله - ﷺ -، فدخل عمر ورسول الله - ﷺ - يضحك. فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله بأبي وأمي (زاد البرقاني: ما أضحكك؟)؛
قال: (عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب) قال عمر: فأنت يا رسول الله أحق أن يهبن، ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن، أتهبني ولا (١٠٧/ أ) تهين رسول الله - ﷺ - قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - ﷺ -.
فقال رسول الله - ﷺ -: إيه يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك
[ ١ / ٣٣٠ ]
الشيطان سالكًا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك).
* في هذا الحديث من الفقه أن المؤمنين قد يكونون مختلفي الأحوال، ففيهم الرفيق وفيهم الشديد، وأن عمر ﵁ كان قويًا شديدًا في الله ﷿.
* وفيه أيضًا أن حالة الرفق التي لا تنزل إلى ضعف، فوق حال القوة التي تجاوز إلى عنف؛ لأن حالة رسول الله - ﷺ - أفضل الحالات.
* وفيه أيضًا أنهن حين أحتجبن عند علمهن بدخول عمر، ضحك ﷺ؛ وضحكة هذا فيما أرى سرور برفقه بهن، الذي بان مقداره بفرقهن من شدة عمر، وهو صاحبه وتبعه.
* وفيه أيضًا دليل على فضيلة عمر وشهادة رسول الله - ﷺ - له بأن الشيطان إذا رآه سالكًا فجًا سلك فجا غير فجه.
* وفيه أيضا أن عمر قال لهن لما احتجبن عند دخوله: (أتينني ولا تبهن رسول الله - ﷺ -؟!)، تعجبًا من جرأتهن على رسول الله - ﷺ -، وأنهن أحسن الجواب في قولهن: (أنت أفظ من رسول الله - ﷺ - وأغلظ) أي أننا نجترئ على رسول الله - ﷺ - إلا طمعًا في لطفه، وأنهن وصفن عمر رضي أدله عنه بأنه أفظ من رسول الله وأغلظ، وهذا النطق جمع لهن بين الاعتراف بشدة عمر وفضيلة رسول - ﷺ -، فخرجن من القول مشكورات.
[ ١ / ٣٣١ ]
- ١٩٠ -
الحديث الثامن:
[عن سعد قال: خلف رسول الله - ﷺ - على بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي)؟!
وفي أفراد مسلم أنه قال لعلي ﵇: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي].
* فيه من الفقه ما يدل على (١٠٧/ ب) فضيلة علي ﵁.
* وفيه ما يدل على انه لم يرض لنفسه التخلف عن القتال، حرصًا على الجهاد في سبيل الله ﷿.
* وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - قال له: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)؛ فذلك أنه خلفه في قومه.
* وفيه أيضًا دليل على أن رسول الله - ﷺ - احترز في النطق احتياطيًا مما علمه أنه سينتهي إليه أقوال أهل البدع من إعطائهم عليا فوق حقه، وعلى ﵁ غير راضٍ بذلك ولا مؤثر له؛ فلذلك استثنى - ﷺ - فقال: (غير أنه لا نبي بعدي) يعني بذلك - ﷺ -: إنك وإن شملك وهارون الاستخلاف، وقلت لك: (أما ترضى أن تكون من هارون عن صحبته، ولا لنفاسة عليه بخير يعلمه في
[ ١ / ٣٣٢ ]
مرافقته؛ ولكنه لحالٍ اقتضت بذلك؛ (إلا أنه لا نبي بعدي)، لا أنت ولا غيرك.
-١٩١ -
الحديث التاسع:
[عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفيء ووضعتهما بين فخذي، فنهاني عن ذلك وقال: كنا نفعل هذا، فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب]
* في هذا الحديث من الفقه النهي عن التطبيق بين اليدين وجعلهما بين الفخذين، والمعنى في ذلك أن وضع كل واحدة من اليدين على كل واحدة من الركبتين أقوى للراكع وأمكن، وأجدر أن لا يسأم من طول ركوعه لو طال، وقد جرى التقدير في أصل الخلقة أنه إذا تمكنت اليدان من الركبتين أمتد الظهر، واستقر فيه الاستواء؛ فيقال لمن قنع بيسير الانحناء في ظهره وسماه ركوعًا: أجعل يديك فوق ركبتيك؛ ليكون أمكن لك؛ فقد خلقك الله ﷿ مهيئًا لذلك بوضع أصل الخلقة.
- ١٩٢ -
الحديث العاشر:
[عن سعد (١٠٨/ أ) قال: رأيت عن يمين النبي - ﷺ - وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياضٍ، يقاتلان عنه كأشد القتال، وما رأيتهما قبل
[ ١ / ٣٣٣ ]
ولا بعد؛ يعني جبريل وميكائيل ﵉].
* في هذا الحديث من الفقه جواز رؤية الملائكة لغير النبي - ﷺ - بحضرته؛ غير أنهم يكونون على صورة البشر.
* وفيه أيضًا أنهما أثرا التزيي بزي المجاهدين في سبيل الله ﷿ والتشبه بهم في القتال، واختارا أشد المواضع مضاعًا، وحاميًا عن أشرف من كان في ذلك الوقت من أهل الأرض والسماء.
* وفيه أيضًا أن الثياب البيض أفضل الثياب؛ فأما استمرار لبس الدولة العباسية بالسواد ففيه معنى، وهو أنه أبعد الألوان من الزينة، وأقربها إلى الزهد في الدنيا، ولذلك لبسه الزهاد والنساك وذوو الحزن.
-١٩٣ -
الحديث الحادي عشر:
[عن سعد قال: رد رسول الله - ﷺ - على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن لاختصينا].
[ ١ / ٣٣٤ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن أصول الله - ﷺ - رد التبتل، وهو الانقطاع عن الناس والنساء، والبتول المنقطعة الشبه والمثل، وإنما رد رسول الله - ﷺ - التبتل على عثمان بن مظعون لأنه من الرهبانية التي لم تكتب علينا، والتبتل الذي رده رسول الله - ﷺ - على ابن مظعون لا يسوغ لغيره استعماله، اللهم إلا أن لا يجد الإنسان نكاحًا فليستعفف مترقبًا أن يغنيه الله من فضله، ويوجد له الطول للنكاح، أو رجل لا تتوق نفسه إلى النساء أصلا؛ فإن هذا قد أختلف فيه، وهل الاشتغال بالنكاح له أفضل أم التخلي لنوافل العبادة؟.
والذي أراه فيه خاصة تخليه لأنه مكره لنفسه، وغير معف لزوجته، وقول الفقهاء بالتخلي لنفل العبادة أراه مشيرًا إلى أن النكاح لمن تتوق نفسه إليه فوق (١٠٨/ ب) ما يسمى نفلا.
وقوله: (لو أذن له لاختصينا) أي أنه - ﷺ - بردة تبتل ابن مظعون ما كان كل منا يتبع فيه خواطره، وأنه كان يفضي ذلك إلى ما ذكره من حيث المبالغة، الا أنهم كانوا يستجيزون ذلك، لأن الاختصاء عدوان محض، فلا يفعله أصحاب رسول الله - ﷺ - أبدًا.
-١٩٤ -
الحديث الثاني عشر:
[عن سعد قال: جمع لي النبي - ﷺ - أبويه يوم أحد.
وفي رواية للبخاري: تقل لي رسول الله - ﷺ - كنانته يوم أحد وقال: (أرم فداك أبي وأمي).
وفي رواية لمسلم: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال
[ ١ / ٣٣٥ ]
له النبي - ﷺ -: (أرم؛ فداك أبي وأمي)
قال: فنزعت السهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط، فانكشفت عورته، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى نظرت إلى نواجذه].
* في هذا الحديث من الفقه جمع النبي - ﷺ - لسعد بين أبويه وقد تقدم تفسيره في مسند علي ﵁.
* وفيه أيضًا من الفقه جواز التعاون من المسلمين، وأن يساعد المجاهد بمناولة السهام، ونثل الكنانة؛ ليريح الرامي ذلك الزمان الذي كان يتناول فيه سهام نفسه، ولتثبيت الله تعالى الناثل للكنانة كما يثبت الرامي.
فأما الرمي بسهم ليس فيه نصل فلا أراه إلا عن عوز أو عن عجلة، حيث أمر رسول الله - ﷺ -، وقد استهدف المشرك له فلم ير أن يؤخره لئلا يزول عن المكان المستهدف.
* وفي الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - لم يكن في شدة الحروب قد ملكه خوف ولا أستحوذ عليه روع، ولا اشتملت عليه كآبة، بل كان - ﷺ - بقلب ثابت، وثغر ضاحك، حتى قال سعد: (رأيت نواجذه).
وفي هذا المعنى أجاد أبو الطيب إذ يقول: (١٠٩/ أ)
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وفيه ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - سره ما شاهده من خور عود المشرك، وأنه لما وقع فيه سهم ليس فيه نصل وقع حتى انكشفت عورته، فكان ذلك مما أضحك رسول الله - ﷺ -.
-١٩٥ -
الحديث الثالث عشر:
[عن سعد وأبي بكر أن النبي - ﷺ - قال: (من أدى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام)].
* في هذا الحديث من الفقه تحريم الانتساب إلى غير الوالد، وإن علا؛؟ لقول الله ﷿: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق﴾.
* وفيه أيضًا أنه يشتد السخط على من انتمى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، وهذا مما يدل على أنه يراد به الأب الأعلى، فلو قد انتمى منتمٍ إلى أب من الناس، وهو لا يعلم الحقيقة في ضد ذلك لم يكن داخلا في هذا الوعيد إن شاء الله، وذلك لأن ارتكاب الفاحشة إذا كان منها ما تعر له الأعراض وتنكس له الرؤوس وتخجل فيه الوجوه فإنما ذلك كله من أجل أن نتيجته أن يكون شخص لغير أبيه، فإذا سعى إنسان في أن ينتمي إلى غير أبيه راضيًا بأحوال أولاد الزنا فقد رضي من الدناءة وسقوط المنزلة بما ينافي أخلاق أهل الجنة.
[ ١ / ٣٣٧ ]
-١٩٦ -
الحديث الرابع عشر:
[عن سعيد قال: (والله إني لأول رجل من العرب رمي يسهم في سبيل الله ﷿، ولقد كنا تغزو مع رسول الله - ﷺ - ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام؟! لقد خبت إذن وصل عملي)، وكانوا وشوا به إلى عمر، وقالوا: لا يحسن يصلي].
* في هذا الحديث من الفقه جواز أن يذكر الرجل بعض عمله الصالح إذا غمطه الجاهل، توقيًا بذلك من سوء القالة، لا تزكية للنفس.
* وفيه أيضًا دليل على جواز أكل ورق (١٠٩/ ب) الشجر عند اشتداد الجوع.
* وفيه أيضًا أن العبد الصالح قد يسلط عليه الفساق من يعضهه فيستنصر العاضه في دينه لا المعضوه.
والحبلة: شجر العضاه؛ والعضاه والسمر. نوعان من الشجر.
وتعزرني: توبخني على التقصير.
[ ١ / ٣٣٨ ]
-١٩٧ -
الحديث الخامس عشر: (متفق عليه من ترجمتين)
[هو في أفراد البخاري من رواية عائشة بنت سعد عن أبيها، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء.
وهو بمعناه في أفراد مسلم، عن عامر بن سعد عن أبيه في آخر حديث تحريم النبي - ﷺ - ما بين لابتى المدينة قال: ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء.
وهو في أفراد مسلم عن سعد وأبي هريرة أنه - ﷺ - قال: اللهم بارك لأهل المدينة في مدهم.
وفيه: من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء].
* في هذا الحديث من الفقه شرف المدينة، صلى الله على ساكنها وسلم؛ وأنه لا يريد أحد أهلها بسوء إلا انماع؛ والانمياع في الحديث فيما أرى هو انفتات عزيمته وانتكاث صريمته. ولابتا المدينة: حرتاها.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - دعا لهم بالبركة في مدهم إشارة منه إلى أن الكيل يجلب إليهم في الأكثر.
* فأما الفقه في ذوب من يريد أهلها بسوء فإن من شأن الماء أن يجمد الأشياء
[ ١ / ٣٣٩ ]
ولا يذيبها، إلا الملح فإنه يذوب فيه، فكلا مخالفًا للأشياء فشبههم بالملح الذي يسرع ذوبه إذا وقع في الماء ولا يستمسك بخلاف غيره، وأراد أنهم يذوبون في الأشياء التي مجمد فيها غيرهم؛ فما الظن بهم لو وقعوا فيما يذوب فيه غيرهم؛ فكأنه قال: إذا ذابوا في الماء فكيف في النار؟!.
-١٩٨ -
من أفراد البخاري
الحديث الأول:
[عن عبد الله بن عمر أن سعدًا حدثه (١١٠/ أ) عن رسول الله - ﷺ -: أنه مسح على الخفين، وأن ابن عمر سأل عن ذلك عمر فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي - ﷺ - شيئًا، فلا تسأل عنه غيره].
* فيه من الفقه جواز المسح على الخفين.
* وفيه تعديل عمر لسعد وتزكيته
* وفيه أيضًا أنه مرضي، لقوله: (إذا حدثك سعد فلا تسأل عنه غيره).
-١٩٩ -
الحديث الثاني:
[عن سعد قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام.
وفي لفظ: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام].
[ ١ / ٣٤٠ ]
* في هذا الحديث من الفقه أنه لم يسبقه إلى الإسلام إلا رجلان.
* وفيه أنه مكث سبعة أيام وهو ثلث الإسلام.
* وفيه أيضًا دليل على أنه كان من أقدم المسلمين إسلامًا، ألا ترى أنه يقول: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه)؟!
-٢٠٠ -
الحديث الثالث:
[عن سعد أنه كان يأمر بهؤلاء الخمس، ويحدثهن عن رسول الله - ﷺ -: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدجال، وأعوذ بك من عذاب القبر).
وفي رواية عمرو بن ميمون عن سعد: أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة، وذكر الخمس، إلا أنه قال: (أعوذ بك من فتنة الدنيا) بدل الدجال].
* في هذا الحديث من الفقه شرف هذه الكلمات، والحض على تعلمهن فإنهن عود؛ إلا أنه يفحصن عن معانٍ إذا فكر فيها المؤمن تعوذ من كل شيء من ذلك. فأول ذلك البخل، وحده منع الحق الذي فرضه الله تعالى في الأموال، وهو الزكاة، فإذا أخرج الرجل زكاة ماله لم يسم بخيلا إلا أن البخل قد يعرض في غير المال مثل أن يبخل الرجل بالسلام الأمل أو بالبشر في وجه أخيه أو بالخبر الطيب الذي يسر قلبه به (١١٠/ ب) ونحو ذلك، وإن من أبخل البخل
[ ١ / ٣٤١ ]
وأفظعه أن يبخل الرجل على أخيه المسلم بفضل ربه سبحانه، فيحسده أو يبخل عليه بمال غيره إذا رزقه الله منه، وإن من قبيح البخل البخل بالعلم مع علم العالم أن علمه يزكو على الإنفاق.
* وأما الجبن فإن شعبه متفرقة، دان بن أفظعه أن يجبن عن معاملة الله في تصديق وعوده، ثم تقديم العوائد على مقتضيات شرعه.
* وأما أرذل العمر فحالة يتناهى فيها الضعف لعلو السن وتكاثف العجز فيعود الإنسان كلا على الناس وثقلا على الناس وثقلا على غيره، ويعجز عن عبادة الله ﷿ وتحمل أعباء حوائج الناس، وقد يكون أرذل العمر زمان البطالة أخلاق الصبيان.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن عذاب القبر حق، وكذلك ما حذر منه رسول الله - ﷺ - من المسيح الدجال حق أيضًا.
* وفي رواية أخرى: (فتنة الدنيا) وتلك أمض كبدًا مما ذكر كله.
-٢٠١ -
الحديث الرابع:
[عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي، يعني عن قوله: ﴿هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود، فكذبوا محمدًا - ﷺ -، والنصارى: كذبوا بالجنة، قالوا: لا طعام فيها ولا شراب.
والحرورية: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وكان سعد ﵁: يسميهم الفاسقين].
* في هذا الحديث من الفقه أن سعدًا لما سمع الله ﷿ يقول: ﴿هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا﴾؛ فاخبر الله ﷾ نبيه محمدًا - ﷺ - عن قوم ضلوا- بلفظ الماضي- فكان منصرفًا إلى اليهود والنصارى، وإن الحرورية حدثوا بعد رسول الله - ﷺ - فكيف ينصرف إليهم؟
* وفيه من فقه سعد أنه لما ذكر أن اليهود كذبوا محمدًا - ﷺ - (١١١/ أ)، قال: (النصارى كذبوا بالجنة)، يعني بعد تكذيبهم بمحمد - ﷺ -، والمعنى أنهم زادوا على اليهود في تكذيبهم بمحمد - ﷺ - أن كذبوا بالجنة.
* وقوله: (الحرورية: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾؛ هذا كلام صحيح لأنهم وقفوا بالدخول في الإسلام، وإنما دخل عليهم ما دخل من حيث الغلو.
وأرى أن هذا الميثاق الذي أشار إليه سعد هو الذي ذكره الله تعالى، وإنما نقضوا ميثاقهم لاطراحهم أمر رسول الله في ترك طاعتهم عليا أمير المؤمنين ﵁.
وقوله: (وكان سعد يسميهم الفاسقين)، فإنها تسمية واقعة؛ إلا أنها فيمن كفر عليا وعثمان ﵄ تضم إليها أنه كفر وفسق، فإن كان فيهم من لم ينتبه به الضلال إلى أن يكفر عليا أو عثمان ﵄ فهو فاسق.
[ ١ / ٣٤٣ ]
- ٢٠٢ -
الحديث الخامس:
[عن مصعب بن سعد: أن سعدًا رأى له فضلا على من دونه، فقال النبي - ﷺ -: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟)]
* فيه من الفقه أن سعدًا أنما رأى الفضل له على من دونه لغنائه في الإسلام، وقوته في الجهاد، وجده في أمر الله تعالى. فقال رسول الله - ﷺ -: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) يعني أن الذي جعلته سببًا لفضيلتك من قوتك في أمر الله تعالى فإنما أمدك فيه، وشاركك في حصوله الفقراء والضعفاء؛ وجعلها كلمة شاملة لسعد وغيره.
-٢٠٣ -
من أفراد مسلم
الحديث الأول:
[عن سعد أن النبي - ﷺ - أمر بقتل الوزغ، وسماه فويسقا).
* إنما أمر رسول الله - ﷺ - بتل الوزغ لأنه من ذوات السموم، وقد ذكره الأطباء في ذوات السموم، وقد يجبن بعض الناس عن قتله، فأمر رسول الله - ﷺ - بقتله.
فأما تسميته إياه (فويسقا) فإنها تكون مستترة فلا يحس بها إلا إذا خرجت (١١١/ ب) للأذى؛ كما يقال: فسقت الرطبة؛ إذا خرجت من قشرها.
[ ١ / ٣٤٤ ]
-٢٠٤ -
الحديث الثاني:
[عن سعد قال: كنت أرى النبي - ﷺ - يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده].
* في هذا من الفقه استحباب الاستقصاء في التفاته في التسليم؛ ليكون ذلك كاشفًا للإلباس عن المأمومين، فإن الرجل فيما دود هذا الالتفات قد يعرض له في الصلاة أن يلتفت وذلك مكروه؛ ففرق بالمبالغة في هذا الالتفات بين الالتفاتين، يشعر به أنه خروج من الصلاة، وليكون أيضًا في التفاته مواجهًا للملكين بوجهه غاية الإمكان لكونهما ملكين كريمين، فلا يكون إقباله عليهما إقبالا فيه بعض لأزورار.
-٢٠٥ -
الحديث الثالث:
[قال سعد: الحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله - ﷺ -]
* في هذا الحديث من الفقه أن السنة هي اللحد وليست بالشق، فقد قال النبي - ﷺ - (اللحد لنا، والشق لغيرنا) يعني اليهود والنصارى.
[ ١ / ٣٤٥ ]
* وقوله: (انصبوا علي اللبن نصبا)، يعني لا تبنوه بناء.
-٢٠٦ -
الحديث الرابع:
[عن عامر بن سعد؛ أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم- أو عليهم- ما أخذ من غلامهم. فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ، وأبي أن يرد عليهم].
* فيه من الفقه أن حرم المدينة لا يعضد شجرة، ولا يخبط، ذلك لأن رسول الله - ﷺ - حرم ما بين لابتيها كما حرم مكة؛ وأخذ سلب العاضد عقوبة، ومعناه أنه قد هجم على حرم الإسلام فاسقط حرمة الحرم، فلذلك عوقب بأخذ السلب، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل ﵁.
* وفيه من الفقه أن الشجر فيما حول المدينة ومكة مما ينبغي أن يوفر ورقه عليه ليكثر ظله، وليكون القصاد والمسافرون يتفيؤون ظلاله، ولأن خبط الشجر، وإزالة (١١٢/ أ) ورقه عنه يسلط عليه من حر الشمس في أماكن كان يقيها من الحر، فيكون أدعى ألي تلف الشجر وسر انجعافه.
والخبط يسلخ غصن الشجرة أو يكسره، فيكون كمن هدم شيئًا من أشخاص الحرم، لأن الشجرة كالكلول.
[ ١ / ٣٤٦ ]
-٢٠٧ -
الحديث الخامس:
[عن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا؛ غفر له ذنبه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان ينبغي له عند دخول وقت كل صلاة أن يجدد لفظ الإسلام؛ لما عساه أن يكون قد عارضه فيما بين الصلاتين من شك أو شرك، أو عرض له عارض شبهة فلم يجل صدأة بالنظر والاستدلال، فإذا جدد الشهادة محا ذلك ونقاه، فيدخل إلى الصلاة بإسلام جديد ليس فيه ما يرد الصلاة ولا يفسدها. وقد تقدم شرح هذا المعنى.
* وقوله: (رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينًا، فهذا ترتيب يدل على كمال التوفيق، فإنه بدأ بذكر الله ثم عقبه بذكر رسوله ثم ثلث بذكر الإسلام. ومعنى: رضيت بالله ربًا)؛ أي لست بمكره على ذلك بل أنا راض.
- ٢٠٨ -
الحديث السادس:
[عن عامر بن سعد قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعد بن أبي وقاص فقال: ما منعك أن تسب أبًا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله - ﷺ - فلن أسبه؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم؛ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول له- (وقد) خلفه في بعض مغازيه- فقال له علي:
[ ١ / ٣٤٧ ]
يا رسول الله، خلفتني مع النساء والصبيان؟. فقال له رسول الله - ﷺ -: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون (١١٢/ ب) من موسى؟ إلا أنه لا نبوة بعدي).
وسمعته يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، ويحبه الله ورسوله)، قال: فتطاولنا، فقال: (أدعو لي عليًا) فأتى به أرمد، فبصق في عينيه ودفع إليه الراية، ففتح الله عليه.
ولما نزلت هذه الآية: ﴿.. ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ دعا رسول الله - ﷺ - عليًا وفاطمة وحسنا وحسينًا فقال: (اللهم هؤلاء أهلي].
* في هذا الحديث ما يدل على أن معاوية أثار ما عند سعد بقوله: (ما منعك- يعني: أي شيء صدك- عن أن تسب أبا تراب)؟ فهو سائل له، ويدلل على هذا أن سعدًا لما ذكر فضائل علي لم ينكر عليه معاوية، وأن سعدًا قال كل شيء من ذلك قول تمكن وشرح حال عن غير جمجمة، ولعله لا يبعد أن يكون قد أراد معاوية أن يؤدب بقول سعد بعض أحداث الأسنان من أهله أو أتباعه بما يذكره سعد في حق علي، وإنه قد روي لنا أنه كان يثني عليه ويقول: كان رسول الله - ﷺ - يغره بالعلم غرًا، ويرد الفتاوى عنه إليه في حالة اشتداد ما بينهما، ولم يكن منكرًا فضل على ﵄، وإنما كان القتال مستندًا إلى اجتهاد في فرع، أخطأ فيه معاوية وأصاب علي، وليس ذلك بمخرج له من الإيمان.
وقول سعد في الأولى: إن رسول الله - ﷺ - قال: (أما نرضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)، فقد سبق شرحه.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وأما قوله: (لأعطين الراية رجلا يحب اله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فإن هذا حق لا شك فيه فإن عليا ﵁ كان يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؟ لأنه كان عن المؤمنين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ وممن شهد له رسول الله - ﷺ - أن حبه إيمان، وبغضه نفاق.
وقوله: (تطاولنا)؛ أي إلى إصابة قول رسول الله - ﷺ -: (لأعطين الراية رجلا يحب الله)، وأنه استدعي بعلي، وكان أرمد، فدل على أن النص في ذلك قد كان من الله ﷿، لأنه لم يرد الولاية كونه أرمد (١١٣/ أ) بحضور جماعة أصحاء.
وقوله: (فبصق في عينيه)، أي داوى ألمه، ثم بعثه ليلقى العدو؛ وهو ذو بسطة في الجسم؛ على الجيش ينبغي أن يكود صحيح الأعضاء متمكنًا من نفسه، ثابتًا في رأيه؛ وإنما بصق في عينيه، واثقًا بأن ريقه - ﷺ - يكفي في برء عينه.
* وهذا أيضًا دليل على وكادة التداوي؛ فإن ريق رسول الله - ﷺ - كان دواء لعين علي ﵁، ولو برأت عينه من غير ريق رسول الله - ﷺ - لم تجز تلك الفضيلة، ولم تظهر المعجزة في أنه في بريقه.
* وأنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿.. ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ..﴾ دعا عليًا وفاطمة حسنًا وحسينًا؛ فإن هذا يدل على أن المباهلة إنما استعملت في الأعز، وأعز ما عند الآدمي الطفل حتى يكبر، والحسن والحسين ﵄ كانا صبيين؛ والولد، فكانت فاطمة ولده؛ والحميم،
[ ١ / ٣٤٩ ]
وهو علي، وكان صهر رسول الله - ﷺ -، فلم يكن هناك أهل بيت لرسول الله - ﷺ - إذا بوهل فيهم؛ وإنه لم يعرضهم للمباهلة إلا على ثقة منه بالفلج، لعزتهم عليه، وأنهم أهل لكل فضيلة، وفرض حبهم على كل مسلم.
-٢٩٠ -
الحديث السابع:
[عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب؛ فينزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب (سعد) في صدره، فقال: أسكت؛ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)].
* في هذا الحديث من الفقه أن فراسة المؤمن صادقة، فإذا سعدًا تفرس في أبنه عمر ما آل أمره إليه أخيرًا في نوبة الحسين ﵁.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المؤمن هذا تفرس أو كان عنده علم فإنه يتعين عليه إظهاره، ولو في ولده، ومما يدل على سوء (١٣٩/ ب) توفيق عمر بن سعد أنه لما جاءه لم يحضه على الجهاد في سبيل الله، ولا على الغيرة على الإسلام، وإنما لامه على ترك المنازعة في الملك.
* وقوله: (إن الله يحب العبد التقى الغني الخفي) يعنى بالتقي الورع عن محارم الله تعالى، والغني بالله سبحانه؛ والخفي يكون حريصًا على إخفاء فقره، فبذلك يكون خفيًا، إذ لو كان مثل هؤلاء السؤال لم يخف له حال.
[ ١ / ٣٥٠ ]
-٢١٠ -
الحديث الثامن:
[عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: (إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها).
وقال: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لإوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا- أو شهيدًا- يوم القيامة)].
* هذا الحديث يدل على شرف المدينة، ونبوة رسول الله - ﷺ - فيما أخبر به عن حالها بعد موته - ﷺ - بما آل إليه أمرها من المشقة والجهد لأنها كانت في زمنة، وبعد ذلك فيها سعة لكثرة الغاشي والجالب.
* وقوله: (إني أحرم ما بين لابتي المدينة)، كأن فيه إشعارًا بموته - ﷺ - فيها، لأن الصيد الذي يأوي إليها كالمستجير بقبره - ﷺ -، كما أنه لا يتعرض لصيد مكة لأنه يأوي إلى بيت الله تعالى، وفي هذا إشارة إلى أن لا يتعرض لأذى مسلم،
[ ١ / ٣٥١ ]
لأن الصيد قد منع من أذاه إذا لجأ إلى الحرم، فكيف، لا يمنع من أذى من لجأ إلى الإسلام؟!
وقوله: (المدينة خير لو كانوا يعلمون): أي لو علموا أن جوار رسول الله - ﷺ - في شدة الأحوال خير من جوار غيره في رخاء من العيش لما فارقوها، وإنما يعرف هذا أهل العلم.
* وقوله: (إلا كنت له شفيعا أو شهيدًا يوم القيامة) وهذا يدل على شرف الإقامة بالمدينة.
-٢١١ -
الحديث التاسع:
[عن عامر (١١٤/ أ) بن سعد عن أبيه، أنه أقبل مع رسول الله - ﷺ - في طائفة من أصحابه من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا، فقال: (سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هذه المسائل الثلاث شاملة جارية. والسنة: الجوع، ويعني بالغرق أن لا يأتي مثل طوفان نوح.
* فأما ذكر الناس؛ فالذي ذكر رسول الله - ﷺ - ذلك لأجله هو التحذير لأمته من أن يسول لهم الشيطان أن قتالهم بينهم بتأويل، ما فيه ثواب على الإطلاق، وإنما يكون الثواب في مقابلة الفئة الخارجة على الإمام تحت راية الإمام، فأما غير ذلك
[ ١ / ٣٥٢ ]
فلا. وأما ما فعله على في يوم الجمل وصفين والنهروان فلم يكن عنده مندوحة، وإنما وضع الحرج عمن حضر الجمل لكونهم أماثل أصحاب رسول االله - ﷺ -، ولم يخرجوا قصدًا لقتال الإمام، وإنما هاجت هائجة تفاقم معها الأمر.
والحال في صفين والنهروان، قد تقدم القول فيها، (ص ٢٧٩ - ٢٨٠ - ٢٨٢) ففي قول رسول الله - ﷺ -: (لا تجعل بأسهم بينهم)، تحذير من الخروج على الإمام.
-٢١٢ -
الحديث العاشر:
[عن سعد أن النبي - ﷺ - قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعرًا)].
* حكى أبو عبيد في هذا الحديث قول من تأوله على أنه من الشعر الذي كان فيه هجوم على النبي - ﷺ - ثم زيف ذلك وقال أن الكلمة الواحدة من ذلك كفر، وإنما أراد أن يمتلئ جوف الإنسان (١١٤/ ب) حتى لا يكون فيه غير الشعر أو
[ ١ / ٣٥٣ ]
يكون الغالب عليه الشعر.
قال يحيى بن محمد- قدس الله روحه- وهذا القول لا بأس به، ألا أن الذي أراه أنه تحذير من الشعر الذي كانت الجاهلية تضمنه ما تتخذه شريعة لأنفسها، يفتون بها ويردون إليها، كقول الشاعر:
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إنسان
وقال الآخر:
قتلت عمي فقتلت عمكا ..
وكقول أخر
ومن لم يظلم يظلم
وقول قائلهم:
(كيف ندى من لا أكل، ولا شرب ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك يطل؟ ..)، فقال النبي - ﷺ -: (أسجع كسجع الأعراب؟) أي: أتبطل حدا من حدود الله لأجل قوافيك؟!
وقوله: (وري جوفه)، ويرى من الوري، وهو داء في الجوف، ووراه ذلك الداء إذا أصابه.
- ٢١٣ -
الحديث الحادي عشر:
[عن سعد قال: ضرب رسول الله - ﷺ - بيده على الأخرى ثم قال:
[ ١ / ٣٥٤ ]
(الشهر هكذا وهكذا) ثم نقص في الثالثة إصبعا)].
* فيه من الفقه حسن التعلم، فإن حال هذا التعليم في العدد يفهمه كل سامع له حتى الأطفال.
-٢١٤ -
الحديث الثاني عشر:
[عن سعد قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا نبي الله، علمني كلامًا أقوله. قال: (قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم) قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: (قل، اللهم أغفر لي وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني)؛ شك الراوي في: عافني].
* بدأ ﷺ بكلمة الإخلاص التي هي أصل الأصول، فكل فرع يبتنى عليها، وأتبعها بقوله: (الله أكبر كبيرًا) والذي ذكر سيبويه أن أكبر بمعنى كبير لأن أكبر من باب أفعل، وليس لله مثل، ولا أراه في هذا، إلا أنه تأكيد لمعنى إعراب هذه الكلمة، فالمعنى الله أكبر، أعني كبيرًا، فجاء هذا كالتفسير لقول الله أكبر، وقوله: (الحمد لله كثيرًا) (١١٥/ أ)، كثيرًا ها هنا صفة مصدر محذوف بتقدير فعل يأتي المصدر مؤكدًا له، والنكرة في هذا المقام أعم من المعرفة؛ وقوله: (سبحان الله)؛ التسبيح: التبرئة.
فأما العالمون: فجمع عالم، وهذه الكلمة إذا نظر إلى وضع اشتقاقها وأنها من عين ولام وميم، فإنها تكون مشيرة إلى معنى الدليل، فإن العلم:
[ ١ / ٣٥٥ ]
الجبل، وسمي علمًا لأنه يستدل به على الطريق والبلاد والنواحي، والعلم الذي يكون على رأس الأمير دليل أيضًا على المكان الذي فيه الأمير، والعلم في الطريق: يدل على أن الطريق عنده، ومعالم الدار تدل عليها، ومن ذلك المعلم.
والأعلم: المشقوق الشفة العليا وذلك يدل على باطن ما في فمه.
والعلام: نبت أحمر، ينبت أول الربيع، يستدل به على زمان نبات الربيع، فصار مجموع هذا يدل على أن الكلمة تعر ب على أنها للدلالة، فالعالمون الدالون على الله ﷿، فلذلك أفتتح الكتاب بقوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وهذا من عجيب الفصاحة.
* وقوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) في هذا نفي قوة القائل وقدرته إلا بالله، فقد تبرأ قائلها من العجب بعمله.
وفيها معنى آخر: لا حول لأحد يقصد الأذى، ولا قوة إلا بالله، فيوجب هذا الاعتقاد خروج خوف الخلق من المقر بذلك.
وفي (العزيز) وجهان:
أحدهما، الممتنع، والثاني: أنه الكريم، فإنه سبحانه، أعز الأشياء عند عبده المؤمن.
وفي (الحكيم) قولان:
أحدهما، المحكم. والثاني: الحاكم؛ فمن قال المحكم فإن فعيلا بمعنى مفعل كبير؛ نقول: أليم، بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع.
قال الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
[ ١ / ٣٥٦ ]
ومن قال: الحاكم، فإن فعيلا بمعنى فاعل كبير، نقول قدير بمعنى قادر.
* وقوله: (هؤلاء لربي) يعني أنهن للثناء على الله ﷿، وذكر صفاته؛ (فما لي؟) فأراد أن يعلمه كيف يسأل ربه (١١٥/ ب) ﷿، فجمع له - ﷺ - خير الدنيا والآخرة في قوله: (اللهم، أغفر لي) فقدم له الاستغفار؛ ليطهر المحل من دنس يمنع نزول الفضل؛ وعقبة بالرحمة، لأن الغفر أصله الستر، وقد يستر من لا يرحم، فأراد الرحمة بعد المغفرة ليتكامل التطهير؛ ثم علمه طلب الهداية، وهي شاملة لأمور كثيرة منها: حسن الطلب من الله ﷿.
ثم قوله: (وارزقني)؛ ومن مليح القول: أنه لم يقل له وارزقني كذا؛ فكان يكون الطلب مقصورًا على فن، فلما أطلق انصرف إلى كل مطلوب يرزق مثله، ولا ينصرف إلى ألم ولا إلى عذاب، لأن ذلك لا يسمى رزقًا.
وقوله: (عافني)؛ المعنى: إنك إذا أنعمت على بهذه النعم، فعافني في ذلك من البلاء على كثرة صنوفه، فأطلق المعافاة ليتناول كل ما يطلب العافية منه من كل أذى في الدنيا والآخرة.
-٢١٥ -
الحديث الثالث عشر:
عن سعد قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال: (أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟) فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: (يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة).
هكذا هو في كتاب مسلم في جميع الروايات عن موسى: (أو يحط).
[ ١ / ٣٥٧ ]
قال البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى بن سعيد عن موسى فقالوا: ويحط بغير ألف].
* في هذا الحديث الترغيب في التسبيح، وحصره بعدد لا أراه إلا لأن المؤمن إذا كان منور القلب لم ير مربيًا إلا كان ذلك من الأسباب التي تقتضي عنده تسبيح الله تعالى، فهو على المعنى إذا سبح الله في كل يوم مائة مرة كان قد شهد لله ﷿ بالتسبيح في مائة طريق.
وقوله: (أو يحط عنه ألف خطيئة)؛ من رواه بالألف، فإن (أو) قد تأتي بمعنى الواو، وإنما جاء الحديث (١١٦/ أ) في ذكر التسبيح مائة مرة على الإطلاق ليكون هذا النطق متناولا من يقول (سبحان الله) مائة مرة، على معنى أن أصل ذلك هو عن الموجب الذي قدم ذكره، فيحسبه الله تعالى لقائله من حيث أن ذلك مطلعه، وإليه مرجعه.
-٢١٦ -
الحديث الرابع عشر:
[عن سعد قال: أنزلت في أربع آيات من القرآن. قال: حلفت أم سعد ألا تكلمه حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشر ب؛ قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، فأنا أمك، وأنا أمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله تعالى في القرآن هذه الآية: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما- وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾. وقال: وأصاب رسول الله - ﷺ - غنيمة
[ ١ / ٣٥٨ ]
عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به رسول الله - ﷺ - فقلت: نفلني هذا السيف يا رسول الله، فأنا من قد علمت حاله، فقال: (رده (من) حيث أخذته)؛ فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه فقلت: أعطينه، قال: فشد لي صوته: (رده من حيث أخذته)؛ قال فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال ﴾.
ومرضت فأرسلت إلى النبي - ﷺ - فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال: فأبى، قال: قلت: النصف. قال: فأبى، قلت: الثلث فسكت، فكان بعد الثلث جائزًا.
قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرًا، وذلك قبل أتحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش- والحش: البستان-، فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت المهاجرون والأنصار عندهم، فقلت: المهاجرون خير (١٦/ ب) من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به، فجرح أنفي، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته فأنزل الله سبحانه في- يعني نفسه- شأن الخمر: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾.
وفي حديث شبعة في قصة أم سعد قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أو جروها، وفي أخره: فضرب أنف سعد ففزره، وكان أنف سعد مفزورًا].
[ ١ / ٣٥٩ ]
* هذا الحديث يدل على شرف سعد وعلو منزلته، لأن الله تعالى أنزل هذه الآيات في شأنه، فاستمرت أحكامها باقية إلى يوم القيامة تعود عليه بركتها، ويناله من خيرها، فمن بركة هذه القصة أن الله تعالى أفتى فيها حيث كانت الوصاة قد تقدمت منه سبحانه ببر الوالدين وتتابعت، وكان حق الله ﷿ أولى في عبادته، فلما اعترض هذا الحق المؤكد ما هو أوكد منه لم يكن له فضل إلا ما أنزل الله ﷾ لأنه شرح الحال قال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ فأخبر سبحانه أن وصاته سبقت.
وقوله: ﴿وإن جاهداك﴾ المعنى وقلنا له: وإن جاهداك، والخطاب بقوله ﴿وإن جاهداك﴾ تأكيد لأجل المخاطبة، والمعنى وإن ألزماك أن تشرك بي ما ليس لك به علم، أي ما ليس عليه علم؛ لأنه لا دليل على الشرك.
وقوله: ﴿فلا تطعها﴾ دليل على قرنه برهما؛ لأنه لم يقصد: فأعصهما، ولا فأهنهما، وإنما إذا اأمتنع المرفق بهما فلا تطعهما، ثم عاد فأوصى بها فقال: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾ وذلك لأن صحبتهما بالمعروف تخرج أن يكون هجرانك لهما عن شيء راجع إليك، ولا من أجل أنهما كانا قد حرماك ما لهما أو قد منعاك رفقهما أو غير ذلك، وإنما يكون إعراضك عنهما لأجل الله ﷾ بالحد الذي حده من أنك لا تطيعهما في الشرك.
وأما القصة الثانية فإن فيها من الفقه أن رسول الله - ﷺ - (١٧/ أ) أدبه في المرة الأولى، وأنه لم يكن لسعد أن يأخذ على يده من المغنم شيئًا ثم يقول: (نفلني هذا) لأنه يكون هو الذي نفل نفسه، ولو رخص لسعد ذلك لكان يكون داعيًا إلى تفريق الأنفال قبل القسمة، فلما عاوده في المرة الثانية بعد ذلك الثانية بعد ذلك شد عليه صوته؛ لأنه كان في المرة الأولى معذورًا من حيث ظن جواز ذلك، فلما عاد بعد النهي أوجب ذلك أن شد عليه صوته بالإنكار، ولما علم الله ﷿ أن الحاسم
[ ١ / ٣٦٠ ]
لأطماع الكل في مثل ذلك ما ينزله من كلامه المجيد؛ أنزل قوله: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ فصار لا نفل إلا إلى الأمير، ينقل من يرى، وليس لأحد أن يأخذ شيئًا على يده، ولا يجوز النفل من مال قد عمه الاشتراك إلا لمصلحة عائدة على الكل، وإنما جعل للأمير ليتفقد ذلك فإذا رأى في المسلم داعيًا، أو شاهد فيهم ذا حاجة أو ما تكود فيه المصلحة عائدة على الكل، كان ذلك جائزًا، وأما ما يفعله غير الأمير فإنما هو لنفسه وحده.
وأما القصة الثالثة في الخمر فإنها تدل على أن الله ﷿ شرف أمة محمد - ﷺ - وأكرمها بأن حرم عليها الخمر، لما في الخمر من جماع الإثم، وإنها داعية إلى سفك دماء وانتهاك أعراض، وضياع أموال، وتغير عقول وغير ذلك، كلما جرى لسعد في فزر أنفه.
وأما ما يرجع إلى معنى الوصية بالثلث فقد تقدم ذكره فيما مضى، (ص٣٢٦).
والجهد: مفتوح الجيم هو المشقة، ومضمومها: الطاقة.
والقبض: محركًا اسم ما يقبض ويجمع من الغنائم.
وشجروا فاها: فتحوه.
والوجور: ما أدخل في الفم من دواء أو غذاء تستدرك به القوة.
والفرز: الشق.
والميسر: الجزور الذي يتقامرون عليه، سمي ميسرًا لأنه يجزا أجزاء فكأنه وضع موضع التجربة، وكل شيء جربته فقد يسرته، والياسر الجازر، لأنه يجزي لحم الجزور.
والأنصاب: الحجارة أو الأصنام الذي كانت الجاهلية تنصبها (١١٧/ ب)، وتعبدها؛ واحدها نصب.
[ ١ / ٣٦١ ]
والأزلام: القداح التي كانوا يستقسمون بها في أمورهم.
-٢١٧ -
الحديث الخامس عشر:
[عن سعد عن النبي - ﷺ - نحو حديث أسامة بن زيد في الطاعون- أنه - ﷺ - قال: (إن هذا الوجع رجز وعذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم إنه بأرض فلا تدخلوها)].
* وقد سبق تفسير هذا الحديث في مسند عبد الرحمن بن عوف ﵁، في الحديث رقم (١٦٠) الصفحة (٢٩٠) وما بعدها.
* وقوله: (إن رجز أو بقية عذاب)، والرجز: العذاب المقلقل. وكذلك هو، إلا أنه قد روي في حديث سيأتي: الطاعون شهادة، وإنما كان شهادة لمن مات به من حيث عن من ثبت قلبه فيه مع مشاهدة كثرة الموتى، وتخييل الشيطان أن هذا من فساد الهواء والماء وغير ذلك من الأسباب التي ينسى فيها المسبب، فإذا هذا من فساد الهواء والماء وغير ذلك من الأسباب التي ينسى فيها المسبب، فإذا ثبت قلب المؤمن حتى أماط عن قلبه هذه التخيلات، وأعتقد أنه لا يموت أحد إلا بأجله، فإن الشهادة جاءته من قبل هذا الإيمان.
* قوله: (عذب به أناس ممن كان قبلكم)؛ المعنى أنه لما قربت آجالهم اختلت عقائدهم فجمع لهم بين الموت بالطاعون، وخروجهم من الدنيا كفارًا.
[ ١ / ٣٦٢ ]
-٢١٨ -
الحديث السادس عشر:
[عن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)]
* في معنى هذا الحديث ثلاثة أوجه كلها تدل على صدق نبينا - ﷺ - وصحة نبوته: أحدها؛ أنه أشار بذلك إلى ما قد شوهد من ائتلاف الكلمة بالغرب واستعمالهم مذهب مالك بن أنس ﵁، وأنهم متمسكون بالحديث غير مازجين لمذهبه بشيء من الكلام، وليس في الغرب مذهبان فيجري فيهما خلاف، ولا ينسب إلى هذا المذهب شيء من البدع فيما علمت.
الثاني؛ أنه أراد بذكر الغرب أنه ثغر يتاخم المشركين مثل قسطنطينة وغيرها، والجهاد فيه لا (١١٨/ ب) يزال متصلا، فأخبر - ﷺ - أن كلمة الإسلام لا تزال في ذلك الثغر ظاهرة إلى أن يأتي أمر الله ﷿، وإذا كانت الكلمة في الثغر في ذلك الثغر ظاهرة إلى أن يأتي أمر الله ﷿، وإذا كانت الكلمة في الثغر ظاهرة فهي فيما وراءه الثغر إلى ناحية بلاد الإسلام أظهر وأظهر.
والثالث؛ أن ما تسير الشمس فيه من وقت طلوعها إلى حين زوالها لا يمتنع أن يسمى مشرقًا، كما أن ما تنحدر فيه من وقت زوالها إلى أن تغرب لا يمتنع أن يسمى مغربًا، وصارت الأرض كلها بهذه القسمة مشرقًا ومغربًا.
فإذا نظرنا إلى الأرض على هذه القسمة من حيث الأقاليم فإن ما يرجع إلى المشرق كلهم لسانهم أعجمي، وما يرجع إلى المغرب كلهم لسانهم عربي، فتكون الإشارة بذكر المغرب إلى أن العرب ينصرون فوعد بظهورهم بالحجة
[ ١ / ٣٦٣ ]
والغلبة؛ لأنهم يعرفون القرآن بجبلتهم، وأولئك- أعني الأعاجم- لا يعرفونه إلا بواسطة تعبر لهم عنه.
-٢١٩ -
الحديث السابع عشر:
[عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج؟ فقال: فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعرش، يعني بيوت مكة.
وفي رواية يحيى بن سعيد: يعني معاوية].
* في هذا الحديث من الفقه ذكر تقدم إسلام سعد على إسلام معاوية؛ ولا خلاف في أنه أفضل منه لأنه قطع له بالجنة ﵄.
* وقوله: (وهذا كافر بالعرش)، أي كان حينئذ كافر ًا، وأراد: إني أقدم وأعرف بما كان. والعرش: بيوت مكة.
-٢٢٠ -
[عن سعد قال: كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: أطرد هؤلاء لا يجتروون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿:
[ ١ / ٣٦٤ ]
﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾]
* فيه من الفقه النهي عن طرد كل طالب للعلم (١١٨/ ب) ولا يسوغ طردهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على كرامة هؤلاء النفر الستة، ومن لم يذكر اسم في هذا الحديث فقد ذكر في حديث آخر وهم: سعد، وابن مسعود، وبلال، وصهيب، وعمار، والمقداد، فإن الآية الكريمة قد شهدت لهم: ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾، وفي هذا دليل على أنهم كانوا من أهل محبة الله ﷿ لقصدهم وجهه سبحانه، وذلك أن أطيب الزمان وألذه هو الغدوات والعشيات فإذا طاب لهم زمانهم تمنوا أن يقطعوه بذكر ربهم سبحانه، وقد قالت الشعراء في هذا المعنى الأقوال التي يذكر بعضها ليستدل به على المقصود.
كقول بعضهم:
أحبك أطراف النهار بشاشة ..
وقول الآخر:
أجد لنا طيب المكان وحسنة مني .. فتمنينا .. فكنت الأمانيا
وقوله تعالى: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾، فإن معناه غامض شريف، وذلك أنه قال: (ما عليك من حسابهم﴾، فجعل الحساب لهم لا عليهم، وقال: ﴿وما من حسابك عليهم من شيء﴾ وكفى بهذا شرفًا لمن يتدبره.
[ ١ / ٣٦٥ ]
٩